دخولتسجيل الدخول

الدرس 8 - قال العَيِي: وقع الحشو في {فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا} لأنّ الوهن والضعف مترادفان!

أبو قيس محمد رشيدالأستاذ أبو قيس محمد رشيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

نيجي للي بعده، قال لك: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: 146].

الوهن والضعف بمعنى واحد، لما قال لك: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ﴾ [لقمان: 14]، وتفسيرها: ضعف على ضعف. فما الذي يجعلك تقول: «فما وهنوا وما ضعفوا»؟ الذي يجعلك تكرر الكلمة بالمعنى مرة ثانية، فده برضه مشكلة في بلاغة الآية. الوهن والضعف الاثنين بنفس المعنى، كأنك تقول: «فما ضعفوا وما ضعفوا» أو «فما وهنوا وما وهنوا». كان ممكن تكتفي وتقول: «فما وهنوا» خلاص، وما تقولش «وما ضعفوا»، وليس له أي فائدة.

جاء الزمخشري وحاول أن يعتذر لهذا، فقال: «فما وهنوا» عند موت النبي ﷺ، و«ما ضعفوا» بعد موته. قبل موت النبي وبعد موته؟ أنت جبتها منين يا زمخشري؟ جبتها من القرآن ولا من دماغك؟ هل القرآن بيقول لنا إن الضمير هنا محذوف بدون أي قرينة وبدون أي مجوز للحذف؟ طب لو كده يا جماعة، نطلع أي كلام في الدنيا أحسن، نفترض له محذوفات، إيه المشكلة؟ فنحن نرفض هذا الاعتذار غير المقبول.

الطاهر بن عاشور حاول برضه يعتذر لهذه الآية فقال: «فما وهنوا» يعني ما جزعوا، والجزع هو عكس الصبر. الوهن ممكن يأتي بمعنى الجزع، حلو أنا معاك في الوهن برضه، بس الوهن برضه يعني الضعف بدليل: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ﴾، وتفسيرها ضعفا على ضعف. فلو قلت: «فما وهنوا» كانت ستؤدي المعنيين أصلاً.

الكلام هذا يُنقد كثيراً على الشعراء؛ الشاعر الذي يأتي بكلمتين، كلمة منهم لم تضف معنى جديداً، يُنتقد على طول. طبعاً الكلام هذا في الشعر، لكن في القرآن لا يُنقد.

الآن، لمن لا يعرف المصرية، افتحوا الآية في سورة آل عمران، الآية 146: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾.

لنقرأ ما قبلها بثلاث آيات: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ * وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا ۚ وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا ۖ وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا ۚ وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: 144-146].

ماذا قال؟ يقول: الوهن والضعف بمعنى واحد. هو يقول هذا كما في القرآن: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ﴾، وتفسيرها ضعفا على ضعف. فما الذي يجعلك تقول: «فما وهنوا وما ضعفوا»؟ أنا أقرأ كلامه مرة أخرى: ما الذي يجعلك تقول: «فما وهنوا وما ضعفوا»؟ ما الذي يجعلك تكرر الكلمة بالمعنى، فكأنك تقول: «فما ضعفوا وما ضعفوا» أو «فما وهنوا وما وهنوا»؟ كان ممكن يكتفي بواحدة وينتهي، هكذا قال: هذا حشو ليس له فائدة.

ثم قال: جاء الزمخشري وحاول أن يعتذر لهذا فقال: «ما وهنوا» عند موت النبي ﷺ، و«ما ضعفوا» بعد موته. من أين جئت بهذا يا زمخشري؟ إنه من رأسك، من دماغك. وهل القرآن تركنا هكذا للضمير دون أي قرينة ودون أي مجوز للحذف؟ فاهم بلاغة؟ مجوز للحذف.

وقال الطاهر أيضاً، حاول أن يعتذر فقال: «فما وهنوا» يعني ما جزعوا، وهو عكس الصبر، فالجزع بمعنى الوهن أيضاً، لكن أيضاً الوهن هو الضعف. الشاعر الذي يأتي بلفظة لا تأتي بمعنى جديد يُنتقد فوراً، لكن القرآن طبعاً لا أحد ينقده عند المسلمين، لكن لو الشاعر أتى بلفظة واحدة دون معنى جديد هذا يُنتقد فوراً.

أول شيء يا باحث، تراه لا يفرق بين ذكر المرادف الذي يذكره النحاة والمفسرون للتقريب اللغوي في تجريد المعاني، وبين معنى المفردة المترادفة من كل وجه. وهذا من أعجب العجب.

مثلاً، تقرأ كتب التفسير أو النحو، تراهم يقولون لك قوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾، يقولون لك هنا «في» بمعنى «على». في مصنفات فقه اللغة يعقدون أبواباً، كما في كتاب الثعالبي في فقه اللغة القسم الثاني، وهذا أنصحك به يا باحث، تحتاج إلى فهم مفهوم اللغة قبل حتى اللغة العربية.

يقولون لك في استعمال الحروف مكان الحروف، وفي كتب التفسير وكتب النحو؛ لأن النحاة يعنون بماذا؟ بتصحيح الكلام ولو في أصله. فترى النحاة يقولون لك: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾، «في» بمعنى «على»، خلاص، هذا بيان أصل المعنى بالمرادف لأجل تصحيح الكلام نحوياً.

لأن النحاة لما فصلوا النحو عن الصرف، ما بقي من قسم النحو متعلقاً بالتراكيب، ذكروا في شرطه أن يكون مفيداً، حتى اختلفوا في الإفادة. هناك من قال: «السماء فوقنا والأرض تحتنا»، بهذا الصريح ليس كلاماً لأنه لم يفد شيئاً جديداً، وغيرهم يقول: لا، الإفادة معناها إفادة شيء ولو كان معروفا، لكن ألا يكون التركيب لا يفيد شيئاً، مثل: «السماء تحت فوق»، هذا كلام لا يقال فيه كلام، لأنه إسناد لا يفيد نسباً إسنادياً. فلا بد أن يكون على وجه يفيد، بعضهم قال: لابد أن يفيد شيئاً غير معلوم على البديهة. يعني لو قلت: «السماء فوقنا»، لا يقال هذا كلام عند النحويين، وبعضهم قال: هذا الشاهد هو عنايتهم بقضية الإفادة وتصحيح الكلام. فلما يقولون لك: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾، وإن «في» بمعنى «على»، يريدون تصحيح إفادة الكلام؛ لأن قولك: «في جذوع النخل» على الظاهر...

بدون المجاز، مجاز الحرف عن الحرف سيكون كلاماً غير صحيح. بعد ذلك، تفسير العلة أو ذكر العلة في مجيء الحرف مكان الحرف هذا شيء آخر تماماً؛ لماذا جاء هذا مكان هذا؟ خلاص، يقولون مثلاً يأتي "ما" أو يأتي "لا" مكان "لم"، فلا صدق ولا صلى، فلا صدق ولا صلى؛ يعني ماذا؟ يعني "لم" فلا، هنا "لم" بمعنى "لم". يقولون مثلاً في ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ﴾، إنما جاءت مكان "من"، كل هذا ذكره علماء اللغة في القرون الثلاثة الأولى لو كنت تتكلم بالعربية.

وبالمناسبة نص عليها عبد القاهر في "الدلائل"، يتكلم في الذين قالوا إن قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: 37]، هذا من دلائل الإعجاز يا إخوة. صفحة 340، معلش نسخة تاريخية عندي، أحملها، أنا أعتز بها شديداً، تحملتني دهراً طويلاً في دراستي، أنا لها وإدماني على حفظ الكتاب وما شرحته للناس وكذا، فهذه نسخة عريقة، يعني هذه كانت مجلدة أصلاً بمطاط قوي، لكن خلاص الزمن، فسأجلدها بالجلد الطبيعي، أجلدها بالجلد الطبيعي عند مجلد محترف تقديراً لهذه التي لها فضل عليّ.

في صفحة 304 يا إخوة من "الدلائل" بطبعة المدني القديمة، محمود شاكر، الآن طبعته... صورتها مكتبة القدس، تأخذها من مكتبة القدس. ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾، فيقول: أما تفسير من يفسره على أنه بمعنى "من كان له عقل"، يعني القلب هو العقل، فإنما يصح على أن يكون أراد الدلالة على الغرض على الجملة؛ اسمع، فإنه إنما يصح أن تقول "قلب" بمعنى "عقل" مرادف، يعني القلب والعقل وإنه يرادفه، فإنه إنما يصح على أن يكون قد أراد الدلالة على الغرض على الجملة.

فإما أن يؤخذ به على هذا الظاهر حتى كان القلب اسماً للعقل كما يتوهمه الحشو، بعض أسفلة الناس من المتقدمين من العجم الذين كثروا وصاروا يتكلمون بغير علم، كما يتوهمه الحشو ومن لا يعرف مخارج الكلام كصاحبنا، فمحال باطل. إذاً قضية المرادف يا العليل؛ تقول الوهن والضعف، الوهن والضعف بمعنى واحد، وأنت تقول: "فما وهنوا وما ضعفوا"، فيكون بمعنى "ما ضعفوا وما ضعفوا" أو "ما وهنوا وما وهنوا"، هذا كلام لا يقوله من عنده بثلاثة قروش، فهم في المعجم والعربي بثلاثة قروش.

شيء ثانٍ، أخونا العيي وهو ينتقد كتاباً، على الأقل من وجهة نظره هو محل جدل، أريد أن أفسر لكم فكرة الباحث، مستواه الباحث... باحث، بقى باحث، مهم جداً أن تعرفوا مقادير الناس بعلو أو سفل وأنت تنظر في الباحث. وهو يبحث في كتاب الذي هو القرآن، باحث يبحث هنا وهو يبحث في كتاب يزعم المسلمون أنه أبلغ البيان العربي، وهو يبحث ويعترض على المفردات، يجهل نوعاً من المصنفات صنفت في هذا الذي سماه الترادف.

هناك مصنفات ومعاجم صنفت في خصوص أو مطلق الترادف، وهناك مصنفات صنفت فيما يعرف بالفروق. وخذوا العجب العجب، باحث، أحد علماء العربية وهو أبو هلال العسكري نص على هذين. تعالوا شوف يا باحث، قلت لك سأعلمك اليوم بعض المصادر ترجع إليها إن شاء الله، وممكن بقى تتكلم على أنه -طبعاً لو كنت تعلمها ما كنت تركتها، يعني أكيد أكيد لم تعلمها وتخفيها، أنا متأكد- فانت أكيد، لكن لك بعد أن تعلمها هنا أن تتكلم بها وتأخذ منها وتوهم الناس بأنك تعرفها من الأول. وأنا ذكرت لك الآن "دلائل الإعجاز"، وسأذكر لك بعض المصنفات كذلك، وإن شاء الله تقرأها.

المهم لو أردت سؤالي عن الكتب في بلاغة القرآن وكذا، وسأذكر لك عدداً في بعض الشبهات الأخرى، أريدك أن تقوي الشبهة... يعني خلاص، سأذكر لك مصنفات تعينك إن شاء الله لحبك الشبهة على المسلمين، وقد أقسمت لك أن أنشر مقطعك الذي فيه الشبهات أمام الناس، شاهدون عليه خلاص. تعالى يا كابتن، تعالى يا عيي، إن شاء الله إلى أن تتعدى مرحلة العي، خلاص، لكن حتى ذلك أنت عيي، أنا ما أعرف، لازم أكون صادق.

هذا كتاب اسمه "الفروق" لواحد من القرن الرابع، وخذ بالك يا باحث في البلاغة والقرآن وكذا، في واحد كده اسمه كان تائهاً كده مشهور، بس أنت لأنك باحث جداً لم تره، اسمه أبو هلال العسكري. أبو هلال العسكري له كتاب مشهور اسمه "كتاب الصناعتين: الشعر والنثر". أبو هلال العسكري هذا الرجل المغمور غير المعروف حتى إن الباحث لم يره له كتاب غير مشهور خالص، حتى إن الهيئة العامة لقصور الثقافة وغيرها التابعة لوزارة الثقافة المصرية طبعته، بس معلش يعني قد تكون مش مصري ولا تحب تجيب الكتب المدعومة التي تباع بـ 11 جنيهاً. الكتاب بـ 11 جنيهاً يا أخ، يعني 5 دولار، هذا سعر مدعوم من الدولة المصرية، 5 دولار. الكتاب كمان جديد يعني موجود إلى الآن أنا رأيت أكواماً، بس أنت لأنك باحث ما أخذت بالك منه، لأنك باحث قوي فكنت تبحث في الحاجات... إنما المشهورات دي مش مستواك، يا أخي مستوى المساكين زينا الذين يذهبون ليشتروا كتاباً بـ 11 جنيهاً.

تعال يا باحث، في هذه النسخة التي طبعتها من كتاب "الفروق"، كتاب "الفروق" ده يا باحث، يأتي فيه بما يعرف بالمترادفات ويبين الفرق بين المترادفين، لماذا؟ لأن الترادف كما عرفنا يكون في أصل المعنى وليس من كل وجه، وليس من كل وجه، هناك فروق يعرفها أهل البيان تجعلهم يستعملونها في مواضع مختلفة، وفي الموضع الواحد واحد. وسبحان الله، أكيد كنت تعلم يا نصه أن أبا هلال العسكري تكلم في الوهن والضعف في نسخة من كتاب اسمه "الفروق في اللغة".

أريدك أن تعرف الكتاب وتروح تتكلم بك عارفه من الأول، خلاص ما عندك باحث. أنا أقول لك شيئاً الصراحة، أنا لو مكانك باحث وملحد، أنا ما أقدر أفتح فمي وأنا على علمي هذا بالبلاغة ومعرفتي وبالشعر، ما أفتح فمي بالقرآن قبل كل ما أشوفها تأخذ لها عشر سنين الصراحة، وأقرأ كل كتب اللغة وأعرفها وكذا. لكن سبحان الله، لست بطائع في القرآن وقارئ الكتب دي، سبحان الله هي كده. أكيد كنت عارف الكلام ده، ولكن اكتفيت أن تشوف الزمخشري قال ماذا والطعبري وابن عاشور ماذا، إنما الوهن والضعف في أصل اللغة لا يعرفوه، الوهن والضعف في أصل اللغة لا... لا أنا مش أنظر لكتاب الفروق. في كتاب "الفروق في اللغة" للعسكري، في طبعة الهيئة العامة لقصور الثقافة، وهي الطبعة المصرية القديمة جداً هناك.

طبعات أخرى دار ابن سينا، وكذا صفحة 108. يقول: الفرق بين الوهن والضعف.

الفرق بين الوهن والضعف أن الضعف ضد القوة، وهو من فعل الله تعالى، يعني مباشر. في التعبير تقول لي: الأصل عندكم أيها المسلمون أن كل شيء من فعل الله، هذا في التعبير والإسناد المباشر، وفي البلاغة هذا مستوى آخر. متى تقول ضعف؟ متى تقول وهن؟ متى تقول لا تضعف؟ ومتى تقول لا تهن؟

الفرق أن الضعف ضد القوة وهو من فعل الله تعالى، كما أن القوة من فعل الله. الضعف والقوة من فعل الله، تقول خلقه الله ضعيفاً أو خلقه قوياً. لو قلت الآن: ﴿وَخَلَقَ الْإِنْسَانَ وَاهِنًا﴾، شعرت بماذا؟ شعرت بفرق. أنا عندما أسمع هذا أجد في نفسي -بوصفي عربياً قارئاً لكلام العرب قبل أن أجرّد هذه المعاجم- أن الدارس الحقيقي يجرّد لسان العرب، ويجرّد القاموس، ويجرّد هذه المصنفات، ويقرأ الفروق والأضداد والمترادفات والمشتركات. هذا طالب العلم، أنا أقول لطلاب العلم في الشعر وفي رواد القصيد: إن المرور على كل كتب المعاجم سيكون لازماً.

ومع ذلك، قبل ذلك لا أتصور التطابق بين الوهن والضعف. إذ أسمع لما تقرأ قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ الْإِنْسَانَ ضَعِيفًا﴾، كلمة ضعيف تشعر بها صفة في الإنسان تلازم خلقته وفطرته. لكن لو قلت لك: ﴿وَخَلَقَ الْإِنْسَانَ وَاهِنًا﴾، كلمة واهن أخذتك بالانتقال من نقطة إلى نقطة. كيف خلقه واهناً؟ الإنسان يهن، ينتقل من قوة إلى ضعف باختياره. وإذا قلت يضعف، فمعناه يتمكن ذلك منه حتى يلازمه؛ فالضعف يكون ملازماً لما في النفس، والوهن يكون حادثاً بفعله، ولهذا يلام الإنسان على الوهن.

تقول خلقه الله ضعيفاً أو خلقه قوياً، وفي القرآن: ﴿وَخَلَقَ الْإِنْسَانَ ضَعِيفًا﴾. والوهن هو أن يفعل الإنسان فعل الضعيف، تقول وهن في الأمر: يهن وهناً وهو واهن، إذاً أخذ فيه أخذ الضعيف. ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ [آل عمران: 139]؛ لا تهنوا يعني لا تتكلفوا، لا تفعلوا فعل الضعيف.

ولهذا ترون في حديث النبي ﷺ: «يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ الْأُمَمُ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا»، قالوا: أومن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ -وهذا حديث في سنن أبي داود وصححه بعض أهل العلم من المحدثين-. قال: «لَا، إِنَّكُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَنَزَعَ اللَّهُ مَهَابَتَكُمْ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمْ، وَأَلْقَى فِي صُدُورِكُمُ الْوَهَنَ»، قيل: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: «حُبَّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةَ الْمَوْتِ».

يبقى ليس من قلة، بل هو ضعف؛ أنتم مشيتم فيه. المسلمون الآن أثرياء وأصحاب عدد وقوة حقيقية، وعدد مجموعهم العروبة والإسلام عدد ضخم جداً، وأثرياء جداً بثروات ضخمة جداً، ويأتي الغربي الذي تقف حياته بدونهم، يقول لهم ادفعوا فيدفعون. هذا هو الوهن. إذاً الوهن ليس هو الضعف، وإنما هو فعل الضعيف مع كونك لست ضعيفاً.

«إنكم يومئذ كثير» يعني قوة، ولكنكم كغثاء بفعلكم، نزع الله من صدور عدوكم المهابة وألقى في صدوركم الوهن الذي هو حب الدنيا وكراهية الموت، فصرتم كالضعيف؛ قلتم إلى مال الضعيف مع كثرتكم ووحدتكم اللسانية والدينية وثرواتكم. تؤولون إلى حال الضعيف من الوهم، ليس من ضعف حقيقي. يبقى فرق بين الضعف والوهن.

ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا﴾، لا يصح أن يقال: «ولا تضعفوا»؛ لأن الضعف يكون فينا من قلة العدد أو من كذا. ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾، أي لا تفعلوا أفعال الضعفاء وأنتم أقوياء على ما تطلبونه بتذليل الله إياه لكم. ويدل على صحة ما قلنا أنه لا يقال: خلقه الله واهناً كما يقال: خلقه الله ضعيفاً. وبعد ذلك نبه هو إلى أن أحدهما يستعمل عن طريق المجاز، لأن البعث يقول: وهن العظم، وضعف الكذا.

هنا نأتي بتفصيل آخر يتعلق بكل موضع، نأتي إلى آياتنا الآن. إذا رجعنا إلى الآية وجدنا الوهن مع السبب الحادث، يقول: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهِنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 146]؛ يبقى حصل شيء حادث، فما وهنوا يعني لما أصابهم هذا في سبيل الله لم يفعلوا فعل الضعفاء وليسوا كذلك. ثم ما ضعفوا؟ كيف ضعفوا؟ عطف عليها: ﴿وَمَا اسْتَكَانُوا﴾.

فلماذا رتب الضعف بعد الوهن؟ لماذا لم تأتِ الآية: فما ضعفوا وما وهنوا؟ لماذا؟ لأنه لا معنى للوهن بعد الضعف، ولأن الاستكانة إنما يراد بها أن تأتي بعد الضعف الذي هو تمكن آثار الوهن. فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله، وما ضعفوا أي ما أظهروا ضعفهم الذي يراه عدوهم، ولذلك قال: ﴿وَمَا اسْتَكَانُوا﴾؛ استكانوا يعني خضعوا وسلموا، وما ضعفوا يعني وما أظهروا ضعفهم.

فما ضعفوا بعدما وهنوا، يعني إذا تمكن الوهن في الناس ينتقل بعد ذلك إلى ضعف يكون كضعف الخلقة أو كالضعف الواقع فيهم، ليس منهم، يكون متمكناً فيهم، فيؤول هذا الإظهار للضعف إلى الاستكانة. فما وهنوا لما أصابهم، لم يقل وما ضعفوا لما أصابهم؛ لأنه لا يقال ضعف لما أصابه، الضعف يكون وصفاً للحالة الراهنة القائمة، أما حالة الانتقال والتشبه بالضعيف اسمها وهن. فإذا انتقلت في حالة الوهن ثبتت في الضعف، كنت ضعيفاً.

رأيتم يا إخوة، إذاً الوهن والضعف والخور والرخاوة، كل هذا فيه معنى الضعف العام الذي هو ضد القوة، لكن يقال وهن ووهن لما تنتقل ويرى أنك تفعل فعل الضعفاء، فإذا انتقلت وثبت على ذلك كنت فعلاً ضعيفاً. فما وهنوا لما أصابهم، ولذلك قال لما أصابهم الأمر الحادث، جاء بعد الوهن وليس بعد الضعف لأن الضعف يكون ثابتاً؛ فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا.

الأخ الباحث يقول لك ما الفرق أصلاً؟ ما كأنه قال: ﴿مَا وَهَنُوا﴾ وما ﴿مَا ضَعُفُوا﴾؟ بعد كل هذا، أكيد طبعاً أنت راجعت الكلام وتعرفه؛ لأنك باحث، وأنت باحث المفروض عارف هذه المصنفات.

أنا سأعلمك إن شاء الله عدداً من المصنفات المناسبة، وأعلمك فصيحة؛ ليس أنني أعلمك المسألة، بل أعلمك العلم، أعلمك عدداً من المصنفات الصحيحة. يقول زهير بن أبي سلمى: «تعلّمْ أنَّ شرَّ الناسِ مَنْ يُنادى في شِعارِهِم يسارُ». فأنا سأعلمك إن شاء الله بالمبالغة هذه والضغط والزيادة في البناء بعض المصنفات التي تنفعك وأنت تعدُّ الشبهة عن القرآن، إن شاء الله وبالتوفيق.

بعد ذلك نأتي إلى كلام الزمخشري. لماذا أنا قصدت القراءة من قبل الآية؟ لماذا؟ لأن وفاة النبي ﷺ ذُكرت قبله. فالزمخشري ربما يحمل، وربما في الأخير أعمل إطلالة عامة على توثيقه للكلام؛ لأنه في الحقيقة لم أجده يفهم حتى الكلام المنقول. أنا فقط أعطيت عنايتي في مناقشة قوله وتفنيده، لكني اكتشفت أنه حتى في النقل عن الزمخشري والطاهر بن عاشور لا يحسن النقل؛ يقرأ بعينه ثم يأتي يعبر عما فهم هو بطريقته. وإذا رجعت أنت الآن إلى مصادره، الزمخشري والكشاف، فما وجدته فهم المقول.

لكن الزمخشري هنا فهم أيضاً التفريق بين الاثنين، فقال كما نقله هو عنه. وربما أعمل معه وقفة هنا إن شاء الله في النقولات وحدها؛ لأن الشخص إذا نقل للناس، الناس تقول: آمين، خلاص. أيها الناس، حتى النقل ليس صحيحاً، حتى النقل كثير منه لم يفهمه، ولو قرأت لكم النقل وكلامه الذي يصوغه بما فهمه عن النقل، لا أقول تضرب كفاً على كف، لكن من العجب ما تقرأ.

المهم هو يقول هنا الزمخشري: "ما ضعفوا بعد موته، وما وهنوا عند الموت". يعني عند الموت وجزع الموت الذي فسره الطاهر بن عاشور. ينقل هو عن الطاهر بن عاشور: "لم يحصل عند هذا الجزع لم يحصل عنده ماذا؟ الوهن، أن يكونوا كالضعاف". ولما مات واستقر موته ﷺ لم يضعفوا، لم يصل الضعف صفة لهم بعد الوهن الذي انتقلوا إليه بفعل الضعفاء حتى صاروا ضعافاً فعلاً.

ففي الأخير، هذا تفسير من الزمخشري للوهن والضعف بحسب ما رأى من سياق قبله، وأنت لك بعد ذلك أن تفرق بينهما في سياق آخر؛ هذا يكون بالنظر البياني والبلاغي وليس في هذا المقام. لكن في الأخير صاحبنا لم يفهم حتى قانون المترادفات، ولم يعرف كتب الفروق، ولم يعرف أشياء كثيرة.