دخولتسجيل الدخول

الدرس 12 - قال العَيِي: إنّ قوله {وجَنةٍ عرضُها السماوات والأرض} غير ملائم لأنّ الأرض أصغر من السماء بكثير!

أبو قيس محمد رشيدالأستاذ أبو قيس محمد رشيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بعد ذلك عندنا إشكال. ممكن أسأل سؤال يا أستاذ باحث؟

منتظر مش، وبعد كده يا أستاذ.. يعني يا أستاذ أنت داخل بنص الكلام ومش عارف الغرفة عن إيه وجاي تسأل، ممكن تستنى وتسمع؟ [ضحك]. يا عم الراحة بس، الغرفة نظامها.. يكمل كلامه بواحد وراح نفتح الباب للنقاش. [ضحك]. فهمت؟ الموضوع بسيط.

بعد كده عندنا الإشكال اللي بعد كده، لما قال: ﴿وَجَنَّاتٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 133]. البلاغة هي مطابقة الكلام لمقتضى الحال مع فصاحته. اقتضى الحال أن القرآن نازل للعرب الأوائل فقط، ولا أنه نازل للناس في كل زمان وفي كل مكان؟ مقتضى الحال بيقول إن القرآن ده المفروض نازل للعرب في كل زمان وفي كل مكان.

طيب، يبقى كان الأولى بالبلاغة أن يقول: "عرضها السماوات" ويسكت، ما كانش يقول "والأرض" ليه؟ إن احنا بالنسبة لنا في واقعنا المعاصر، بعد ما ربنا منّ علينا بالعلم والاشارات اللي إحنا عرفناها دي، الأرض دي ما هي إلا ذرة تراب بالنسبة للكون. فإنك تقول لي: "عرضها السماوات والأرض"، كأنك بتقول لي: "أحمد ذكي كأينشتاين ومحمد اللي طالع الأول على..."؛ التعبير غير مستساغ خالص. قلت أينشتاين، مش هتقول محمد الأول بس مش هتحرك، قلت السماوات والأرض. ذكرت أنت شيء واسع شاسع، ذكرت حاجة بالنسبة له، حتى لو كانت بالنسبة لنا إحنا الأرض هي متسعة، بس مع السماوات؛ فقلت "عرضها السماوات" واسكت، تمشي برضه نعديها ما فيهاش مشكلة، لكن طالما رددتها لي بالسماوات، ذكرت شيء هو القمة، يعني المعطوف والمعطوف عليه هنا ما بينهم أصلاً في الموضوع ما فيش تساوٍ.

فوالله أنا هقول لك: ناس العرب الأوائل ما كانوش يعرفوا الكلام ده، وصعب إن إحنا بنمشي على عقولهم، نمشي على عقولنا إحنا كمان. نقول "عرضها السماوات" كانوا فهموا التسع، إحنا فهمنا إحنا كمان. في إشكال، فكان الأليق بالحال هنا إنك تقول "عرضها السماوات" مراعاة للعرب الأوائل ومراعاة للقرآن رب العالمين.

نقرأ الشبهة لمن لم يفهم. يقول العيي في قوله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 133]. يقول العيي: البلاغة هي مطابقة الكلام لمقتضى الحال مع فصاحته. فهل مقتضى الحال أن القرآن نزل للعرب الأوائل فقط، أم أنه نزل للناس في كل زمان وكل مكان؟ مقتضى الحال يقول إن القرآن نازل للعرب في كل زمان ومكان، فكان الأولى أن يقول "عرضها السماوات" فقط ولا يقول "الأرض"، لأننا في واقعنا المعاصر الأرض ليست إلا ذرة تراب في الكون. فقولك "عرضها السماوات والأرض" كأنك تقول "فلان ذكي جداً مثل أينشتاين وفلان الأول على مدرسته في الثانوية". حتى لو الأرض بالنسبة لنا متسعة، لكن ذكرها مع السماوات هو رابطة السماوات كبيرة في الفلك، ثم قال: لو قلت "عرضها الأرض" كان يصلح، لكن الاقتران بالسماوات غلط، يعني يقول "عرضها الأرض" لكن السماوات مشكلته في كيف أجمع السماوات والأرض؟

وهذه الشبهة الأخيرة أيها الإخوة هي كذلك من شواهد هذا الباحث على أنه أجنبي عن قانون البلاغة. لماذا يا إخوة؟ المعيار في الخطاب البياني المحرك للنفوس بالتخييل هو اعتبار ما يحصل به التصور والتحريك في النفس وتبادر إليه النفس، حتى لو تصور من جهة عقلية أخرى بما هو فوقه. التخييل البلاغي المؤدي إلى تحريك النفوس في المعاني الجمهورية -على اصطلاح فلاسفة النقاد كقرطاجني- يعني المعاني التي تتعلق بالإنسان من حيث كونه إنساناً.

التخييل البلاغي المؤدي إلى تحريك النفوس، هذا أيضاً اصطلاح قرطاجني، يتعلق بإدراكات المخاطب على جهة التمثيل أو على جهة التحقيق، بمعيار ما يحرك في النفوس ويحقق التصور المحرك، لا باعتبار حقيقة الشيء العقلية التي تدرك في مساحة العقل دون مساحة التحريك، حتى وإن كانت فوقها في المعنى.

مثلاً، هل تتصور إنساناً يقول لحبيبته: «إذا دعتني حبيبتي جئت إليها كالطير، أسرعت إليها كالطير». طيب، ما رأيك أن نقول بشيء أسرع من الطير؟ جئت بسرعة اثنين، جئت بسرعة أربعمائة كيلومتر، يعني أسرع من الشاحنين؟ ما هو أصل الطير مش أسرع شيء في الوجود؟ لو قلت أسرعت إليها كالطير، لأن سرعة الطير هي المتصورة المحركة للنفوس في هذا المقام.

ولهذا كان النابغة الذبياني واقعياً جداً لما قال لنعمان بن المنذر: أحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت .. إلى حمام سراع وارد الثمد يحفه جانب نيق وتتبعه .. مثل الزجاجة لم تكحل من الرمد

دي أراد إسراع الحمامات وتداخلها، فماذا قال؟ "أحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت إلى حمام سراع وارد الثمد"، هناك رواية "شراع" و"سراع" وكلاهما واحد تقريباً، إلى حمام سراع وارد الثمد، يذهب إلى حمام القطا، جماعات القطا يذهب إلى الثمد بقية الماء، وارد الثمد يحفه جانب نيق، يعني جانب جبلين في شق في جبل أو سطحي جانبي جبلين، فتتداخل الحمامات مسرعة، فتتداخل بسرعتها وتزيد سرعتها في المرور من المكان الضيق تزيد سرعتها، ومع ذلك عدته يحفه جانب نيق وتتبعه مثل الزجاجة لم تكحل من الرمد. فهمتم؟

قالت: ألا ليت ما هذا الحمام لنا .. إلى حمامتنا ومثله فقد حُسبوا فألفوه كما حُسبت تسعة وتسعين لم تنقص ولم تزدِ، فكملت مائة فيها حمامتُها وأسرعت حسبته في ذلك العدد.

فالذي يراعى في التصوير هو ما حرك النفوس وتخيل. ولذلك فالعرب حتى مع علمهم القديم باتساع السماء والأرض، وباتساع السماء ربما على الأرض حتى لو قالوا إنها قبة، نراهم يقولون في بيان الاتساع وعدم التناهي: "ضربت في مشارق الأرض ومغاربها". لماذا؟ لأن المخاطب هو الإنسان، ولأن اتساع السماء عنده كاتساع الأرض وهذا هو المجاز، وإذا كان ذلك مجازاً فمجاز بمجاز. لماذا لم يقل أيه: "ضربت طائراً في السماء في الأفلاك"؟ لأنه يصور ما يحرك، ما يحدث ما يعرف بالتخييل. التخييل الشعري هذا مصطلح علمي طبعاً، التخييل الذي هو الإنعاش، والمعاني الشعرية مرتبطة بالإنعاش لا بحقائق العلوم.

المعاني الشعرية مرتبطة بالإنهاض والتصور لا بحقائق العلو. هذه تخيل، أسألك سؤالًا: تخيل يا عيني، قف أمام المرآة واسأل نفسك، هل تكون محقًا لترغيب الإنسان؟ لو أنك قلت له إن الجنة عرضها كذا وكذا من ملايين السنين الضوئية، هل ستغريته؟

لو قلت له إن الجنة عرضها كذا وكذا من السنين الضوئية، طب ما السنين الضوئية أكبر من المشارق ومن المغارب، وأكبر من السماء التي نراها بأعيننا؟ ما تدركه أعينك من السماء خلاف النجوم ليس سنين ضوئية، ولما ترى النجوم أنت تحددها بالنجوم مش بالسنين الضوئية خالص، والنجوم في رؤية الإنسان ليست بعيدة جدًا عن الأرض هي مما يتاح له، ولذلك: ﴿جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾؛ لأن هذا ما يحرك نفس الإنسان.

الغرض من النص البليغ هو التحريك. هل ستحرك إنسانًا لو قلت له جنة عرضها كذا وكذا من ملايين السنين الضوئية؟ هل هذا يتصوره الإنسان فتتحرك نفسه نحو الجنة؟ هذا غير مدرك له، فالذي يدرك هو الذي يحرك، والعربي يعلم أن النص يحركه وليس أنه يخبره بحقائق.

وهذه من عبارات العلماء، كما في الشريف المرتضى، له عبارة رائقة جدًا؛ الشريف المرتضى في آماله لما كان يناقش الذين اعترضوا على أبي البحتري في اللامية لما ذكر، لما شبه ذيل الفرس بذيل العروس، ماذا قال؟ تذكرون بالبيت لما قال: ماذا قال؟ ذكروني يا إخوة في الرائي في اللامية، أهلاً بذلكم الخيال المقبلي، أذنب كما سحب الرداء؟ قال: ذنب كما سحب الرداء، ولا ذنب كالقناع المسبلي.

تقولوا معايا، أنتم مش حافظين، أيوه: «ذنب كما سحب الرداء، ويذب عن عرف وكالقناع المسبلي». أحسنت، ذنب ليه مسحتها؟ ما كان موجود، ذنب كما سحب الرداء، يذب عن عرف وكالقناع المسبل. البعض انتقد أبا البحتري على هذا البيت، قال صاحب الرداء وكذا، المهم أنا كنت مع الشريف المرتضى قديمًا والآن مع نقد البيت.

الشريف المرتضى قال في الكلام، وقال: والشعراء في التصوير والتحريك إنما يرمون إلى التحريك أو إلى التخييل، خلاص، دون التحقيق؛ يرمون إلى التخييل في النفوس دون التحريك. هذا في آمال المرتضى، الشريف المرتضى قال: وإنما الشعراء اعتمادًا على فهم الناس للكلام البليغ، إنما يرمون إلى التقريب والتصوير والتخييل، شيء من هذا التعبير دون التحقيق. أعجبتني عبارته: دون التحقيق.

فلما تقول جنة عرضها السماوات والأرض، تقول لي أصل الأرض ذرة في الكون والسماء خلاص، روح قول له جنة عرضها ملايين السنين الضوئية خليه يفرح. فهذا طبعًا يا عيني، وإنما شفاء العي السؤال والعلم. تخيل أن تهدر ذكرى الأرض بمشارقها ومغاربها وما يثيره ذلك في النفس من شعور بالاتساع والانطلاق، لأجل حقيقة فلكية هي أن الأرض تساوي كذا من الشمس، والشمس كذا من المجرة ومن النجوم الأخرى، ومجرتنا تساوي كذا وكذا، فلو قلت عرضها السماوات تخيلت، تخيل كل هذا راح، ما فيش تحريك أصلًا، ما فيش تحريك.

وهذا هو القانون الذي جاء عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: 26]؛ لأنها يحصل بها التصور الكامل. ومنه جاء حديثه، لو أن أولكم وآخركم، حديث قدسي -لو أن رواه مسلم حديث صحيح- «لو أن أولكم وآخركم وجنكم وأنسكم وقفوا على صعيد واحد، أو على رجل واحد، أو على وقفة واحدة، كما قال الحديث، فسألوني فأعطيتهم ما نقص ذلك، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا غمس في البحر».

وهذا تقريب أيضًا، تقريب للتصور؛ لأن الحقيقة أن ما عند الله لا ينقص، ولكن تصورك لأن الشيء لا ينقص من الشيء، لو أخذ من الشيء لا ينقص تصورك، هذا لا يحرك النفس، هذا عقلي. تقعد كده مع دكاترة علم الكلام، تقعد مع الدكتور عبد العزيز سيف النصر رحمه الله، تقعد كده مع بعض علماء الجدل من الأشاعرة والمعتزلة وغيرهم، مع سعيد فودة، تقعد بقى مع أهل الجدل من كل الطوائف، تجلس مع الأشاعرة -إن هم أهل الجدل- وتجلس معهم، يتصورون لك هذا عقلًا، لكن هذا لا يحرك النفوس.

الذي حرك النفوس في نصوص الكتاب والسنة: «البعوضة»، ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾، في الشركاء، يعني في العبيد، لا ينقص مما عندي إلا كما ينقص المخيط من البحر إذا غمس فيه. هذا تصوير آخر تمامًا.

ومع ذلك دعني، عرضها السماوات والأرض أي ما ينطلق فيه إنسان ولا يبلغه من مساحات مفتوحة، وليس ما في معلوماته وما معارفه من السماء ومساحة الأرض جنب السماء، أنت تخاطب إنسانًا مش بتألف كتابًا في الفلك وفي الطبيعة أو في الكون. ومع ذلك، سنحاول نمشي معاك في حقيقة علمية، لا، مش أنت بتقول الأرض كروية تدور حول نفسها؟ خلاص، مهما لفيت في الأرض مالهاش نهاية، فبالمنطق والعقل اتساع الأرض على الإنسان زي السماء، دي مالهاش نهاية ودي مالهاش نهاية، وهي تمشي وأنا أمشي وراها، وهي تمشي وأنا أمشي وراها.

وهذا الضحك تمام، ما نجيب به عن شبهات، أو هم شبهات العي بعد ذلك.