مشكلة كمان لما قال لك: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا مِن بَعْدِهِ عَلَىٰ قَوْمِهِ مِن جُندٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ﴾. هو المفروض هنا بيتكلم عن واحد في زمن المسيح، وأنه لم ينزل عليه جند ليهلكوه. ففي إطار القصة دي، طب أنت قلت: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا﴾، جميل، وما بعدها: ﴿وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ﴾؟ طب ما أنت قلت ﴿وَمَا أَنزَلْنَا﴾، إيه لازمة ﴿وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ﴾؟ عرفنا أنك ما أنزلتش.
الطاهر بن عاشور يعتذر لهذا الاعتراض، يقول لك: إنه رد على المشركين الذين طلبوا أن يأتيهم الله وجنوده. طيب، هل في ذكر للكلام ده في الآيات يا جماعة؟ هل الكلام ده موجود في الآيات أصلاً عشان نقول إنه رد على المشركين؟ نجيب الآيات من أولها في سورة يس: ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ * قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَنُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾ [يس: 13-15].
وبعد كده قعد يذكر القصة كلها: ﴿وَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ * قِيلَ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ ۖ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ * وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ * إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ [يس: 22-29].
يعني خلاص، أنت قلت: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ السَّمَاءِ﴾، ليه تقول تاني: ﴿وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ﴾؟ بيقول والله كان بيقول الكلام ده رد على كلام قريش، وكلام قريش ده لم يذكر في الآية في السورة أصلاً. طيب، حتى لو فرضنا أن هذا الكلام كان في دماغكم، كونك قلت: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ السَّمَاءِ﴾، رد عليهم برضه، فإيه لازمة ﴿وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ﴾؟ لا داعي له ولا يستثقل في كلام من هو في الدرجة العليا من البلاغة.
يقول: لأجل من لا يفهم، ما معنى أن يقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ﴾ بعد قوله: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا﴾؟ الطاهر بن عاشور يعتذر عن هذا بأنه اعتراض رداً على المشركين الذين طلبوا أن يأتيهم الله وجنوده. ويقول الملحد -وأقصد بالملحد هنا الملحد في الفهم، قد يكون ربوبياً، قد يكون الله أعلم بحاله- يقول: هذا الكلام ليس مذكوراً في الآيات. وقرأ الآيات: ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾، فيقول: هذا الكلام لم يذكر في السورة أصلاً، وأنهم طلبوا وما قال إنهم المشركون، كلام قريش لم يذكر في السورة أصلاً، وكذا.
فما معنى أن يقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ﴾ بعد أن قال: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا﴾؟ هذا الكلام أيها الإخوة لا يقوله إلا أعجمي، العربية ليست لغته الأولى، ولا الثانية، ولا الثالثة، ولا الرابعة. إنسان لا يفرق بين دلالة الصيغة الفعلية ودلالة الصيغة الاسمية، ولا يفرق بين دخول النفي على المعنى ودخول النفي على الكون المسند إلى المعنى. أعجمي رسمي، عليل متوقف العقل، هذا لا يمكن أن يشرح نصاً لأحمد فؤاد نجم.
أنا أنظر إليه على أنه نمط موجود لتتعرفوا إلى هذا النمط وتعرفوا حجم هؤلاء الذين يخرجون كالذباب ولا تعرفون ما وراءهم. أنا والله اشتقت للملحد المحترم الثقيل؛ يعني أتمنى، أرجو، أرجو إنساناً شاعراً، فقيهاً في العربية، بليغاً، ناقداً بل ناقداً. والله العظيم كنت أدعو الله في السجود أن يرزقني به، ويأتي ويكون كافراً بالقرآن ويطرح شبهة حول القرآن في البلاغة، لأشعر باحترام الشبهة وأنا أتكلم، وأرد الآن على إنسان، أو أجيب عن مادة أشغل بها حيزاً في اليوتيوب، وهو إنسان لا يعرف الفرق بين دلالة الصيغة الفعلية ودلالة الصيغة الاسمية، ولا بين دخول أداة النفي على المعنى ودخول النفي على الكون المسند إلى المعنى أو المسند إليه المعنى.
تخيلوا، افتقدنا الملحد المحترم الثقيل. فأنا أقول أتكلم معكم هكذا حتى تعرفوا حجم هذا الذباب الموجود. أنا لا أعرفه إلا إنساناً عليلاً، الرجل لا يفرق بين عبارة "ما فعل" و"ما كان فاعلاً"؛ "ما فعل" لم يفعل، و"ما كان فاعلاً" لا يفرق بين العبارتين. لا يفرق بين دخول النفي على الصيغة الاسمية ودخول النفي على الصيغة الفعلية، ولا يفرق بين مباشرة النفي للمعنى ومباشرة النفي للكون المسند إلى المعنى أو المسند إليه المعنى. أعجمي رسمي!
هذا الكلام يا إخوة يعرفه الأطفال، كل من درس متناً في الصرف يعرف معاني الأوزان والأبنية، سواء في أوزان الأفعال أو أبنية الأسماء. وكل من درس العربية والنحو يعرف دلالة الفعل ويعرف دلالة الاسم، وكيف أنه يؤتى بالاسم للدلالة على الثبوت والدوام، وكيف يؤتى بالفعل لأجل إظهار عدم الوقوع في النفي أو الوقوع في الإثبات في حيز هذا الزمان، إلا إذا كان كوناً.
الطفل يعرف هذا؛ تخيلوا أنه لا يفرق بين "ما فعل" و"ما كان فاعلاً". لا يفرق في القرآن مثلاً بين أن الله غفور رحيم، وبين أن الله كان غفوراً رحيماً. لا يفرق بين ﴿وَمَا ظَلَمُونَا﴾ وبين ﴿وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: 23] في سورة البقرة. لا يفرق بين قولك لأحد يتهمك بظلم فلان: "ما ظلمته"، وبين "ما كنت ظالماً". سيقول لك هذا العيي: أنت قلت "ما ظلمته" خلاص، لماذا تقول "وما كنت ظالماً"؟
إذن، هو لا يفرق في شيئين يعرفهما كل عربي بالفطرة أو بالدراسة، والدراسة المبتدئة جداً. وهذا ما كنت أقول لكم عنه أمس نختم به لأنه أقرب إلى الطرفة، أقرب إلى الطرفة يا إخوة.
لكن قلت لمجلس أمس طال جدا، لما تقول: "وما ظلمته"، "ما ظلمته"؛ يعني ما وقع مني الظلم له عليه. وبعد ذلك تقول: "وما كنت ظالما". إذن عندك شيئان في هذه العبارة، أو في هاتين العبارتين: عندك أولاً التفريق بين الصيغة الاسمية والصيغة الفعلية، وعندك التفريق بين دخول النفي على الكون المسند إلى المعنى، ومباشرة النفي للمعنى.
نأتي الآن لنشرح هذه العبارة. أولاً مثلا: "ما ظلمته"، تنفي وقوع الظلم؛ تنفي الوقوع في حالة محكية في حالة هي محل الكلام. بعد ذلك تقول: "وما كنت ظالما"، يعني تنفي استحقاقك لهذه الصفة التي يمكن أن يقع بها مثل ذلك الظلم في الحادثة؛ فكأنك تحتج بالثانية على الأولى. "ما ظلمته" و"وما كنت ظالما"، يعني ما ظلمته وأنا من الأول لم يكن من هيئتي. ولهذا استعمل كلمة "كان"، هذا معنى الكون.
"وما كنت ظالما"، ولهذا قال فقهاء اللغة كالثعالبي وغيره: إن "كان" تأتي وهي صيغة ماضٍ، تأتي في سياقات لوقوع الصفة أو الشيء في القدم مع استمراره. مثل: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾، يعني ليس معناه أن الله كان في الماضي غفورًا رحيمًا والآن ليس غفورًا رحيمًا، لا، إن الله كان غفورًا رحيمًا، يعني كان في الأول حصل هذا وبدأت موجودة هذه الصفة من الأول، كان غفورًا رحيمًا وبقيت مستمرة، فهي أزلية أبدية.
فلا يفرق بين دخول النفي على الصيغة الاسمية والصيغة الفعلية، ولا يفرق بين مباشرة النفي للمعنى المنفي، ومباشرة النفي للكون المسند إلى المعنى المنفي أو المسند إليه. لما إنسان يقول: "ما ظلمته" و"وما كنت ظالما"، فهو ينفي صفة الظلم عن نفسه التي توقعت الظلم على هذه الحادثة المنفية وعلى غيرها، فهو يقدم الحجة على أنه لا يفعل هذا؛ فالأول نفي وقوع، والثاني نفي استحقاق.
ولهذا اختلف النظم، وهذا هو ما نتكلم عنه؛ حينما نقول النظم هو كما يقول عبد القاهر: "توخي معاني النحو بحسب ما يؤم من الأغراض". لما قلت: "ما ظلمته"، معناه أنك ما أوقعت الظلم عليه. ولما قلت: "وما كنت ظالما"، فأدخلت النفي على الكون، وجئت بالصيغة الثانية اسمية ليست فعلية، الدالة على الثبات والدوام، بخلاف الفعلية الدالة على الحدوث، وكما قالوا في المضارع التجدد. لما قلت: "وما كنت ظالما"، أي لم يكن من الأول ومستمراً الظلم، لم يكن الظلم من الأول مستمراً صفة لي، من أين جئت بالصفة بصيغة الفاعل: "ظالماً"؟ "وما كنت ظالماً".
تعالوا إلى الآية الكريمة، والعجيب يا إخوة في هذا العِيّ، تعالوا، هذا أمر، هذه سورة يس صفحة 442. الشيء العجيب في العِيّ أنه، والموقع عندنا الشاهد في 442، أقول الشيء العجيب في هذا الكلام معنا هنا، من غفلة العِيّ، أنه قرأ الآيات من أولها ولم ينتبه إلى ما تقوده إليه الآيات، سواء في السباق أو السياق أو اللحاق؛ يعني ما قبل اللفظ وما بعد اللفظ.
تعالوا، هو قرأ من أول: ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ * قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَنُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾. انتبهوا معي وعيشوا مع السياق القرآني؛ لأنه قرأ ولم يجد شيئاً، لماذا قرأ من قبلها؟ ﴿وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ﴾، طيب خلاص، ما كانت تكفي واحدة: ﴿وَما أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَما كُنَّا مُنزِلِينَ﴾.
اسمع: ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ * قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَنُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ * قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ * وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ * قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالُوا طَائِرُكُمْ مَّعَكُمْ أَئِن ذُكِّرْتُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ * وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَن لَّا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ * وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَّا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنقِذُونِ * إِنِّي إِذًا لَّفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ * إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ * قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ * وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ * إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾.
العِيّ قرأ الصفحة كاملة، ثم ذكر قصة، يرى كيف يرى أصلاً وهو لا يعرف الفرق بين الصيغة الاسمية والفعلية، ولا يعرف الفرق بين دخول النفي على الكون المسند إلى الاسم ودخول النفي على المعنى مباشرة، لا يعرف معنى الكون، لا يفرق بين "إن الله غفور رحيم" و"إن الله كان غفوراً رحيماً"؛ سأقول لك "كان" زائدة، فليجعلها كلها "إن الله غفور رحيم". وإذا مشى في الطريق وقال لأحد سمع أحد يقول "ما ظلمته وما كنت ظالماً" سيقول له الثانية حشو!
تخيلوا هذا الإنسان يجلس ويتكلم، والله لا أرضى أن يتكلم في بلاغة هشام الجخ أو أحمد فؤاد نجم، بلاغة قرآن، بلاغة المتكلم العادي، لا يعرف أصل تصحيح الكلام أيها الإخوة. رأيتم أمثال هؤلاء؟ ويرفعون عقيرتهم، نتحدى المسلمين في بلاغة كتابهم، مقطع متروك عامين على الإنترنت، عامين كيف لم ينه أحد هذه العقلية؟ لا شيء، صفر، صفر، صفر يا إخوة، الرجل صفر.
"وما أنزلنا" إذاً السياق أولاً الذي لم يره العِيّ، السياق أولاً؛ فيه كثرة إرسال الرسل، وفيه كثرة النظر وفيه عتوهم في الكفر من أول الصفحة السابقة، وكأنهم بلغوا من استنفادهم عند الله أنه سبحانه وتعالى حتى في رتب العذاب اختار لهم أوجزها: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ السَّمَاءِ﴾. تخيلوا أنه قرأ، فضلاً أنه لا يعرف الفرق بين الصيغة الاسمية والفعلية، وبين مباشرة النفي للكون أو مباشرة للمعنى، تخيلوا أنه لم يرَ حتى قوله تعالى: ﴿عَلَى قَوْمِهِ﴾، والضمير يعود على هذا الذي كلمهم وجادلهم، ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ السَّمَاءِ﴾، ولو أنك رجعت إلى الأول.
﴿يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ * لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ * وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ * وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ ۖ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ * إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ﴾ [يس: 1-12].
انظر السورة من أولها. واضرب لهم مثلاً أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون. والعدد هنا: النذر، والرسل، والعدد كَبُر؛ لأن الإنذار من الأول. واضرب لهم مثلاً، والإنذار في قول قوم يكذبون. وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون، إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة وأجر كريم.
فالكلام من أول السورة: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ الكلام في إرسال الرسل وفي عناد الأقوام، فإذا عاند هؤلاء الأقوام يا محمد ﷺ فاضرب لهم مثلاً: ﴿أَصْحَابِ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾. وبعد صفحة كاملة: ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾. إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون.
وجدال وخصومة، وجدل في الخصومة عُرف عن قريش في هذا الوقت، ثم ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾، يعني أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث ووقع الجدال، وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى في منتصف الصفحة ووقع الجدال. بعدها: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ﴾.
على أصحاب القرية أم على قومه؟ وإذا كان العي لغوياً يفكر: لماذا قال ﴿عَلَىٰ قَوْمِهِ﴾ ولماذا "من بعده"؟ لأن الضمير في "قومه" وبعده مرجعه واحد؛ ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ﴾، إذاً هناك سباق أو سياق. فهمتم؟ الكلام مشدود إلى هذا الذي جادلهم بعد مجادلة الرسول الثالث، ومجادلة الرسولين قبله؛ يعني في صفحة واحدة جادلوا وتخاصموا مع أربعة؛ ثلاثة من الرسل، ورجل جاء من أقصى المدينة يسعى.
جاء رسولان أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث، شوف استيفاء الأسباب واستيفاء الحجج عليهم؛ فعززنا بثالث، وجاء رجل، وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى، قال: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾، هؤلاء الثلاثة اتبعوهم. وشد الكلام إليه: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ﴾؛ يعني من بعد هذا الذي كان معهم، إذاً هذا الذي ستسمعون يا سامع القرآن متعلق بانتهاء حجتهم وباستهلاكهم أعذارهم مع هذا الرجل الأخير.
﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ السَّمَاءِ﴾ اسمع: ﴿وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ﴾. في هذه الحال، ﴿وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ﴾، العي فهمها، ماذا فهمها؟ فهمها "ما أنزلنا". اختلفت الصيغة من الفعل إلى الاسم، ودخل النفي بمنافيه على الكون: ﴿وَمَا كُنَّا﴾. إن الله كان غفوراً رحيماً، "كان غفوراً رحيماً"، "إن الله غفور رحيم". ما ظلمته وما كنت ظالماً، أو ما كنت من الظالمين؛ ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾، ما ظلمونا ولو مرة من هؤلاء، لكن كل ما يفعلونه على أنفسهم.
فترون هنا في كلامه يقول: ما معنى أن يقول "وما كنا منزلين" بعد قوله "ما أنزلنا"؟ أنا مش فاهم حاجة، كيف تحاور هذا الإنسان؟ قوته في المشاغبة والاستنفار لأنه فارغ ليس عنده ما يقول. فهمتم لماذا أقول أعجمي وعي؟ كليل العقل، قليل اللسان والجنان، جداً لا يفقه ولا يفهم.
فكان قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ﴾ ممهداً للحاق: إن هذه النافية، ما كانت إلا صيحة واحدة؛ جند؟ لا تستحق حتى الجند. ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ السَّمَاءِ﴾، سينزل جند من السماء وكذا؟ ليس لكم اعتبار بعد أن كذبتم كل هؤلاء وطغيتم واستهلكتم كل الأعذار.
هذا الولد يفتقد مفهوماً نصياً، لا يستطيع أن يقرأ نصاً، ولم يستطع أن يرى الضميرين في "قومه" و"من بعده". طب لماذا؟ لو كان يشغل عقله قليلاً قال: لماذا "من قومه" و"من بعده"؟ ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ السَّمَاءِ * وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ﴾. "وما كنا منزلين" يعني ليس نحن في حكمتنا وعظمتنا وجلالنا من نفعل هذا مع هذا التكذيب وهذا الطغيان. "وما كنا منزلين" يعني مع أمثال هؤلاء في مثل هذه الحال، وليس "ما كنا منزلين لهم رسل" بمعنى "وما أنزلنا على قومه"، هذا لا يقوله حتى غبي، مش عي فقط، بل لو غبي تحت العي سبحان الله لا يفهمه، لا يفهم كلام العامة.
لا شك أن الله تعالى لا يقصد أنه لم يكن من المنزلين للجند إطلاقاً؛ لأن الله أنزل جنده. "وما كنا منزلين" دين على هؤلاء بعد أن تأكد بالضميرين: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ السَّمَاءِ * وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ﴾، إن كانت ما كانت إلا صيحة واحدة، فإذا هم خامدون. ثم انتهى الكلام عنهم؛ يا حسرة على العباد، انتهوا في كلمة في كلمتين، صيحة واحدة.
تقول لي جند ونزلت وملائكة وبتاع؟ نعم، إن كانت ما كانت لم تكن إلا صيحة واحدة، انتهى. فلم ينتبه لا للسياق أو السباق، ولا للحاق، ولم ينتبه إلى لحمة الكلام ونصية الكلام والعلاقات التناسبية التي تكلمنا عنها أمس، لا من قبل ولا من بعده للأسف الشديد.
إذا كما رأيتم، هذا العي يكاد لا يكون قارئاً، وأنا أؤكد أنا لا أقصد شخصه، وإنما أقصد نمطه، وأمثاله كثير من التافهين، والأعاجم الذين يتكلمون في بلاغة القرآن. والله لا أرضى أن يتكلموا في بلاغة أحمد فؤاد نجم الله يرحمه، لا أرضى أن يتكلموا في بلاغة إنسان يلقي خطاباً سياسياً كتب له من قبل، لا يساوونه، فكيف كما ترون يكاد لا يكون قارئاً يا إخوة؟ أما الدلالات البلاغية فدونه ودونها سنوات ضوئية؛ فمن لا يرى دلالة الصيغة الاسمية، ومن لا يرى دلالة الصيغة الفعلية، ومن لا يميز بين دخول النفي على المعنى ودخول النفي على الكون المسند إلى المعنى، هو لا يفهم أصل اللغة ودلالاتها النحوية والصرفية، فإنه يتكلم إلى الاستشكال.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد