دخولتسجيل الدخول

الدرس 13 - قال العَيِي: إنّ قوله {فأنزلنا على الذين ظلموا} تطويل لتقدم ذِكر الظالمين فكان الصواب الضمير!

أبو قيس محمد رشيدالأستاذ أبو قيس محمد رشيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بعد ذلك عندنا قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَٰذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ ۚ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ * فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [البقرة: 58-59].

وقوله في سورة الأعراف: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: 166].

في سورة البقرة قال: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ﴾. أنت قلت: فبدل الذين ظلموا في سورة البقرة، فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم. وهي نفس الآية، كلمات بسيطة.

المفروض كنت تقول: فانزلنا عليهم رجزا من السماء، كما تقدم ذكرهم، فمن باب الإيجاز -وهو حلية القرآن كما يقولون- كنت تقول: فانزلنا عليهم رجزا من السماء، إنما أنت أظهرت "الذين ظلموا" في موضع الإضمار، لأنك كان ممكن أن تضمر ذلك وتعبر عنه بالطريقة لأنك سبق.

الطاهر بن عاشور يعتذر لهذا الأمر كيف؟ يقول لك: هو هنا أظهرها لكي لا يلتبس على السامع المعنى، فيظن أن العذاب نزل على كل بني إسرائيل، فيقول لك: العذاب نزل على الذين ظلموا فقط. في سورة الأعراف قال: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ﴾، ما قالش: فأرسلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء.

وهي نفس الآية باختلاف كلمات بسيطة، هي نفس المعنى، مش معنى هنا كان سيختلط ولا لا، مع العلم أن سورة الأعراف نازلة قبل سورة البقرة. يعني لو الكلام هذا كان فعله في سورة الأعراف، ثم لما جاء في سورة البقرة قال: خلاص نخليها بالإضمار، لأن "الذين ظلموا" قد تقدم ذكرهم. سورة الأعراف أصلاً هي التي المفروض يكون فيها: فأرسلنا على الذين ظلموا.

الاعتذار غير مقبول، والذي ننقده هو أن الآية نفسها؛ مرة هنا ذُكرت ومرة هنا لم تُذكر، فواضح أن الموضوع هو أنه كان بإمكانه أن يظهر هنا بدل الإضمار من باب البلاغة.

يقول الآية: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَٰذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ ۚ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ * فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾.

وفي الأعراف: ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَٰذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ ۖ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ * فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾.

يقول العي: المفروض أن يقول في آية البقرة "فأنزلنا عليهم رجزا من السماء" بدلاً من أن يقول "الذين ظلموا" مرة أخرى، لأنهم تقدم ذكرهم، والإيجاز هو حلية القرآن، لكنك أظهرت في موضع الإضمار. هو فاهم ما شاء الله، لكنه أظهر في موضع الإضمار.

يقول الطاهر بن عاشور إنه أظهرها حتى لا يلتبس على السامع، فلا يظن أن العذاب نزل على كل بني إسرائيل. يقول: وكيف؟ وفي سورة الأعراف: ﴿فأرسلنا عليهم﴾، ما هي في سورة الأعراف "أرسلنا عليهم"، وهي تقريباً نفس الآية والاختلافات قليلة.

يا بني، هذا شخص يفهم في البلاغة، ويفهم مطابقة الكلام لمقتضى الحال وللغرض، ويفهم توخي معاني النحو بحسب ما ينم عن الأغراض، ويفهم مواقع الألفاظ والمفردات في مجال المعاني، وكل هذه عبارات العلماء في تأسيس نظرية النظم والبلاغة، وهذا الشخص يقول الاختلافات قليلة!

يا حبيبي، هذا حرف واحد يقلب الدنيا، حرف واحد تختلف معه الأحوال كلها. والله حرف، أنا لا أبالغ، أنا أشتغل في الشعر وأعرف؛ حرف يغير الدنيا، لفظة تقلب القصيدة. يقول لك: وهي تقريباً نفس الآية والاختلافات قليلة، يا سلام! يتكلم بالكيلو.

يقول: لماذا يلتبس في سورة البقرة ولن يلتبس في الأعراف، مع العلم بأن سورة الأعراف نزلت قبل سورة البقرة؟ يقول اعتذار غير مقبول، ينقده مؤلف القرآن نفسه. يعني يقول لك مؤلف القرآن نفسه الذي ألف القرآن محمد ﷺ عنده، فيما يبدو، يرفض هذا لأنه قال في الأعراف: ﴿فأرسلنا عليهم﴾، فلماذا لا يلتبس؟

وهنا يا إخوة نرجع إلى نظرية النظم اللغوية، ومبدأ مواقع الألفاظ في مجال المعاني، وتوخي معاني النحو بحسب ما ينم عن الأغراض؛ لأن التوخي يكون بحسب الغرض في كل موقع، وهذا ما لا يوعبه عقل إلا باحث. تعالوا نقرأ الآيتين، ثم نضع أيدينا على الفروقات التي أدت إلى هذا.

سورة البقرة، أولاً: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَٰذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ ۖ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ * فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾.

نقرا الآية الأخرى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾. سترى في سورة الأعراف التي يستشكلها، أو التي يجابه بها سورة يحتج بها على الموضع في سورة البقرة: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾.

فصار الكلام في هذا السياق مباشراً في طائفة منهم قد تعينت، ولهذا كان "فأرسلنا عليهم"؛ لأن الكلام صار في جهة مخصوصة بعينها، بعضها بلفظ "منهم" وليس بصفة الظلم كما في سورة البقرة: ﴿فبدل الذين ظلموا﴾ دون "منهم".

ما الفرق؟ ماذا تريد أن تقول يا أبا قيس؟ كلمة اختلفت ولم ينتبه إليها العي. في سورة الأعراف: ﴿فبدل الذين ظلموا منهم﴾، فصار الكلام في سورة الأعراف في سياق الظالمين من بني إسرائيل، أو من أي طائفة قيل فيها "منهم" وظلمت؛ فبدل الذين ظلموا منهم، الظالمين، إذا صار الكلام متجهاً في طائفة معينة، فأرسلنا عليهم.

في سورة البقرة، فبدل "الذين ظلموا منهم"، صار الكلام في عموم الظالمين بوجهين. هو طبعاً في "طائفة الذين ظلموا" مفهوم أنه "منهم" في المعنى المجرد، لكن لما قال تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، صار الكلام في الظالمين من حيث كونهم ظالمين، والكلام في صفة الظلم بإطلاقها في غرض الكلام، دون مباشرة الطائفة بعينها.

وذلك كقول الشاعر: ها ولو إن قومي أنطقتني رماحهم ... نطقت ولكن الرماح أجرتي أراد "أجرت" أي أجر لساني، بدليل قوله: "فلو إن قومي أنطقتني رماحهم نطقت ولكن الرماح أجرتي". وهذا بيت أدار عليه عبد القاهر بحثاً طويلاً جميلاً في كلمة "أجرت"؛ لماذا قال "أجرت" ولم يقل "أجرتني"؟ لأنه لو قال "أجرتني" لكان ذلك خاصاً به وكأنهم أسكتوه هو، لكنه أراد اللذع في قومه، فقال: "ولكن الرماح أجرتي"، يعني كان من شأنها أن تجر، مع أننا في الإعراب نقول المفعول به مقدر، أي: أجرته، أي أجرتني أنا، خلاص. لكن "أجرتي" من جهة النظم البلاغي أشارت إلى أن قومه يفعلون هذا، وأراد لذعهم، أن هذه صفتهم.

ولذلك امرؤ القيس لما قال: "ولا تبعديني من جناك المعلل"، لم يقصد الذي يعللني أنا فقط، مع أن في واقع الحادثة والمعنى يعللني أنا، ولكن قال: "من جناك المعلل"، أراد أنها جميلة من حيث نفسها، وجميلة في عين أي أحد، وأن من شأنها أن يتعلل بها أي أحد؛ من جمالها، ليس أنها تعللني أنا فقط. فربما أراد المغزل، أي الحبيب يرى، لا هو يتكلم عن فتاة فعلاً في نفسها جميلة فحسب، بل حرف يختلف به الكلام، كلمة يختلف بها الكلام. فبدل "الذين ظلموا منهم"، الكلام اتخذ مجرى طائفة بعينها، "فأرسلنا عليهم".

أما هنا، فبدل "الذين ظلموا" لم يقل سبحانه وتعالى "منهم"، ليبقى الكلام في مجرى الظالمين من حيث كونهم ظالمين، ومن هنا جاء الاحتفاء بعذابهم، ﴿فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْسًا﴾ وليس على طائفة، ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾. فالكلام في الظالمين، لم يقل في الموضع الذي قال الله تعالى فيه: ﴿فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، لم يكن مسبوقاً بـ "منهم"؛ لأن لفظ "منهم" جعل الكلام فيهم.

خذ عندك، ولهذا ترى في الأعراف، يقول لك: "الاختلافات طفيفة". الطفيفة هذه هي التي قلبت الموضوع، وفيها جواب سؤالك. يا أخي، هب أن القرآن وضعه محمد قرشي يا بني آدم، افهم، قرشي ليس أنت! يعني لو القرآن هذا وضعه محمد ليؤخذ عليه الذي تأخذه أنت، رايح فين؟ تعال هنا، لو أن القرآن وضعه محمد ﷺ لن يؤخذ عليه الذي تأخذه أنت. أنت تنتحر يا ابني، بتحط يافطة "أنا عبيط"!

أحياناً بالمناسبة تأخذني شفقة عليه، كما قلت لكم هو ربما في منتصف العشرينيات، فتأخذني شفقة عليه فيضيع نفسه. حتى الملحد لو عاش ملحداً، عاش ملحداً عبيطاً؛ يعني حتى ما يأخذ حقه في ملحدين يحاولوا يأخذوا الدنيا، لا يأخذ شيئاً، يطلع عبيطاً أمام أي عاقل. متجرئ في كل شيء، يتكلم في كل شيء، ناهيكم عن قلة الأدب التي رأيناها. ليس هذا هو القضية، لكن أحياناً أشفق عليه، يقول لك: "اختلافات بسيطة بين الموضعين". تخيلوا هذا الإنسان يسمعه أناس! تخيل أن واحداً يقتنع، يا نهار أسود، يخرب بيت الخسران! طب يخرب بيت عدم الاحترام، أنت مش محترم نفسك؟ أنت ممكن تبقى ملحداً بس محترماً.

في يوم من الأيام، وأنا أدرس في مدرسة إسلامية في القاهرة، كان يحضر أمامي بجوار بعضهما مسيحي وملحد. الشاب ماريو عبد النور الذي أنتم عارفين، كان يحضر مجالس في مدرسة شيخ العمود لما كنت أدرس فيها هناك، تبرع طبعاً في الشعر، وأنا قلت أنا مستعد أدرس الشعر العربي ولو في كنيسة، بشرط أن تفتح الحضور للجميع، للمسلمين والملحدين. كنت أقول هذا وما زلت أقول: أشرحه في أي مكان طالما شعر، لا علاقة لنا بالدين.

في يوم من الأيام في مدرسة أزهرية، المنهج القائمون عليها أزهريون، كان يحضر معي في مجلس واحد ماريو عبد النور مسيحي مصري، وواحد ثاني أحمد أو محمد -لا أذكر- ملحد. كان مستحيلاً يسمع هذا الكلام، كان معجباً بالشعر وكان يفهم ويقول لي: "أنا ما مش مصدق البيان العربي هذا". فعنده درجة فهم، لكنه ليس ملحداً محترماً بوصفه ملحداً، يقول لك: "الاختلافات طفيفة هي سبب الاختلاف".

بالضبط يا شيخ، الله يرضى عليك، هي سبب الاختلاف. يا ابني رايح فين؟ تعالى أنت، هل تفهم نظرية البلاغة أصلاً؟ شوف لماذا يقول لك "اختلافات طفيفة": "فأرسلنا عليهم" في موضع، و"فأنزلنا عليهم" في موضع. في الأعراف "فأرسلنا عليهم"، وفي البقرة "فأنزلنا على الذين ظلموا". ارجع إليها.

لماذا؟ لأن الفرق بين الإرسال والإنزال هو أن الإرسال فيه الانسحاب والتعميم في أصل مادته، فناسب أن يكون بعد التخصيص؛ لأنه صار منهم، "فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم فأرسلنا عليهم"، لأنه تم تحديدهم وتخصيصهم، فينسحب عليهم ويعمم بعد التخصيص، فالتعميم في العذاب ناسب أن يكون في التخصيص.

أما الإنزال ففيه المطابقة، فناسب بعد عدم ذكر "منهم" أن يكون إنزالاً وتخصيصاً في النازل: ﴿فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾. السحب والتعميم جاز بعد تخصيص الفئة، وأما وقد لم يذكر "منهم" فقد امتنع تخصيصها أو لم يرد تخصيصها، وكان لفت الانتباه في الكلام والعناية بفئة الظالمين. فناسب إنزال العذاب على الذين ظلموا، زائداً عليه ما قلته أن العناية بالظالمين، ﴿فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ لعدم ورود الضمير. وهذا معنى قول الطاهر بن عاشور الذي أنكره، أنه لم يقل "منهم"، فربما يظن فعلاً تعميم العذاب. نعم، هو في تعميم عذاب في الأمم، وكل يبعث على نيته، فالله يخبر أنه أنزل العذاب على الذين ظلموا دون غيرهم لأنه لم يقل "منهم". وإذا لم يخص ولم يقل "منهم" فنعم، يفهم منه أنه...

يفهم منه أنه تعميم في العذاب. إذاً مؤلف القرآن، يا عيي، يقول مؤلف القرآن نفسه يرد على الطاهر بن عاشور؛ مؤلف القرآن يا عيي لم يرد على الطاهر بن عاشور. لما في الأعراف قال: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ﴾، لأنه قال: ﴿مِنْهُمْ﴾، والتعميم بعد التخصيص لا يضر. ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ﴾ هذا بعد التخصيص فخلاص، إنما على الذين ظلموا.

قد يفهم في موضع البقرة أن العذاب عم المؤمنين والكافرين بفعل الكافرين، لكن عذبنا الذين ظلموا فقط؛ لم نأخذ الكافرين على نية المؤمنين على نيتهم، ولا معاقبة على تقصيرهم، لأن الأمرين محتملان؛ محتمل أنه أخذهم بتقصيرهم عن دعوتهم وعن نصحهم، أو أنه يبعثون على نياتهم كما في بعض الأثر النبوي. محتمل، والأمم تؤخذ كلها وكل يبعث على نيته، فلذلك: ﴿عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، وتكون علة ثانية.

فصاحب القرآن، مؤلف القرآن يا عيي، لم يرد على الطاهر بن عاشور، أنت لم تفهم اختلاف المواضع التي قلت في مجملها اختلافات طفيفة، وهي كل البلاغة يا عيي. ماذا بقي؟ طبعًا العيي لم يرَ شيئًا من هذا إطلاقًا، بل نراه يقول فيها وهي قريبة من بعضها. وكذا هذه الاختلافات هي كل فكرة البلاغة أصلًا؛ لأن الاختلافات كانت بسبب مطابقة الكلام لمقتضى الحال، أو مطابقة الكلام لغرض الكلام. خلاص، هذه العبارة لا يقولها من يعرف معنى البلاغة أصلًا. كيف تهين الناس أنفسها بالاستماع إليه أصلًا؟

بالمناسبة، أنا قلت سأرشد هذا الإنسان العيي إلى كتب لا يعرفها الباحث في هذا الموضوع. يا عيي، هناك كتاب ملاك التأويل؛ ابحث. أنا عايزك بقى تجهز الشبهة صح وتقرأ في ملاك التأويل، لأن حتى هذا الموضع جاء في كتاب ملاك التأويل لأبي جعفر الثقفي الغرناطي، في كتاب مجلدين اسمه ملاك التأويل. هناك طبعة بي دي اف تحقيق مصري، وهناك طبعة دار الغرب الإسلامي سيئة هي التي عندي.

قرأت في أول قراءة لي للكتاب طابقتها مع الطبعة البي دي اف المصرية القديمة؛ لأن الطبعة التي يحققها سعيد الفلاح تقريبا، أو كذا محقق سعودي، للأسف لم يكن يفهم النص إطلاقًا وأتلفه ووقع منه وضبط ضبطًا خطأ، فأنا راجعت النسخة على نسخة مصرية محققة كانت في دار النهضة المصرية، نسخة رائعة جدًا. فابحث في الإنترنت عن كتاب ملاك التأويل بي دي اف بدار النهضة المصرية، في مجلدين، كتاب كبير.

الكتاب هو ملاك التأويل، وله عنوان فرع طويل في الرد على أهل التعطيل وكذا والاشتباه، ومشتبه، يأتي لك بمثل هذه ويعلل: لماذا هنا كذا؟ ولماذا هنا كذا؟ وهذا من أجمع الكتب إن لم يكن أجمع الكتب في هذا على الإطلاق. أنا أرشدك إلى الكتب عشان بعد كده لما تأتي تجيب حجة، أنا عايزك تجيب حجة حلوة، خليني أحس أني أحترمك وأنا أرد عليك، مش قاعد أشفق عليك مرة وأتضايق منك شوية.

حسك مش بتحترم الناس، بس أنت كنت من سنتين غالبًا كنت أصغر، فإِن شاء الله دلوقتي تجهز حججًا أكبر وتدرس. عندك كتب الفروق، عندك كتب المترادفات ومعاجم المترادفات والأضداد، وعندك كتاب ملاك التأويل، وعندك كتاب محيي الدين الدرويش إعراب القرآن وبيانه. حصل هذه الكتب، أنا عايزك تجيب نسخ، عايزك تجيب شبهة جميلة. وإن شاء الله تبعت لي لو حبيت ترسل لي أي استفسار عن الكتب عشان تجهز شبهتك الجميلة، فأنا تحت أمرك، أو تسأل من طلابي يرشدك، إن شاء الله تعالى.