بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما وعملا صالحا يا كريم.
أما بعد، فكنا توقفنا في التعليق على الروض المربع أثناء باب الوكالة. وقبل أن نشرع في هذا الدرس، أحب أن أقف وقفة مع خبر وفاة سماحة المفتي رحمه الله تعالى. العبرة التي تستلهم من سيرة سماحته رحمه الله كثيرة، لكن من أوضحها وأظهرها تعلقه رحمه الله بالعلم؛ فقد كان متعلقا به إلى آخر لحظات حياته رحمه الله تعالى.
نقرأ في سير الأولين من العلماء السابقين أن منهم من يباحث في مسألة وهو على فراش الاحتضار. والشيخ رحمه الله استمرت دروسه إلى قبيل وفاته، والطلاب يقرؤون عليه؛ تعب بدنه، ثقل لسانه، ومع ذلك يجاهد نفسه على الاستزادة من العلم بما أبقى الله له من أعضاء، يستزيد بسببها من علم.
حتى ذُكر أن أحدا ممن يقرؤون عليه، كان يقرأ عليه في المواسم؛ إذا جاء موسم رمضان أو موسم الحج، يقرأ عليه قبلها بمدة، فموسم الحج يقرأ عليه من بعد رمضان، شوال، ذو القعدة، هذا كله قراءة عليه في أحكام الحج، وتقرأ عليه كتب متنوعة، منها الفقه المذهبي ومنها شروح السنة وغيرها.
فالتعلق بالعلم إلى آخر لحظات حياته هذا تطبيق للأثر: «اطلب العلم من المهد إلى اللحد»، وكما قال الإمام أحمد رحمه الله: «مع المحبرة إلى المقبرة». فهذا يستفيد منه طالب العلم أنه لا يستنكف عن الاستزادة من العلم ولو بلغ مبلغا كبيرا في العلم وفي الجاه، فلا يستنكف من الاستزادة من العلم والتعلق به.
ولا شك أن هذا الصبر وهذا الجلد على هذه العبادة العظيمة سببه التعرف إلى الله في الرخاء؛ فالنبي ﷺ قال: «تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة». فمن كان في حال نشاطه وشبابه متعلقا بالعلم ومخلصا لله عز وجل في ذلك، رجي له أن يستمر على ذلك إلى آخر حياته. أسأل الله أن لا يشغلنا جميعا عن العلم بشاغل، ولا يعوقنا عنه بعائق.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن تبعه، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما يا رب العالمين. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: فصل، والوكيل أمين لا يضمن ما تلف بيده بلا تفريط؛ لأنه نائب المالك في اليد والتصرف، فالهلاك في يده كالهلاك في يد المالك، ولو بجعل. فإن فرط أو تعدى، أو طلب منه المال فامتنع من دفعه لغير عذر، ويقبل قوله أي الوكيل في نفيه أي نفي التفريط ونحوه وفي الهلاك مع يمينه؛ لأن الأصل براءة ذمته. لكن إن ادعى التلف بأمر ظاهر كحريق عام ونهب جيش، كلف إقامة البينة عليه، ثم يقبل قوله فيه.
وإن وكله في شراء شيء فاشتراه واختلفا في قدر ثمنه، قبل قول الوكيل. وإن اختلفا في رد العين أو ثمنها إلى الموكل، فقول الوكيل متطوع، وإن كان بجعل فقول الموكل. وإذا قبض الوكيل الثمن حيث جز فهو أمانة في يده، لا يلزمه تسليمه قبل طلبه، ولا يضمن بتأخيره، ويقبل قول الوكيل فيما وكل فيه.
هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن الوكيل أمين، سبق أن تكلمنا وذكرنا قواعد في الأمناء، وذكرنا أن الأمين من قبض العين بإذن من الشارع أو إذن من المالك؛ كالإذن من الشارع كناظر الواقف كالولي على اليتيم، والإذن من المالك كالوكيل مثلا، طبعا على وجه لا يختص بنفعه. وهذا القيد إخراج المستعير؛ لأن المستعير قبض العين بإذن من المالك لكنه على وجه يختص بنفعه، فلذلك عند الأصحاب رحمهم الله تعالى أن يد المستعير يد ضمان وليست يد أمانة.
ويترتب على كون الوكيل أمينا أنه لا يضمن ما تلف بيده بلا تفريط، طبعا بلا تفريط ولا تعدي. فإذا تلفت العين التي وكل مثلا ببيعها بيده وهو لم يتعدَّ، مثلا ذهب ليبيع جوال صاحبه الذي وكله وهو في الطريق سقط من يده بدون تفريط منه ولا تعدٍ فتحطم الجوال، هل يضمن؟ لا، لا يضمن، هو أمين لا يضمن ما تلف بيده بلا تعد ولا تفريط.
لماذا؟ قال لأنه نائب المالك في اليد والتصرف، فالهلاك في يده كالهلاك في يد المالك. الآن لو أن الجوال سقط من يد المالك قبل أن يعطي للوكيل، هل يضمن الوكيل؟ لا، يقولون سقوط الجوال من يد الوكيل كسقوطه من يد المالك، فلا يضمن الوكيل شيئا.
قال: «ولو بجعل»، يعني حتى لو كانت الوكالة بجعل، كأن يقول له: خذ هذا وبعه وسأعطيك مقابلا على ذلك مئة ريال، فهو وكيل بجعل، وسقط الجوال من يده، فهل يضمن؟ لا يضمن، الوكيل الذي بجعل هو أمين، وإذا كان أمينا بأجرة فإنه يقبل قوله في نفي التعدي والتفريط ولا يضمن، لكن في الرد كما سيأتينا لا يقبل قوله إلا ببينة.
سيذكر مفهوم هذا القيد الذي هو «بلا تفريط»، قال: «فإن فرط أو تعدى ضمن». ما الفرق بين التعدي والتفريط؟ التعدي فعل ما لا يجوز، والتفريط ترك ما يجب. فإذا فعل شيئا لا يجوز، أو ترك شيئا يجب، مثلا: وُكل في بيع جوال فذهب ليبيعه، فأدركته الصلاة فنزل من السيارة وجعل الجوال في مكان في السيارة ولم يغلق السيارة، خرج من المسجد وإذا الجوال مسروق من السيارة، فهنا يضمن؛ لأنه مفرط.
أو متعدٍ، مثلا: لو أنه وُكل في بيع سيارة شخص فذهب ليبيعها وأسرع فيها بسرعة النظام أو قطع الإشارة ونحو ذلك فتلفت السيارة وصدم فيها، فهنا يضمن؛ لأنه تعدى. إذا فرط أو تعدى ضمن. وأيضا صورة ثالثة يضمن فيها: إذا طلب منه المال فامتنع من دفعه لغير عذر. كأن يبيعه مثلا ب ألفي ريال، والآن المال عند الوكيل، لو لم يعطه الموكل من اليوم الأول، وبعد أسبوع ذهب وأعطاه إياه الموكل.
هل يلزم الوكيل دفع هذا المال مباشرة للموكل بعد البيع؟ لا يلزم إلا بالطلب.
جاء الموكل بعد يومين وقال له: أعطني المال، فقال: إن شاء الله. وفي اليوم الثالث اتصل عليه وقال: أعطني المال، فقال: إن شاء الله. وفي اليوم الرابع سرق منه هذا المال، هنا هل يضمن الوكيل؟ يضمن. قال المؤلف: أو طلب منه المال فامتنع من دفعه لغير عذر، طُمئنّاه؛ طبعاً لو كان مريضاً، لو قال: إن شاء الله، هو يريد أن يحضر لك ولكنه كمريض فينتظر أن يخف مرضه ليذهب، فنقول: ثم سرق، فهنا لا يضمن؛ لأنه تخلف عن دفع المال مع طلبه لعذر، فكان معذوراً.
لكن الكلام فيما إذا كان تأخره في تسليم المال لموكله لغير عذر مع الطلب، فإنه يضمن، هو تلفانه يضمن. فإذا تأخر الوكيل في تسليم المال للموكل ثم تلف المال، فهل يضمن الوكيل أو لا يضمن؟ نقول: لها ثلاث حالات؛ إما أن يكون الموكل قد طالب به وتأخر الوكيل لغير عذر فيضمن. والحالة الثانية أن يكون الموكل قد طالب به وتأخر الوكيل لعذر فلا يضمن. والحالة الثالثة أن يكون الموكل قد طالب به ثم تلف المال، فإن الوكيل لا يضمن. إذن يضمن في صورة، وهي إذا طالب الموكل وامتنع لغير عذر، وهي الصورة التي ذكرها المؤلف رحمه الله هنا.
المسألة التي بعدها: لو جاء الوكيل وكيل في بيع الجوال سقط منه الجوال وتلف الجوال، قال الموكل: أين بعت الجوال؟ قال له: سقط مني. هل أنت متعدٍّ أو منفرد؟ قال: لا، أنا لست كذلك، كنت مع السجان وسقط مني. هنا الوكيل والموكل يدعيان أمراً مختلفاً؛ الموكل يدعي أن الوكيل منفرط، والموكل ينفي ذلك، فيقبل قول الوكيل في نفي التفريط؛ لأن هذا هو الأصل، الأصل قول المنكر بيمينه، والأصل براءة ذمته.
أيضاً لو قال المسألة ثانية: لو قال إن الجوال سُرق أو سقط وتلف، قال الموكل: هذا لا، ما سُرق عندك أو أنك بعته وعندك ثمنه، فهنا الوكيل يدعي أمراً والموكل يدعي أمراً أو ينكر هذا الأمر الذي ادعى الوكيل، فيقبل قول الوكيل. لذلك قال: أو في الهلاك مع يمينه، يقبل قوله في الهلاك مع يمينه. طبعاً في كل المسائل؛ في نفي التعدي، في نفي التفريط، في الهلاك الذي يقبل قول كل من قلنا القول قوله، فلا بد من يمينه به.
لكن إن ادعى التلف بأمر ظاهر هنا، الأصل في الهلاك أنه يقبل قوله بيمينه، ويستثنى إذا ادعى التلف بأمر ظاهر، مثل ماذا؟ حريق. قال: احترقت مثلاً. أعطاه الجوال ليبيعه، فذهب به، أعطاه العصر كذا، فقال: سأذهب به غداً صباحاً، فذهب به إلى بيته ووضعه في بيته، وحصل حريق في بيته، فجاء وقال: والله حصل حريق وتلف الجوال. التلف هنا أو سبب التلف هنا أمر ظاهر، يستطيع إقامة البينة عليه، فهنا قالوا: لا يقبل قوله مجرداً، لا بد أن يقيم البينة على وجود الأمر الظاهر وهو الحريق، فيحضر البينة على وجود الحريق لأنه لا تتعذر إقامة البينة عليه، ثم يصدق في كون المال الذي وكّل ببيعه تلف في هذا الحريق. إذن لا يحضر البينة على أن المال أيضاً تلف في الحريق، بل يحضر البينة على وجود الحريق؛ هذا إذا كان التلف بأمر ظاهر.
لكن إذا كان التلف بأمر خفي، كسرقة، فالسرقة أمر خفي؛ يعني الحريق يعرف الجيران، لكن السرقة قد لا يعرف جارك أنه سُرق منك، وكذلك سقوط الجوال مثلاً، هذا أمر خفي. فالأمر الخفي الذي تتعذر أو تصعب إقامة البينة عليه، قالوا: يقبل قول الوكيل بيمينه. وإذا قال: لكن ادعى التلف بأمر ظاهر كحريق عام أو نهب جيش، فإنه يكلف إقامة البينة عليه، أي على الأمر الظاهر كالحريق ونحوه، ثم يقبل قوله فيه؛ أي يقبل قوله في أن هذه العين تلفت بهذا الأمر الظاهر، ولا يكلف إقامة البينة على ذلك.
أيضاً من مسائل الاختلاف بين الموكل والوكيل: إذا وكله في شراء شيء واختلف في قدر ثمنه، قبل قول الوكيل. قال: اذهب واشتر لي من السوق مثلاً جهاز آيباد وأوصافه كذا وكذا، وأعطاه مبلغ 5000 ريال، فاشتراه بـ 3000 ريال، جاء وأحضر له الجهاز مع المبلغ المتبقي، فقال الموكل: لا، أنت اشتريته بـ 2000، والوكيل يقول: لا، اشتريت بثلاثة، فهنا يقبل قول الوكيل؛ لأنه أمين.
وذكر نقل الفتوحي في شرح المنتهى، وكذلك البهوتي في شرح المنتهى، نقلوا عن المجد في شرح الهداية أنه لا يصدق الوكيل فيما لا يشبه من قليل ثمن ادعى أنه باع به، أو كثيره أنه اشترى به. يعني يقولون لو قال الوكيل مثلاً: أنا اشتريته بـ 5000، والموكل قال: لا، أنت اشتريته بـ 2000، وهو سعره في السوق بـ 2000، فهنا هل يقبل قول الموكل أو الوكيل؟ كلام المصنف إطلاق، كلام المصنف رحمه الله أنه يقبل قول الوكيل، نعم، على كلام المجد رحمه الله فلا يقبل قول الوكيل، بل يقبل قول الموكل؛ هنا لوجود القرينة الدالة. وهم ذكروا في مسائل أنه يقبل قول الأمين فيما لا يخالف العرف والعادة، فإذا دلت القرينة على أن قول الأمين مستبعد فنقول: نستبعده لذلك.
أيضاً من مسائل الاختلاف: أن اختلفا في رد العين أو ثمنها إلى الموكل، فقول الوكيل متطوع وإن كان بجعل، فإذا اختلفا في رد العين، أعطاه الجوال وقال بيعه، ثم قبل أن يبيعه قال: فسخت الوكالة ارجع للجوال، أو مثلاً أعطاه له الجوال وقال بيعه، وبعد ذلك قال: أعطني ثمن الجوال، فاختلفا في المسألة؛ قال الوكيل: أنا أرجعت لك الجوال، والموكل ينكر، وقال الوكيل: أنا سلمتك العين أو ثمنها والموكل ينكر ذلك، فيقبل قول الوكيل؛ لأنهما اختلفا في الرد فالوكيل يثبته والموكل ينكره.
هنا فيها تفصيل؛ إذا كان الوكيل متطوعاً، يعني بدون أجرة، فيقبل قول الوكيل؛ لأنه لا منفعة له فيها، فهو أمين، والمنفعة متمحضه للمالك. أما إذا كان بجعل، أي بأجرة، فالقول قول الموكل في أنه لم يرد، لماذا؟ لأن الوكيل له منفعة في هذا العقد، فلما كان له منفعة فهو أمين، لكن نرجع إلى الأصل؛ عندنا الأصل إذا اختلفوا في الرد وعدمه، أو في كل شيء إذا اختلفوا في إثبات شيء أو نفيه، فالأصل أن القول قول المنكر.
خلف هذا الأصل في اليمين في الأمين؛ فقيل القول قول الأمين حتى وإن كان مثبتاً، لكن لما كانت الوكالة بجعل، فصار منتفعاً من هذا العقد، أرجعناها إلى الأصل. فنقول إذا كان القول قول الموكل، أرجعنا إلى الأصل. هذا المذهب، ولا في قول آخر؟ في قول آخر أن القول للوكيل حتى في الجعل، فالقول قول الوكيل.
والعجيب أن في الإنصاف ذُكر أن هذا هو المذهب، والمذهب نص عليه أنه يقبل قوله مع يمينه، يعني إذا كان بجعل، هذا ذكره في الإنصاف. لكنه في التنقيح اختار أنه لا يقبل قول الوكيل، وإنما يقبل قول الموكل، وتابعه في الإقناع والمنتهى.
قال: «وإذا قبض الوكيل الثمن حيث جاز». متى يجوز أن يقبض الوكيل الثمن؟ إذا وكله في القبض، أو دلت قرينة على الإذن. أحد القولين في المذهب: إذا وكله في القبض، هذا واضح. وهل القرينة تقوم مقام التصريح بالإذن؟ هذا خلاف بين المنتهى والإقناع، حتى صاحب الزاد أيضاً جعل القرينة تقوم مقام صريح الإذن، وهو الذي عليه في الإقناع، أما في المنتهى وغيره فمشوا على أنه لابد من إذن صريح.
وإذا قبض الوكيل الثمن حيث جاز، فهو أمانة في يده؛ لأنه هنا قبض المال الذي هو عوض العين التي وكل ببيعها، وقد قبضها بإذن من مالكها. ولا يلزم تسليمه قبل طلبه، هذا ذكرنا لكم قبل قليل أنه إذا طالبه الموكل فيلزمه، وإذا لم يطالب به فلا يلزمه، يبقى مانعاً في يده. قال: «ولا يضمنه بتأخيره»، يعني حتى لو أخره بدون مطالبة من الموكل فإنه لا يضمن، إذ يلزمه الرد بالطلب.
قال: «ويقبل قول الوكيل فيما وكل فيه». فلو وكله في بيع الثوب وقبض الثمن، فادعى الوكيل أنه باع الثوب وأن ثمنه تلف، وأنكر الموكل ذلك، فالقول قول الوكيل في ذلك؛ لأنه وكل فيهما، يعني في بيع الثوب وقبض الثمن، فقبل قوله فيهما، ولأنه لما ملك التصرف فيه قُبل قوله فيه. والجعْل هنا هو العوض على الوكالة، سواء كان أجرة أو جعالة، فالوكالة بجعل مقابل للوكالة. أما تطوعاً، فالكل يقبل قوله في الهلاك، ويقبل قوله في نفي التعدي ونفي التفريط، كلها يقبل قوله مع يمينه.
قال رحمه الله: «ومن ادعى وكالة زيد في قبض حقه من عمر بلا بينة، لم يلزمه أي عمر دفع صدقه لجواز أن ينكر زيد الوكالة، فيستحق عليه الرجوع، ولا يلزمه اليمين إن كذبه؛ لأنه لا يقضى عليه بالنكول، فلا فائدة في لزوم تحليفه».
فإن دفعه عمر، وأنكر زيد الوكالة وحلف، لاحتمال صدق الوكيل فيها، وضمنه عمر، فيرجع عليه زيد لبقاء حقه في ذمته، ويرجع عمر على الوكيل مع بقاء ما قبضه أو تعديه. وإن صدقه وتلف بيده بلا تفريط، فإن كان المدفوع لمدعي الوكالة بغير بينة وديعة أخذها حيث وجدها لأنها عين حقه، فإن تلفت ضمن أيهما شاء؛ لأن الدافع ضمنها بالدفع، والقابض قبض ما لا يستحقه، فإن ضمن الدافع لم يرجع على القابض إن صدقه، وإن ضمن القابض لم يرجع على الدافع. وكدعوى الوكالة دعوى الحوالة والوصية. وإن ادعى أنه مات وأنه وارثه لزمه الدفع إليه مع التصديق واليمين مع الإنكار على نفي العلم.
قال: «ومن ادعى وكالة زيد في قبض حقه من عمر بلا بينة، لم يلزمه أي عمر دفع صدقه» إلى آخره. هذا مثلاً: محمد ذهب إلى عمر وقال له: عمر مدين لزيد، قال: أنا وكيل زيد، أرسلني لك يقول إن عليك ديناً عشرة آلاف ريال سددها. لا يخلو محمد بن حليم إما أن يحضر بينة على أنه وكيل، كشهود أو صك وكالة ونحو ذلك، فنقول يلزم عمراً دفع هذا الدين، أو لا يحضر البينة، فإذا لم يحضر البينة نقول: لا يلزم عمراً دفعه إليه.
الخيار هنا لعمر؛ يريد أن يدفعه إليه، حتى لو صدقه، قال: «نعم أنا أصدقك أنك وكيل زيد، أنا أصدقك بأنك وكيل زيد لكن ثقة عندي لكن أخشى أن يجيء زيد يقول لا ما وكلته، فأدفع الدين مرتين»، فلذلك قالوا: لا يلزم، يعني هو بالخيار إن شاء دفع وإن شاء لم يدفع، قال: «لجواز أن ينكر زيد الوكالة فيستحق الرجوع عليه»، قد ينكر زيد الوكالة فيطلبه زيد مرة أخرى.
طيب، هل يلزمه اليمين كذّاباً لو قال: لا، أنا لا أصدقك؟ هنا محمد لم يحضر البينة على أنه وكيل زيد، هل عمر يلزمه اليمين؟ قالوا: لا يلزمه اليمين. الحديث: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر»، قالوا لا، اليمين اللازمة هي التي يقضى فيها بالنكول. هنا لو نكل عن اليمين هل نقول: يلزمك أن تسدد الدين؟ لا، لا نلزمه، فإذن لا فائدة في التحليف، قالوا لا؛ لأنه لا يقضى عليه بالنكول.
أنا كما سيأتينا إن شاء الله في باب الأيمان في الدعاوى، أن الأصل أن يقيم المدعي بينته، فإذا لم يكن لديه بينة، توجهت اليمين على المدعى عليه بطلب من المدعي، فإذا نكل المدعى عليه عن اليمين قالوا: يقضى عليه بالنكول، فيقال: امتناعك هذا دليل صدق المدعي، فيقضى عليه بالنكول. هنا لن يقضى عليه بالنكول، لماذا؟ لأنه حتى لو كان الوكيل صادقاً.
ولا توجد بينه حتى لو كان هو صادق، أو حتى لو هو صدق الوكيل؛ المدين صدق الوكيل فإنه لا يلزمه الدفع. الاحتمال أن زيد يجيء يقول: لا، أنا لم أوكله، قالوا: فلا فائدة في لزوم التحفظة.
عمر الآن دفع إلى محمد هذا، وهذا دفع له الدين، فجاء زيد قال: لا، أنا ما وكلت محمداً، أطالبك أن تسدد. فقال: طيب، أنا صدقت محمداً ودفعت له. طيب، صدقت، أعطاك بينة؟ قال: لا. فهنا هل لعمر هنا أن يقول لزيد: احلف، احلف أنك لم توكل محمداً؟ هنا يقول: فإن دفع عمر وأنكر زيد الوكالة حلف. حلف، طبعاً ستأتينا في باب الإيمان في الدعاوى، أن الحلف، حلف الإنكار هذا يكون بطلب الخصم. حلف بطلب عمر، لو قال عمر: خلاص، ما دامك ما وكلته أنا مفرق، خلاص خذ العسل، ماضي اليمين؛ الأمر يرجع إلى عمر، هذا حق لعمر.
قال: حلف لاحتمال صدق الوكيل فيها. طيب، قال: وضمنه عمر، يعني عمر يدفع الدين مرة أخرى لزيد، فيرجع عليه زيد لبقاء حقه في ذمته. طيب، عمر الآن دفع العسل مرتين، هل يرجع عمر على محمد؟ ولا خلاص؟ ماذا قال المؤلف؟ ويرجع عمر على الوكيل الذي هو محمد في هذا المثال مع بقاء ما قبضه، هذا القيد الأول، أو الحال الأولى، أو تعديه.
لا، إن صدقه وتلف بيده بلا تفريط؛ يعني عندنا إذاً ثلاث حالات، قال: يرجع عمر على الوكيل في حالتين ولا يرجع في حالة واحدة. الحالة الأولى قال لك: مع بقاء ما قبض. جاء عمر لمحمد يوم الخميس وقال: أنا وكيل زيد، أعطني، فأعطاه. يوم الجمعة جاء زيد قال: أعطني الدين، قال: أنت وكلت محمداً، وأمس يعني قال: ما وكلته. قال: كمان ما وكلته؟ خذ، أخذ العسل. جاء عمر عند محمد: العسل الذي أعطيته أمس أين هو؟ قال: عندي، بس إني بكره إن شاء الله بسافر لزيد وأعطيه إياه، قال: رجع لزيد جاء عندي وأعطاني إياها. فهنا المال الذي قبضه الوكيل أو مدعي الوكالة ما زال عنده، فهنا يرجع عليه بهذه الحالة الأولى.
الحالة الثانية قال: أو تعديه، أو تفريطه. طبعاً تعديه أو تفريطه؛ تعديه مثلاً لو أعطاه عشرة آلاف ريال وهذا مثلاً وضعها في مكان غير محرز وسرقت. في المثال السابق اتصل عليه قال: وين العسل؟ قال: والله هي سرقت. الآن كيف سرقت؟ قال: والله أنا حطيته فوق السيارة ونسيته وسُرق. فهنا يضمن إذاً. يضمن في حالتين: إذا كان المال الذي عنده مقبوضاً، نعم، إذا كان المال الذي عنده موجوداً باقياً، يعني، أو تلف وقد تعدى أو فرط فيه، تعدى أو فرط. تأتي هنا "أبو عبد الرحمن سنك بردان" وتأتي هنا "سنك بردان". أو كان تعدى أو كان تلف بتعديه.
الحالة الثالثة: أن صدقه وتلف بيده بلا تفريط؛ إذا كان دفعه إليه وهو مصدق صدقه أنه وكيل، وهذا المبلغ تلف بيده بلا تفريط؛ سُرق منه وهو لم يفرط ولم يتعدَّ، فهنا لا يرجع عليه؛ لأنه مقر أنه أمين حيث صدقه في دعواه الوكالة، ولأنه يدعي أن ما أخذه المالك ظلم، ويقر أنه لم يوجد من صاحبه تعدٍ، فلا يرجع على صاحبه بظلم غيره. والتصديق لابد أن يصرح به، ومجرد التسليم كونه يسلمه، لو قال: أبرأ ذمتي، أنا ما أدري أنت صادق ولا لا، بس أبرأ ذمتي خذ هذا، فهذا لا يعد تصديقاً، هذا لا يعد تصديقاً كما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله تعالى.
طيب، هذا إذا كان المدفوع ديناً، إذا كان المدفوع وديعة؛ قال: وإن كان المدفوع لمدعي الوكالة بغير بينة وديعة أخذها حيث وجدها. يعني عندنا المثال السابق، جاء الوكيل إلى عمر وقال: إن زيداً أودع عندك مثلاً أودع عندك مبلغاً من المال، أو أودع عندك جهازاً إلى آخره، وأنا وكيله، هو يطلب يسترجع هذه الوديعة، فأخذها وأعطاها إياه. فهنا زيد جاء وأنكر أنه وكل محمداً، فما العمل؟ يقول: إذا كان المدفوع لمدعي الوكالة بغير بينة وديعة، أخذها حيث وجدها.
أخذها من؟ عندنا الآن المودع زيد، الذي هو صاحب المال، والذي يدعي وكالة زيد هو محمد. هنا يقول: وإن كان المدفوع لمدعي الوكالة بغير بينة وديعة أخذها حيث وجدها، من الذي يأخذها حيث وجدها؟ كأنه أخذها المالك الذي هو زيد، يأخذها المالك حيث وجدها، سواء وجدها مع من ادعى وكالته أو غيره، يأخذها؛ قال: لأنها عين حقه، عين حق زيد حيث دفعها. حيث دفعها عمرو إلى غير مستحق، فإن تلفت، أو جاء مثلاً هي جهاز جوال أودعه عند عمرو، جاء محمد وقال إن زيداً يطلب جواله، أعطاه، فتلف هذا الجوال وتحطم أو أنه سرق؛ هنا زيد يضمن، من يضمن؟ عمر ولا يضمن محمد؟ أيهما شاء، يعني كل واحد فيه سبب للتضمين. قال: لأن الدافع ضمنها بالدفع عمر هنا، ضمنها لكونه دفعها لمن لا يستحقها، ومحمد هنا ضمنها لأنه قبض ما لا يستحق. طبعاً هذا كله إذا كان مدعي الوكالة بغير بينة، إذا كان في بينة الأمر مختلف، لكن هذا إذا كان بغير بينة كما ذكر.
طيب، إذا ضمن الدافع فهل يرجع للقابض؟ وإذا ضمن القابض فهل يرجع للدافع؟ لا. لذلك هنا قال: فإن ضمن الدافع لم يرجع على القابض. إذا ضمن الدافع، الدافع هنا في المثال السابق عمر، جاء زيد وضمن عمر، قال: جوالي مثلاً بـ ألفي ريال، عاطني ألفين، هنا هل يرجع عمر على محمد بالألفين؟ قال: لا يرجع إن صدقه، إن صدقه، وقلنا مجرد تسليم ليس تصديقاً، لكن صدقه قال: أنا أصادقك أنك وكيل زيد ودفع له، فإنه لا يرجع لي. وإن ضمن القابض لم يرجع على الدافع، إذاً فيه إن صدقه ولا ما فيه؟ ما فيه، لأن أصلاً القابض هو الذي يدعي، هو الذي يدعي أنه وكيل. إذا قال لم يرجع على الدافع، لماذا؟ لأن كلاً منهما يعتقد أن زيداً ظالم، وكلاً منهما يقر بأنه لم يوجد من صاحبه تعدٍ؛ هذا على فرض أن عمر صدق محمداً في دعوى الوكالة، فلا يرجع على صاحبه بظلم غيره. طبعاً فإن كان عمر دفعها إلى محمد من غير تصديق، قال: أنا ما أدري أنت صادق ولا لا لكن خذ، فهنا يرجع عليه، لكونه لم يقر بوكالته وهي لم تثبت بالبينة.
قال: وكدعوى الوكالة دعوى الحوالة والوصية؛ دعوى الحوالة والوصية مثل دعوى الوكالة. دعوى الحوالة، جاء محمد الآن، زيد مقرض عمر.
جاء محمد إلى عمرو وقال: «أنا أطالب زيدًا بمال، وحوّلني عليك». هل يلزم عمرو أن يدفع له المبلغ أو لا؟ في الوكالة لا يلزمه الدفع ولا اليمين إن صدقه، ويترتب عليه ما يترتب على الوكالة.
لكن قالوا: إذا أنكر رب الحق الحوالة، يرجع على غريمه، يعني هنا زيد أنكر الحوالة فإنه يرجع على غريمه اللي هو عمرو، وعمرو يرجع على محمد مطلقًا في الوكالة. قلنا إذا صدقه لا يرجع عليه، إذا صدقه لا يرجع عليه إذا تلفت بلا تعدٍ ولا تفريط.
فهنا قالوا يرجع مطلقًا؛ لماذا؟ هنا هل قبضه على أنه أمين؟ أيوه، ما قبضه على أنه أمين، قبضه على أنه مضمون عليه، يعني أنه مالك، والمالك يستقر الضمان في يده، يقبض على أنه مضمون عليه، خلاف الوكالة فإنه قبضه على أنه أمين، وكذلك الوصية.
الوصية لو ذهب فلان الآخر وقال -وعمرو عنده مال لزيد- زيد توفي وقال إن زيدًا أوصى لي بهذا المال الذي عندك، هل يلزمه الدفع إليه على التفصيل السابق؟
المسألة الأخيرة في هذا الباب: قال إذا ادعى أنه مات وأنا وارثه، يعني وارثه الوحيد، وإن ادعى أنه مات وأنا وارثه أي وارثه الوحيد، لزمه الدفع إليه مع التصديق، واليمين مع الإنكار على نفي العلم.
يعني مثلا محمد هذا جاء إلى عامر في المثال السابق وقال: إن والدي زيدا قد مات وأنا وارثه الوحيد، وهو قد أقرضك مبلغ 10000 ريال فسلمني إياها. فنقول عمر لا يخلو من أمرين: إما أن يقول: نعم، أصدقك على أن والدك قد مات وأنك وارثه الوحيد، فهنا يلزمه الدفع إليه، ليس مثل الوكالة، يجوز له الدفع إليه؟ لا، هنا يلزمه الدفع.
الوكالة سيرجع الوكيل الموكل يقول: أنا ما وكلت، ما يمكن أن يرجع الميت ويحيا ويقول: لا أنا ما وكلت، فهنا إذا صدقه فيلزمه الدفع إليه مع التصديق. قال الموفق رحمه الله بغير خلاف: نعلمه؛ لأن هذا الدفع يتضمن براءته، بخلاف الدفع في الوكالة لأنه قد يكون الدفع غير مبرئ، يجيء الموكل يكون موكلًا، وكلت، لكن هنا إذا صدقه في أنه مات وأنه وارث الوحيد فالدفع مبرئ؛ لأنه إذا أقر بأنه لا حق له، فإنه لا حق لسواه.
واليمين مع الإنكار على نفي العلم؛ يعني لو قال: لا، أنا ما أصدقك على أنه مات ولا أنك الوارث الوحيد، وهذا ما عنده بينة، فنقول يلزم المدعى عليه اليمين مع الإنكار، يحلف على إيش؟ نفي العلم، نقول: والله لا أعلم أن زيدًا قد مات، لا أعلم ما يقول، والله إن زيدًا لم يمت. لماذا؟ لأن هذا حلف على نفي فعل الغيب.
الحلف على نفي فعل الغير يتوجه إلى نفي العلم، والحلف على نفي فعل النفس يتوجه إلى نفي الفعل ذاته. يعني لو قال مثلاً ادعى زيد على عمرو أنه أقرضه مبلغًا، قال: لا ما أقرضتني، عندك بينة يا زيد؟ قال: لا ما عندي بينة، خلاص احلف يا عمرو. ما يقول عمرو: والله إنني لا أعلم أن زيدًا أقرضني، لا ما تجي، لأن هذا فعليًا يتعلق به، يقول: والله إنني لم أقترض من زيد، يحلف على نفي فعل نفسه. لكن هنا يحلف على نفي فعل غيره، فيكون الحلف على نفي العلم: والله إنني لا أعلم أن زيدًا قد مات.
طيب لماذا يلزمه اليمين هنا ولا يلزمه اليمين هناك؟ يحكم عليه بالنكول هنا، وسيُحكم عليه بالنكول هناك، فإذا كانت اليمين لزوم اليمين لأجل هذا إذا حكم عليه بالنكول، فإذا كان سيحكم عليه بالنكول فيلزمه اليمين، إذا لم يحكم عليه بالنكول فلا يلزمه اليمين.
أما أحيانًا ينكر أنه لا يعلم أن زيدًا قد مات، وأحيانًا يعلم أن زيدًا قد مات لكن يقول: قد لا تكون الوحيد، لماذا؟ قد أعطيك إياه وإخوانك الباقين، أنا لا أعلم أنك الوارث الوحيد، فينكر، فقد ينكر هذا وقد ينكر.
انتهينا من باب الوكالة وندخل إلى باب الشركة. اشك علي أننا كأننا غيرك، وصحح مثلاً على كل باب ما يجوز له أن... نعم، وهذا ذكر في الكشاف أن جاز التصرف في كل باب بحسبه، قال نحو هذه العبارة، فمثل العبد، العبد ليس له التصرف في المال، لكن هو يطلق، فله التوكيل في الطلاق، فهو جائز التصرف في الطلاق وليس جائز التصرف في البيوع.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان