في بقى عندنا حاجتين أنا عامة بسميهم اللاءات المقلقة، في كده كم «لا» في القرآن مطلقة تفاوت عليك المعنى. أكثر واحدة مقلقة فيهم هي دي: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: 12]. ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي؟ جاءت «ما منعك»، «ألا تسجد»، «إذ أمرت».
هنا الطبري عرض عدة أقوال فيها، من ضمن هذه الأقوال أن «لا» هنا زائدة حشو. ممكن أحط لكم لينك تفسير الطبري علشان تطلعوا فيها على الأقوال؛ دكتور أحمد طلع لو حد يبعت له، إحنا ما طلعناهوش. ده يا جماعة لينك تفسير الطبري هتلاقوا فيه الأقوال اللي أنا بقولها دي.
أول قول من هذه الأقوال أن «لا» هنا زائدة حشو زي ما بتيجي في الشعر. الطبري يرد هذا الكلام؛ القرآن لا يصلح أن يكون فيه حشو، وده رد طبيعي ومنطقي لأن لو كان فيه حشو ده كان يبقى انتقاد بلاغي واضح. قال لك بعد كده إيه؟ قال لك «لا» هنا مزيدة للتوكيد مش حشو، زي ما قال: ﴿لَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: 75] للتوكيد، وزي ما بيقولوا إن «ما» التي تفعل كذا، يزيد «ما» بالتوكيد.
بس الحقيقة الطاهر بن عاشور اعترض على الأصل، قال لك إيه؟ قال لك الأصل أن إحنا بنؤكد الفعل، مش نؤكد عدم حصول وقوع الفعل. يعني الأصل أن التوكيد هو توكيد وقوع الفعل، واللي حصل هنا هو عدم السجود مش السجود، فمش من المستساغ عند الطاهر بن عاشور أن يكون في هنا توكيد.
وأحط لكم لينك التفسير بتاع الطاهر بن عاشور برضه علشان تشوفوا رد الطاهر بن عاشور على قصة أن «لا» هنا مزيدة للتوكيد. اقرأ لكم أنا كلامه دلوقتي في موضوع التوكيد ده: «وفي توجيه معنى التأكيد إلى الفعل مع كون السجود غير واقع، فلا ينبغي تأكيده؛ لأن التوكيد تحقيق حصول الفعل المؤكد، فلا ينبغي التأويل على هذا التأويل». هو نفسه رفض فكرة أنك تقول إن «لا» هنا مزيدة للتوكيد.
أنا الصراحة برضه برفضها لهذا السبب، ولسبب آخر، ألا وهو أن المفروض أنت لما بتؤكد على كلامك تؤكده، الواحد يا إما يكون منكر في اللي أنت بتقوله يا إما يكون متردد في اللي أنت بتقوله، إنما أنت دلوقتي موقف حاصل قدامك. مثلاً أخوك ماسك كوباية وراح رمى كسرها على الأرض، أنت هتقول له إيه اللي خلاك تكسر كوباية؟ مش هتقول له إيه اللي خلاك.. إيه اللي خلاك.. إيه اللي خلاك تكسر الكوباية؟ هي مش هتكرر حاجة علشان تأكد ليه؟ الموقف حاصل قدامك أنت شايفه وهو عارف إنك شايفه، فبالتالي مش مقام واحد بينكر أن الكلام ده حصل ولا إنه يتردد في أن الكلام ده حصل أصلاً، فلا داعي أصلاً للتوجيه. فهنا الحقيقة كل محاولات التوجيه فشلت.
إزاي بقى؟ قال لك والله أول جملة محذوفة، بعد «قال» لك «ما منعك أن تسجد»، فاحوجك إلى أن تسجد. يا سلام بقى يا سلام على الحلول اللوزعية! بصراحة تلاقوا الكلام ده برضه في التحاليل والتأويلات، تفسير الطبري وده اللي اختاروا الطاهر بن عاشور، وده اللي اختاروا ابن جرير الطبري؛ أن هم يأولوا جملة كاملة محذوفة.
طب يا جماعة ليه وجع القلب ده؟ كان قال «ما منعك أن تسجد»، قالها، ما هو قالها في موضع تاني: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لَمَّا خَلَقْتُكَ بِيَدَيَّ﴾ [ص: 75]. ليه كل هذا القلق بسبب «لا»؟ ويعني إيه الأول كده جمل من اللا شيء علشان نفسر حاجة مش مفهومة؟ هو فين الكلام ده في العرب؟ لما بتحذف كلام بيبقى ليه مبرر للحذف، وبيبقى في قرينة للحذف وما بقاش في هذا الغموض، وأنت مش محتاج تقعد تدور وراه، بكل بساطة تقول: «منعك أن تسجد»، موضوع بسيط. طبعاً كلام هذا النسق ليس على الدرجة العليا من البلاغة.
ما سمعتم هو استشكاله السابع وهو الذي سماه باللآءات المقلقة. يعني بحث من أحسن نوع؛ رأي عبد الفتاح العي، بحث من أحسن نوع. أنا أقرأ لمن لم يفهم المصرية، أو لمن سيستمع إلى المجلس ولا يعرف المصرية، ولا لوم عليه، إنما اللوم على عدم معرفة العربية. يقول هنا: «هناك ما أسميه اللآءات المقلقة». ما شاء الله، هو يسميه يعني، هو يقول لك أنا بسميه.
يقول: «في فعل مضارع يدل على الثبوت والتجدد، وهناك ما أسميه اللآءات المقلقة». يعني هناك لآءات مقلقة، مقلقة أنه يسميها اللآءات المقلقة. أحلى حاجة يكون فاهم. طبعاً أنا أقول نحن نتسلى، يعني نتسلى ونستفيد في نفس الوقت، لأنه بما أنه عينه غير موجودة وليس لا نعرف عينه، نعرف رسمه، علمه، أثره، حتى الأثر، ولكن قد يضع الله تعالى في بعض الأشخاص أسباباً، أي يكونون بها سبباً للإفادة، كما هنا جلسنا وصنعنا مجالس هذا القرآن.
كما يتندر بعض الإخوان يقول: يعني يا أبو قيس نقول لك نعمل مجالس في البلاغة القرآنية وتنشغل بالشعر وبالشعر الجاهلي وكذا، وفي الأخير الذي يأتي بك كائن كهذا؟ فقلت لهم معلش. يقول: «هناك ما أسميه اللآءات المقلقة، وأكثر "لا" مقلقة هي التي في الآية: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: 12]».
يقول العيي، وأنا أذكر كلمة العيي هنا في كل مرة أذكر العيي، أريد منها الذي لا يكاد يبين أو يستبين أو يتبين، العاجز. العيي هو العاجز، فيه ثقل هكذا. ولكن وحصر، إذا قلت الكلام بطلاقة اللسان تكون بانطلاق الذهن، ففيه حصر كذلك. نعم، فهو العيي الباحث، فهو يسمي نفسه الباحث في وسائل التواصل لمن لا يعرف، ولكنه عيي.
أنا ماذا أفعل؟ أقرأ هنا، يعني شغلت بتدوين رؤوس أقلام هكذا في الموضوع ليترتب الكلام وكذا، وفرغت كلامه، والله وأنا أشعر بخسران إلا أن أستحضر الأجر. أنا راجل قاعد سنين مع امرئ القيس والنابغة وزهير، وفي الآخر أقعد مع.. يعني حرام، حرام والله حرام. أجلس مع.. يعني يوم أن أتلطف بالشعر، يوم أن أنزل في الطبقة الشعرية وأشن في مسامعي بلطيف الشعر، أسمع إلى:
أهلاً بذلكم الخيال المقبلِ .. فعل الذي نهواه أو لم يفعلِ برقٌ سرى في بطن وجرةٍ .. فاهتدت بسناه أعناق الركاب الضللِ من غادةٍ منعت وتمنع نيلها .. فلو أنها بذلت لنا لم تبخـلِ كالبدر غير مخيلِ
كالبدر غير مخيل، والغصن غير ميل، والوضع غير مهيل. ما الحسن عندك يا سعاد بمحسن، فيما أتاه، ولا الجمال بمجمل. عذل المشوق، وإن من شيم الهوى في حيث يجهله لجاج العذل، ماذا عليك من انتظار متيم؟ بل ما يضرك وقفه في منزلي، إن سئل عن الجواب فلم يطق رجعا، فكيف يكون أن لم يسالي؟ لا تكلفني الدموع، فإن لي دمعا يتم عليه إن لم يفضلي.
ولقد سكنت من الصدود إلى النوى، والشري أرى عند أكل الحنظل. وكذاك طرفه حين أوجس ضربه في الرأس، هان عليه قطع الأكحل.
اترك هذا اللطيف، واجلس معي، المهم لنكن مع بعضنا ونستفيد، ونتندر، ونتذوق في البلاغة، وفي نفس الوقت كما قلت، بعض المسلمين في مستواه فربما يتأثر، وفي نفس الوقت تتعرفون إلى هذا النموذج.
يقول الأعيى: عرض الطبري فيها عدة أقوال، منها أنها زائدة حشوا، ورد الطبري هذا، وقال القرآن لا يكون فيه حشو. طبعاً هو قال بعض نحاة الكوفة، ونحن نعلم ما معنى الحشو كما نعرف من بعض كتب النقد من عقود متقدمة، في القرن الرابع كما في «عمدة ابن رشيق»، وأن الحشو حشوان، وأنه يمكن أن ينظر في الحشو من جهة معنى الزيادة، المرادف للزيادة التي لا تؤثر في أصل المعنى والإعراب ولكن تؤثر لفائدة، وننظر إليه من جهة أخرى، جهة نقدية، أنه الحشو، فلا يفرق بالضبط بين المصطلحات.
وعلى كل، الطبري في هذا نقل، قال بعض نحاة البصرة، مش أنه قول يعني قاله المفسرون، وكذا هو قصد، ودائما المفسرون الجامعون ليسوا ككتب الفقه التي فيها الخلاف والاعتبار؛ المفسرون عادة، لأنهم يتعاملون مع اللغة، يقصدون أحيانا إلى الاستقصاء، يعني أن يذكروا الأقوال المعتبرة وغير المعتبرة إذا اشتهرت وسارت بوجه من الوجوه، أو إذا كان هناك احتمال لقيلها، أو يذكرونها لأجل بيان أنها لا تصلح، يستبقون، وأحيانا ينقلون للتنبيه إليها، هذا يعرفه من درس العلوم.
لكن ليست هذه قضيتنا الآن إطلاقا، أنا لو أردت أن أحرر لكم نقله وكيف فهم هذه القضية، فهي قضية أخرى ربما نعقد فيها مجلسا، وربما لا على حسب. يقول منها أنها زائدة حشوا، ورد هذا الطبري وقال القرآن لا يكون فيه حشو، وقال هذا الطبري فعلا، ومنها أنها مزيدة للتوكيد لا حشوا، مثل: ﴿لَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾، ومثل: «أما فعلت كذا، أو أما فعلت كذا»، فما فما للتوكيد مفهوم.
«فأما تريني لا أغمض ساعة من الليل إلا أن أكب، فانعسى»؛ تأوبني داء القديم، فغلس امرؤ القيس. قال: لكن اعترض على هذا ابن عاشور، اعترض على الأصل، وقال: نحن نؤكد الفعل وليس نؤكد عدم وقوع الفعل، والحاصل هنا هو عدم السجود وليس السجود. ونقل كلام ابن عاشور فيما يقول: «وأنا أوافق ابن عاشور».
الأعيى يوافق ابن عاشور، قال: «وأنا أوافق ابن عاشور في عدم صحة الزيادة للتوكيد لهذا السبب، ولسبب آخر وهو عدم احتياج الموقف للتوكيد»، لأن التأكيد يكون لمنكر ونحو ذلك. لماذا نؤكد؟ ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾، يعني يا الذي لم يسجد، لم تسجد، على التأكيد؟
ويقول الأعيى: «فكل محاولات الترقيع فشلت»، فقاموا بالترقيع بأن أولوا بوجود جملة محذوفة بعد «لا»، والتقدير: ما منعك أن تسجد فاحوجك إلى ألا تسجد. يقول هو بالعامية المصرية: يا سلام على العقول اللوذعية! أتكلم عن الطبري، الأعيى يقول على الطبري: يا سلام على العقول اللوذعية! وهذا ما اختاره ابن عاشور والطبري، أولوا جملة كاملة محذوفة، اسمها قدروا جملة محذوفة، لكن أولوا جملة معناها أنها موجودة، وأولت عن وجهها، ويصح التأويل على وجه، لكن هنا العرف السائد في الاستعمال: قدّر أنت. أنت عالم تعترض على الطبري، فبلغتك قريبة، لا جابوا الشيء خلاص.
يقول بأن أولوا بوجود جملة محذوفة بعد «لا»، يعني أولوا الآية بوجود جملة، فسروا، جميل، أنا لا أعترض، لكن يقال هنا الأفضل: قدروا وجود جملة: ما منعك أن تسجد فاحوجك إلى ألا تسجد. يا سلام على العقول اللوذعية! وهذا ما اختاره ابن عاشور والطبري، أولوا جملة كاملة محذوفة.
ثم يقول بالمصرية: يا جماعة ليه وجع القلب ده؟ مكان قال: ما منعك أن تسجد، وهو قالها في موقع آخر في سورة «ص»، وهو قالها في موقع آخر: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾. هو قالها خلاص، هو مين اللي قالها؟ صاحب القرآن، وهو بيقول لك يا جماعة ليه وجع القلب ده؟ ليه وجع القلب ده؟ مكان ما قال: ما منعك أن تسجد، وهو قالها في موقع آخر، هو اللي قالها في القرآن، وهو بيقول لك يا جماعة ليه وجع القلب ده؟
ولماذا نؤول جملا من اللا شيء؟ لماذا نؤول جملا من اللا شيء؟ ما هو عنده مشكلة، يقول لك: ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا﴾، يقول لك: طب ما نحن نسير أصلا، ما نحن ماشيين، ما نحن عندنا رحلة الشتاء والصيف، عندنا رحلات إلى اليمن وإلى الهند، والعرب يرتحلون، لماذا تقول «سيروا» حشو؟ وقل «انظر» فقط لما تمشي، لما تنزل امشي.
هو لا يفهم هذا إطلاقا، ولا يعلم أن العرب توقع الأمر بالفعل على جهة أو على صفة معينة، كأنه أمر بأصل الفعل، إذا كان المراد إيقاعه على طريقة أو على وجه، حتى وإن كان يقع لكن بدون هذا الوجه، أو دون الوجه، كما قال قيس لحبيبته: «سيري وأرخي زمامه». طيب ما هي سيره؟ هو حد قال لك إنها واقفة في الصحراء، فقلت لها: سيري وأرخي زمامه. هو الأب يقول لابنه: انزل في الشارع، في الطريق، واسأل الناس، طب ما الابن ينزل، الناس ينزل طبيعي، انزل وتأمل في الخلق، طب ما هو ينزل، لكن هذا أمر بالسير على صفة، فيأمر برون به من أصل الفعل ابتداء. هو لا يفهم كل هذا أصلا، فهو يقول -أنا ما زلت أقرأ كلامه يا إخوة لمن لم يفهم المصرية- ولماذا نؤول جملا من اللا شيء لنفسر شيئا؟
غير مفهوم، غير مفهوم عنده. العرب لما تحذف، يكون هناك مجوز للحذف. يا سلام، أنا آسف، لا أستطيع أن أقرأ هذا قراءة موضوعية على صرفه؛ لأنه يعطيه قيمة وليس له قيمة. هذا الذي لا يعرف الفرق بين الصيغة الاسمية والصيغة الفعلية، وبين نفي المعنى ونفي كون المعنى؛ لا يفرق بين ﴿مَا أَنزَلْنَا﴾ وما كنا منزلين، لا يفرق بين ﴿مَا ظَلَمْنَا﴾ وما كنا ظالمين، لا يفرق بين الصيغتين.
هذا عيٌّ يا إخوة، حقيقة ليس رمياً له، هذا عيٌّ ثقيل. فهم العربية ليست لغته كما قلت؛ لا الأولى ولا الثانية ولا الثالثة، هي العامية لغته. العامية بك هذه كما سمعتموه، لكن العربية ليست لغته، لا يعرف أسرارها. وتعجبني الكلمة التي تنقل تقريبًا عن توماس تيرنس إليوت يقول: "الشعر لغة قومية، الفن قومي". لماذا يقول إن فيه أسرارًا لا يعرفها إلا أصحاب هذه اللغة في التراكيب ودلالاتها وخصائصها؟ فهذا لا يعرف شيئًا من ذلك.
يقول العرب لما تحذف، يكون هناك مجوز للحذف، صحيح، لكن ماذا لو كنت أنت غير عالم بالمجوز للحذف؟ وهذا الحذف وجه من الوجوه المذكورة بالمناسبة، وسنأتي إليه الآن. وسأبين أن اختلاف العلماء في الوجه في التأويل ليس اختلافًا أو ليس تأويلًا وتفسيرًا لتصحيح الكلام، وإنما لبيان الوجه البياني الذي أتى عليه الكلام.
يقول العرب لما تحذف، يكون هناك طبعًا... هذه شبهتان، اللاءات المقلقة، اللاءات الحزينة. العرب لما تحذف، يكون هناك مجوز للحذف ولا بد من قرينة للحذف. هو في الطبري مش عارف قرينة للحذف، وابن عاشور لا يعرف قرينة للحذف، أو توجد قرينة أكثر من "لا" التي تقول إنها زائدة؛ هذه قرينة. يقول لك ما فيش قرينة للحذف، ما هو مش فاهم، هو لم يفهم العبارة فلم يستطع تصور القرينة. يا رجل، لم يستطع أن يتصور المقابلة الحاصلة بين بغته وجهره، يعني لو لم ينتبه إلى الدلالة في الإتيان، فكان يمكنه أن ينتبه إلى الدلالة في الاحتباك.
﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا﴾ [الأنفال: 39]. هذه لو أنا طالبته بأن ينقض القرآن، يعني أن يأتي بشبهات، وأنا وعدته أمس أن أنشر له الرابط بقناتي وبصفحتي في اليوتيوب، يسجل على اليوتيوب ويرفع وأنا آخذ الرابط أنشره عندي في اليوتيوب وفي الفيسبوك، أنا وعدته بهذا وأقسمت عليه. فأنا أعطيه شبهة في هذا أيضًا: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا﴾؛ فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة. هذه ليست مقابلة صحيحة؛ إما أن يقول: فئة تقاتل في سبيل الله وفئة تقاتل في سبيل الشيطان، وإما أن يقول: فئة مؤمنة وفئة كافرة. أما هذه ليست مقابلة صحيحة، هذا كلام ليس في ذروة البلاغة. هذا يسمى الاحتباك عند العرب، وهو من أساليب الإيجاز؛ حينما يحذفون من المتقابلين ما يدل عليه المثبت في الآخر، على شرط جواز إلحاق المعنى بالمعنى.
وهذا يا مساء الطيب والأنوار، دكتورنا عبد القدوس الحبيب، على الرأس، يسعدنا حضورك ونستفيد منك ونحن نتكلم في صمتك يا مولانا. رضي الله عنكم، دكتور عبد القدوس من آل عبد القدوس القضاة، هؤلاء أسياد النشامى بحق، آل القضاة رضي الله عنهم وأرضاهم، وعليهم سلام الله، فهم من آل البيت، حسينيون عليهم سلام الله. آل القضاة، رحم الله الشيخ محمد علي سلمان القضاة، والد الحبيب عبد القدوس، وكان متذوقًا أديبًا، ورحم الله الشيخ نوح القضاة، كان مفتي الأردن، المملكة الهاشمية الأردنية، رحمه الله ورضي عنه وعليهما سلام الله. رضي الله عنكم يا مولانا.
كنت في أي جزء أيها الإخوة؟ حول ماذا؟ حول الاحتباك. كنت أقول وهذا من طرق الإيجاز في القرآن وتكثيف المعنى بتقليل اللفظ. وهناك طريق أخرى يعرفها النحاة وينصون عليها لأنها تأتي في عظم التركيب. النحوي ربما لا يلزمه أن يتكلم عن الاحتباك والبلاغة في ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾؛ لأنه لا يعنيه إلا صحة المقابلة ولا يعنيه إلا استقامة الكلام، ربما لا يتكلم عن المعاني الزائدة هنا، لكنه مضطر إلى الكلام عن ماذا؟ التضمين. لأن التضمين يكون ظاهرًا في جسم الكلام، حينما يُعد الفعل المتعدي ويُعامل معاملة اللازم في تعديته بالحرف، وسياتي معنا الكلام إن شاء الله. هذا أيضًا من أساليب الإيجاز في القرآن والبلاغة، وهذا يندرج تحت مبدأ عام اسمه التضمين، تندرج صوره تحت عنوان عام هو التوهيم، وسياتي الحديث في ذلك.
وأعد المصاحف معكم يا إخوة، لأنكم سيبهركم بيان القرآن بما تقرأون. جهزوا المصاحف لأجل هذا الموضع على الخصوص؛ سيبهركم بيان القرآن، وستعلمون ما معنى أن يطابق الكلام مقتضى الحال أو الغرض، لأن الغرض في البلاغة هو الحال. ليس الحالة الواقعة من حول هذا في مطلق البلاغة العامة، لكن لما نتكلم عن بلاغة النصوص كالقصائد مثلاً، يقال مطابقة الكلام لمقتضى الغرض، ونبه إلى هذا الدكتور محمد أبو موسى.
فيقول العرب لما تحذف، يكون هناك مجوز للحذف ولا بد من قرينة للحذف؛ يعني "لا" الزائدة مش قرينة؟ لكن هو عقله لم يذهب إليها كما لم يذهب إلى كل ما سبق. ثم يقول: ومن اللاءات المقلقة، ومن التبعيضية. طبعًا اللاءات المقلقة كثيرة في القرآن التي أسميها المقلقة، وهذه منها، وإن كانت أقل قلقًا من السابقة. يا سلام، دي عايزة رشفة شاي! هذا العيّ يقول: "وإن كانت أقل قلقًا". والله أنت يقلقك حرف الجر الواضح، الحمد لله رب العالمين. أنت يقلقك هشام الجخ مش القرآن، أنت يقلقك الشعر العامي.
عجيب، أنا لا أستطيع أن أتجاوز هذه الطرافة، هي طرافة يا إخوة حقيقة. عارف، زي ما يأتي مثلًا طالب علم، طالب فقه، وعايز يقول بقى إنه أصبح يدرس المذاهب الفقهية، فيأتي ويقول: "ومن مذهبنا فرضية الصلاة والزكاة والصيام والحج، ومن مذهبنا حرمة الزنا، ومن مذهبنا حرمة شرب الخمر". هذه الأحكام قاطعة في مذهب الإمام، هو بالضبط.
"وإن كانت أقل قلقًا". ما علينا، ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ * وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ * وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ * وَلَا الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر: 19-22]. يقول أنت تقول كما سمعتم، لكن لمن لا يعرف العربية المصرية؛ أنت تقول: ما تساوى أحمد ومحمد ولا خالد.
«وعلي ولا محمد ولا محمد ومحمود ولا محمد ومحمود»، لماذا أكرر له؟ يقول لو كررت له، أو لو كررت لا، فكأني عطفت وترا على وتر. يا سلام! شكلك فاهم يا نصه! فكأنك عطفت وترا على وتر، مصيبة، أنا شايف دماغه. فيا حبسته بقى لو تيجي على عجل وساق.
والله أنا أرى طرافة، يقول: أنا ما زلت لم أتنوّل الكلام، لكن مستواه عرفناه وعشنا معه. يقول لو كررت لا فكأني عطفت وترا على وتر، وأنا يجب أن أعطف شفعا على شفع. ولماذا يجب؟ أنا يجب أن أعطف شفعا على شفع؛ أحمد ومحمد مع بعض، خالد وعلي مع بعض، وهكذا. فلو كررت لا، كان المعنى كالاتي: ألا يستوي أحمد ولا يستوي محمد، ولا يستوي خالد ولا يستوي علي، كأنك تكرر الفعل بعد كل لا. هذا الأصل في العطف.
يا نصه، قبل ما نتكلم، هذا الذي يقدر الفعل العطف وليس لا، سيأتي الآن التوضيح. يقول لك هذا الأصل في العطف، ويقول العي، لكن هو جاء بها زائدة. لماذا جاء بها زائدة؟ قالوا للتوكيد. وأنت تريد أن تؤكد شيئا، فالمفروض هو أن تتحرى في طريقة التوكيد بحيث لا تحدث لبسا في الكلام.
ثم أنت في هذه الآيات ماذا تؤكد؟ هو لبسي، لماذا يا إخوة؟ ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ * وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ * وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾ [سبأ: 37]. هو يقول أنت هنا لن ترى اثنين، يعني لن ترى العطف، أنك تعطف النور على الظلمات، والحرور على الظل، والأموات على الأحياء. لا، هو يقول أنت عندك مشكلة أنك لما تقول: ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور، يبقى بتعطف كل ده على الظلمات، متخيل؟
ثم أقول آخر كلامه، ثم أنت في هذه الآيات ماذا تؤكد؟ الظلمات والنور، وهل يوجد أحد في الدنيا ينكر أن الظلمات والنور لا تستويان؟ هل أحد ينكر أن الأحياء والأموات لا يستويان؟ ثم يقول: والغريب أنه لم يكرر لا بين الأعمى والبصير، لماذا؟ ما معنى هذا؟
طبعا هو لما أورد كلام الطبري في الوجوه بهذا المستوى وبهذه الطريقة من نقد هذه الوجوه، يتعرض لانتقاد ما لا يعرفه من الأصل، وأنا سأبين هذا الآن. تخيلوا أن يتعرض لانتقاد القرآن، بل لنقده شخص لا يعرف الوجوه الرئيسة، كوجه رئيس من وجوه التقدير الدلالي في اللغة العربية، وهو كثير في الشعر: التقدير الدلالي بدلالات الكلام والسياق.
هو قال العرب طيب ما هم، ومع ذلك أنا لا أتداول الآن قضية تقدير الجملة ولا وجه مما ذكره الطبري، لكن أنا أريد أن أرى حيثية هذا المتكلم في فهم هذه الوجوه، سواء وقعت الإصابة في ذاتها في المؤولين أو لم تقع. فعلى فكرة زيادة "لا" مثلا، ووقوعها في الشعر، نحن عندنا ما هو أكثر من زيادة "لا"، عندنا فكرة حذف "لا".
مثلا هو يقول لك اللبس وما اللبس، امرؤ القيس يقول: سَمَوْتُ إِلَيْهَا بَعْدَمَا نَامَ أَهْلُهَا *** سُمُوَّ حُبَابِ الْمَاءِ حَالًا عَلَى حَالِ فَقَالَتْ سَبَاكَ اللَّهُ إِنَّكَ فَاضِحِي *** أَلَسْتَ تَرَى السَّمَارَ وَالنَّاسَ أَحْوَالِي؟ فَقُلْتُ يَمِينَ اللَّهِ أَبْرَحُ قَاعِدًا
"أبرح" يعني ماذا؟ "أبرح قاعدا" يمين الله "أبرح قاعدا" يعني أنصرف ولا أبقى؟ ظاهر يمين الله "أبرح قاعدا" يعني أنصرف ولا أبقى يا إخوة، ليس ما تعرفون، بدون تقدير "لا". فقلت يمين الله أبرح قاعدا، يعني ماذا؟ قالوا يقدرون هنا "لا": يمين الله لا أبرح قاعدا.
ما الذي جعلهم يقدرون "لا"؟ هذا لو كان عرض عليه شعر القياس لقال هذا يحدث لبسا، كيف تحذف "لا"؟ كيف تحذف له وتقول نقدرها موجودة؟ ما يمكن، خاف. هو يقول لك كده، طب ما يمكن خاف "أبرح"، يمين الله أبرح؛ هذا لبس، ولن يرى "لا" كلمة، قاعدا ولن يفهم رقة السياق واتجاه المعنى، لن يفهم شيئا من هذا. فهذه مشكلة عنده، فعقل هذا الأعجمي كما أرى في كلامه أمامي، عقله أبعد شيء عن التقديرات التي يدل عليها الكلام.
بل نحن عندنا من الحذف كذلك. تخيل هذا الذي أتى بوجوه الطبري وأخذ يعترض عليها دون تمحيص؛ أنا لا أتكلم الآن عن صحة وجوه الطبري، أتكلم عن هل هذا الإنسان قادر على مناقشة هذا؟ أم اعترض على الوجوه لذاتها لأنه رأى أنها لم تثبت الدلالات عليها؟ نحن لن نتكلم عن ثبوت الدلالات عليها، سنتكلم عن الدلالة الأقوى في تحقيق الرتبة، وسأشرح كل هذا الآن، والبث محفوظ يمكنك أن تراجعه وتتهنى. هذه بلاغة ودراسة تحتاج إلى تأني، ليست سلق بيض وشرحها للناس.
أنا أعرف أشخاصا، منهم دكتور عبد القدوس، إذا قرأنا مثل هذا الكلام بنظرة واحدة من أعيننا مع ابتسامة، تفهم منها أننا فهمنا كل ما أقوله أنا الآن. أنا كلامي والله على الحقيقة ليس على المجاز، نحن ننظر في أعين بعضنا ونبتسم لأننا نفهم هذا، لكن شرح هذا للناس كما قلت في الأول سأفصل، لأنني أشرح للناس.
سأتكلم عن هذا إن شاء الله، نقول نحن عندنا نوع آخر من التقدير، تعرف تقدير ماذا؟ خذ عندك تقدير الفعل الذي يحذف ويبقى عمله. طبعا هو هنا سيكون تاء، خلاص يقول لك أنا فين الكلام؟ الكلام كله راح أين؟ الدلالة لابد أن تتأنق في الكلام وتظهر الفعل. امرؤ القيس يقول: لَيَالِيَ يَا سَلْمَى إِذْ تَرَيْنَ مُنَصَّبًا *** وَجِيدًا كَجِيدِ الرِّئْمِ لَيْسَ بِمُعْطَاءِ نَجِيبُ السِّيَاقَ أَلَا صَبَاحًا أَوْ دِيَارَ لِسَلْمَى عافِيَاتٍ بِذِي خَالِي.
تزال تراطلا من البيض أو وح من ال تراطلا وتحسب سلمى لا تزال تراطلا من الوحش أو بيضا بميثاء محلالي وتحسب سلمى لا تزال كعهدنا بوادي الخزامة أو على رس أو عالي ليالي يا سلمى إذ تريك منصبا ليالي يا سلمى ليه لماذا نصب ليالي على ماذا؟
ليالي: مفعول به لفعل محذوف، يقدر: اذكر ليالي يا سلمى. ما الذي قضى بهذا التقدير المحذوف؟ ليس هناك -كما في هذه الآية- زيادة، لا ليس هناك شيء إلا فهمك للسياق. «ليالي يا سلمى إذ تريك منصبا»؛ لو قرأها مئة سياق إذا ما كان امرؤ القيس يجيب له الكلمة، يقول له: اذكر ليالي يا سلمى، اذكر ليالي يا سلمى، ما فهم شيئًا. فيقول له: حذفت ما نضطرب في فهمه، هو لا يفهم شيئًا أصلًا، هذا لا يفهم بين ما فعلت وما كنت فاعلاً، ما يفهم الفرق بين العبارتين.
مر معكم هذا أمس، صح؟ فنحن عندنا «ليالي يا سلمى» هذا تقدير، وعندنا كـ... إذا كان لا يفهم الزيادات، ولا يفهم المحذوفات، ولا يقدر على تقديرها بدلالة السياقات، كيف سيفهم التوهيم أو التضمين؟ وكيف سيفهمه، وهو أحد وجوه الإيجاز وتكثيف الدلالة، وهو الوجه الذي جاءت عليه سورة الأعراف، الموضع الذي استشكل؟
للأسف الشديد، كنت أتحدث اليوم مع بعض الفضلاء، حدثني في هذا الأمر في هذه المجالس، قلت له: العجيب، هل أستطيع الآن -أنا مثلاً أقرأ الإنجليزية- هل أستطيع أن أجادل في بلاغة الإنجليزية؟ في مسائل في بلاغة الإنجليزية؟ أقول له: لا أستطيع. لكن ربما أستطيع المناقشة في الأمور العقلية، ربما أتفلسف، وربما حتى وإن لم أدرس المنطق ربما أتكلم بالمنطق؛ ليس شرطًا أن أقول لك مقدمة صغرى ومقدمة كبرى ونتيجة، وليس شرطًا أن أقول لك كل جابه وكل باجا كما في متن «منطق» الذي درسته على أحد مشايخي الهنود.
أنا بعد أن درست عدة كتب في المنطق على يد مشايخ متخصصين، أحدهم هندي -لأن هذا العلم مادته علم الأعاجم عادةً- بعد ذلك شعرت أنني كنت أسرع ذهناً في التفكير من تعلم المنطق. المهم، يستطيع أن يناقش في المنطق وأن يتفلسف، أناس يتكلمون بالعقل؛ لأن هذا الباب مناطه العقل. لكن لما تكون اللغة، أنت عندك قريحة ومن أهل هذه اللغة أو لا؟ تجادل في شيء أساسه القريحة، تطلع حمارًا. لا تستطيع.
أنا مثلاً الآن وأنا في العراق وفي الأردن، كنت أسمع شعراً بدوياً أفهم نصفه ولا أفهم نصفه الثاني. ومعنا حبيبي عبد القدوس يقول شعراً بدوياً بالمناسبة، وكان في العراق الشعر البدوي -ما شاء الله- في ناس شعراء بدوي للشار، بدوي العميشده... أقعد أحلل الكلام، ألاقي كل... أنا مش فاهم المقاطع، بس في لقطت كلام، نصف الكلام فهمته، خلاص. لكن هل أستطيع أن أجادل فيه وأعيه؟ قريحتي ليست في البدو، ليست في شعر البادية أو النبطي أو العام، وإن كنت وجدت فيما وجدت في العراق كلاماً جميلاً، لكن يظل في فن شعبي، يظل كذلك.
أخونا السماوي، ما أنت سماوي عراقي يا مولانا، طبعاً تفهمه كله، أنت من بادية العراق أصلاً. المهم أنا أشك أن البغدادي يفهمه، أشك. لكن هو أنشده في مسجد الإمام أبي حنيفة، كلمة خالد قال لك لو يبطئ في الغالب ستفهمه كله، صح؟ أخونا الحبيب المرافق سيد عباس أنشده في مسجد الإمام أبي حنيفة مع إمام المسجد، فتفاجأت بانفعال الشيخ وأنه طلب منه -وقال له- أعدها، أعد القصيدة، وأعادها له، كان سعيداً وطائراً بها.
المهم، القضية اللغوية قضية ليست قضية جدال ومكابرة، فهذا حمق. هذا حمق الدخول فيما لا تحسن، فيما لم تنشأ عليه، فيما لم تدرسه وتعيشه. فمثلاً عندك من هذه المواقع ما يعرف بالتضمين في القرآن، قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63].
«فليحذر الذين يخالفون عن أمره»، وقف النحاة هنا في التضمين، هذا اسمه تضمين يا إخوة، وهذا اصطلاح نحوي قبل أن يكون بلاغياً، وإذا كان في البلاغة فهو من النحو، ويستعمل تحت اصطلاح أعم يشمله، وربما يشمل صوراً غير التضمين النحوي، اسمه التوهيم.
«فليحذر الذين يخالفون أمره»؛ الفعل «يخالفون» فعل متعدٍ، يعني الأصل أن يتعدى أثره بالنصب في مفعول، «فليحذر الذين يخالفون أمره»، هذا الأصل. الذي يتعدى بالحرف هو الفعل اللازم. الفعل اللازم هو الذي يحصل في نفس الفاعل ولا يتعدى أثره إلى مفعول، وإنما يتعدى بالحرف، يعني مثلاً: يجلس، هل أنا أجلس كذا؟ لا، لكن «أجلس على»، «أمشي في»، «أمشي على»، «أمشي فوق»، «أمشي تحت»؛ فهو يتعدى بالحرف.
فالأصل في الفعل المتعدي أن يتعدى بنفسه، والنحاة يقولون يتعدى بنفسه، والفعل اللازم يتعدى بالحرف بغيره. أحياناً يريد المتكلم تكثيف الدلالة، فيرتكب شيئين؛ هذا من أساليب تحميل الكلمة معنى كلمة أخرى دون زيادة هذه الكلمة، وهذا من باب الإيجاز في العربية.
ففي نص القرآن: «فليحذر الذين يخالفون أمره» -لا، هذا الأصل- ولكن «يخالفون عن أمره». الفعل بصيغته «يخالفون» دل على فعل المخالفة أنك خالفت الأمر، ولكن المراد هنا أن تكون المخالفة عن عدم إذعان وعن انصراف، والانصراف والتحويل هو الفعل اللازم الذي أريد تضمينه في لفظ المخالفة دون زيادته، دون أن يقال «يخالفون منصرفين». فعمل الفعل المتعدي «يخالفون» بالتعدية بالحرف الظاهر في جسم الكلام، ليوحي ذلك الحرف بأن هناك معنى آخر في كلمة «يخالفون»، يتعدى، وهذا المعنى يناسب أن يجاور المخالفة. فإذا صار معنى قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ أنهم يخالفون منصرفين غير مذعنين، من أين جئت بـ«مذعنين» أو «منصرفين غير مذعنين»؟ من التعدية بالحرف؛ الله لم يقل ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ أَمْرَهُ﴾ وإنما قال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾.
الذين يخالفون عن أمره. ولك أن تقيس على ذلك، أن تجرب أن تأتي بأفعال وتريد أن تأتي بها بصيغة الحال، بكلمة أخرى: كيف يمكنك تعدية الكلمة الأولى أو الفعل الأول بحرف يخلق في داخله معنى الكلمة التي أردت أن تأتي بها حالاً؟
هذا في العربية يسمى التضمين، يقال: الكلمة دلت بصيغتها على المخالفة وهي الفعل المتعدي، ودلت بتعديتها بالحرف على المعنى الآخر الذي تحمله اللفظة ولم ينص عليه، ليس من صيغتها وإنما من تركيبها بإسنادها مع حرف الجر الذي تعدت به. هذا هو معنى التعدية، وكما قلت: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: 63]، هذا من أساليب التكثيف وتحميل اللفظة أكثر من معنى في كلام العرب.
وهذا الذي وقع في سورة الأعراف هو نوع من هذا التوهيم والتضمين، يدخل تحت مبدأ عام يسمى التوهيم، وهو إيهامك بالكلام أنه سيقع في السياق على هيئة معينة، ولكن يأتي بعد الكلمة شيء يدل على أنه أريد من الكلمة الأخرى شيء آخر؛ نوع من المناورة اللغوية، والمناورات اللغوية من أساليب الكلام البليغ، فهذا يسمى التوهيم.
تعالوا الآن إلى الموقع من سورة الأعراف: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾. بعض البلاغيين -وللأسف حظي هذا الولد - أني حاولت في هذه الأيام تذكر ما قرأت في هذا من تفسير بالتوهيم، لكن لم يرد بذهني فاكتفيت بالشرح، لكن قالها بعض المفسرين المعاصرين، وبينها وفسرها ونص عليها في تفسيره، أظنه معاصراً، غلب على ظني أنه متأخر، لكن عهدي بذلك بعيد، ربما عهد أعوام تقريباً أو كذا لا أذكر. ربما كان الدرويش في «إعراب القرآن الكريم وبيانه» أو شيء من هذا أو بلاغته، سنبحث ونحن الآن مع بعضنا.
لكن دعونا ندخل في الأمر الأول: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾. قالوا هنا وقع توهيم أو ما يشبه التضمين في «منعك»، والدلالة على هذا -كما كانت في التضمين التعدية بالحرف- الدلالة على هذا هي الـ «لا» في ﴿أَلَّا تَسْجُدَ﴾. فإذا قلت: «ما منعك لا تستعجلوا»، نحن سنرجع إن شاء الله إلى القرآن، جهزوا المصاحف يا إخوة، قلت لكم جهزوا المصاحف، معك ولا تمسه إلا متوضئاً يا إخوة، وإلا فافتح على اللابتوب أو على الهاتف أو الآيباد.
﴿أَلَّا تَسْجُدَ﴾ ضُمِّنت في معنى منعك «التصيرير»، يعني صيرك ممتنعاً عن السجود. ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ أصلها: «ما منعك أن تسجد»، يعني ما منعك السجود؟ صح؟ ما منعك من السجود؟ صح؟ لكن «ما منعك ألا تكون ساجداً». قالوا هنا: صيغة «ألا تكون» ردت الذهن إلى معنى منعك، وأوجدت فيه معنى التصيرير الذي هو أقرب المعاني إلى المنع، يعني: ما صيرك إلا لتكون من الساجدين؟ وقالوا هذا التوهيم.
وقبل ذلك هنا السؤال الذي يأتي: لماذا؟ ما هو العيب؟ قال: طب ما أنت قلتها فعلاً من قبل: «ما منعك أن تسجد»، خلاص، لما خُلقت بيدي، طب ما هو قالها كذا؟ هو معه حق. لكن نحن نحتاج إلى النظر في السياقين، وإلى مواقع الألفاظ في مجال المعاني، وإلى توخي معاني النحو والمفردات بحسب ما يقتضيه الأغراض. الفرق أيها الإخوة أنني من دهر طويل أقرأ المصحف بغرض استجلاء البلاغة، فالوقوف على مثل هذه السياقات وشرح هذه السياقات بعد ذلك هو درر قديمة.
تعالوا الآن، لعل الله فتح علي بتذكر كلام أن الكتاب عند الدرويش، محمود الدرويش تقريباً، محمد. تعالوا لحظة واحدة، طبعاً أنا لن ألوم إذا وجدتها هنا، لن ألوم الباحث على أنه لم يبحث هنا؛ إذا كنت أنا نسيت الموضع لكن لم أنسَ الكتاب، لا ألومه، المفروض كان يبحث. هذا يا إخوة كتاب «إعراب القرآن الكريم وبيانه» للشيخ محيي الدين الدرويش، هذا من الكتب المعاصرة الجيدة ونصحت به كثيراً يا إخوة، يأتي بالآيات وبالقطع وبالفصول من السورة ثم أحياناً يعلق عليها بما فيها من البلاغة وكذا. تفضلوا الشاي يا إخوان، براد بلدي مصري.
سورة الأعراف، كم رقم الآية؟ الثانية عشر. هذا في طبعة ابن كثير واليمامة، المجلد الثاني، الأعراف في المجلد الثاني، الآية الثانية عشر، جاءت ضمن... آه، المجلد الثاني صفحة 521 تحت كلمة البلاغة مباشرة، يقول الشيخ في قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾: «فإن "ألا تسجد" فن التوهيم».
الحمد لله على التذكر، يا أخي أنا بقالي يومين بتذكرها، مش عارف أتذكر الموقف وارتجالاً هكذا، سبحان الله، الحمد لله. يقول في قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾: «فن التوهيم»، هذا الشيخ يقول هذا من علماء حماة، هو والشيخ محمد علي طه الدرة، حمويان، صحيح من حمص لا من حماه وحماه آخر، أخرجه علماء كثر.
في قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ فن التوهيم، وقد تقدم الإلماح إليه، وهو يقول الإلماح -طبعاً معناها ليس التلميع- الإلماح يعني الإلماح، وقد تقدم الإلماح إليه، أي أن يأتي المتكلم بكلمة توهم ما بعدها من الكلام، توهم أن المتكلم أراد تصحيفها أو تحريفها أو اختلاف إعرابها أو اختلاف معناها. فإن الظاهر: «ما منعك من السجود»، والتاويل الذي يرد هذا الكلام أن العلماء قالوا: «ما منعك» أي: «ما صيرك ممتنعاً من السجود»، أي: «ما صيرك إلى عدم السجود»، «ما صيرك بهذا المنع» كما يخالفون عن أمره. ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾، طب ثواني، أنت هكذا يا أبا قيس، لماذا جاءت هنا هكذا وهناك هكذا؟ أنا محتاج سياق، وهذا حقك الصراحة، حقك أن تطالب بالسياق، لكن قبل ذلك دعني أقول شيئين: الشيء الأول أن هذا لأن ممكن الآخر يقول لك: «أنا مش فاهم حاجة»، يعمل لك كده. هذا التضمين وهذا التوهيم فن موجود في الكلام العالي، أي أن تدل الكلمة على معنى بلفظها وعلى...
معنى آخر بموقعها وسياقها ومعاملتها النحوية، وهو أحد أساليب تكثيف الدلالة التي يعرفها أهل اللغة جميعًا ويمتلئ بها الشعر. بيفصل في البلاغة. ليس ذنبنا أن العيَّ لا يعرفها.
هذا الشيء الأول، والشيء الثاني حتى لا يفوتني قضية الوجوه، بعد ذلك أقول: إطلاق أو اختلاف العلماء في الوجه الذي حصل، أو الوجه الذي يُقدر به وجود هذا النفي أو وجود هذا النفي، ما منعك؛ سواء قيلت زائدة لتوكيد، أو قيلت بتقدير جملة، أو قيل بكذا. هذه العبارة ليست عبارة عن اختلاف في الوجوه تصح أو لا في ذاتها، بل هي اختلاف. اسمع معي هذه نقطة لا بد أن أوضحها: هذا كله أيها الإخوة اختلاف في ماذا؟ اختلاف في الوجوه التي تتحقق بها البلاغة في هذه الآية. وليست، مثلا، الكلام على زيادة كما هو أورد هنا الكلام على زيادة اللفظة للتوكيد، أو الكلام على تقدير الجملة المحذوفة.
هناك قول آخر عند الطبري، أنا أذكره، أن "منعك" بمعنى القول، هذا ذكره الطبري ولم يذكره العي، لكن أنا أذكره في الطبري؛ لأن الطبري مما أدمن قراءته من سنين، ثم صرت منه إلى تهذيب الشيخ رحمه الله صلاح الخلدي، ثم صرت أرجع لتتبع صيغ الروايات مرة أخرى في الطبري. فالطبري ذكر في هذا الموضع القول، أن "منعك" ضمن معنى القول. لم يقل هذا خطأ، بل قال: الأصوب أو الأرجح أو وكذا. حتى لو قال الصواب، لا يعني أن الآخر غلط في أصله، وإنما ينظر المفسر إلى ما يتحقق به الوجه البياني الأعلى في هذا. فهذا ليس اختلافًا في أصل الوجه، وإنما هو اختلاف في الوجه المقدم. فكل هذه الوجوه موجودة في العربية وتحتمل، لكن أي الوجوه أولى؟
في مثال على ذلك في القرآن وفي الشعر. في القرآن مثلاً، إذا فتحت كتب المفسرين المعربين تراهم يقولون في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ﴾، في "ملك" و"إله" يقولون: تحتمل ثلاثة أوجه؛ تحتمل البدلية، وتحتمل العطفية (عطف البيان)، وتحتمل النعتية. لكن العلماء الذين يتناولون البيان يقولون: هذا طرح أو ذكر لكل الوجوه الجائزة، سواء كانوا مخطئين في طرح كل الوجوه أو كانوا يذكرونها احتياطًا وإبراءً للذمة. في الأخير، الوجه الذي يتعين هو الذي تتحقق به البلاغة، البلاغة الطبقة الأعلى في مثل هذا النص، أو يتحقق به اتساق النص.
فأنا نظرت في هذا فوجدت أن هذا اختصار في الكلام، وإلا فالشرح قد يطول. وجدت أن وجه البدلية، كما يعرف في النحو أنه على نية إعادة العامل، والنحاة يقولون: كل ما يصلح عطف بيان يصلح بدلًا، إلا أن عطف البيان يكون بقصد المبين الأول لا يكون بنية إعادة العامل، أما البدل فيكون على نية إعادة العامل. يعني لما تقول مثلا: "جاء عبد الله، جاء أخوك"؛ لو قصدت عطف البيان فأنت تريد "جاء عبد الله الذي هو أخوك". لو قلت هكذا "جاء عبد الله"، اسمع الفرق بين الموقفين بين عطف البيان والبدل، وتفهم الفرق بينهما مع اختلاف النص، لكن الذي يحكم بذلك هو الحال والسياق.
تعال نخترع حالًا: أنت الآن تريد أن تصالح بين شقيقين، عندك زيد وقعت مباغضة أو مشاحنة بينه وبين أخيه عبد الله وتخاصم مدة وتقاطع، فإذا بأخيه عبد الله يأتي من بعيد فتقول له: "جاء عبد الله أخوك"؛ هذا يسمى ماذا؟ عطف بيان، "جاء عبد الله الذي هو أخوك"، فكلمة "أخوك" بيان لعبد الله حتى تحضه، "جاء عبد الله الذي هو أخوك"، فالموقف ينطق أنه عطف بيان.
طيب، إذا كان الأمر عاديًا وهناك أكثر من شخص اسمه عبد الله ويحتمل المجيء، فقلت: "جاء عبد الله"، فنظر لك مستفسرًا فقلت: "أخوك"، هذا يسمى بدلًا على نية إعادة العامل، يعني: جاء عبد الله، جاء أخوك. أنت لا تريد أن تقول "جاء أخوك الذي هو أخوك"، بل إذا نويت إعادة العامل فأنت تخبر من جديد بمجيئه: "جاء أخوك". فهناك مواضع تقتضي بلاغتها تصور إعادة العامل، وهناك مواضع لا تقتضي هذا.
فلو نظرت في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ﴾، ما رأيك لو فسرتها بـ "قل أعوذ برب الناس، ملك الناس" على عطف البيان؟ يعني "ملك الناس" و"إله الناس" مشدود إلى الاستعاذة الأولى، الأمر بالاستعاذة الأولى: "قل أعوذ برب الناس"؛ لماذا؟ لأنه إله الناس، لأنه ملك الناس. وهذا صحيح وجميل، لكن ماذا لو كانت كل صفة (الربوبية، والملك، والألوهية) كل منها يجوز إنشاء استعاذة به أو تتعلق بها؟ كل منها يستحق أن يستعاذ به: يُستعاذ بالرب، يُستعاذ بالملك، يُستعاذ بالإله. وهنا يكون وجه البدلية الذي يرجح؛ إعادة أو تصور إعادة العامل، فيكون تقدير الكلام: "قل أعوذ برب الناس، قل أعوذ بملك الناس، قل أعوذ بإله الناس". أنت تعوذ برب الناس، أنت تعوذ بملك الناس، أنت تعوذ بإله الناس. الوجوه الأخرى ليست خطأ في التقدير، لكن هذا الوجه مقدم عليها في الترجيح.
فاختلاف العلماء في تقدير "ما منعك ألا تسجد" ليس اضطرابًا وليست ضعفًا عقليًا من الوجه الذي حصل للعيي؛ لأن هؤلاء علماء لا بلاغيون، مفسرون. أما هذا العي، فتقديرهم الجملة، أو تضمينهم القول، أو تحملهم القول على معنى القول، وهذان عند الطبري قالها، أو حتى من قال بالتوكيد، هذه وجوه في التقدير بحسب فهمهم للسياق البلاغي. هناك وجه آخر لم يتعرض له العي، وهو الذي ذكرته عن التوهيم وقدمت الشرح به، وهو التضمين النحوي؛ "فليحذر الذين يخالفون أمر الله"، هو وجه التوهيم، وأن الكلمة ضمنت معنى التصيير: "ما منعك" يعني "ما صيرك بالمنع"، "ما منعك ألا تسجد" أي "ما صيرك بالمنع ألا تكون من الساجدين".
ويأتي هنا السؤال الذي... تعالوا نضرب مثالًا آخر في موضوع ترجيح الوجه. كان هناك بيت للنبيغ الذبياني -اللهم صل وسلم وبارك على نبينا الأعظم الأمجد محمد وعلى آله وصحبه- يقول النبيغ الذبياني في بائيته له: فلا تتركني بالوعيد كأنني ... إلى الناس مطلي به القار أجربُ
هناك إعراب أو شرح يشيع في شروح الديوان، وهو أن "مطلي به القار"؛ أن "به القار" يتعلق بـ "مطلي".
مطلي به القار، وهنا يوجد القلب؛ يعني هو مطلي بالقار لا مطلي به القار، ليس أنه هو الذي طلي بالقار، بل مطلي به القار. القار مطلي به وليس هو مطلي بالقار، قالوا هذا لأجل مبالغة؛ أن القار هو الذي طلي به، فمن كثرة القار عليه طلي به ثم أجرب.
هذه جملة أخرى تناظرها في استقلالها، ظللت لسنوات -والله يا إخوة- أقرأ هذا ولا أجد راحة في نفسي على هذا التفسير: «مطلي به القار أجرب». تعرفون لماذا؟ قالوا هذا قلب، يعني القار الذي طلي به. الصورة فيها تشويش، ليس إشكالًا أيضًا، ربما العيب عندي أنا، هذه عادتي، ربما العيب عندي، كثير مما لم أفهمه في الأول فهمته بعد ذلك، لكن حصل ضعف في الوصف.
أجرب بعد مطلي به القار؛ لأن الجرب سبب الطلي، لأن الجرب سببه الطلاء أو الدهان بالقار، فتأتي تقول أجربوا بعد مطلي به القار. لم أشعر لما قويت ذائقتي بعدها وصرت أتعامل مع شعر كثير بعد سنوات، وجدت الوجه الذي أيضًا في الوجه النحوي الذي تتصاعد به الدلالة، وكل واحدة دلت على حرفيتها وزيادة عليها.
«فلا تتركني بالوعيد كأنني إلى الناس مطلي به القار أجرب». تصوير الشخص المطلي إلى الناس مطلي، هذا خبر أول، «به القار» تفسير له، وبعد الأول «مطلي» يحصل نوع من الشلل لأن تحتمل الوجوه: به القار، أي علق القار بالشخص، وليس أن المطلي به القار مطلي طلي به. لا، تكون الباء هنا توطن القار فيه، ظرفية: به القار، القار به مطلي، به القار أجرب.
لأن «أجرب» دلت على علة الطلي، ودلت باستقلالها وحدها على النبذ في الناس، فصرت أقرأ البيت بالإعراب النحوي هكذا: «فلا تتركني بالوعيد كأنني إلى الناس مطلي به القار أجرب». وليس: «إلى الناس مطلي به القار أجرب»، تشويش في الأول وهبوط في الأخير. «فلا تتركني بالوعيد» يقول النعمان بن منذر النابغة الجاهلي -لله دره من شاعر انفجرت القريحة عنده-: «إني بقى... فلا تتركني بالوعيد».
نكمل مع النابغة يا إخوة: «فلا تتركني بالوعيد كأنني إلى الناس مطلي به القار أجرب». وهذا أبلغ، وأسلك وأنجع في الضراعة والخضوع الذي هو باب الاعتذار والتوسل. الله! على البيان، إن من البيان لسحر.
هل أنا الآن اختلفت مع الشراح؟ أنا الآن اختلفت مع الشراح، هل اختلفت اختلافي مع الشراح لأجل أن النص مضطرب؟ لأجل أن كلا منا حاول أن يرفع التقدير سواء في الإعراب أو تقدير المحذوفات أو التأويل، بمعنى عام على حسب ما يرى بلاغة النص. فقولهم بتقدير العبارة المحذوفة كما نسبها للطبري وابن عاشور، وقولهم بالتضمين بتحميل المنطق معنى القول، وقولهم بالتوهيب، كل هذا لأجل تفسير النص بلاغيًا، فينظرون الوجه المناسب وتتفاوت نظرتهم، وليس لأن النص مربك.
فرق كبير من يفهم هذا الذي قلت لكم الآن ممن لا يفرق بين ما فعلت وما كنت فاعلاً. لكن بعد ذلك يا إخوة، من حقك أن تقول: لماذا هو أظن قالها صح، هو قال: طيب أنت الآن ما أنت قلتها في موقع آخر ما منعك أن تسجد؟ حقك هذا، فبقي الشيء الذي لا بد وأن تنصرف إليه الآن أذهان المتيقظين وكذلك أذهان المترصدين المتنمرين كما فعل هو وإن كان أعجميًا.
وهذا يقتضي منا الرجوع إلى الموضعين، وقراءة العبارتين على قاعدة النظم، وعلى قاعدة السياق، وعلى قاعدة توخي معاني النحو والمفردات بحسب ما يؤمل من الأغراض، وعلى قاعدة مواقع الألفاظ والعبارات في مجال المعاني، وعلى قاعدة مطابقة الكلام لمقتضى الحال.
تعالوا، هاتوا المصاحف، سنقرأ أولاً النص الذي في سورة «ص» الذي ليس فيه لا الزائدة، صفحة 457 يا إخوة. قلنا هذا درس في القرآن في البلاغة القرآنية. والله أنا سعيد بهذه المدارسات القرآنية معكم، وأطلب من العيي كما طلبت منه أمس أن يزيد في هذه الشبهات، يعني يخليه رجلًا عمليًا، يطلع شبهات جديدة، يخرج يرد على هذه الشبهات، يعمل فيديو حتى تراه الناس أو تسمعه وتنظر في كلامه وكلامي، وكل له عقل، يقعد هكذا محترمين. أبو قيس يتكلم وهو يتكلم، وأنا أطالبه بشبهة جديدة أن تكون من بنات عقله. لو كان عنده بنات عقل من بنات عقله يأتي بهذه الشبهة، هذه الفرصة نغتنمها إن شاء الله.
صفحة 457، الآية الخامسة بعد السجدة: ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ۖ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾. نبدأ من الأول، من الآية الأولى بعد السجدة: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ﴾. أسألكم وأجيبوا: هذا سياق حكاية وإخبار بخلق الغيب، أم سياق جبروت وإظهار قدرة بالخلق؟ ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ﴾، هذا سياق ماذا؟ سياق حكاية وإخبار عما كان من أمر الغيب، قصة الخلق في الغيب.
﴿فَإِذَا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين﴾. لازم تنبه تقول «فقعوا»، بلاش «فقعوا» دي يا جماعة الله يكرمكم، «فقعوا له ساجدين». الفاء حرف عطف، أظهروا أنها كلمة، لا تنحتوها مع اللفظة مع الفعل، لا تقول «فقعوا» لا تقول «فهدى»؛ خلاص وليس «فهد»، «فقعوا» وليس «فقعوا». هذا مستوى في التجويد لا بد أن تتعلموه، بعض الإخوة قال هذا تشدد منكم يا أبا قيس، يعتبر مدرستنا متشددة في التجويد، لا، هذا مهم: «فقعوا له» وليس «فقعوا».
﴿فَإِذَا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين * فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾. حصل إخبار، اسمع، حصل إخبار بسبب عدم سجود إبليس، صح ولا لا؟ حصل إخبار بعدم سجود إبليس، الله تعالى يقول لنا: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾.
﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ۖ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾. انظر السؤال عن...
الاستكبار بعد أن أخبرنا به، يبقى نأخذ السياق من الأول؛ سياق حكاية. والله أخبرنا هنا بعلمه بسبب عدم سجود إبليس.
﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ * فَإِذَا سويْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [ص: 71-72]. قال: ﴿يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ۖ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ [ص: 75-76].
تعالوا الآن إلى موضع سورة الأعراف الذي فيه زيادة اللام. صفحة 152 من مصحف المدينة، ارجعوا إلى أول المصحف، صفحة 152 من مصحف المدينة، سنقرأ من صفحة 151 لأن الآية في أول الصفحة.
﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ ۗ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾ [الأعراف: 10]. سياق ماذا؟ حكاية أم حكاية ومن بالمقام الأول من جبروت وأمر بالخضوع للخالق المنعم؟ ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ ۗ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾. هل تمحض الكلام في الحكاية كما في سورة ص؟ هل الكلام في محض الحكاية كما في سورة ص؟ سورة ص صفحة 457، نعلم عليها عشان نرجع لها بسرعة.
أخونا عبد المنعم يقول: والله إننا محظوظون يا أستاذ. الحمد لله، اشكروا العيين. ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ ۗ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ * وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾. سياق جبروت واستعلاء؛ استعلاء الخالق الرب المقدر الصانع، أليس كذلك؟ ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ﴾. قال: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾. هناك في سورة ص: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾، علل. وهنا ليس هناك تعليل، مجرد الفعل عدم السجود: ﴿لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ﴾، والتوجه مباشرة إلى سؤاله.
ففي سؤاله لإبليس في موضع الأعراف من التعجيب والإنكار والذهول والتذهيل، ما ليس في سورة ص، وهذا بدلالة السباق؛ الكلام السابق في السياق. ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ...﴾ ماذا؟ ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ﴾. لم يقل كما في الصاد: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾، فأعلمنا بعلة كفره وعدم سجوده، فليس هناك تعجيب.
أما هنا، فسجدوا إلا إبليس، إبليس لم يكن من الساجدين فقط، ثم السؤال لإبليس: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾، لم يباشر التعليل الذي في سورة ص، بل أخبر بعدم السجود بعد إظهار الجبروت والخلق والقدرة مباشرة، بعد أن أخبر أنه لم يكن من الساجدين. لم يعلمنا بعلة عدم سجوده، بل جعلنا نشاهد محاكمة إبليس: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ أي ما صيرك بالمنع إلا ألا تكون من الساجدين.
تعالوا هناك نرجع ثانيًا لسورة ص: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ﴾. أين التذهيل؟ أين الذهول؟ أين التعجيب؟ لا، ما فيش، إلا حكاية بدأت بحكاية، ولأنها حكاية أخبر الله بالعلة: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾.
تعال نرى اللحاق. نحن شفنا ما قبل السباق، تعال نشوف اللحاق في موضع الحكاية وعدم التعجيب وعدم الصدم بالخبر وبالكلام. أولاً السابق: لم يخبر الله تعالى في الأعراف بالعلة، وهنا أخبر بالعلة، ولذلك بعدها ماذا قال الله؟ ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾. يعني هناك الآن محاجة عقلية برهانية لإبليس، لأن الجو هنا هادئ؛ لأن الله أخبر أنه استكبر، ثم أرانا الله محاكمة إبليس وهو يقال له: ﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾. الله يسأله، وقبلها أخبرنا: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾. وبلاغة هاتين الآيتين أن الله أخبرنا ثم يشي بالحكاية: ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ۖ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾. فهناك محاجة برهانية للموضوع، لأن الجو أصلاً ليس جو صدمة وتذهيل وإظهار عدم العلم في التصوير البياني؛ الله يعلم في كل الأحوال.
تعال نشوف اللحاق هنا: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ * قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾. ما صيرك في هذا، تحت جبروتي وعظمتي، ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك؟ ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾. ليس "استكبرت أم كنت من العالين" بعد "إلا إبليس استكبر"، بل "إذ أمرتك". إظهار التعجيب.
ففي سورة ص ليس هناك مجال للتعجيب وتضمين المنع معنى التصير: ما صيرك إلى هذا الجرم؟ ما منعك ألا تسجد؟ ما صيرك بالمنع إلى ألا تسجد؟ أما هنا السياق: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾. في الأعراف: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ۖ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ * قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ﴾. وهنا أيضاً قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ﴾، لكن الحديث الذي هو من الله سبحانه وتعالى هنا بغرض، وهناك بغرض.
فها أنتم رأيتم في الموضوعين دلالة السياق واللحاق الذي اقتضى التوهيم وتضمين التصير إلى عدم السجود "إذ أمرتك"، وبين السؤال الهادئ مجازًا ومشكلته الماكر "ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي"؛ هناك محاجة لأن الله أخبرنا أنه استكبر، فالأمر هناك أهدأ. البلاغة تقتضي الهدوء والترسل في الكلام، وأن نرى سؤال الله له عما أخبرنا أنه يعلمه: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ﴾، ثم ﴿أَسْتَكْبَرْتَ﴾. شوف بلاغة الموقع في ص وبلاغة الموقع في الأعراف.
أنا قال لك هناك: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ﴾، ما معنى اللام في "لما خلقت بيدي"؟ لا تقول "منعك أن تسجد" وخلاص. وهكذا نرى في كل مجرى من المعاني قد وقعت الألفاظ والتراكيب على الهيئة التي تؤم فيها الأغراض في هذا المجرى، وهذه نظرية النظم يا إخوة، وقاعدة البلاغة الرئيسة.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد