دخولتسجيل الدخول

الدرس 4 - قال العَيِي: الآية {فبأي آلاء ربكما تكذبان} بعد عبارات العذاب والوعيد غير ملائمة لعدم وجود الآلاء!

أبو قيس محمد رشيدالأستاذ أبو قيس محمد رشيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

«وذر الدنيا للأخس، واعبد ربك في النهار والليل التائق للعلي العظيم».

سنبدأ الآن في الروضة بتاعتنا، والروضة دي هنعود فيها -كما قلنا- لعدد من الإشكالات البلاغية الموجودة في القرآن، هنبين ليه هي مشكلة، وهنقول الردود اللي ممكن تكون موجودة عند المسلمين عليها، وسنكون متواضعين ونرد على هذه الردود أيضًا.

أول حاجة عندنا في سورة الرحمن: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. هذه الآية تكررت في سورة الرحمن أكثر من ثلاثين مرة، وبعيدًا عن فكرة أنها تكررت في السورة -فليس هناك مشكلة في التكرار- لكن المشكلة هي تكرار هذه الآية في مواضع غير مناسبة.

فمثلاً عندما يقول: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾؛ أنت هنا بتهدد الإنس والجن، وبعيدًا عن كيفية تفريغ الإله للثقلين، فالمقام هنا مقام تهديد، فهل من اللائق في مقام التهديد هذا أن تقول: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾؟ الحقيقة لا، لأنك لم تذكر هنا شيئًا من النعم، بل أنت بتهددهم.

ثم يقول بعدها: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنتَصِرَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. ما هي الآلاء هنا؟ ما هي النعم؟ أنت تقول يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران، ثم تقول بعدها: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾!

وكذلك عندما يقول: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ * يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. كيف جاءت الآلاء والنعم بعد ذكر العذاب؟ ما الذي أتى بالآلاء بعد ذكر العذاب؟ هو عمال يكرر الآية في مواضع لا تحتلها؛ فإذا ذكرت النعم مثل: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ الْبَيَانَ * الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ وما إلى ذلك، نعديها لك حتى لو كررها كذا مرة، لكن أن تكررها في مواضع التهديد ومواضع العذاب وتقول: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، فهذا هو الإشكال.

والأمر المضحك أنك في التفسير، مثلاً عندما تفتح «التحرير والتنوير» للطاهر بن عاشور، ستجده يقول إن هذه الآية إذا ذُكرت بعد النعم، فهي لتقريعهم على تكذيبهم لهذه النعم المذكورة. طيب، وعندما يذكرها بعد العذاب، مثل قوله: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنتَصِرَانِ﴾، يقول لك: لا، هي ليس لها علاقة بما قبلها من العذاب.

كيف لا تتعلق بما قبلها؟ أنا قلت كلامًا في سياق معين، ثم ذهبت إلى سياق آخر مختلف، هل هذا كلام مترابط؟ المفروض أن يكون هناك مناسبة للذكر. هذا الإشكال في سورة الرحمن، أنا شخصيًا لم أجد له ردًا عند الطاهر بن عاشور في «التحرير والتنوير»، ولا في «الكشاف» للزمخشري، فلم أجد تعليلًا لهذا الذكر في مواضع لا علاقة لها بالنعم أصلاً.

سأعيد ما سمعتموه، فالبعض يشتكي لي بأن المشرفين يحذفون كل شيء، ولكن المشرفين يحذفون الإساءات فقط، وليس الكلمات العادية. سأعيد ما كتبته لأجل من لا يفهم اللهجة المصرية أو لم يسمع جيدًا.

يقول الإشكال الأول في سورة الرحمن، في قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، بعيدًا عن تكرارها في السورة، المشكلة هي مجيئها في مواضع غير مناسبة. مثل قوله: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، وهذا تهديد للإنس والجن، فهل من اللائق في مقام التهديد أن تقول: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾؟ وكذلك قوله: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنتَصِرَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، فأين النعم هنا؟ وكذلك قوله: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ * يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، كيف أتى بالآلاء بعد ذكر العذاب؟

ثم يقول إن صاحب «التحرير والتنوير» الطاهر بن عاشور يقول إن الآية إذا ذُكرت بعد النعم فهي تقريع، أما بعد العذاب فهي غير متعلقة بما قبلها. ويقول هذا الإشكال «عيٌّ»، والأمر المضحك أن صاحب التحرير والتنوير يقول إنها غير متعلقة بما قبلها، وكيف لا تتعلق بما قبلها؟ أنا قلت كلامًا في سياق، ثم قلت كلامًا في سياق آخر مختلف، هذا ليس كلامًا مترابطًا، ينبغي أن تكون هناك مناسبة للذكر. ثم يقول إن هذا الإشكال لم يجد عليه ردًا، فقد بحث في «التحرير والتنوير» و«الكشاف» للزمخشري ولم يجد تعليلًا له.

هذا كلام إنسان لا يعرف ما يعرف بمواقع الألفاظ في مجال المعاني، وتوخي معاني النحو والألفاظ بحسب ما يؤم من الأغراض؛ وهو الذي كان يعرف عند الجاهليين ومن بعدهم بـ «إسر الكلام»، وكان عندهم شيء يعرف بالآسر، والآسر هو الجسم والبناء والانشداد، حتى كانوا يثنون على القصيدة بأنها شديدة الآسر، ويقدحون في قصيدة بأنها ضعيفة الآسر، فيقولون: فلان أشد آسرًا بكلامه من فلان.

هذا الإنسان، حتى تفهموا القضية وحتى لا تخيل عليكم مثل هذه الخزعبلات والكلالة العقلية، هو لا يعرف مبدأ أو نظرية النظم، التي عبر عنها الجرجاني بمواقع الألفاظ في مجال المعاني، أو توخي معاني النحو والمفردات بحسب ما يؤم من الأغراض، وهذه عبارة عبد القاهر الجرجاني أيضًا، وهذا ما كان يعرف عند القدماء بآسر الكلام، ويمكن أن تجد معناه في دراسات اللسانيين المعاصرين بما يعرف بـ «النصية».

هذا الشخص ليس إنسانًا عالمًا في القديم ولا في الحديث، بل هو إنسان عامي كليل الذهن جدًا. مفهوم النصية -أيها الإخوة- وهو ما ستعرض له الآن إن شاء الله، هو يسأل هنا عن ماذا؟ يسأل عن العلاقة بين العبارات، يقول: أنا في سياق، أريد علاقة بين العبارات.

ثم لا يذكر إلا صورة واحدة ابتدائية من هذه العلاقة، فغاب عنه قضية نصية الكلام ومعنى نصية الكلام؛ أي النظر إلى النص على أنه حدث قولي. نحن حينما ندرس نصًا ما، ما الذي يجعلني أدرسه على أنه نص واحد؟ الذي يجعلني أدرس نصًا واحدًا ما يعرف بعناصر النصية.

عناصر النصية، أيها الإخوة، تقوم على نوعين من النسبة: النوع الأول يعرف بالنسبة الإسنادية، والنوع الثاني يعرف بالعلق التناسبية. وهذه مصطلحات تدور بين النحاة ونقاد الكلام، أو بين طائفة من نقاد الكلام. قضية النسب الإسنادية اصطلاح نحوي بالمقام الأول، وقضية العلق التناسبية هذا اصطلاح نقدي بالمقام الأول. واستعمل كليهما القرطجني؛ لأنه نحوي ناقد كذلك.

نصية النص أو مفهوم النصية يقوم على نوعين من النسبة: النسبة الإسنادية والعلق التناسبية. النسبة الإسنادية تعني الإسناد النحوي التركيبي في أي لغة كانت، بحيث تكون المفردات المفرقة تركيبًا مفيدًا. هناك صور في نحو كل لغة ينتسب بها اللفظ إلى اللفظ، أو يسند بها اللفظ إلى اللفظ تسمى النسب الإسنادية.

وأما العلق التناسبية فهي التي يعنى فيها بعلاقات جمل المعاني، جملة المعنى. مثلاً لما تقول في التشبيه -راجع البث يا إخوة- في الكناية، تنظر في العلاقة بين ما كنيت به وما كنيت عنه. لو قلت الآن -وطبعًا أنا أشرح هذا للناس حتى تفهم العلاقتين- لو قلت لأحد: «زيد كالأسد» أو «كان زيدًا الأسد»، ننظر في هذه العبارة من الجهتين: من جهة النسب الإسنادية ومن جهة العلق التناسبية.

الجهة الإسنادية أن تقول: «كان»، وصفها كذا وكذا، وهي أداة التشبيه، و«زيدًا» اسم «كان»، و«الأسد» خبر «كان». هذا الإعراب النحوي؛ أسندت زيدًا إلى «كان» أداة التشبيه، «كان» هذا الذي ينصب اسمه ويرفع خبره، فكان زيدًا الأسد، وزيدًا اسم «كان» منصوب والأسد خبر «كان» مرفوع. هذه النسب الإسنادية، وبها يصير الكلام كلامًا إذا أفاد.

وأما إذا نظرت إلى العلاقة بين الأسد وبين زيد حتى تقول «كان زيدًا الأسد»، فهذه تسمى العلق التناسبية، والعلقة التناسبية هنا هي الشبه؛ الشبه خلاص. وتحت العلق التناسبية تدرس ما لا يتناهى من علاقات المعاني، ومن ذلك الحكم والأمثال.

لما مثلاً أبو فراس الحمداني يقول: جَنْبُ العادةِ ما عرفتها ... شديدٌ على الإنسانِ ما لم يعوّدهِ

لما تدرس العلق التناسبية والنسب الإسنادية، تقول في النسب الإسنادية: العبارة الثانية عبارة مستأنفة لا موقع لها من الإعراب في سياق الكلام، حتى لما تقول هذا كلام جديد مستأنف لا علقة له بالكلام الأول أو لا موقع له من الإعراب، هذا وصف نحوي.

لكن لما تقول ما علاقة «شديد على الإنسان ما لم يعوده» وتأتي بها دليلاً وبرهانًا وقاعدة مماثلة تندرج تحتها، هنا تبحث عن العلق التناسبية. فالمعنى الأول يقول: «جنب عادة ما عرفتها»، ثم تقول: «شديد على الإنسان ما لم يعوده»، تقدمها علة للمعنى التخيلي، تقدمها علة إقناعية للمعنى التخيلي. ومن ذلك قامت الأبيات التي تقوم على مبدأ التحجّل، ويدخل في ذلك الاستعارة، والكناية، وكل باب الإشارة، والمجاز؛ كل هذا يدرس تحت العلق التناسبية.

إذن، العلق التناسبية إذا عندنا تتحقق نصية الكلام عن طريق النسب الإسنادية النحوية، والعلق التناسبية التي ينظر فيها إلى علاقات جمل المعاني، أي محصول المعنى، المعنى المجرد، جملة المعاني التجريدية بحسب علاقة المعنى بالمعنى في الشعر. هذان الركنان تقوم بهما نصية أي نص حتى يكون نصًا، فإذا انفصلت هذه العلاقات، سواء النسب الإسنادية أو العلق التناسبية، فسدت نصية النص ولم يصر نصًا واحدًا.

فإذا رجعنا بعد هذا التنظير إلى باب التكرار اللفظي على الخصوص، ستظهر جليًا قاعدة النصية، وتتجلى حقيقة ما ينص عليه العلماء في التكرار اللفظي في فقه اللغة؛ أنه في حقيقته كالترادف، لا يكون ترادفًا من كل وجه. ما معنى هذا؟

يعني مثلاً لما تتعدد الأسماء على المسمى الواحد، هذا الذي نسميه السيف: تلك الحديدة المسقولة المقدودة، التي حُدّت في شفرتها وجعل لها مقبض ولها قائم ولها ظبا ولها نصل وعلو وسفل ولها ظهر يسقلها ويدعمها، هذا الذي يسمى السيف. العرب تطلق عليه كذلك الهندواني، وتطلق عليه الأبيض، وتطلق عليه الحسام.

فالعلماء يفرقون بين جهتين من الدلالة: جهة يمكن أن تسمى المعنى، أو المعنى التجريدي، أو المعنى المحصول أو المحصل أو أصل المعنى، وجهة أخرى تسمى الغرض، وسيأتي تمييز هذا الاصطلاح في صريح كلام عبد القاهر. استمعوا جيدًا لأنه سيتبين لكم حقيقة كل هذا.

لماذا نقول لغة العرب ثرّة بالبيان؟ لأنك ربما تصف السيف وتنتقي له اسمًا، هذا الاسم وإن جعل علمًا على هذه الحديدة، يعني جعلت هذه الأسماء أعلامًا على شيء واحد، ففي الحقيقة هذه الأسماء جاءت من أصول صفات لهذه الحديدة. فالهندواني لأن العرب كانت تستورد أجود السيوف من الهند، والحسام لأنه أخذ من معنى الحسم وهو القطع فهو حسام.

يمكنك أن تعدد مواقع الاستعمالات في الشعر؛ ليس كل موضع تقول فيه الهندواني، وليس كل موضع تقول فيه الحسام، وليس كل موضع تقول فيه الصارم، وليس كل موضع تقول فيه العضب؛ لأنهم قالوا لا يوجد ترادف على الحقيقة من كل وجه، على الأقل هذه المترادفات جاءت من أصول صفات مختلفة.

مثلاً في دالية طرفة بن العبد، ماذا قال لما وصف سيفه؟ قال: حُسامٌ إذا ما قُمتَ مُنتَصِراً بهِ ... كَفَى العَودَ منهُ البَدرُ لَيسَ بِمُعضِدِ

لاحظ «حسام»، لم يقل «سيف»، لماذا لم يقل «سيف»؟ هو قال «حسام» بمعنى الحسم والقطع، لأنه سيقول بعد ذلك: «إذا ما قمت منتصرًا به كفى العود منه البدء»، «العود» مفعول مقدم و«البدء» فاعل مؤخر، يعني البدء كفى العود؛ بمجرد أن أضرب به كفى، لا يحتاج إلى إعاده، إذا بدأت الضرب لا أحتاج إلى إعاده، كفى البدء العود منه لأنه حسام. وعنترة لما أراد أن يصفه، أن يصور الدم الذي ينزل على السيوف المسقولة.

جيدة الصنع التي ضربته، ماذا قال؟ قال: «ولقد ذكرتك والرماح نواهل مني وبيض الهند تقطر من دمي». لماذا قال: «بيض الهند تقطر من دمي»؟ لأنه أراد أن يبين حمرة الدم عن بياض السيوف، ويصور كونها تسيل، يصور سالان الحمرة على البياض مع ظهور هذا التباين. وقال: «بيض الهند» كذلك إشارة إلى أنها قطعت فيه من الضربة الأولى، إنها مزقت، ضرب بأجود سيوف الهند التي أعدت له.

وهكذا فلا يوجد في الحقيقة ترادف من كل وجه، فالترادف لا يتحقق إلا في المعنى التجريدي، أما الغرض فلا يتحقق فيه الترادف، لكنه تأسيس؛ تؤسس لمعنى يتعلق باللفظة في أصلها، زائده على أصل المدلول عليه الذي يمكن أن يترادف مع ألفاظ أخرى أو مع مفردات أخرى.

تعالوا قبل أن نخوض أكثر في التفصيل في هذه المسألة، وبما أننا نكلم الجمهور، وقبل أن نقرأ سورة الرحمن كاملة، وكما قلت بما أننا نكلم الجمهور وله حق علينا أن يفهم عمليًا أكثر من نظريًا، وأن يرى هذه الوجوه البيانية فيما حوله من الكلام، أقول: دعونا نمثل بمثال محكي أو بكلام محكي. الكلام المحكي يعني الذي يتداول، وهو كل ما كان دون الكلام البياني الرفيع، الكلام المحكي يعني كلام من كلام الناس.

الرجل الذي أو الأب الذي لمس من ابنه عقوقًا فقال له: حميتك وكبرتك، فأي أفضال أبيك تنكر؟ أطعمتك ورعيتك، فأي أفضال أبيك تنكر؟ كسوتك وسترتك، فأي أفضال أبيك تنكر؟ آويتك وحفظتك، فأي أفضال أبيك تنكر؟ ثم علمتك وقومتك، فأي أفضال أبيك تنكر؟ وقدمتك على نفسي، فأي أفضال أبيك تنكر؟ وإني لقادر على طردك، فأي أفضال أبيك تنكر؟ وعلى حرمانك ومنعك، فأي أفضال أبيك تنكر، فتشقى وتذل، فأي أفضال أبيك تنكر؟ وتدور على الناس فتمتهن، فأي أفضال أبيك تنكر؟

مرة أخرى نستمع إلى هذا النص، وهو نص محكي من كلام الناس، يصح أن يكون في باب العتاب، في باب الخطابة، في باب النواح: حميتك وكبرتك، فأي أفضال أبيك تنكر؟ أطعمتك ورعيتك، فأي أفضال أبيك تنكر؟ كسوتك وسترتك، فأي أفضال أبيك تنكر؟ آويتك وحفظتك، فأي أفضال أبيك تنكر؟ ثم علمتك وقومتك، فأي أفضال أبيك تنكر؟ وقدمتك على نفسي، فأي أفضال أبيك تنكر؟ وإني لقادر على طردك أي عقوبة على الكفران، فأي أفضال أبيك تنكر؟ وعلى حرمانك ومنعك، فأي أفضال أبيك تنكر؟ فتشقى وتذل، فأي أفضال أبيك تنكر؟ وتدور على الناس فتمتهن، فأي أفضال أبيك تنكر؟

سنلاحظ هنا ارتباط العبارة الأولى «فأي أفضال أبيك تنكر» التي ستتكرر، أنها ارتبطت في الأول بالنعم، باشرت قضية النعم، ثم ارتبطت بالنعمة عن طريق ذكر العقوبة التي تؤول بدورها إلى التذكير بشكر الأفضال، فيحصل هنا ما يعرف بالتأسيس، وليس التكرار المحض. لا يكون تكرارًا محضًا أيها الإخوة؛ مبدأ العلقة التناسبية وليس النسب الإسنادية هو الذي قام عليه قاعدة عدة التكرار اللفظي على الخصوص. هو الذي قامت عليه قاعدة التكرار اللفظي؛ لما قالوا التكرار يكون فيه تكرار للمعنى وتكون فيه إفادة لمعنى جديد، يعني فيه حقيقة التأسيس للمعنى الجديد وليس إعادة لعين المعنى وإن كان عين المعنى في نفسه.

هذا هو أيها الإخوة؛ العبارة المكررة ينظر إليها في مفهوم النصية من حيث النسبتين، وركزوا في الكلام جيدًا، ينظر إليها من حيث النسبتين: النسبة الإسنادية والعلقة التناسبية. كيف أنت ستأتي إلى العبارة المكررة؟ ستنظر إليها أولًا من جهة النسبة الإسنادية التي يتحقق بها ما يعرف في اللسانيات المعاصرة بالسبك، والسبك هو التعلق اللغوي كما يعرفه اللسانيون المعاصرون، السبك هو التعلق اللغوي ليس الحبك.

أما العلقة التناسبية فهي علاقات جملة المعاني كما يأتي في الصورة البيانية، ويأتي في علاقات العبارات المستأنفة، وكما يأتي في كل علاقات النص التي ترتبط بما يعرف بالحبك. فعندنا في الدراسات اللسانية الحديثة ما يعرف بالسبك وما يعرف بالحبك، فأنت إذا جئت إلى الجملة المكررة وجدت لها شقين من الدلالة: شق هو الدلالة في المعنى المحض التجريبي الذي هو المعنى الذي تتقاطع فيه كافة الصيغ، وهذا الذي يسميه عبد القاهر بالمعنى، وشق آخر هو الشق الذي يتعلق بكيفيات وخصائص معينة في نص بعينه، وهذا الذي يسمى بالغرض.

ولذلك فرق بينهما عبد القاهر تصريحًا، اسمع إلى هذه العبارة من عبد القاهر في كتابه «دلائل الإعجاز»، هذا كتاب دلائل الإعجاز، عبد القاهر مؤسس نظرية النقد البلاغي النصي، تعالى في صفحة ٣٣٩ أورد كلام بعض العلماء، اسمعوا، أورد عبد القاهر كلام بعض العلماء في بعض الآيات، ممن لم يحسن الكلام، فقال: «وهذا المعنى وإن كان قد جاء في التنزيل في غير هذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾، فليس هو الغرض في الآية».

فانظر كيف فرق بين المعنى والغرض، فأثبت حصول المعنى ونفى أن يكون الغرض. قال: هذا هو المعنى الذي ذكروه لكن ليس الغرض. إذًا فرق عبد القاهر بين المعنى وبين الغرض؛ المعنى هو ذات المعنى من حيث نفسه، إذا وقع بأي آية كانت، وبأي لغة كانت، وهو المسمى في اصطلاح النقاد المعنى أو محصول المعنى أو محض المعنى أو أصل المعنى، وهذه كلها مصطلحات استعملها البلاغيون وفي أولهم عبد القاهر الجرجاني مؤسس النظرية البلاغية.

ثم هناك الغرض الذي يسمى عند المعاصرين بالمعنى الصياغي أو المعنى الفني. وغرض العبارة المكررة يحصل في كل موقع بحسب موقعها وبحسب مؤداها من العلقة التناسبية. مرة أخرى، أنت لما تدرس عبارة ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ أو في عبارة الرجل في اللغة المحكية «فأي أفضال أبيك تنكر»، أنت يمكنك أن تدرس «فأي أفضال أبيك تنكر» أو ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ دراسة نحوية؛ ستنظر إلى الفاء أو تنظر إلى أي حرف، أو تنظر إلى العبارة كانت ما كانت، وتنظر إلى موقع الجملة من حيث كونها مفردة في المحل الإعرابي وتقول هذه الجملة في محل كذا، وتعطيها حكمًا لا يظهر أثره الإعرابي من حركة أو سكون، تقول هذه في محل رفع، هذه في محل نصب، هذه في محل خفض؛ إذا كانت مفردة فهذا إعراب الجمل، حتى لو قلت هذه مستأنفة فهذا أيضًا داخل في بيانها من حيث السبك ومن حيث الصفة النحوية كما قالوا في «واو ربه».

النحاة شرحوا هذا، وقالوا: "واو" أصلها واو الابتداء، سميت بواو الابتداء لماذا؟ لأن ما بعد الواو مخفوض بـ "رب" المحذوفة؛ فأنت إذا نظرت ربما ووجدت ما بعد الواو مخفوضاً، حسبت أن الواو عاطفة، فتبحث عن شيء مخفوض قبل الواو، والواو عطفت ما بعدها عليه فأشركته في الحكم الإعرابي. فهم ينبهونك إلى أن هذه الواو هي واو "رب" المحذوفة؛ لتنتبه إلى أن الكسرة التي على الكلمة التي بعد الواو ليست لأن الواو ألحقتها بشيء قبل ذلك، لكن هذه الواو هي واو الابتداء.

خلاص، هكذا قالوا، وحرر ذلك بعض النحاة، وراجعوا في ذلك كتاب الجنداني في "حروف المعاني للمراد". فغرض العبارة الحاصل بمواقع الكلمات ومواقع العبارة من جملة النص، باعتبار موقعها الإعرابي وباعتبار العلاقة التناسبية، هو الذي يجعل العبارة المكررة في كل اللغات ذات تأسيس جديد، وتؤدي إلى مؤدى لا يحصل في العبارة التي قبلها في موقع مختلف. وموقع العبارة هنا هو موقع العبارة من النص، بدأت القضية تتضح لكم الآن كما قلت لكم؛ أنا أشرح لكم موقع العبارة من النصية، من العلاقات التناسبية والنسب الإسنادية جميعاً.

ومن هنا تكلموا عن فائدة التكرار. فإذا رجعنا إلى العيي معنا الآن في نصه الذي يقوله، وجدناه يقف كالطفل البدائي عند الجملة الواحدة؛ لم يستطع معاملة سورة الرحمن على أنها نص، وبالتالي لم يفهم كلام الطاهر بن عاشور. ترونه هنا وقف كالطفل البدائي عند الجملة، ولم يقدر على أن يتعامل مع النص على أنه نص في أي لغة كانت. وهذه الآن يا إخوة مشكلة عقل، ليست مشكلة لغة عربية على التخصيص؛ هذه الآن عنده مشكلة عقل. لماذا؟ لأن الذي يفسر بيتاً من الشعر، كيف يفسره؟ الذي يفسر بيتاً في قصيدة كيف يفسره؟

عجبتني عبارة من محمود شاكر حقيقة جميلة في مجموع مقالاته؛ هذا محمود شاكر كان ينتقد بيتاً أو أبياتاً من قصيدة للعقاد، فقال عبارة جميلة، استمعوا إليه في الجزء الأول، الصفحة تسعة عشر في ترقيم مختلف من المقدمة. اسمع ماذا يقول محمود شاكر: «ولقد كنت أتعجب لبيت العقاد كيف نزل مع كل هذا الشعر، وكيف خفي عنه موضع التقييد، من مثل قول جرير كذا وكذا وقول مسلم كذا وشيئاً كذا إلى ما إلى ذلك». انظر، يقول في بيت العقاد ووجهته مع سائر القصيدة.

شوف عبقرية محمود شاكر في النقد، يقول: «ووجهته مع سائر القصيدة فلم يزل مختلاً ناقصاً معوجاً لا يستوي»، ثم يقول: «ولم أجد للفظ معنى ولا رأيت له وجهاً يتوجه مع مقاصد الغزل الفلسفي». وجه البيت مع القصيدة، يعني مثلاً أنت تقصد بذلك يا أبا قيس أن العبارة يمكن أن تحمل على غير معناها إذا خرجت من سياق القصيدة.

كثيراً ما كان يقال لي مثلاً: يا أبا قيس أقصر، يعني تخفف طريقتك في كذا وكذا ستهيج الفلانيين، سيؤذون نفسك؛ فكنت أقول: احلما احلما، فقبل اليوم كان أوانه. أمخشى فقبل اليوم أوعدت بالقتل؟ أقولها مفاخراً متحمساً. هذا البيت مستل من قصيدة لجميل بثينة، والبيت حزين، مستضعف، مسكين، وليس متحمساً: «لقد فرح الواشون أن صرمت حبلي.. بثينة أو أبدت لنا جانب البخل»، يقولون: مهلاً يا جميل، وإنني لأقسم مالي عن بثينة من مهلي، احلما! فقبل اليوم كان أوانه، أمخشى فقبل اليوم أوعدت بالقتل؟ يعني أتحلم عن حبها؟ قبل اليوم كان أوانه قبل أن يتمكن الحب أم أخشى القتل؟ فقبل اليوم أوعدت بالقتل، يعني ولم أخف الداء متمكناً. أنا ماذا فعلت؟ خلعت البيت فلم يظهر أنه في الاستضعاف والحبيبة والحزن على من تمكن الحب منه.

«لا أقصر يا أبا قيس احلما»، أتعقل معهم؟ فقبل اليوم كان أوانه، أمخشى فقبل اليوم أوعدت بالقتل؟ وقع البيت من مكانه، انفصل البيت من مكانه فدخل في سياق آخر، صار حراً في السياقات. كذلك لما بعض العلماء فصل أبياتاً أو فصلاً بيتاً لطرف بن العبد، فظن أنه يتضرع في ضاديته لما قال: «أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا.. حنانيك بعض الشر أهون من بعض»؛ فحمل البيت على أنه يتضرع، وإذا رجعت إليه، يعني يتوسل إليه ويتمسكن حتى يتركه، وإذا رجعت إلى القصيدة وقع البيت موقع التهكم: «أبا منذر كانت غرور صُحفتي.. ولم أعطكم بالطوع مالي ولا عرضي»، «أبا منذر رمت الوفاء فهبته»، ثم: «أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا.. حنانيك بعض الشر أهون من بعض».

يقولون ترى الناس أفواجاً إلى باب داره كذا، أتقال: أبيت اللعن واللعن حظه، وسوف أبيت الخير تعرف بالحظ وتغلبك الغلباء، إلى آخره؛ فكان يتهكم. فالبيت لما فصل فُهم تضرعاً، وهو في السياق يُفهم تهكماً. من التضرع إلى التهكم، هذا لأجل أن البيت ينظر إليه من حيث كونه وحده في نص، والنصية فيها العلاقات التناسبية والنسب الإسنادية.

تعالوا الآن نقرأ سورة الرحمن بعد هذا التنظير، تعالوا نقرأ سورة الرحمن التي لم يستطع الإنسان العيي أن يفهم ما الذي يراد منها، ولماذا ذكر هذه الآيات بعد هذه الآيات وهكذا. أنا يا إخوة أقرأ معكم من مصحف المدينة القديم، يختلف عن الجديد بسبب اختلاف الخط، الجديد بصفحة واحدة، لكن هذا المصحف القديم الذي حفظ عليه أكثر الناس، صفحة 531 سورة الرحمن.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم. ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ * الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ * وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ * وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ * وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾.

بدأ التأسيس هنا للآية التي تتكرر، بدأ التأسيس للآية التي تتكرر ولكن تأسيس بماذا؟ بمباشرة النعمة. اسمع: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾. وضعها للأنام، ووضعها هذه من جوامع الكلم؛ "وضعها للأنام" كل ما في الأرض استخراجه من الآن إلى يوم الدين في تخويل الأرض ووضعها للأنام. ﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ * وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ﴾. وأنا في كتابي "دفاع عن القرآن" رداً على الأعجم الطمطم الأول رشيد حمادي، كان يعترض يقول: ماذا ذكر هذه بعينها وكذا؟ وأنا أجبت هناك أن هذه إشارات وكنايات لا تقف عند حدها على حقيقتها، وإنما تتجاوز.

لأنها كنايات تتجاوز حقيقتها إلى لوازمها، وما أشارت إليه، والكناية أصلاً من باب الإشارة. راجعوا في ذلك كتابي "دفاعاً للقرآن"، فهذا مما لخصت فيه قضية الأنعام ووضع الأرض للأنـام.

﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ * فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ * وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: 10-13]. هذه أول "فبأي آلاء ربكما تكذبان". وبالمناسبة، تقريبًا خذوا عندكم هذه الوحيدة التي أخلصت فيها المواضع للنعمة أصلاً، تعالوا معًا سنقرأ.

﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ * وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ [الرحمن: 14-15]. انظروا من صدر السورة، صار الكلام إلى التذكير بالوسيط وإلى مباشرة بالوسيط وإلى غير مباشرة بالنعمة. ولم ينتبه طبعاً إلا الباحث بسبب قصر عقله؛ هو ربما حمل "خلق الإنسان من صلصال كالفخار وخلق الجان من مارج من نار" على أنها النعمة، وأنا ظني أنه حملها على أنها النعمة، لا؛ هذا بيان للقدرة، وبيان للتنويع، وبيان لمن يحدثهم الله تعالى.

﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ سواء كان أراد العدد الكثير أو أراد الجن أو الإنس كما في بعض التفاسير، أو فروع من التفاسير، أفراد من المفسر: "خلق الإنسان من صلصال كالفخار وخلق الجان من مارج من نار" هذا ليس إنعاماً، هذا في بيان إعجاز الخلق والقدرة والتحكم والاختيار والجبروت، ويفعل ما يفعل ولا يسأل.

خلق الإنسان من صلصال كالفخار؛ أنت أيها الإنسان، يا من تكذب بالنعم، نعمة يا من وضع الله الأرض لك وجعل لك فيها الفاكهة والنخل ذات الأكمام والحب ذو العصف والريحان. لماذا؟ من أنت؟ "خلق الإنسان من صلصال كالفخار وخلق الجان من مارج من نار فبأي آلاء ربكما تكذبان؟" تكذبان!

﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ * فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامُ * وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ * وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾.

﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. هذا ليس صريحاً في الأنعام، هذا يردك إلى شكر المنعم من الأول؛ من أنت حتى تكذب رب المشرقين ورب المغربين؟ اختلفت العلاقة التناسبية.

﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. خذ عندك، حتى هذا ليس صريحاً في الأنعام، وإنما هو ردك للإنعام؛ للإنعام الحصري المجمل الذي هو من جوامع الكلم، الأنعام الجامع في قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾ فبأي آلاء ربكما تكذبان. هل يقطع يا إخوة أم يعمل بعض الإخوة؟ قال: يقطع عنده. يعمل، اسمع اسمع.

﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ * فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامُ * وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ * وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾.

يعني "وله الجواري"، وقدم الخبر، اسمع قدم الخبر؛ يعني الجواري، الجواري والجواري المنشآت في البحر كالأعلام له. فيقول لك: "وله"؛ يعني مهما حسبت أنك أحسنت في الأرض وصنعت السفن ومخرت بها في الماء، وله هذه الجواري إذا فسرت بالفلك والسفن.

بقى ليس عن طريق ذكر النعمة الذي لم يفهمه غير الكليل، وإنما عن طريق... لا أقول... وأذكر لا أقول الكليل، أغاظه هذا، وهذا واقع الباحث، أحاول أقول الباحث، لا ليس كما قال الباحث، مش ماشية، والله ليس كما قال المعترض؛ العيُّ مش هتمشي، مش تمشي غير كده، والله معلش مش هتمشي غير كده، ليس كما قال المعترض العييّ. ما هو وصف القرآن بخزعبلات وتخريف وضعف بلاغة، أنا أصفه... حق مكفول. العييُّ الذي لا يكاد يستبين أو يتبين لم يستطع إلا أن يفهم: "فبأي آلاء ربكما تكذبان" أنها العبارة التي قبلها تكون لا بد تكون نعمة؛ العلاقة التناسبية عنده وقفت عند مباشرة النعمة.

انظر: "أويتك وحفظتك فآي أفضال أبيك تنكر؟ ثم علمتك وقومتك فآي أفضال أبيك تنكر؟ وقدمتك على نفسي فآي أفضال أبيك تنكر؟ وإني لقادر على طردك فآي أفضال أبيك تنكر؟ وعلى حرمانك ومنعك فآي أفضال أبيك تنكر؟ فتشقى وتذل فآي أفضلك تنكر وتدور على الناس فتمتهن فآي أفضلك تنكر؟".

﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾. أيضاً هذا أقرب إلى إظهار القدرة والجلالة والعظمة في الخلق، فبأي آلاء ربكما تكذبان.

﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. العبارة تشدك إلى التنبيه على الشكر الأول، وبهذا التكرار وبالنظر إلى العلاقة التناسبية بعد النسبة الإسنادية تدرك الإضافة التي أضافتها كل آية نصت على "فبأي آلاء ربكما تكذبان"؛ نصت عليها عن طريق ماذا؟ عن طريق مواقع العبارات في مجال المعاني بحسب ما يؤم من الأغراض. مواقع العبارات في مجال المعاني بحسب ما يؤم من الأغراض، فهناك المعنى وهناك الغرض كما رأينا في كلام عبد القاهر.

﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالْدِهَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾.

ذكر النعمة تأسس في أول مقطع الكلام فقط؛ ركزوا ذكر النعمة كان تأسيس الكلام فقط، بعد ذلك كل الكلام جاء في الإحالة على النعمة بواسطة؛ جاء إلى التذكير الأول بواسطة لأن هذا نص واحد وهذه النصية التي تتحقق بالنسب الإسنادية والعلق التناسبية.

﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. انظر، صارت حدًّا لقدرات أو لقدر المكذبين؛ يعني إن كنتم يا من تكذبون بالنعم، وأننا الذين وضعنا لكم الأرض وجعلناها للأنام، هل عندكم القدرة التي خولت لكم هذا التكذيب؟ هذه العلاقة التناسبية يا إخوة، البرهنة وإقامة الدليل.

«تنفذون إلا بسلطان»، ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. أأنتم قادرون على ذلك؟ هذا هو ليردهم إلى الشكر، بنفس العبارة بتوسط البراهين؛ بتوسط علاقة تناسبية هي البرهنة والاستدلال على عدم استحقاقهم وجدارتهم بالتكذيب يا معشر الجن والإنس. وإني لقادر على حرمانك ومنعك، فأي إفضال أبيك تنكر فتشقى وتذل؟ فأي إفضال أبيك تنكر؟ ممكن نضيف: أفأنت قادر على أن تقوم بنفسك دوني؟ فأي إفضال أبيك تنكر؟

أين العلاقة؟ لا أفهم الكلام، غير متناسب. الباحث المبجل عقله لا يتجاوز عبارتين، مستحيل يوجه بيتا في قصيدة، أو آية في سورة، أو مقطعا في خطبة بتوجه النص؛ هذا الإنسان عقله صفر من مفهوم النصية، فضلا عن نص يطيل النفس فيه. لماذا كانت القصيدة قصيدة لا قصائد ولا مقطعات؟ لماذا كانت السورة سورة لا آيات ولا مقطعات؟ لماذا كانت الخطبة خطبة لا عبارات مسجوعات؟

لمفهوم النصية، وهو مفهوم الحدث القولي المتصل الواحد الذي تربط بين عباراته، وإذا كان فصولا وموضوعات تربط بين فصوله ما يعرف بالعلاقة التناسبية كما تكلم عنها فلاسفة النقاد ومن أشهرهم حازم القرطاجني. ﴿فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾.

انظر، «سنفرغ لكم أيها الثقلان» هذا جزاء تكذيب النعمة، وتأتي بعده العبارة ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ لتربطه بشكر النعمة، وهذا معنى كون التكرار تأسيسا على لغة البلاغيين تأسيسا في ذاته وحقيقته. ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾.

هذه جهنم، هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون، ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. خذ عندك؛ ما كان للعيي أن يعترض على هذه، لأن عقله الطفولي البدائي الصغير صور له أن قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ مرتبط ارتباطا مباشرا بقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾.

ولو أنكم نظرتم إلى نصية السورة وانشداد العبارة المكررة أكثر من ثلاثين مرة ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، تبين لكم أنه حتى قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ليس هو الآلاء التي تليها العبارة، بل هذا الجزاء الذي يقابل: «سنفرغ لكم أيها الثقلان»، وهذه جهنم التي يكذب بها المجرمون، ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾.

حتى قوله تعالى الذي نفاجئ به هذا العليل: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾، حتى هذا في سياق تراكب النص واتصاله، هو الجزاء الذي يقابل هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون، ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾، ثم ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾. يعني حتى هذا ليس من النعم التي تباشرها عبارة الآلاء؛ الجنتان لا ترى طبعا، هذا كتاب الله.

في الأخير لابد أن أذيل بقوله والله أعلم بكلامه، لكن هذه العربية وهذا بناء الصورة. ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾، الجنتان على الأقل بالأصالة ليستا داخلتين في الآلاء التي جاءت في العبارة بعدها، وإنما العبارة تشد هذا الإكرام إلى مبدأ التحذير المتصل، وربط ذلك بشكر النعمة في الأول. ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾ التي هي والآيتان بعدها من جوامع الكلم، وبينت هذا وشرحته تفصيلا ووفقت في ذلك بحمد الله في كتابي «دفاع عن القرآن».

فهذه ليست هي الآلاء، بل هي الجزاء الحسن الذي يقابل العقاب على التكذيب، العقاب السابق للكافرين بالنعمة؛ فهذا جزاء الشاكر على النعمة. ولهذا لم ينتبه هذا الإنسان، وأنا أقول له حتى هذه ليست من الآلاء. يلا يا سيدي تقول لا، لماذا «سنفرغ لكم هذه جهنم» حتى ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ التي ستحسبها أنت على عقلك البدائي ستحسبها هي الآلاء التي تباشرها العبارة؟ أقول لك لا، هذه مشدودة إلى الأول، وهذه مشدودة ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ بالمقابلة أو الطباق مع هذه الجهنم: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾. وما جاء وقع بالطباق أو المقابلة مع ما قبله، وأما ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ فتشدك بسابقاتها إلى النعمة الأولى التي هي تأسيس الكلام من الأول.

﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ * يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ * ذَوَاتَا أَفْنَانٍ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾.

هل اعتباطا شدة الصورة بهذه العبارة من أولها إلى آخرها؟ لا، لأن هذه العبارة على طريقة من النصية ولمح المعنى والعلاقة التناسبية، تشدك إلى أول السورة ما بقيت تكرار العبارة وبقي اتصال الكلام في العلاقة التناسبية، فظلت العبارة تؤسس معنى جديدا من علاقة تناسبية جديدة في كل مرة. ولهذا هذا معنى قول البلاغيين: «وكل تكرار في موضع إفادة جديدة وتأسيس في حقيقته وإن كان تكرارا في ظهر العبارة»، لأنهم يفرقون بين الغرض والمعنى.

﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. «هل جزاء الإحسان إلا الإحسان»؛ انظر، وهذه صريحة في سياق الجزاء، جزاء الإحسان بالإحسان، والإساءة بماذا؟ والإساءة جزاء الإحسان بالكفر؛ الإحسان على الشكر، وجزاء الإساءة على الكفر؛ الجزاء بالإحسان على الإحسان بالشكر، وجزاء الجزاء بالإساءة والعذاب على الإساءة بالكفر. «هل جزاء الإحسان إلا الإحسان»، فبأي آلاء ربكما تكذبان؟

العليل لم يقف إلا على هذه الجهنم: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا﴾، فبأي آلاء؟ «سنفرغ لكم أيها الثقلان»، فبأي آلاء؟ هو لم يفهم إلا هذا، الباقي لم يدرك فيه غالبا. «هل جزاء الإحسان إلا الإحسان»، فبأي آلاء ربكما تكذبان؟ ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * مُدْهَامَّتَانِ﴾. كل هذا العقل مشدود إلى وضع الأرض للأنام من الأول، وهذا كله عظة تشدك إلى الأول، وهذا هو أسر الكلام وأسر الصورة.

الآية لم تكرر بلفظها اعتباطا، وشدت السورة من أولها إلى آخرها، الذي لا يقول هذا لا يفهم، ما معنى دراسة الشعر والبيان والبلاغة يا إخوة؟ لتكون السورة وحدها مشدودة تحت أسر واحد، بناؤها متين. ما من كلمة في القرآن إلا مشدودة إلى صنوها ومشدودة في نصها، وكما قال ابن عطية في المحرر الوجيز: «لو أخذت لفظة واحدة من القرآن ودرت بها على لسان العرب...».

لكل لتجد لها بديلا في هذا الموقع لن تجد، دون هبوط الكلام وسطوطه لن تجد. طبعا هذا الكلام يضايقه، ولم أقصد مضايقته.

﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: 60]. ﴿فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ [الرحمن: 64]. ﴿فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ [الرحمن: 66]. ﴿فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: 68]. ﴿فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ [الرحمن: 70]. ﴿فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. ﴿حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ [الرحمن: 72]. ﴿فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: 74]. ﴿فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾ [الرحمن: 76]. ﴿فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: 78].

والذي لا يفهم دلالة تكرر عبارة طويلة بلفظها على نص من أوله إلى آخره فهو عليل العقل. أرجع يا مصطفى، كلمة الشيخ خالد لو سمحت، ولا تحذف الأشياء التي ليس فيها تشغيب ولا إساءة. عذرا يا شيخ خالد، على رأسي، أنا آسف لك، ولا تحذف شيء للشيخ خالد إطلاقا. ربما البعض -لا أحد من إخوان المشرفين يحذف شيئا للشيخ خالد الدبيخي إطلاقا يا إخوة لو سمحت- أعتذر إليك يا شيخ خالد معذرة. هم يخافون من التشغيب على الناس والحضور، لعلمنا ببعضهم يفعل هذا، فيحطون زيادة، يعني يحتاطون زيادة، فأعتذر إليك.

قبل أن أخرج من هذا، جميل يا شيخ خالد ربنا يرضى عليك وحبيبنا خالد ممدوح. قبل أن أخرج من هذا، تكلمنا عن فكرة المعنى. أنا عارف أنه أخونا الحبيب مصطفى، المهم خلينا يا إخوة فيما نحن فيه، تكلمنا عن فكرة المعنى والغرض، وربما أعرج سريعا على بيان هذه المسألة.

النقاد ونقاد الكلام والعلماء يفرقون بين نوعين من المعنى أيها الإخوة: المعنى الذي يباشر النص على كيفيات، والمعنى الذي يسمى بأصل المعنى، والمعنى المجرد، ومحصول المعنى الذي استعمله العيبي هنا بمعنى المضمون في آخر كلامي في مناقشة بعض الناس في غرفته. والمضمون بمعنى خلاصة الفكرة المجردة إذا جردت عن الفن والصيغة، وهذا التعبير صحيح. هو قال المضمون وكان كلامه صحيحا، حيث فرق بين المضمون لأنه قال التحدي في القرآن وقع للمضمون، أي للمعنى المجرد، لكن لم يستطع أن يزحزح عن كلمة المضمون لما استشكل عليه بعض المناقشين، لم يستطع أن يتخطى أن يشرح ما هو المضمون.

يقال: المعنى المجرد، ومحض المعنى، ومحصول المعنى، ويقال مطلق المعنى، ويقابله الغرض أو المعنى الصياغي. خذوا هذا المثال: قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ [الأنعام: 100]. ما إعرابها؟ الجن في الآخر، طبعا جعلوا -والجملة من الفعل والفاعل معروفة- الجن التي في الآخر مفعول به أول، والشركاء مفعول به ثان، ولله متعلق بالمفعول به الثاني. يعني أصل العبارة في العيار النحوي: «وجعلوا الجن شركاء لله».

إذن، «وجعلوا الجن شركاء لله» تشترك معها في هذا المعنى في «وجعلوا لله شركاء الجن»، والشركاء هنا مفعول به ثان مقدم، والجن مفعول به أول مؤخر، ولله متعلق بالمفعول به الثاني الذي هو شركاء، وقدم على المفعول به الثاني. ما كان في الآخر جاء في الأول، وما كان في الأول صار في الآخر، بالضبط بدون إخلال بهذا القلب، فالعبارتان تشتركان في نفس المعنى التجريبي الذي هو: «جعلوا الجن شركاء لله». هذا معنى مباشر.

ولكن وقع نوع آخر هو الذي يسمى الغرض، أو يسمى المؤدى، أو يسمى المعنى الصياغي، وهو دلالات زائدة فوق أصل المعنى تتعلق بهيئات التركيب. قلنا توخي الألفاظ والعبارات بحسب ما يؤم من الأغراض، يبقى في عبارات ومعانٍ مباشرة، وهناك أغراض، تتشكل على أساسها العبارات والمفردات، ويختار من المترادفات المعجمية ومن التصريف أو الصورة البيانية، سواء عن طريق التشبيه أو الاستعارة أو المجاز المرسل أو الكناية.

ما الذي زاده النص القرآني؟ ستقول لي ما هو؟ لابد أن يختلف المعنى. هو سيختلف، لكن هل اختلف في أصل المعنى؟ لا، والدليل على الأقل في هذه العبارة أن النص لم يختلف، الإعراب لم يختلف؛ ما زال لله متعلق بالمفعول به الثاني، وشركاء متعلق بالمفعول به الثاني، وشركاء هو المفعول به الثاني، والجن مفعول به أول. إعراب المفردات في الصيغتين القرآنية وغير القرآنية واحد.

طيب، لكن ما الذي حصل إذا كان الإعراب واحدا يا أبا قيس؟ من أين جاء هذا الزائد؟ جاء من إظهار العناية بالتقديم والتأخير. لو قلنا «وجعلوا الجن شركاء لله» فهذا هو التعبير المعياري، جعلوا الجن مفعول به أول، شركاء مفعول به ثان، ولله متعلق بالمفعول به الثاني. لكن لو قدمت المفعول به الثاني وأخرت المفعول به الأول الذي هو الجن، وقدمت شركاء المفعول به الثاني، صار السامع يدرك أن الذي يعنيك إنما هو ماذا؟ أن يكون هناك شركاء.

تعال نزيد على هذا، ستقدم المتعلق على المتعلق، بدلا من «شركاء لله» تبدأ بـ «لله»، فتقول: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾. فصارت التفخيم والتهويل من أن يكون شركاء لله، لا من أن يكون لله شركاء. فالتهويل صار من اتخاذ الشركاء لله خاصة، ثم يكون آخر ما يعني به المتكلم أن تكون الجن؛ لا يهم من اتخذت شريكا لله، رحت عبدت فرانا، عبدت صراصير، عبدت النجوم، عبدت النساء، عبدت الكواكب والأجرام، عبدت التراب، عبدت سحالي، عبدت أصناما، عبدت ما عبدت، عبدت الجن. آخر شيء يهم في الإشراك من عبدت، من أشركت؟

فهل قولنا «وجعلوا الجن شركاء لله» يساوي في الغرض إذا تجاوزنا عن المعنى المحصل «وجعلوا لله شركاء الجن»؟ لا، وهذا هو الذي جعل عبد القاهر يقول كلمة جميلة جدا؛ يقول: كلمة الجن في الأخير جاءت كأنه سئل سؤال، فقيل: «جعلوا من؟»، فقلت: «الجن»، كأنك قلت: «وجعلوا لله شركاء»، فسأل سائل بعد أن استهلكت اهتمامه: «جعلوا من؟»، فقلت: «الجن». الجن، جعلوا الجن. هذا كلام عبد القاهر في الشرح، كلام من فهم التراكيب، وفهم نظرية اللغة، وفهم اختلاف المعنى المؤدى وهو الغرض، بحسب ما يجرى فيه من مجاري المعاني وإيقاع الألفاظ والمفردات فيها.