دخولتسجيل الدخول

الدرس 5 - قال العَيِي: لماذا قال {سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق} مع كون المطلوب هو التأمل وليس السير؟!

أبو قيس محمد رشيدالأستاذ أبو قيس محمد رشيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الإشكال الثاني في قوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ۚ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ [العنكبوت: 20].

المفروض أن في هذه الآية يرد على الكفار الذين ينكرون أن هناك بعثاً بعد الموت، فيرد عليهم بأنه كما خلقناكم في المرة الأولى، سنخلقكم مرة ثانية. فالمفروض أن يقول لهم: تأملوا في الخلق. يقول لهم: "سيروا في الأرض"، أنا لماذا أسير في الأرض؟ وما علاقة أن أتأمل في أن الناس كانوا أجنة في بطون أمهاتهم، أو لم يكونوا شيئاً، كانوا حيوانات منوية وبويضات ثم أصبحوا أجنة؟ أو أن النباتات كانت بذوراً ثم أصبحت نباتاً كبيراً وأشجاراً؟ ما علاقة ذلك بأن أسير في الأرض، وهذا الكلام يحدث أمامي؟

المفروض تقول لي: تأملوا، فالذي لم ينتبه لهذا الكلام يُؤمر بالتأمل لا بالسير في الأرض؛ هو كدة كدة يرى هذا الكلام في مجتمعه، ولا يحتاج أن يسير في الأرض. كيف يرد على هذا الإشكال؟ يقول لك: الفكرة أن الله طلب منهم السير في الأرض لأن الإنسان عندما يعتاد على الشيء لا ينتبه إليه، فبينما يسيرون في الأرض يشوفون ناساً جديدة وأشياء جديدة.

لكن ما الذي سيراه عند سيره في الأرض؟ هو يرى أشخاصاً ونباتات جديدة، لكن ما الذي يحدث؟ يقول لك: أصل الدول تتبدل والأحوال تتبدل. فما علاقة تبدل الدول والأحوال بالنشأة الأولى والنشأة الآخر؟ ما علاقة هذا بأنهم سيُبعثون مرة ثانية؟ هذا قد يكون في الاعتبار من الأمم السابقة أو مما حصل للدول الأخرى، لكن ليس له علاقة بالنشأة الآخر التي هي البعث بعد الموت.

فكان الأولى أن يقول: تأملوا فيما أمامكم، تأملوا في الخلق، لا "سيروا في الأرض". ثم إن المشركين الذين تخاطبهم كانوا يسيرون في الأرض بالفعل، فكانوا يذهبون إلى الشام، وكان يأتي لهم حالات من كل مكان، وفي الحج كانوا يرون ناساً جديدة. فما الفكرة من أمرهم بالسير في الأرض؟ فكان الأنسب هنا أن يأمرهم بالتأمل لا بالسير في الأرض.

وهناك رد آخر قد يُقال: إن قصدنا بالسير في الأرض هو اكتشاف أصل الخلق؛ فالفيزيائيون بأبحاثهم، وعلماء الجيولوجيا عرفوا أصل الأرض، وعلماء الفيزياء عرفوا قوانين الطبيعة. الحقيقة أن هذا الكلام أيضاً من الردود التي تُقابل، وهو ليس له علاقة بالسير في الأرض، فكل هذا يندرج تحت "التأمل" في ما يحدث. حتى إن عالم الفيزياء هذا قد لا يترك معمله في حياته أصلاً، وكم من رحالة لف الدنيا وما عرف شيئاً عن أصل الخلق ولا عن أصل الحياة. القضية كلها قضية تأمل، وليس لها علاقة بالسير في الأرض، فكان الأنسب أن يقول: قل تأملوا في الخلق.

بالنسبة للأخ الذي يعلق على خطئه في الآيات، هو يخطئ في الآيات، ربما يقرأها من المصحف ويخطئ، أو نقلها بيده وأخطأ، حتى إنه ينقد الآيات وهو لا يحسن قراءتها.

ولأجل الإخوة غير المصريين الذين لا يفهمون العامية المصرية: الاستشكال الثاني في قوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ۚ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ [العنكبوت: 20]. هذه الآية في الصفحة 398 من سورة العنكبوت. لكن دعونا الآن من هذا الموضع، اتركوا هذا الموضع الآن وكونوا معنا، وتفاعلوا مع البث جميعكم لو سمحتم حتى يصل إلى الناس.

يقول صاحب التعليق إن هذه الآية رد على الملحدين، فبما أنه كما خلقناكم في المرة الأولى سنخلقكم مرة ثانية، فما علاقة "سيروا في الأرض"؟ الصواب أن يقول لهم: تأملوا. ويقول إن المسلمين يرقعون لهذا بأن الإنسان إذا اعتاد على الشيء لم ينتبه إليه، وأن الدول تتبدل والأحوال تتبدل، ويرى أن هذا مناسب في الاعتبار بما يحصل في الأمم الأخرى، لكن لا علاقة له بموضوع الخلق والتكوين البيولوجي. ويقول أيضاً إن المشركين كانوا يسيرون في الأرض ويذهبون للشام، فكان الأنسب الأمر بالتأمل. ويقول إن هناك رداً يقول إن السير في الأرض سيجعلنا نكتشف مخلوقات أخرى كعلماء الطبيعة والفيزيائيين، وهذا كله لا علاقة له بالسير في الأرض بل هو تأمل.

حلو تمام، مشكلة هذا الأعجمي العامي أنه تخيل نفسه في معمل ولم يعرف أصلاً عظيماً في علم نقد الكلام وتمييز كلام المتكلمين. ركزوا معي جيداً، وبثي محفوظ، وسأقطع هذه الشبه في مقاطع مستقلة إن شاء الله تُنشر كذلك. هذا العيي لم يعرف أصلاً عظيماً في علم نقد الكلام وتمييز كلام المتكلمين.

وهو ما يعرف بالمنزع، المنزع في الكلام أيها الإخوة، وهو أصل أفاض الكلام فيه حازم القرطجني وأبدع فيه إبداعًا. المنزع نستطيع أن نقول باختصار: هو مجموع اتفاق الأساليب والمعاني وجهات الكلام التي يتخذها متكلم له، هذا يسمى منزع الكلام؛ يعني القرآن له منزع، وامرؤ القيس له منزع، وزهير له منزع، والنابغة له منزع.

ركزوا معي أيها الإخوة لو سمحتم، المنزع في كلام المتكلم هو ما اتفق من جهات الكلام والمعاني، سواء المعاني التجريدية أو المعاني الغرضية، والهيئات التركيبية والأساليب على طبقات الأغراض؛ هذه إذا اتفقت على هيئة من الهيئات وصارت ديدنًا للمتكلم في كلامه كله أو في باب من كلامه، هذا يسمى منزعًا، وتجمع على منازع، يقال منازع الكلام أي حيث ينزع الكلام، ومجموع هذا يسمى المنزع.

من أكثر من درس هذا من المعاصرين وعني به والدنا الجليل الكبير الدكتور الأزهري محمد أبو موسى، ولهذا الدكتور محمد أبو موسى كلمة قالها في مرة أنا أعرف أن البعض استغربها وربما استنكرها، لكن الدكتور قالها وهو مغرق في قضية المنازع التي أنشأ الحديث عنها تقريبا حازم القرطجني أو وضع التنظير لها حازم القرطجني.

قال الدكتور محمد أبو موسى: «الذي لا يميز شعر زهير من شعر امرئ القيس، لا يميز بين كلام امرئ القيس من القرآن». طبعًا أنت ستفهم كيف لا يميز؟ هل القرآن منثور أو على سورة النثر والشعر؟ ليس هذا ما يقصده الشيخ، يقصد معرفة مذاهب المتكلمين ومعرفة منازع المعاني؛ لأن القرآن له منازع ولأن المتكلمين لهم منازع.

المنازع أيها الإخوة كما قلنا هو المذهب في الإبانة الذي يجمع التقاء المعنى والأسلوب والهيئات التركيبية إذا صارت مذهبًا وديدنًا للمتكلم، سواء في كلامه كله أو في باب. وخذوا عندكم هذا: منزع القرآن أنه لا يذكر السير في الأرض إلا في شأن النظر في آثار الأمم الأخرى، وليس في إعجاز التخليق والتكوين؛ من منازع القرآن أن السير في الأرض منزع القرآن.

وأذكر لكم هنا الحادثة التي وقعت مع ذي الرمة وحماد الراوية لما نزل حماد الراوية على عامل البصرة، فمدح هذا العامل الأمير، ثم ذهب في حاجته، فجاء ذو الرمة وجلس مع الأمير الأشعري فقال له: ما تقول في القصيدة التي سمعتها؟ قال: جيدة، وليست له. فعجب هذا الأمير وقال له: ولمن هي؟ فقال: لا أدري، ولكنها ليست له.

أنا أنقل الحدث تقريبًا بالنص، أظن الأمير كان ابن أبي بردة الأشعري، فلما قضى حماد حاجاته ورجع إلى الأمير يودعه للرحيل، قال له الأمير: نشدتك بالله هذه القصيدة لك؟ قال: لا. قال: فلمن تكون؟ قال: لشاعر جاهلي ولا يرويها غيري. قال: فمن أين عرف ذو الرمة أنها ليست لك؟ ذو الرمة الشاعر البدوي، قال: عرف كلام أهل الجاهلية من كلام أهل الإسلام.

ومعنى ذلك أنه عرف جملة منازع الجاهليين وعرف جملة منازع الإسلاميين؛ فلما أنشد حماد قصيدة يمدح بها الأمير، وقع في نفس ذي الرمة هذه ليست على منازع الإسلاميين، فقال: لا أدري لمن لكن ليست له. فمن أين عرف هو؟ قال: عرف كلام أهل الجاهلية من كلام أهل الإسلام.

جاهزة معكم المصاحف الآن؟ نحن سنتبع كل موضع فيه الأمر بالسير في الأرض. أول موضع معنا في القرآن: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ ۖ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [آل عمران: 137].

سورة الأنعام الآية 110: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [الأنعام: 10-11].

سورة يوسف الآية 109: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا...﴾.

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ ۚ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ ۚ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [يوسف: 109].

أنا طبعًا لا أجود، لا أرتل، هذا ليس غرضي، أنا غرضي أن تركز في المعاني وفي تراكيب العبارات ودلالاتها، لا أشغلك بشيء آخر الآن.

سورة النحل يا إخوة، صفحة 271، الآية السادسة بعد الثلاثين: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ ۚ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: 36].

سورة الحج، الآية السادسة بعد الأربعين، صفحة 337، نقرأ من الآية التي قبلها: ﴿فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئْرٌ مُّعَطَّلَةٌ وَقَصْرٌ مَّشِيدٌ * أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: 45-46].

سورة النمل، الآية التاسعة بعد الستين، صفحة 383، نقرأ من الآية التي قبلها بآيتين: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ * لَقَدْ وُعِدْنَا هَٰذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِن قَبْلُ إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ * قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [النمل: 67-69].

وسنرجع إلى موضعين، إلى موضع النمل وموضع الروم الذي سيأتي معنا بعد سورة النمل، شاهدنا في العنكبوت سنؤجله في الأخير.

الآن سورة الروم، صفحة 405، الآية التاسعة، ثم الآية الثانية بعد الأربعين: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ ۖ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [الروم: 9].

وفي نفس السورة، الآية الثانية بعد الأربعين، صفحة 409: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ ۚ كَانَ أَكْثَرُهُم مُّشْرِكِينَ﴾ [الروم: 42].

سورة فاطر، صفحة 439، الآية الرابعة بعد الأربعين، نقرأ من الآية التي قبلها: ﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ ۚ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ۚ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ ۚ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا * أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۖ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ ۚ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر: 43-44].

سورة غافر فيها موضعان، الموضع الأول الآية الأولى بعد العش، صفحة 469: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ۖ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ * ذَٰلِكَ بِأَنَّ تَأْتِيَهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ ۖ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [غافر: 82-83].

وفي نفس السورة، الآية الثانية بعد الستين، صفحة 476: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [غافر: 82].

بقي موضع سورة محمد ﷺ، صفحة 507، الآية العاشرة: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ * ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ * أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ۖ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا * ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَىٰ لَهُمْ﴾ [محمد: 8-11].

هذه كل المواضع التي ذكر فيها السير في الأرض في القرآن، وكما قلت منزع القرآن أنه لا يذكر السير في الأرض إلا في تأمل الأمم السابقة.

تعالوا الآن نذهب إلى موضع الشاهد في سورة العنكبوت ونقرأ السياق، ونستحضر المنزع الذي هو المذهب في ذكر السير في الأرض والأمر بالنظر مع السير في الأرض. تعالوا إلى سورة العنكبوت، صفحة 307 من مصحف المدينة يا إخوان، نقرأ من الآية الرابعة عشرة: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ * فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ * وَإِبْرَاهِيمَ...﴾ [العنكبوت: 14-16].

وإبراهيم منصوب على العطف على المفعول، يعني: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا ۚ إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا ۖ فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ...﴾ [العنكبوت: 16-17].

﴿وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ ۚ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَإِن تَكْذِبُوا فَقَدْ كُذِّبَتْ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ۗ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ * أَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ۚ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * يُذْهِبُ اللَّهُ النُّورَ وَيُمْسِكُهُ حَتَّىٰ إِذَا أَظْلَمَتِ السَّبِيلُ جَعَلُوا اللَّهَ مَعَهُمْ...﴾ [العنكبوت: 20-21]. (تكملة الآيات المذكورة).

فمعنى أيها الإخوة ليكن معنى المصحف قليلاً لأننا سنرجع إليه الآن أيضاً في استشهاد. لو رجعتم إلى سورة الروم، افتحوا، علموا على هذه الصفحة، كونوا معي الآن، علموا على هذه الصفحة، صفحة 398 من سورة العنكبوت، وارجعوا إلى صفحة 405 الآية التاسعة من سورة الروم لو سمحتم. اذهبوا إلى صفحة 405 من سورة الروم الآية التاسعة، سنبدأ من الآية ونقرأ ما بعدها.

﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ ۖ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ * ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوءَ أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الروم: 9-11].

الله يبدأ الخلق ثم يعيده، ثم إليه ترجعون. ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾. هذه شاهد لموقع سورة العنكبوت، وهذه من سورة الروم موقع لما في سورة العنكبوت في ذكر بدء الخلق ثم إعادة الخلق، على أن المقصود من ذلك هو خلق الأمم وبلوغها ذروتها، وليس التصوير البيولوجي؛ ليس التصوير البيولوجي لعملية الخلق خاصة، وتخلق الكذا في الرحم والكذا.

وهذه الصورة أصلاً لا تختلف في حصول البرهان وحصول الإعجاز والتحدي من جهة، لا إلى نص القرآن، التحدي إلى صفات الإله؛ عن أن ترى هذه الصورة لا تزيد شيئاً عن النظر إلى التخلق البيولوجي، مسألة اعتيادية، لا تزيد شيئاً عن النظر إلى قيام أمم ونزولها. ثم كان عاقبة... أقول أنا قلت بالرفع، أنا اعتذر استغفر الله، في الآية الثانية: ثم كان عاقبة الذين... من حيث قيام البرهان، النظر إلى قيام الأمم ونزولها لا يقل في الدلالة والبرهان، بل يزيد على النظر إلى التخلق البيولوجي؛ أمة ما كانت موجودة ثم خلقت من العدم، بدأها الله من العدم فقامت وصار لها آثار في الأرض، وحفروا الجبال وصنعوا التماثيل والأصنام العظيمة، وكانوا كذا وكذا، ثم الآن نمشي لا نرى إلا أحجاراً.

﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوءَ أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾. الله يبدأ الخلق ثم يعيده، يبدأه أول مرة، ثم ينتهي ويعيده، يعيده في الأخير، ينشئ الأمم. قال الخلق، الله يبدأ الخلق سواء الخلق بالتخليق أو الخلق بمعنى الخليقة؛ الله يبدأ الخلق ثم يعيده، ثم إليه ترجعون.

أرجع الآن إلى سورة العنكبوت قبلها بقليل: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ۚ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. وهنا ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ إلى آخر الآية، ثم ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوءَ﴾. الله يبدأ الخلق ثم يعيده، ثم إليه ترجعون.

اذهب الآن، هذه سورة الروم، اذهب إلى سورة النمل، صفحة 383، ارجع لسورة النمل الآية التاسعة بعد الستين: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾. انظر نفس الشاهد: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ * لَقَدْ وُعِدْنَا هَٰذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِن قَبْلُ إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ * قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾.

كل السير في القرآن هو سير في النظر في بدء خلق الأمم واستوائها، ثم اندثارها، ثم أن يبعثها الله في النشأة الآخرة مرة أخرى. وهذا منزع القرآن، هذا منزع القرآن في استعمال «سيروا في الأرض»، مستقراً من كتاب الله وطريقه.

افتح معي سورة الروم مرة أخرى، صفحة 405، نريد أن نعرف الآن ما هو المنزع؟ إذا كان المقصود التفكر في الخلق الذي هو بتاع المعمل، الفيزيائي والكيميائي والتحليلي وكذا، يقول الله تعالى في سورة الغاشية: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾. كذلك في سورة الروم الآيات من قبلها، الآية الثامنة: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾. أهو يقول لك أنا محتاج يأمرهم بالتأمل والتفكر؟ تعال يا حبيبي، ما أنت لم تقرأ المصحف ولم تقرأه بعين العربي؛ لو قرأت الآية أمامك وأعممتها بالخطأ، يعني تقرأها كلها تقريبية، فالآية أمامه وليس كما يخطئ أحد في تشكيله أو في إعراب غير مألوف، لا، هو يقرأ كما رأيتم، فكيف تفهم كتاب الله؟

﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِم ۗ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾. إذاً هذا هو الذي كان يريده، يقول لك التأمل في الشيء: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ﴾، ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾. وفي الأخير، النظر إلى الإبل كيف خلقت، لا يختلف في هيئتها وفي تحملها للصحراء عن أن تحلل مادة أخفاف الإبل تحليلاً معملياً بحيث أنها تفتش على الأرض بأنسجة صفتها كذا، والغشاء على العين والأنف المشقوق أو الأنف الشفه المشرومة التي تغلق الأنف، كل هذا لا يختلف في قيام البرهان ولا يقل عن ذلك، بل ربما يزيد التأمل في حال الأمم لزيادة الاعتبار: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ﴾.

لا يقل شيئاً، إذاً القرآن له منزع في الأمر بالتفكر والنظر في الشيء في أنفسنا، وفي خلق السماوات والأرض، أو النظر إلى الإبل كيف خلقت، هذا منزع وطريقه. وأما السير في الأرض فإنه لا يذكر في القرآن إلا للتأمل في الأمم الأخرى. ولذلك قرأنا لكم من الآية الرابعة عشرة إلى الموضع، تعالوا نقرأ إلى ما بعدها أيضاً في سورة العنكبوت، صفحة 397، نحن نقرأ من الآية الرابعة: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا...﴾.

﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ۚ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [العنكبوت: 20]. يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون، وما أنتم بمعجزين.

في الأرض مهما بلغتم من التطور والتحضر، ورحنا الفضاء وجئنا من الفضاء وإيلون ماسك وإيلون سب، فليس هناك أي علاقة، ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ على طول الدهر، ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ۖ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَٰئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي ۖ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.

﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. فالسياق ما زال في إبراهيم، فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه، فأنجاه الله من النار، إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون.

ففي سورة العنكبوت معناها: لا تغرنكم مكاناتكم؛ الله يبدأ الخلق ثم يعيده، يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون. كل هذا هو سياق الآيات، وهو منزع القرآن في كل السير في الأرض، وأما التأمل في ذات الخلق التكويني والبيولوجي فله منزع آخر وأسلوب آخر، هذا بعيد عن شوارب العي.