وصلنا إلى قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام: 47].
ما أدعوكم من قراءته للآيات؛ يعني هو حتى ينقلها خطأ أو يقرأها بعينه خطأ، ينقد النص من لا يحسن قراءته، يقرأ الآيات وينقض النص.
الْبَغْتَة هي الشيء الذي يحدث فجأة، فجأة بدون مقدمات، هذا يقال عليه بغتة أو فجأة. والجهرة هي الشيء الذي يُرى عيانا؛ لما قالوا أتاكم عذاب الله جهرة يعني عيانا، حتى الطبري يذكر في تفسيره أن الإشهار جاي بمعنى الإبصار، فالشيء الذي يحدث جهرة هو الشيء الذي يحدث عيانا للناس شايفينه.
المفروض أنك هنا عامل مقابلة، فتقول: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً﴾. لكن على فكرة، هو ممكن يكون بغتة وجهرة، هذه المشكلة. قتل الملك جهرة، جهرة على مرأى من الناس شايفينه، وبغتة يعني الرصاصة جاءت له بدون مقدمة وهو واقف يخطب، فكان الأليق أن يقول خفية أو جهرة لإتمام المقابلة.
الطاهر بن عاشور قال إن هو استخدم بغتة هنا بمعنى خفية من باب التجوز، يعني من باب اتساع المعنى، أن نتوسع في المعنى قليلاً ونجيب منها الشيء المختلف. لكن يظل الكاتب أو الشاعر البليغ المتأنق في كلامه يستخدم الكلمة الأدق ويبتعد عن التجوز في المعنى، خصوصاً أن هذا التجاوز في الحقيقة ضعيف؛ لأن للبغتة معناها وللجهرة معناها، والاجتماع بينهما ممكن.
هذا الإشكال السادس في سورة الأنعام، وهو في الصفحة 133، الآية السابعة بعد الأربعين. هو قرأ الآية بالخطأ تماماً، ولا تقف عنده عند هذا، لأن هذا طبيعي. الآية هي: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾.
هنا للأسف الشديد، وفي كل موضع سأقول هنا، تقف على جهالة عظيمة جداً، لكنها مزدوجة وستعرف في الأخير لماذا هي مزدوجة. هنا الخيبة بختبتين؛ تقف على جهالة عظيمة جداً بموارد الكلام وبأصول البلاغة وبكل شيء. وهذا طبعاً متوقع بعد الذي رأيناه.
يقول في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾: يقول البغتة هي الفجأة، والجهرة هي الشيء الذي يرى عياناً، والنص المفترض في القرآن أنه يريد المقابلة، لكن يمكن أن يحصل الشيء بغتة وجهرة. ما المشكلة؟ هو يقول: نقول قتل الملك بغتة جهرة، جهرة يعني على مرأى من الناس، وبغتة يعني فجأة بدون مقدمات، فيصح أن نقول قتل الملك بغتة جهرة، فكان الأليق أن يقول خفية أو جهرة.
ثم قال الطاهر بن عاشور يقول إن بغتة هنا هي بمعنى خفية لكن من باب التجوز. أنا لا أصطاد له الفهم، ولكن هل فُهم النقل عن العلماء أصلاً؟ أنا أقف معه عند هذا؛ لأنه يتصدر على أنه مفسر، والمفسر بمعنى أنه يفهم ألفاظ القرآن والبلاغة وينقده بلاغياً، فإذا كان لا يفهم الدلالات والصيغ، سيفهم عن العلماء ماء الكلام.
قال الطاهر بن عاشور: «يظل الكاتب أو الشاعر البليغ المتأنق في كلامه يستعمل الكلمة الأدق ويبتعد عن التجوز في المعنى ويستعمل ما هو أدق»، خصوصاً أن هذا التجوز في الحقيقة ضعيف، لأن للبغتة معناها وللجهرة معناها ويجتمعان عادي.
نختم به اليوم ويبقى لنا مجلس الغد إن شاء الله. جهالة بموارد الكلام، ومعنى أني أقول موارد الكلام يعني لا يعرف مواقع الألفاظ وما يليق في الاختيار.
تعالى بغتة أيها الإخوة معناها فجأة، كما قال: «بغت» معناها فجأة، نقول يبغتك الشيء يعني يفاجئك. ولكن النصب في "بغتة" على أي وجه؟ هو على الحال من العذاب في إتيانه، يعني يأتيك العذاب بغتة. وهذا يوجب فعلاً سابقاً على ذات المباغتة والمفاجأة، لأنه فرق بين الإتيان والحصول.
الآن أحملها على الحال، وإن كان ربما وجه الوجه الآخر مع تقدير، مع تقدير فيه نفس الكلام. هو قال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً﴾.
«بغتة» هنا طبعاً صيغة المصدر والنصب للحالية، فهي حالية من ماذا؟ من العذاب في أديانه، وهذا يوجب فعلاً أن يمتد الإتيان قبل وقوع المباغتة كما قلت، والمفاجأة؛ لأنه فرق بين الإتيان والحصول، وفرق بين أتى فجأة وحصل فجأة.
كيف الفرق؟ الحصول فعل منجز وقع حصل، فعلان منجزان، أما الإتيان ففيهما معنى التآتي، وفيهما في جسم الكلام معنى ولا يزول هذا المعنى منه، معنى المسير قبل الوقوع. أتى ووقع، ما الفرق بين أتى ووقع؟ يلا، أنت تقول: أتى فصل الشتاء، وتقول: وقع فصل الشتاء، حضر فصل الشتاء، أيهما أقرب؟ أيهما تشعر أن الشتاء قد اقترب فعلاً جدا؟ أتى فصل الشتاء أم حضر الشتاء؟ أيهما تشعر بالقرب؟ نستعمل هذا في عاميتنا.
هذا ما يسمى بموارد الكلام يا إخوة، أنت تختار اللفظة على الغرض، توخي معاني النحو والمفردات بحسب ما يؤم من الأغراض. الإتيان تشعر أنه أبعد؛ أنت تقول: أتى فصل الشتاء، وتقول: حضر فصل الشتاء، أيهما أقرب في الزمن يكون الشتاء متلبساً أو قريباً؟ حضر فصل الشتاء.
خلاص، لو قلت وقع العذاب، وأتى العذاب فقط بدون «بغتة»، أتى فيها بعد بدون «بغتة». ما هي هذه الفروق يا إخوة؟ ما الفرق بين أتى العذاب وحضر العذاب؟ ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾، فأتى أبعد، فيها تنفيس زماني أكثر من وقع وحضر.
ما الفرق بين وقع العذاب وأتى العذاب؟ أتى ربما لممامه مدة أصلاً، فلما تقول: ﴿إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً﴾، فهذا لا يكون كحضر بغتة أو وقع بغتة، لا، وإنما هو فيه قدر قبل تمامه في البغتة، وهذا الذي يلزم منه الخفاء. ما معنى أن تقول أتى بغتة فاجأك؟ فكيف فاجأك مع الإتيان؟ إلا إذا كان هذا الإتيان هو الخافي عليك، فإذا لزم من إسناد البغتة إلى الإتيان سبق الخفاء، وأنا سأبين لكم الآن بالبرهان والتفريق بين العبارة التي أتى بها وعبارة الإتيان.
لماذا يا إخوة؟ لأنه فرق بين الإتيان والحصول، وفرق بين أتى فجأة وبين حصل فجأة، فالأول أتى مفاجئاً، وهذا يوجب أن أتى فجاءه، أو أتى فجأة، يوجب فعلاً ومسيراً قبل الوقوع، هو محل الخفاء لتحقيق المفاجأة، بخلاف الحصول الذي هو عين وقوع الفعل، وقع العذاب.
ولفظ «جهرة» أخذ نفس الإعراب من خلال العطف بالواو أو النسق بالواو، أخذ نفس الإعراب؛ «بغتة» أو «جهرة»، فيلزم منه حصول ماذا؟ المعاينة. ركزوا معي، يلزم من الجهرة كما قال حصول المعاينة، سواء كان العيان ثانية، نصف ثانية، سنة، فهي جهرة، فيلزم من جهرة كما قال حصول المعاينة.
ولكن لا تنسى أن الإشراك في الإعراب يعلق الجهرة أيضاً بفعل الإتيان، يعني كأنك قلت: إن أتاكم عذاب الله بغتة، أو إن أتاكم عذاب الله جهرة، يبقى أصبح عندي إتيان مع الجهرة، كذلك تقول أتى جهرة، فيبقى عندك أتى بغتة وعندك أتى جهرة. واتفقنا على أن الجهر مطلق المعاينة، لكن إذا أسندت الجهرة إلى الإتيان فقلت: أتى جهرة، فلا يتصور أتى جهرة إلا ببرهة من الزمن يحصل بها المجاهرة والمعاينة، لأنه إتيان، ولأن المجاهرة تقبل هذا؛ قلنا المجاهرة التي هي المعاينة امتدت في الزمان مع الإتيان، أما المباغتة فلأن الوقوع هو الذي جاء مباغة أو مفاجأة، ولكن الإتيان والتسلل هو الذي كان فيه قدر الخفاء، ولذلك قلنا هنا المباغتة فيها معنى الخفاء بإسنادها إلى الإتيان.
طبعاً الكلام الآن للدارسين الفاهمين، هذا لن يفهم شيئاً أصلاً، هذا لسه عايز يفهم الفرق بين ما فعل وما كان فاعلاً، هذا لسه هناك بعيد. فإذا قولنا أتى جهرة لا يستقيم دلالياً إلا ببرهة من الزمن تحصل بها المجاهرة مع المعاينة في الإتيان؛ لأنه فرق بين أتى جهرة وبين وقع جهرة، هو ماذا قال؟ هو فسرها بوقع جهرة، المشكلة عنده في أتى، أتى تختلف عن وقع، إذا قلت أتى جهرة فلا بد من مدة من المجاهرة ترى فيها، فأصبحت المجاهرة ممتدة زمانياً وفيها الإعلان، وأصبحت البغتة يسبقها الخفاء، فأصبح الخفاء مدعوماً بالمفاجأة بزيادة المعنى بالدلالة باجتماع الإتيان مع البغتة، وأصبح الجهره مع الإتيان فيها هذه المدة وفيها هذا الظهور الشديد الواضح الذي يقابل الخفاء، ويقابل عدم الجهر، ويقابل البغتة التي في الأولى.
ولهذا لو قلت تعال بقى الآن تعال نختبر هذه طريقة العلماء، وعبد القاهر يختبرون، يقول لك فماذا لو قلت: أتاه بغتة جهرة؟ في فاعل واحد، كان إحالة ولم يكن حتى فقط خلفاً رديئاً كما يقول عبد القاهر، لم يكن خلفاً من الكلام، كان إحالة من الكلام ممنوع أصلاً، غلط؛ لأن الإتيان بغتة يستلزم مصاحبة المجيء الخفاء للمجيء للإتيان، والإتيان جهرة يستلزم امتداداً في وقت من الزمان تحصل فيه المجاهرة والعيان للإتيان، فيحصل تعارض بين ملزوم البغت وملزوم الجهرة.
يعني لو جاء إنسان قال: أتى بغتة جهرة، غلط الكلام؛ لأن أتى بغتة يستلزم قبل حصول المباغتة في إتيانه نسبة خفاء، وأتى جهرة يستلزم المعاينة مدة، فتناقض الكلام. لا أقول صار خلفاً من الكلام يعني رديئاً، صار إحالة من الكلام غير متصور أصلاً، غير صحيح أصلاً في أصله.
فهمتم يا إخوة الدلالات؟ هذا معنى قولي: هذا العيِي لا يفهم موارد الكلام. لو كان يتصور أن أبا قيس ليس من الشجاعة الكافية بحيث لو وجد القرآن غير بليغ أو يستشكل عليه لم يبح بوجه، والله بوجهي أقولها، ولا أسمى نفسي الباحث ولا المنقب، بوجهي أقولها، وهي بقى معادن، لكن أنا ما أرى القرآن إلا في الذروة، وما استشكلت شيئاً يوماً في بداياتي وشروعي في هذا الباب إلا تجلى لي واستنار ولو بعد سنين.
وأما الآن فالحمد لله لا استشكل شيئاً في كتاب الله، وأعطيت الباحث شيكاً مفتوحاً، ائتِ بالشبهات، والله لأنشرنها لك. عندي شبهات في بلاغة القرآن، بس لو سمحت خليك أصيلاً، ما تنقلش عن...
رودي، بارت، وعن الألمان، وكما رشيد حمامي؛ عيب، أنت باحث، اسمك باحث، أنت تبحث عن الجديد، صح ولا إيه؟ وخليك في شبهات القرآن، عايز التواتر، روح عندك قال لك محمد المغترب، ولا اسمه إيه؟ قال لك بيناقشه فيها ولا هيثبت طلعت ولا ماعرفش، والله ما أعرف، ولا واحد من الإخوة دي يا جماعة، وسألوهم لا يعرفونني ولا أعرفهم.
تعال وأنا أنشر عشان بس القسم بتاعي تكلم في شبهات، قولي أنا جبت عشر شبهات جديدة في القرآن، وقبل أن أجيب عنها أنشرها لك عندي في القناة. خلاص، أنشر الرابط بتاعي أن أنت عندك صفحتك وكده، أنشر، وأنشر لك الرابط عندي في الفيسبوك والقناة، ونعمل مجلس بقى كده ونتبسط كلنا إن شاء الله، ونقطعه ونقطع عندك برضه نأخذها ونركب دي على دي وتبقى الدنيا جميلة إن شاء الله، بحيث تبقى الشبهة وجوابها، يا سلام على العلم! يا سلام على العلم!
ها، يبقى إذا قلت: «أتاه بغتة جهره»، تناقض الكلام؛ تناقض الكلام لأنك ذكرت «أتاه»، لو ذكرت ذاك في فاعل واحد كما شرحت الآن. ومن هنا تعلم أن قول العيي، أن تمثيل العيي بقوله: «قتل الملك بغتة جهره»، ليس من هذا الباب لاختلاف ما يقتضيه حال الفعل في الإلزام، وهذا من عيه للأسف. هو قال: «قتل الملك جهره»، «قتل الملك بغتة جهره»، أهو، قتل فعل منجز، صح، قتل بغتة فجاءه جهره في جزء من الثانية، إنما «أتى بغتة» و«أتى جهره» لا يجتمعان، فهمتم؟ عقله كليل، وهذا تفسير قوله في الأول إنه لا يعرف أي موارد الكلام.
وهذا يرجع أيها الإخوة إلى مبدأ طبعًا صعب يعرفه، طبعًا هو يحتاج إلى دراسة التأسيس من الأول، يرجع إلى ما سماه محمود شاكر: «الإسباغ والتجريد». تعالوا بقى شوية شعر بقى، إحنا عيب بقى كده، كفاية، كفاية عليك يا عيي، يعني حرام، كفاية يعني يا أخي، تعبتنا يا أخي، بس تعبنا ثاني، تعالى يعني على الأقل نتكلم في كتاب الله ونؤجر إن شاء الله.
محمود شاكر تكلم عن شيء تعبر عنه العلماء بصيغ مختلفة، لكن محمود شاكر عبر تعبيرًا جميلًا لما قال: «الإسباغ والتجريد». ما معنى الإسباغ والتجريد؟ لا مش هنقرأ شعر يا أبو كف، أنا في نفس الموضوع، لكن شيء من الإسباغ والتجريد يا إخوة. مثل صاحبنا الباحث، لن يستطيع أن يفهم مثلا قول امرئ القيس يصف وثارة جسد حبيبته: «كحقف النقى يمشي الوليدان فوقه ... بما احتسبا من لين مس وتسهالِ»
يعني إيه «احتسب»؟ طبعًا لو وقف على شعره كده مش هيفهم «احتسب» يعني إيه بهذا المستوى أو بهذا اللامستوى، لماذا؟ لأن «احتسب» في المعاجم معناها اكتفى. «احتسب فلان» اكتفى؛ «حسبي الله ونعم الوكيل» يعني كافيني الله، يكفيني الله خلاص، هو نعم الوكيل. «حسبك الله» كافيك الله، كفايتك عند الله، هذا معنى «حسب»، تقول للشخص «حسبك» يعني كفى، «حسبك» كفايتك، خلاص انتهينا، كفاية، «حسبك». فـ«احتسب» معناها في اللغة تجريدًا: اكتفيا.
فما معنى: «كحقف النقى يمشي الوليدان فوقه بما احتسبا»؟ يحصل في اللفظ ما يسمى الإسباغ، ويحصل الإسباغ بسقوط الكلمة بأصل معناها في موقع يتقبل بهذا الموقع أن يسبغ عليه شيء قبل هذه الزيادة، بموجب اجتماع الموقع وأصل الدلالة. ولهذا اختلف مع بعض النقاد المتأخرين حين يقولون: وهذه الكلمة من دلالة هذه ولم تنص عليها المعاجم، هي ليست من دلالتها، هي مما أُسبغ بها. يقول «احتسب» بمعنى اطمأن؟ لا، «احتسب» اكتسب معنى اطمأن.
امرؤ القيس يريد أن يقول إن عظام حبيبته بعيدة حتى في مناطق البروز لو ثارتها، فقال إنها كحقف النقى. النقى: التراب الناعم، والحقف المجتمع بفعل الرياح يكون له تراكم ملتف دائرة أو نصف دائرة أو شبه دائرة، ويكون له بطن، كما قال: «فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى بنا ... بطن حقف ذي ركام عقنقلِ». فقال إنها كحقف نقى، ومنها صوت الأحقاف؛ الأحقاف هي الرمال التي تتجمع، رمال ناعمة تتجمع بفعل ماذا؟ تتجمع وتتراكم بفعل الرياح، ناعمة.
وهذا أشار به امرؤ القيس في المعلقة لما قال: «وانتحى بنا بطن حقف ذي ركام عقنقل»، هو لم يقل لك إنني أبعدت بعيدًا، قال لك: «انتحى بنا بطن حقف»، يعني خرجنا من الأرض الحزن من الأرض المستقرة التي فيها حصى وحجارة وفيها خيام الناس أو بيوت الناس وكذا، وضربنا في الصحراء حتى وصلنا إلى الأحقاف، بعد بها بعيد، بل إلى «بطن حقف ذي ركام عقنقل» يعني متداخل عالي جدًا. كل هذا اسمه إشارة في الشعر، إشارة.
طيب نأتي هنا، قال على حبيبته: «كحقف النقى»، حقف التراب الناعم. لماذا قال «حقف»؟ لأنه يكون لينا تجمعه الرياح وتراكمه فيصير عاليًا وتحته مسافة كبيرة لا تصل ربما إلى الأرض الناعمة، إلى الأرض الصلبة، أو لا توجد، فقال: «كحقف النقى»، أراد أن يصف هذا الحقف إلى أي حد يطمأن إليه، قال: «يمشي الوليدان فوقه». ذكر وليدين لأن الطفلين، لأنهما الطفلين، لأنهما يلعبان ويغوصان في الرمال ويأمنان من وجود حجارة قريبة، فقال: «كحقف نقى يمشي الوليدان فوقه بما احتسبا»، يعني بما اطمأنا إليه واكتفيا، فجمع بين اكتفيا بالدلالة اللغوية الأصلية، واطمأن بدلالة لهو الطفلين، يعني اطمأن مكتفيين بهذا، لا نريد عنه حولًا. هكذا وثارة حبيبتي: «كحقف نقى يمشي الوليدان فوقه ... بما احتسبا من لين مس وتسهالي».
لن يستطيع أن يفهم قول امرئ القيس: «فقلت لها سيري وأرخي زمامه»، سيري، هنا ما هي سائرة أصلاً، هو أنت من أين جئت بها؟ «ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة»، فقالت لك: «الويلات إنك مرجلي»، يعني تفسد علي الدابة والرحل، فارجع امشي في الصحاري إلى أهلي خلاص. «كحقف»، أه، «ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة»، فقالت لك: «الويلات إنك مرجلي»، تقول: «وقد مال الغبيط بنا معا ... عقرت بعيري يا امرأ القيس فانزلي»، فقلت لها: «سيري وأرخي زمامه ولا تبعديني من جناك المعل». سيري، أنا سائرة يا ابني ما تسيبني بقى، ما هو ده لو كان الأخ ده موجود كان إيه؟ طب ما هي سائرة، ما هي سيرة، لماذا يا امرأ القيس تقول لها «سيري»؟
حشو سجل امرئ القيس، حشو. «فقلت لها سيري»، يعني اطمئني. وقلت في أول المحاضرة بعيدًا عن شوارب العيي، لا يفهم أن من فقه العربية أن يؤمر بالفعل من أصله لآتيانه بصفة من الصفات معينة، فيجعل الإتيان بهذه الصفة إتيانًا بالفعل من أصله. انزل إلى الطريق وانظر في حال الناس لما أنا بنزل في الطريق، أردت أنزل وأنت تنظر في حال الناس، هو بقى لو أبوه قال له انزل في الطريق.
انظر في حاله، هو مضحك، فدمه خفيف، يعني عنده خفة دم في النقد، في الشبهات، فلا بأس من التلطيف وإن أعاننا على ذلك، هو أعاننا في الحقيقة على ذلك.
قلت لكم في الأول، هذه طريفة، إن هذه الشبهة أو الإشكالية عنده مزدوجة. سنعتبر أن ما في سياق، وأن الإتيان ليس بكذا، وأن الإتيان لا يدل مع البغت والجهر على صفتين مختلفتين، وسنعتقد أنه لم يفهم موارد الألفاظ ولازمها وملزومها، وإذا لم يفهم كل ذلك وغفل عن هذا تمامًا، ولم ينظر إلا لكلمتين تقابلتا أو تطابقتا باصطلاح البلاغة، أو وقع التضاد بينهما؛ لو كان ممن له أدنى عناية بالبلاغة لوقف على وجه ما يسمى بالاحتباك.
ما هو الاحتباك؟ نختم به ويكون فائدة بلاغية. الاحتباك أيها الإخوة وجه يستعمل في قسم الإيجاز، إيجاز القصر في الكلام أو إيجاز الحذف، قد تصنفه في إيجاز القصر لكن قد يصنف كذلك في إيجاز الحذف.
الايجاز عندنا في العربية في باب الإيجاز والإطناب من علم المعاني، وعندك نوعان من الإيجاز: إيجاز القصر وإيجاز الحذف. هذا نوع من الإيجاز يسمى الاحتباك، إذا قدرت فيه الجملة فهو إيجاز حذف، لكن أميل إلى أنه إيجاز قصر لأنك لا تقدر العبارة، وإنما تأخذها من لازم الكلام والمقابلة، فهو أقرب إلى إيجاز القصر.
مثاله قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا ۖ فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ﴾ [الأنفال: 39]. صاحبنا سيقول لك: أين التقابل؟ إما أن يقول: فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى تقاتل في سبيل الشيطان، أو يقول: فئة مؤمنة وفئة كافرة.
الاحتباك يا إخوة هو أن يحذف من الطرفين ما يدل عليه الطرف الآخر بإيقاع المقابلة. يعني لما تقول: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا﴾ ثم تفسر: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ﴾، فإذًا لما قلت "وأخرى كافرة" فهمت أن التي تقاتل في سبيل الله مؤمنة، ولما قلت "تقاتل في سبيل الله" عرفت أن الأخرى تقاتل في سبيل الشيطان.
فقوله تعالى: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ﴾ هذا اختصار لقولنا: قد كان لكم آية في فئتين التقتا، فئة مؤمنة تقاتل في سبيل الله، وأخرى كافرة تقاتل في سبيل الشيطان، فحصل ما يسمى بالاحتباك، وهو أن تحذف من كل من الطرفين ما يكتفى في الدلالة عليه بالطرف الآخر؛ تحذف من هنا ما يدل عليه الطرف الآخر، وتحذف من هنا ما يدل عليه الطرف الآخر.
فلو أنه لم ينظر في شيء من ذلك، ولا في معنى إسناد الإتيان إلى البغت على هذه الجهة والجهرة، فقلت: "إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة"؛ فهمت من "بغتة" أن "جهرة" فيها امتداد زمني، وفهمت من "جهرة" أن "بغتة" فيها الخفاء عن طريق الاحتباك.
أثبتت لك وجود الامتداد الزمني في الجهر عن طريق الإتيان، لأن الإتيان مع الجهر لا يكون إلا بامتداد، وأثبت لك بطريقة أخرى وجود الخفاء في البغتة بإسنادها إلى الإتيان. ولو قلت بالاحتباك سترى أن "بغتة" تثبت المدة الممتدة في "جهرة"، وأن "جهرة" تثبت الخفاء في "بغتة"؛ لأن الذي ساق إلى ذلك وجه الاحتباك بمقابلة الشيئين، فإذا جاز أن يكون مع كل منهما ما حذف منه الذي دل عليه الآخر، إذا جاز أن يكون مع كل طرف مثبت ما حذف منه مما أثبت في الطرف الآخر.
لما قال الله تعالى: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ثم قلت: "كافرة"، هذه المقابلة جاز أن تثبت في الأولى "مؤمنة" عكس الثانية، لأنها تجتمع مع "تقاتل في سبيل الله"، ولما قلت "كافرة" وقلت في الأولى "تقاتل في سبيل الله" جاز أن تثبت في الثانية أنها تقاتل في سبيل الشيطان، ولا تعارض بالاجتماع؛ لأن الكافرة تقاتل في سبيل الشيطان.
فشرط ذلك أن تثبت في المتقابلين ما حذف منه، بحيث يجوز أن يجتمع مع ما أثبت مما يثبته الطرف الآخر. فلو قلت: "إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة"، فهمت من "بغتة" أن "جهرة" كانت على امتداد، وفهمت من "جهرة" أن "بغتة" كانت على خفاء، وبذلك يجتمع الخفاء مع البغتة، ويجتمع الامتداد مع الجهرة. والخفاء يصح اجتماعه مع البغتة، والامتداد يصح امتداده مع الجهر، بل الخفاء لائق بالبغتة، والجهر أو الامتداد لائق مع الجهرة. تثبت ذلك بوجه الاحتباك.
إذا لم تفهم الإتيان وأنا أثبتته لك بالإتيان، فالرجل مزدوج، عدم الفهم وقع من قفص لم يتلقفه.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد