من ضمن اللاءات المطلقة، ولكنها أقل قلقاً من قول «ألا تزدود لما خلقت بيديه»، وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ * وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ * وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ ۗ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ ۖ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: 19-22].
طيب يا سيدي، دلوقتي أنا لما أقول لك: «لا يستوي أحمد ومحمد»، «تساوى» ده من الأفعال التي يشترك فيها اثنان، مش فعل يعمله واحد بس، بل فعل يعمله اثنان. فلما أقول لك: «تساوى أحمد ومحمد»، و«تساوى خالد وعلي»، و«تساوى إبراهيم ومحمود»، وعايز أعطف، أقول: «تساوى أحمد ومحمد وخالد وعلي وإبراهيم ومحمود».
طيب، عايز أنفي، أقول: «ما تساوى أحمد ومحمد ولا خالد وعلي ولا إبراهيم ومحمود». ما أقولش: «ولا خالد ولا علي»، وما أقولش: «ولا محمد ولا محمود». ليه؟ لأن أنا لو جررت الـ «لا» هنا، بقيت كأني عطفت وتراً على وتر، كأني عطفت الفرد على الفرد، مش زوج على زوج، مش شفع على شفع. المفروض أن أنا بعطف شفعاً على شفع؛ شفع أحمد ومحمد دول مع بعض، وخالد وعلي دول مع بعض، وإبراهيم ومحمود دول مع بعض، فلا أكرر ما بين الاثنين في الآية، الزوج أو الشفع الذي أعطيهم، وإلا لصار المعنى: «ما يستوي أحمد ومحمد، وما يستوي خالد وعلي، وما يستوي إبراهيم ومحمود»، وكأنك بتكرر الفعل بعد كل آية.
إذن الـ «لا» ليست الأصل في الآية، بل الأصل هو العطف، لكنه جاء باللاءات الكثيرة هذه زائدة للتوكيد. أنت الآن تريد أن تؤكد شيئاً، فيجب أن تتحرر في طريقة التوكيد الخاصة بك، وألا يكون هناك لبس في الكلام، حتى لا تكون الطريقة التي أكدت بها قد أحدثت لبساً.
ثانياً، أنت تؤكد ماذا؟ تؤكد أنه لا يوجد أحد في الدنيا ينكر أن الظلمات والنور لا يستويان، أو أن الأحياء والأموات لا يستويان. أنت تؤكد المشبه والمشبه به المحذوفين، حيث يُعبر بالظلمات عن الكفر وبالنور عن الإيمان. التوكيد هنا حاصل بالاستعارة نفسها، لأن الاستعارة هي أقوى أنواع التشبيه، حيث يكون المشبه والمشبه به شيئاً واحداً.
الفكرة كلها أن اللاءات جاءت زائدة، كما في قوله تعالى: ﴿لَا تَسْجُدُوا﴾، وكان الأولى ألا يذكرها لأنه ذاكرها كذلك، فهي زيادة غريبة فعلاً في الآية. قال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ﴾، ولم يكرر، لكنه لما جعل الأحياء والأموات قال: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾. فما في الأولى لم يضع «لا»، وفي الأخيرة وضع «لا»، مع أن المعنى واحد وهو عدم استواء الشيئين.
يقول أحدهم: «لو كررت (لا) فكأني عطفت وتراً على وتر، وأنا يجب أن أعطف شفعاً على شفع». ومن قال هذا؟ هذه هبدة مولدة يا إخوة، لكنها حلوة في اللسان، تعبر عن شيء لكنها ليست فصيحة. هذه هبدتك أقولها: تضر ظرفاً لا تفصحاً، هذا ليس صحيحاً.
هذا الشخص لا يفهم معنى «يستوي» ولا يفهم معنى العطف؛ أولاً لأن الأصل في الاستواء، عندما نقول «استوى فلان وفلان»، أن ينسب إلى الفاعلين جميعاً لأن كلا منهما تحقق منه الاستواء مع الآخر. وثانياً، وخذوا هذه العجيبة منه: التكرار للفعل الذي ذكره تقديره أو تصوره سببه ليس العطف، بل سببه الـ «لا».
هو يتخيل إعادة الفعل وتصوره في كل معطوف، لكن أي طالب في العربية درس وعرف أن فائدة العطف هي اختصار الكلام. عندما تقول: «جاء عمرو وزيد ومحمد»، فهذا اختصار لـ: «جاء زيد، جاء عمرو، جاء محمد». فالعطف يشرك في الحكم وفيما أسند إلى المعطوف عليه، ولذلك أخذ إعرابه؛ لأنه في الحقيقة تقديره: «جاء زيد، جاء عمرو، جاء محمد». وهذه هي فائدة العطف.
إذن الذي يحقق تصور الفعل وتخيله هو العطف بالواو، وليس الـ «لا». فالواوات التي في هذه الآيات هي التي تحقق ذلك، فليست المسألة في تكرار الفعل «يستوي»، بل في إعادة ذكر «لا»؛ هذه قضيتنا الآن. الفعل المكرر -أو الذي نتصوره- هو مكرر بالمعنى بسبب العطف لا بسبب اللاءات، هو مربوط بالعطف، وربطها باللاءات جهل عظيم.
«لا يستوي الأعمى والبصير» تعني: لا يستوي الأعمى ولا يستوي البصير، والفعل وقع منهما. ثم قضية «ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور» ليست الفكرة فيها العطف، بل الفكرة في الـ «لا»؛ فالـ «لا» هي التي زادت وأضيفت. حتى لو قلت: «لا يستوي الأعمى والبصير والظلمات والنور»، فالفعل أيضاً متصور بعد كل واو، لأن الفعل يقع من المعطوف والمعطوف عليه في المعنى، ولأن فائدة العطف اختصار الفعل.
فصارت المسألة الآن ليست في تكرار الفعل «يستوي»، وإنما في تكرار «لا»، أما الفعل فهو موجود متصور بمعناه بسبب العطف لا بسبب «لا». إذا عطفت، فـ «لا» موجودة، وهي علقت وجودها بـ «لا»، وهذه من عجمة وضعف العقل.
والآن صار السؤال: لماذا نكرر «لا»؟ إنما يكون تكرار «لا» لأجل إظهار العناية باستقلال المسند إليه (الفعل المنفي)، كما تقول مثلاً: «لم يجيء زيد».
أسألكم سؤالاً وأجيبوني بنعم أو لا، استعدوا للإجابة: لم يجيء زيدٌ ولا عمروٌ ولا محمدٌ ولا عليٌّ. هل تساوي في الغاية البلاغية: «لم يجيء زيدٌ ومحمدٌ»، «لم يجيء زيدٌ وعمروٌ ومحمدٌ وعليٌّ»، «لم يجيء زيدٌ ومحمدٌ وعمروٌ وعليٌّ»؟
لقد عُطفت بالواو فقط، ولم تُكرر «لا»، وجعلت الجميع. هل تساوي في الغرض؟ لا تساوي في الغرض. هل تساوي في أصل المعنى، أو ما سماه أخونا المضمون؟ هل تساوي في أصل المعنى، أي أصل الحدث؟ هل تساوي في أصل الحدث؟ لا، لا تساوي في الغاية والتعبير والانفعال وتحريك النفوس؛ هل تساوي في الغاية في التعبير في تحريك النفوس نحو الاهتمام بشيء ما؟ لا.
ما شاء الله، الناس صار عندها وعي. أنت تقول الآن: «لم يجيء زيدٌ ولا عمروٌ ولا محمدٌ ولا عليٌّ»، عمال تعطف وتراً على وتر، مش شفعاً على شفع، شكلك فاهم. يقول لك عمال يعطف وتراً على وتر؛ «لم يجيء زيدٌ ولا عمروٌ ولا محمدٌ ولا عليٌّ»، هو على مذهبه يقول: «لم يجيء زيدٌ ومحمدٌ وعمروٌ وعليٌّ» وخلاص، خلصنا. هذا أعجمي.
ففي قولك: «لم يجيء زيدٌ ولا محمدٌ ولا عمروٌ ولا عليٌّ» فيه العناية والاهتمام بعدم مجيء كل واحد منهم، على أن عدم مجيئه وحده حدث ينبغي أن تقف عنده ويحزنك. لما تقول: «لم يجيء زيدٌ وعمروٌ ومحمدٌ وعليٌّ» فهو حدث واحد. لما تقول: «لم يجيء زيدٌ ولا محمدٌ ولا عمروٌ ولا عليٌّ» كأنك في كل واحد تقول: تخيل، وحتى محمد لم يجيء، وحتى زيد لم يجيء، حتى عمرو لم يجيء، حتى فلان لم يجيء؛ هذا كأنك تظهر عنايتك بعدم مجيء كل واحد منهم كحدث مستقل.
صار الآن، بعد أن فهمنا لماذا أضيف ضيفه هكذا، ولماذا تعليقه باللآلات، عدم فهم لماذا في عبارات جُمع وفي عبارات لم يُجمع. احضروا المصاحف وافتحوا على سورة فاطر من الآية 1، صفحة 437 من مصحف المدينة. هنا سؤال، بقي أن كما سألنا هناك: لماذا في هذا الموضع «ما منعك أن تسجد»، وهنا «ما منعك إلا أن تسجد»؟ لماذا؟ هنا كذلك نسأل، فلماذا: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ * وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ * وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾ [فاطر: 19-21]؟ ولماذا هذا؟
قال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ * وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ * وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ ۗ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ ۖ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: 19-22]. ستلاحظون يا إخوة أن أول عبارة حقيقية وليست مجازاً، أول عبارة أقرب إلى الحقيقة لا إلى المجاز هي: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ﴾، صح؟ يعني هي تمثيل على طريقة الإقناع شديد على الإنسان بما لم يعتد به، نوع هذه العبارة حق العبارة الإقناعية التي يؤتى بها على طريقة البرهنة، حقها المباشرة في موقعها.
واشتراك الأعمى والبصير في نفي واحد؛ لأن ذلك شأن الإقناع الذي يقوم مقام البرهان. يعني مثلاً: «وما يستوي الأعمى ولا البصير» هنا لا يليق في هذا السياق، لأن الأعمى هو الأعمى حقيقة الذي لا يرى، والبصير الذي يبصر فعلاً، وهنا واجب في العبارة حذف التعبير، يقولون يحذف حذفا: «وما يستوي الأعمى والبصير».
أما بعد ذلك ترون: ﴿الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ وَالظِّلُّ وَالْحَرُورُ﴾، شوف التدرج. الأعمى والبصير حقيقة، ﴿الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ مجاز؛ اسمع، مجاز عن الذي يمشي كالأعمى بغير هداية، فالظلمات مجاز عن الذي يمشي كالأعمى بغير هداية، والنور عن الذي يمشي كالبصير بهداية. فالأعمى والبصير حقيقة، والظلمات والنور مجاز. وهذه من منازع القرآن: يخرجكم من الظلمات إلى النور، هل يعني من غرفة مظلمة؟ لا، الضلال ظلمات الكفر، ظلمات الجاهلية، ونور التوحيد، نور الهداية والتشريع. فالنبي ﷺ يخرجهم من الظلمات المجازية إلى النور المجازي. حتى لو فرضت مسلماً عاش في ليل دامس أو عاش أعمى وهو في نور، هو في الحقيقة في نور؛ هي الهداية والضلال. فالظلمات والنور هنا على المنزع القرآني، ليس الغرفة مظلمة أو ليل ونهار.
وترى أن ﴿الظِّلُّ وَالْحَرُورُ﴾ يأتي كذلك كالمجاز عن آثار الظلمات والنور، عما يترتب على السير في الظلمات والنور. فالظلمات والنور وُعد لها ومُثل لها بالحقيقة بالتمثيل الذي هو الإقناع الأول الذي سبق قياساً، وهو: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ﴾. بعد ذلك لما جاء مجازاً صار: ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ﴾، يعني لا هذا ولا هذا يستوي أحدهما مع الآخر، ولا الظل ولا الحرور؛ لأن الذي جاء بعد ذلك مجازات وهي المراد في نفسها، وليس الأعمى والبصير مراداً في نفسه. فصاحة العبارة الأولى أن تُحذف حذفا، هذا من تعبيرات بعض النقاد يقولون: يُحذف الكلام حذفا لا تقف عنده لأن هذا ما تقتضيه غايته.
وشوف في الآيات التالية فيها إشارة إلى أننا نقيس الثاني على الأول، شوف: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ * وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ * وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾، كل هذا لا يستوي. وكما لا يستوي الأعمى والبصير -وهذا بدهي- لا يستوي الظلمات ولا النور. أما الأول لا ينكرونه، الأعجمي يقول: هل هناك أحد ينكر الظلمات والنور؟ هي أنهي ظلمات وأنهي نور؟ كان الجمهور ينكر ذلك في هذا الوقت، وما زال العالم كله ينكر الظلمات والنور؛ ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾. طبعاً لا أحد ينكر الأعمى والبصير أنهما لا يستويان، ولهذا ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ﴾، عرفت هذه الحقيقة؟ ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ﴾ أيضاً مثل الأعمى والبصير، لأن هذه الثانية هي التي يكذب بها لأن المراد المعنى المجازي.
وهذا من منازع العيِّ الذي لا يفهمها، إن الظلمات والنور في القرآن مجازات عن الهداية والضلال، والظل والحرور هنا إشارة لما يترتب على ذلك في الدنيا أو الآخرة. يترتب على السير في الظلمات أو النور، وكل هذا مبني بالتأكيد باللامات المقلقة عند العيِّ، كل هذا مبني بهذه اللامات مؤكد بهذه اللامات، فهمت؟ لما أقول لك زيده التوكيد، يقول لك: «يزيده التوكيد»، فهمت معنى التوكيد؟ ما هو الذي كتبوا في التفسير؟ لا يعلمون، لم يتصوروا أن العيِّ سيأتي الحد سياتي يتكلم هكذا.
أكدت لأجل إسنادها إلى البديهي الأول، وهذا جواب استفسار العيِّ: طب لماذا وقعت في الأول دون لامات وبعد ذلك جاءت باللامات؟ هذا جوابه. وبعد ذلك: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾، يقول لك هو أعاد الاستواء، أعاد الفعل نفسه «يستوي»، لأن ذلك انتقال للسياق من أحوالهم في أنفسهم إلى أحوالهم مع ما يسمعون.
﴿أَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ﴾، خلاص، وما يستوي الأعمى والبصير. خذ عندك: ولا الظلمات كالأعمى والبصير. كل إنسان ما يستوي أبوك والغريب، خذ عندك ما يستوي أبوك والغريب، ولا ابن عمك ولا ابن خالتك ولا جارك ولا زميلك. هي الأولى بدهية سيقاس عليها فحذفت حذفا؛ «ما يستوي الأعمى والبصير»، ما يستوي أبوك والغريب، مفهوم لا نحتاج إلى «لا».
فيقول لك قياسا على ذلك: ولا ابن عمك ولا ابن خالتك، لو كان يفرق بينهما، ولا جارك ولا كذا، إذا كان سيبدأ بالتفريق بين أفراد يشك فيهم أو ينكر التفريق بينهما. لكن التفريق بين أبيك والغريب في الشارع لا يحتاج، ما يستوي أبوك والغريب، لكن ممكن يكون شخص يريد إقناعك بالفرق بين ابن عمك وابن خالتك، بين جارك وصديقك المقرب، بين زميلك في العمل والصديق، لا يستوي الصديق؛ فيحتاج إلى بنائها على ما حُذف حذفا. «ما يستوي أبوك وابن عمك، ما يستوي أبوك والغريب، ولا ابن عمك ولا ابن خالتك، ولا جارك ولا صديقك»؛ قياسا عليه، فلذلك جاءت اللامات فيما يستنكر ولم تأتِ فيما في الأول.
بعد ذلك أعيد الفعل في الأحياء والأموات لأن السياق انتقل من أحوالهم في أنفسهم إلى أحوالهم مع السماع: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ مَن يَشَاءُ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ﴾. انتقل من أحوالهم في أنفسهم إلى أحوالهم مع السماع، هذه الرسالة.
أما قوله بعد ذلك، فهو يقول: طبعاً فهمنا، ثم أنت في هذه الآيات ماذا تؤكد؟ الظلمات والنور، وهل يوجد أحد في الدنيا ينكر الظلمات والنور؟ إن الظلمات والنور لا يستويان. أنت تعيش في الظلمات، يا عيِّ أنت تعيش في الظلمات. معلش، أنا بعض الإخوة قال لي: «لا تشد عليه، ادعه وكذا»، أنا لست داعية، أنا أتكلم هذا، أنا على هذا الثغر فقط، أنا لست داعية ولم أفكر، وأخاف أن أعمل داعية فأقصر فأشعر بالذنب؛ لا، أنا لست داعيا، أنا أقف على هذا الثغر البياني البلاغي، أقف على كتاب الله على لسان العرب، بس لا يطالبني أحد بأكثر من ذلك.
هل يوجد أحد ينكر الظلمات والنور؟ أنت تنكرها لأنها المجاز، الإسلام والهداية والضلال والكفر، أنت تنكرها، لكن أنت تحسبها، أطفئ النور، شغل النور، النور والظلمات، الظلمات والنور، الظل والحرور، والله شر البلية ما يضحك فعلا.
بعد ذلك يقول: أين؟ في عبارة، طبعاً أنا أجبت عن سؤاله، والغريب أنه لم يكرر «لا» بين الأعمى والبصير، لماذا؟ إيش معنى؟ فاجبت عنها، يقول: طيب أنت تريد أن تؤكد شيئاً، فالمفروض هو أن تتحرى في طريقة التوكيد بحيث لا تحدث لبسا في الكلام. سيقول لك: لبس ليه؟ يقول لك: هنا لما تعمل لبس في الكلام، لما تذكر واحدة ورأى أخرى يعمل لبس، لازم تذكر شفعاً شفعاً مش وتراً وتراً. هو يقصد اللبس في الكلام، يعني ماذا؟ الظل والحرور والكذا والكذا، ممكن يفهمها وراء بعض، لكن نحن نريد شفعاً شفعاً، لا تقل مثلاً فلان ولا، قل مثلاً: لا يستوي الآية الظل ولا الظلمات والنور ولا الظل والحرور ولا الأحياء والأموات، يعني تذكر «لا» مع كل شفع، ليه؟ عشان ما يحصل لبس.
والذي يمنع اللبس هنا طبيعة التقابل، طبيعة التقابل تمنع اللبس. أي لبس؟ هو أنت معاق؟ أريد أن أفهم شيئاً، ركزوا معي: لا يستوي المجتهد والمهمل، لا يستوي المجتهد والمهمل، ولا القوي ولا الضعيف، ولا الذكي ولا الغبي. هل كل اثنين متقابلين وقع بسبب هذا الأسلوب لبس عندكم يا إخوة؟ هل وقع عندكم لبس في أن القوي مقرون بالضعيف، وأن الذكي مقرون بالغبي؟ هل وقع لبس عندكم؟ أسالكم، هل وقع لبس عندكم هنا؟ أجبوا، هل وقع لبس؟
لا يستوي المجتهد والمهمل، ولا القوي ولا الضعيف، ولا الذكي ولا الغبي. هل بسبب ذكري (اللامات) بعد كل وتر وتر، المفروض هو عملها وتراً وتراً، والمفروض تبقى شفعاً شفعاً؟ هو يقول لك محمد ﷺ أتى بها وتراً وتراً، المفروض تبقى شفعاً شفعاً. طب أنا سأجيبك وأختبر نفسك أمام المرآة أيها العيِّ: اقف أمام المرآة وقل: لا يستوي المجتهد والمهمل، ولا القوي ولا الضعيف، ولا الذكي ولا الغبي، هل حصل عندك لبس بأن المراد عدم استواء القوي مع الضعيف على حدة، واستواء الذكي مع الغبي على حدة؟
مجرد المقابلة تكفي في عدم الاشتباه، وأن الأربعة لا ينتظمها شيء واحد، وإنما القوي والضعيف ينتظمهما شيء، والذكي والغبي ينتظمهما شيء. وإذا فكرت بغير ذلك فأنت معاق، صراحة إذا وقفت أمام المرآة وتكلمت بغير هذا فأنت معاق لغوياً وذهنياً.
ثم أقول في الأخير، هذا آخر شيء في هذه الشبهة، وما سماها شبهة، أنا أسميها «مهم الشبهة». في الآية الأخيرة، هل أحد ينكر أن الأحياء والأموات لا يستويان؟ يقول: هل أحد ينكر أن الأحياء... ثم أنت في هذه الآيات ماذا تؤكد؟ الظلمات والنور، وهل يوجد وكذا، وهل بعد ذلك هل أحد ينكر أن الأحياء والأموات لا يستويان؟ طبعاً هو بهذا للأسف الشديد فقد شيئاً في... حتى إذا نظرنا إلى أن هذا شيء لا ينكره أحد، الطفل في علم البلاغة.
يعلم ما يعرف بمجيء الكلام مطابقًا لمقتضى الحال دون مقتضى الظاهر. ويمثلون بالبيت المشهور: جاء شقيق عارضًا رمحه ... إن بني عمك فيهم رماح
لو هذا البيت سمعه العيس لقال ماذا؟ ما هم عارفين أن بني عمه فيهم رماح، هو في جيش عربي، في الدنيا ما فيهوش رماح؟ هو في عربي ما عندوش رماح؟ في بيته سيف وقوس. البيت هكذا شطره الأول هو بيت الشاهد البلاغي المشهور الذي يدرسه الأطفال: جاء شقيق عارضًا رمحه.
جاء شقيق، يعني جاء إنسان ويضع الرمح بالعرض غير مستعد للقتال، فيقولون: إن بني عمك فيهم رماح. يقولون هذا لا يريد به الظاهر؛ لأنه يعلم أن بني عمه فيهم رماح، هو يعلم ذلك ولكن يريد بذلك ما ينبني على ذلك من اللازم، وهو وجوب الحذر؛ سيضربونك برماحهم وأنت غير مستعد.
فهو يأتي إلى الشيء، هذا لا ينكر على فرض صحته أنه ظلمات ونور وحقيقة وكذا، ولا يعرف أن الشيء الذي لا ينكر في ذاته قد ينزل منزلة الشيء الذي ينكر لشواهد وأمور قامت كالجهالة أو عدم أخذ العدة أو غير ذلك، فينزل العالم فيه منزلة الجاهل. هكذا قال البلاغيون بالنص: ينزل العالم منزلة الجاهل.
ومن جميل ما جاء في هذا أيها الإخوة، أن البلاغيين قالوا: كل ما قال فيه النبي ﷺ مؤكدًا، وكان المتلقي ليصدق، فهو من هذه البابة. قالوا: كل ما أكده النبي ﷺ مؤكدًا وكان المتلقي ليصدق، فإن كل ما أكده النبي ﷺ مؤكدًا هو من باب مطابقة الكلام لمقتضى الحال دون مقتضى الظاهر.
قالوا لأن مقتضى الظاهر أن النبي ﷺ مصدق، ولكن المتكلم النبي ﷺ أنزل ما يقول من غرابته ومن عنايته به منزلة ما لا يصدق، فليس لأنهم لا يصدقون، بل إنزال للنص الذي يصدق منزلة الذي لا يصدق لأجل العناية به.
حديث النبي ﷺ: «إن الله أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث». لو قال النبي ﷺ: «إن الله أعطى كل ذي حق»، ما هو نزل في القرآن فعلاً؟ ما هو موجود في القرآن آيات المواريث، ولكن أنزله منزلة الشيء الذي يُعنى به ويؤكد أن الله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث.
«إن الله قد حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله»، «إن الله تعالى كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح». كل ما فيه "إن" في الأول هو من هذه الأبواب. وهذا آخر، تمام. جواب العي هي...
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد