بعد ذلك هنلاقي إيه تانية؟ أنا هقرأها، عليكم وأنتم كده مع نفسكم، شوفوا أنتم هتفهموا إيه من الآية: ﴿ضَرَبَ لَكُم مَّثَلًا مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاءَ تَشْرَكُونَهُمْ فِيمَا رَزَقْنَاكُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخْشَوْنَهُمْ كَخِشْيَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم: 28].
أنت لو تقرأ الآية دي، هو عايز يقول إيه؟ هو هنا عايز يضرب مثلًا في الشرك، فيقول لهم: أنتم ليس لكم فيما تملكون من العبيد الذين عندكم شركاء، فكيف تقولون إن لله شركاء؟ لكن حقيقة المثل هنا غير واضح؛ لأنه لم يذكر الشرك في الآية أصلاً، فالمثل هنا يحتاج لكلمة واحدة ليكون واضحًا، لو قال: «فأنتم تشركون»، لكان الأمر واضحًا.
هو يضرب هذا المثل للشرك بالله، لكنه يضرب مثلًا في منتصف الكلام وليس له علاقة بما قبله، فلا يوجد ذكر للشرك قبله وتضربه في الشرك، ولم يأتِ بشيء يوضح الشرك بالله. المفروض أن يكون المثل واضحًا حتى يفهم الناس منه.
سأجلب الآيات من أولها لتروا أنه ليس له علاقة بالشرك؛ إذ يقول قبلها: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنتُم تَخْرُجُونَ * وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ * وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ * ضَرَبَ لَكُم مَّثَلًا مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكم مِّمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِّن شُرَكَاءَ فِيمَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخْشَوْنَهُمْ كَخِشْيَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم: 25-28].
لو جعلها «تشكون» لكان المثل على هذا المنال. أنت تضرب مثلًا والناس يعتبرون به، فيجب أن تكون واضحًا، والبلاغة من التبليغ؛ أي أن تبلغ الكلام لمن أمامك، وأي قصور في توصيل المعنى الذي عندك يجعل تبلغيك ناقصًا.
الإشكال الثالث هو الآية من سورة الروم، صفحة 407، الآية الثامنة بعد العين: ﴿ضَرَبَ لَكُم مَّثَلًا مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِّن شُرَكَاءَ فِيمَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخْشَوْنَهُمْ كَخِشْيَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
ابتداءً، قبل أي تفصيل: هل فائدة المثل هي تحقيق الموضوع بالصورة البيانية أو البلاغية حتى لا تُفهم على أنها صورة من علم البيان؟ فائدة المثل هي تحقيق الموضوع والمعنى بالصورة البيانية. ولكن بعد كل هذا، المثل غير واضح، وكان يحتاج لقوله: «لعلكم تشركون».
أنا محق في قولي إن هذا "عِيٌّ"، أي عجز في التعبير، وهو يريد أن يتكلم في كل شيء؛ يناظر المسلمين في التواتر والنبوة والعقائد، وهذا يؤذن بأنه عيٌ في كل شيء غالبًا. العجيب أن هذا العي جاء بعد الآيات بثلاث آيات ولم يُرَ ذكر للشرك، ولم يوجد سياق لفكرة إشراك غير الله، كما سمعتم الآن.
هو يضرب مثلًا يقول: أنتم ليس لكم فيما تملكون من العبيد شركاء، فكيف تقولون إن لله شركاء؟ المثل غير واضح لأنه ليس هناك ذكر للشرك أصلاً، وكان ينقصه كلمة واحدة ليكون واضحًا لو قال مثلاً: «فأنتم تشركون». وقد قرأ الآيات من قبل ليؤكد عدم وجود سياق للشرك، ثم قال: «البلاغة من التبليغ»، ولابد أن يكون المثل واضحًا.
دعونا نرجع آيتين فقط قبل هذه الآية، وليس ثلاث آيات كما قرأ هو؛ فقد قرأ من أول الصفحة، بينما الآية الثامنة بعد العشر، فإذا رجع ثلاث آيات فإنه يرجع إلى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾. سأرجع معه آيتين فقط: ﴿وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾.
في هذه العبارة، وقع في "له" اللام الأولى، وهي في "له ما في السماوات" وتسمى بلام الملك. واللام الثانية في "كل له قانتون" تسمى بلام التقوية؛ لأنها تقوي تعدية أثر العامل إلى المعمول حين تكون صيغة العامل ضعيفة بأن تكون فرعية ليست أصلية. هذه اللام تقوي العامل ليتعدى أثره إلى المعمول.
أيها الإخوة، الذين يريدون طرح شبهات واستفسارات، أنا الآن مرتبط ببعضها. الإخوة يضعون لك الشبهات، فضع حسابي في التليجرام وراسلني بأدب، قل لي هذا إشكال وأجب عنه، وسنجلس في مثل هذه المجالس لنبينها، ونجعلها مجالس محفوظة للناس يراجعونها على قانون البلاغة وقانون البيان، ويقارنون بين هذا الكلام وكلام صاحب الشبهة.
ما الذي حصل في هذه العبارة أيها الإخوة؟ أول شيء حصل تقديم الخبر على المبتدأ، والثاني أن هذا في الجر والمجرور، فالخبر كما يقال هو شبه جملة، وهو كما قال المحققون جملة، وخبر شبه الجملة يتعلق بمحذوف، وهكذا يظهر في الإعراب. قال: ﴿وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فقدم الخبر "له"، وقال: ﴿كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾ فقدم المتعلق بالخبر على الخبر، وأصل العبارة: "ومن في السماوات والأرض له".
«كل قانتون له»، هذا أصل العبارة في التعبير النحوي؛ فقبل حصول التقديم والتأخير، هناك تقديم الخبر في «له» (لام الملك) وفي الجر والمجرور، تقديم الخبر على المبتدأ. وقبل تقديم المتعلق على الخبر، فهو المتعلق، والأصل «قانتون له»، لأن «له» متعلق بـ«قانتون»، فقدمه عليه، فقدم الجار والمجرور «له» في الاثنين.
وطالب المبتدئ في البلاغة لا تخفى عليه علة تقديم «له» في الموضعين، وهي الحصر والحبس على من أسند إليه المعنى، و«له» لغير غيره مما في السماوات والأرض، فلا معنى للإشراك. و«له من في السماوات والأرض»، «وله من في السماوات والأرض»، «وله هو من في السماوات والأرض»، ها رأيتم؟ فهذا التقديم لـ«له» في الموضعين هو عين الدلالة على الغرض في نفي الشرك: ﴿وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾ [الروم: 26].
«كل قانتون له»، «كل له قانتون»، «وله من في السماوات والأرض كل له قانتون»، «وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده». الاسم الموصول الذي كل من درس البلاغة، سواء بلاغة تقريرية لمستوى المبتدئين، أو بدأها من عبد القاهر بالتسلسل التاريخي، أو درس علم النحو ونظر في كتب معاني النحو التي أخلصت حديثًا في معاني النحو كالسميري وغيره، الاسم الموصول الذي كما يقول عبد القاهر: لما تقول مثلاً «هذا الذي كان عندك بالأمس»، «هذا الذي كلمنا بالأمس»، أو «هذا الذي أكرمك أمس»، لا تقول «الذي» إلا إذا علمت أن أحدًا غير معين فعل ذلك الفعل، ثم تجيء بـ«الذي» هنا لتعيينه.
لأنه يختلف عن قولك: «هذا أكرمك أمس»، «هذا كان عندك أمس»؛ أنت هنا تخبر عن كون تعلم عنه أول مرة، إذا قلت «هذا كان عندنا أمس» فأنت لا تعرف أن أحدًا قد كان، فإذا قلت: «هذا الذي كان عندنا أمس»، فأنت تريد بذلك أن تخبره بأن هذا بعينه وقع منه الفعل الذي عرفناه، فأنت عرفت مجيئًا لكن ما عرفت الفاعل، فتقول «هذا الذي»، فأنت تعني هنا بتعيين عينه. ولذلك عقد عبد القاهر كلامًا كاملًا حول «الذي»، عقد فصلًا في «الذي» يفصل فيها.
وكذلك كما يقول قول الفرزدق: «هذا الذي تعرف البطحاء وطأته»، كأنه يقول لك: هذا الذي يوصف بأنه تعرف البطحاء وطأته كما تعرف أنك عرفت بإنسان تعرف البطحاء وطأته، فهذا هو. ويمكن أن يحمل على وجه آخر، إذا كان هناك من يكون كذلك فهو هذا الإنسان، أو يفرض عليك أنك تعرف أحدًا تعرف البطحاء وطأته فهو هذا الإنسان. ولك وجوه في تفسير «الذي»، وقد ذكر عبد القاهر وجوه «الذي» في الدلائل.
فأنت ربما تخبر بشيء لأجل الإخبار به، إخبار من مثلاً إذا قلت: «أبوك هو الذي رباك»، أنت لا تخبر -لا نقول هنا أنت تعلم أن أحدًا رباك- وهذا من الآية من نفس باب الآية، «أبوك» أو مثلاً تشير إلى أحد: «هذا هو الذي رباك»، لا نقول هنا أنت تعلم أن أحدًا رباك ولكنك تريد من المخاطب لازم ذلك وهو الاحترام والتبجيل، فأنزلته منزلة الذي لا يعرف أنه هو الذي رباه. لو رأيت إنسانًا يسيء إلى عمه الذي رباه مثلاً، أو إلى أخيه الأكبر الذي رباه بعد وفاة أبيه وهو صغير، فيعامله معاملة الأخ الأندل، فتقول له: «هذا هو الذي رباك»، «هذا الذي رباك»، فأنت تعلم أنه الذي رباك لكنك تريد منه لازم ذلك.
«وهو الذي يبدأ الخلق»، العرب لم تنكر أن الله بدأ الخلق، ولا تنكر أنه لو حصلت إعادة سيكون من الله، وإنما يراد من ذلك لازمه، وهو أن الذي يبدأ الخلق ثم يعيده هو الذي يستحق العبادة. وذلك كان تمهيدًا للمثل: ﴿وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾.
يُحسب أن هذا يأتي عفوياً، أن تقديم الخبر وتقديم المتعلق يأتي عفوياً، هذا لا يأتي عفوياً في الكلام، هذا له دلالاته في كلام العرب. «وله من في السماوات والأرض كل له»، «هو فقط قانتون»، وهو الذي لماذا ليس «وهو يبدأ الخلق ثم يعيده»؟ لماذا لم يقل سبحانه وتعالى: «وهو يبدأ الخلق ثم يعيده» وإنما «وهو الذي»؟ العرب تعلم أنه «الذي يبدأ الخلق ثم يعيده» يراد من ذلك أنه الخالق المستحق للعبادة لأنه يبدأ الخلق ويعيده، فينبغي نفي الشرك.
يقول لك: أنا لا أرى سياقًا للشرك هنا، أين سياق الشرك؟ فين ذكر الشرك؟ دعونا نرجع قبل ذلك إلى الآية الثانية: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الروم: 12]. «ويوم تقوم الساعة»، «يبلس المجرمون»، ولم يكن لهم من شركائهم، وشركائهم هنا يعني الذين أشركوهم في عبادة الله، ولهذا قال: ﴿وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ﴾، ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُم مِّن شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ﴾؛ الذين قالوا نحن الذين أشركوهم في عبادة الله وادعوا أنهم يعبدونهم ليقربوهم إلى الله زلفى.
﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُم مِّن شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ ۖ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ * وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَٰئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ [الروم: 12-15]. فسبحان الله، تنزيهه، وأول ما ينزه عنه الله الشريك، فسبحان الله.
﴿حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾، وله وحده، ويعني والحمد له، وله الحمد في السماوات والأرض، وعشياً وحين تظهرون، «يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي»، ومن آياته، ومن آياته يعني من آيات وعلامات تفرد سبحانه وأنه الوحيد المستحق لذلك وأنه لا يشرك به شيء. ومن آياته، كل هذا لا أحد يشرك الله سبحانه وتعالى فيه. ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره، انظر في التمهيد، آخر آية فيها: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم: 25]، ثم: ﴿إِذَا دَعَاكُمْ مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنتُم تَخْرُجُونَ﴾.
وله، ومن آياته، ومن آياته ربطت بالآيات السابقة، ومن آياته وذكر قيام السماوات والأرض بأمره ربطه الله بالآية التي بعدها: ﴿وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ * وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ۚ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الروم: 26-27]. التمهيد بذكر المثل الآتي: ﴿ضَرَبَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ مَثَلًا﴾ في ماذا؟ في الشرك.
تعالوا الآن إلى هذا المثل، هذه الآية جارية على قاعدة المثل: «إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها». الأعمى يقول لك: أنا لا أرى كلامًا في الشرك، ولا سياقًا في الشرك.
لا يرى كلامًا في الشرك ولا سياقًا في الشرك، وأنت إذا بدأت الكلام بآية المثل في السياق القرآني أو خارج السياق القرآني لم يُفهم إلا الشرك؛ لأنه مؤدى المثل. ومع ذلك يقول: لا أرى! فاسمع بعد كل ما ذكره الله من آيات التفرد، وأنه هو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم: 25]، ومن آياته وقبلها: ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم: 25]. له بالتقديم للخبر لا لغيره، فسبحان الله، تنزيهاً لله؛ نزه الله كل هذا، ثم التمهيد: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾.
«وله المثل الأعلى»، ثم ضرب لكم مثلاً من أنفسكم. من هنا، كما قالوا: ابتدائية من الأولى، أو من الثانية تبعيضية؛ هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم؟ هذه مؤكدة، «من شركاء» فيما رزقناكم في أموالكم، فأنتم فيه سواء تخافونهم. انظر، الكلام متصل: «ضرب لكم مثلاً من أنفسكم وستعلمون». نزل التمثيل تحت إلى أنفسكم ليتم القياس الجلي؛ أن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها. لأن دلالة البعوضة كدلالة الإبل، كدلالة بدء الأمم والخلق، والأمم العظيمة، وذهاب الأمم وبقاء الآثار، وتأمل السماء، والتفكر في النفس، والتفكر في العقل، والتفكر في الكواكب؛ كل هذا يتساوى في الدلالة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: 26].
«ضرب لكم مثلاً من أنفسكم»، المثل الهين: هل لكم مما ملكت أيمانكم من عبيدكم، وهم عبيدكم البشر مثلكم من أنفسكم، من شركاء فيما رزقناكم، فأنتم فيه سواء تخافونهم؟ الخوف هنا قالوا معناه التحفظ وخوف التفريط، وليس خوف الرعب. «كخيفتكم أنفسكم»، أي كخوفكم من المساوين لكم، ليس من طبقة العبيد. هل لكم، وأنتم البشر المتساوون في البشرية، من عبيدكم ممن هم تحتكم بدرجة أو درجات، من يشرككم في المال فتخافونهم؟ أي تتحفظون منهم وتتوقون أن تفرطوا في أموالكم كخيفتكم أنفسكم؟
﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 26]. معنى المثل بالدارج: أنتم يا بشر، وعبيدكم دونكم، ما ملكت أيمانكم دونكم، لا تتحفظون منهم ولا تتوقون منهم في مجرد المال، وأنتم بشر وهم من أنفسكم، لهذا قال: «من أنفسكم». يعني يا بشر، يا متفقين في البشرية، هل لكم وأنتم بشر، وهم بشر، من تشركونهم في ذلك؟ من تخافون وتتحفظون عنهم، وهم بشر مثلكم وربما يقدرون عليكم؟ فكيف تتخذون شريكاً لله من البشر وأنتم بشر وهم بشر، ولا تخافونهم في شيء من المال؟ فكيف تجعلون مع الله شريكاً من البشر أو من خلقه عموماً؟
«ضرب لكم مثلاً من أنفسكم»، يا جنس واحد يا بشر؛ هل لكم من بعض مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم من المال، تخافونهم وتتحفظون منهم كخيفتكم أنفسكم؟ أنتم في طبقتكم لا تخافون الطبقة الدنيا، وأنتم بشر بينكم طبقة وكلكم بشر، فكيف تجعلون لله شريكاً منكم أو من مخلوقاته؟ وقُصَّ على هذا وهذا أيسر مثال؛ أنت وعبيدك، فكيف بالله وكل الخلق عبيده؟ هذا معنى المثل الذي لم يفهمه العييل ولم يره بعينه.
بعد كل هذا لم يجد العييل ذكرى مناسبة، المثل في الشرك، يقول: أنا قرأت لا أجد شركاً! ورجع ثلاث آيات، رجع إليه آيتين ثم رجع إليه آيات بعيدة، كل السياق في الشرك. «وله»؛ أنت عندك ثلاث «له» على الأقل في الاطلاع السريعة: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، ﴿وَلَهُمْ فِيهَا الْحَمْدُ﴾، و﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضُ وَلَهُ مَا يُحْكَمُ بَيْنَهُمْ﴾، و﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾؛ ثلاث مقدمات بـ «له»، ثم ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾، ومن آياته الرابعة: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾، وتقول لا أجد سياقاً للشرك؟
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد