دخولتسجيل الدخول

كتاب البيع 54 | باب الوكالة 3

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وعملاً صالحاً يا كريم.

أما بعد، كنا قد توقفنا في التعليق على الروض المربع أثناء باب الوكالة، وقفنا على قول المؤلف رحمه الله تعالى: «وإن اشترى الوكيل ما يعلم عيبه لزمه...» إلى آخره.

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين. قال المصنف رحمه الله تعالى: «فصل: وإن اشترى الوكيل ما يعلم عيبه لزمه»، أي لزم الشراء الوكيل، فليس له رده لدخوله على بصيرة، إن لم يرضَ به موكله، فإن رضيه كان له لنيته بالشراء. «وإن اشترى بعين المال لم يصح»، فإن جهل عيبه رده؛ لأنه قائم مقام الموكل وله أيضاً رده، فإن حضر قبل رد الوكيل ورضي بالعيب لم يكن للوكيل رده؛ لأن الحق له، بخلاف المضارب؛ لأن له حقاً فلا يسقط برضا غيره. فإن طلب البائع الإمهال حتى يحضر الموكل لم يلزم الوكيل ذلك. وحقوق العقد كتسليم الثمن وقبض المبيع والرد بالعيب وضمان الدرك تتعلق بالموكل هنا.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: «وإن اشترى الوكيل ما يعلم عيبه لزمه...» إلى آخره. الأصل أن الإنسان إذا وكل في شراء سلعة فإنه يشتري سلعة سليمة، فالأصل أنه لا يجوز إلا أن يشتري لموكله سلعة سليمة؛ لماذا؟ لأن القاعدة في من تصرف لغيره أن تصرفه الآن ليس لنفسه بل لغيره، فتخيره تخيير مصلحة.

لكن لو كان سيتصرف لنفسه فتخيره تخيير تشهي، بمعنى أنه يشتري سيارة ويذهب للسوق ويرى سيارة فيها عطل أو عيوب فيشتريها، فلا تزر وازرة وزر أخرى؛ لأنه يشتريها لنفسه. لكن لو وُكل في شراء سيارة فهنا لا يجوز له أن يشتري لموكله سيارة معيبة، إلا في مسألة يستثنيها الفقهاء رحمه الله تعالى، وهي خلاف بينهم؛ لو عين له السيارة، قال: اشترِ لي السيارة الفلانية، ووجدها معيبة، فهل له أن يشتري أو لا؟ هذا خلاف بين الفقهاء. لكن كلامنا فيما إذا أطلق له، قال له: اشترِ لي كذا سلعة موصوفة، فهنا لا بد له أن يشتري له سلعة سليمة؛ لأن إطلاق البيع يقتضي السلامة، ولذلك جاز الرد بالعيب.

فإن اشترى المعيبة، لا يخلو حال الوكيل هنا من حالين؛ إما أن يكون عالماً بالعيب، أو جاهلاً به. نبدأ بما بدأ به المؤلف إذا كان يعلم العيب، فهنا ننظر للموكل: فإذا رضي الموكل جاز هذا الشراء، وليس له حق الرد بالعيب، لا للموكل ولا للوكيل. هذه هي الحالة الأولى.

الحالة الثانية إذا لم يرضَ به الموكل، فنقول: تلزم الوكيل. يقول الموكل: أنا قلت لك اشترِ لي سيارة بـ 10000، فاشتريت لي سيارة بـ 10000 وصارت معيبة وأنت تعلم بها وأنا لا أريدها، خلاص، أنت تدفع من عندك ولن نعطيك شيئاً، السيارة تلزمك.

ويستثنى من ذلك ما إذا وقع الشراء بعين المال، قال هنا: «وإن اشترى بعين المال لم يصح»، يعني أعطاه 10000 ريال ليشتري بها هذه السيارة أو هذه السلعة جهازاً أو سيارة إلى آخره، فذهب واشترى بها سلعة معيبة، وكان الوكيل يعلم بالعيب والموكل لم يرضَ بها، فهنا نقول: لا يصح الشراء، لا يصح العقد، وليس تلزم الوكيل، بل لا يصح العقد؛ لماذا لا يصح العقد؟ قالوا هنا: كشراء الفضول. والفضولي تقدم معنا في أول كتاب البيع أن عقد الفضول لا يصح لاختلال شرط الملك.

إذن هذا التقسيم فيما إذا اشترى وكان يعلم عيبه: الحالة الأولى إذا اشترى وكان يعلم عيبه، فلا يخلو من حالين؛ إما أن يرضى به الموكل فيصح البيع ولا يكون له رد ولا للموكل رد، أو ألا يرضى به الموكل فتلزم الوكيل وليس له الرد، ويستثنى من ذلك ما إذا اشترى بعين المال الذي سلمه له الموكل، فهنا لا يصح العقد؛ لأنه يكون عقد فضولي، فلا يصح العقد.

تجينا مسألة أخرى، وهي: لو رفض البائع، قال: إنك أنت اشتريت لموكلك، فهنا تأتي المسألة: هل يقبل قول الوكيل أو قول البائع؟ يعني لو جاء واحد واشترى من صاحب جوالات، فقال له البائع مثلاً: هذا الجوال فيه العيب الفلاني، فاشتراه به وهو يعلم عيبه، ثم ذهب به لأخيه، فقال أخوه: لا، ما به العيب الفلاني. فرجع هو أو رجع الأخ أو الموكل إلى صاحب المحل وقال: أنا لا أريد هذا الجهاز فيه عيب، فقال البائع: لماذا؟ قال: لأنني وكلته، قال: ما أصدقك في ذلك، ولا عنده بينة، ولا هذا عنده بينة. فمن يقبل قوله؟ في مذهب أنه يقبل قول البائع، ولا يقبل قول الوكيل ولا الموكل؛ لماذا؟ لأن الأصل أن من اشترى شيئاً فإنه يشتري لنفسه، وهذا هو الأصل الذي نتمسك به، فالمشتري هو الوكيل، فالمقام مقام بينة، فالأصل قول البائع.

نرجع إلى مسألتنا، إذا قرأناها في الروض: «إن اشترى الوكيل ما يعلم عيبه لزمه»، أي لزم الشراء الوكيل، فليس له رده لدخوله على بصيرة. وتقدم معنا في خيار البيع أنه إذا كان عالماً بالعيب فإن ذلك يسقط الخيار. قال: «إن لم يرضَ به موكله»، فإذا رضي الموكل كان له، كما قلنا إنه إذا رضي الموكل يكون له، «كان له لنيته بالشراء»، يعني لأن المشتري اشتراه ناوياً به أن يكون للموكل. قال: «وإن اشترى بعين المال»، هذه لم يصح الشراء، شراء العين المعيبة بعين مال الموكل لم يصح الشراء؛ لماذا؟ لأنه اشترى شيئاً لم يأذن له فيه، فكان كعقد الفضول.

هذه الحالة الأولى من حالات الوكيل إذا اشترى عالماً بالعيب. الحالة الثانية إذا اشترى جاهلاً...

يشتري سلعة، قال: «اشترِ لي السيارة الفلانية»، فذهب واشتراها، ولما اشتراها وجد بها عيباً، فهل له أن يشتري وهو يعلمها معيبة أو لا؟ هذه مسألة خلافية، لكن هنا لم يذكرها، وفي «المغني» قال: «فإن أمره بشراء سلعة بعينها، يعني عين له السلعة فاشتراها فوجدها معيبة، فهل له الرد أو ليس له الرد؟ هل للموكل الرد؟ وكذلك الوكيل، هل له الرد أو ليس له الرد؟ قال: احتمل أن له الرد لأن الأمر يقتضي السلامة، واحتمل أنه لا يملك الرد لأن الموكل قطع نظره بالتعيين فربما رضي بجميع صفاته به».

واختلف الأصحاب المتأخرون في ذلك في مسألة ما إذا عين له السلعة ووجدها معيبة، فهل له الرد أو لا؟ اختلف المتأخرون في ذلك؛ الأول ذكر أن له الرد، وذكر المرداوي أنه الصحيح من المذهب. والثاني أن ليس له الرد، وصوبه المرداوي، يعني هذا اختياره الخاص. وفي «الإقناع» اختار الأول أن له الرد، وفي «التنقيح» و«المنتهى» اختاروا الثاني، يعني أنه ليس له الرد. طبعاً هذه المسألة ما ذكرها هنا في الرو.

المسألة الثانية والحالة الثانية: إذا جهل العيب، فالوكيل ذهب واشترى سلعة ما لم يعلم أنها معيبة، فتبين له أنها معيبة، طبعاً بعيب يسيغ له الرد، فهل له الرد أو لا؟ انظر للموكل. قال المؤلف رحمه الله: «فإن جهل عيبه رده؛ رده الوكيل أو الموكل؟ الوكيل رده؛ لأنه قائم مقام الموكل، فهو أحَل محل الموكل في الشراء، فيحل محله في رد السلعة بالعيب، وله أيضاً رده». وله هنا الضمير يعود على من؟ الموكل، لأن لو قلنا الوكيل لصار تكراراً؛ لأنه قبل قليل قال: «فإن جهل عيبه رده لأنه قائم مقام الموكل»، فـ«له» أي وللموكل أيضاً، لأن الملك يتعلق بالمكل، فلذلك قوله: «وله أيضاً» ضده أي وللموكل أيضاً.

ولو رضي الوكيل، أو قال الوكيل: «أنا ما عندي مانع»، ذهب الوكيل يشتري الجوال، قال: «الجوال بس ترى فيه عيب كذا وكذا»، قال: «ما عندي»، ذهب به، فالموكل قال: «لا، ما فيه عيب»، فرده؛ فللموكل رده، ولو رضي الوكيل، قال: «لأنه ملكه».

قال: «فإن حضر قبل رد الوكيل ورضي بالعيب لم يكن للوكيل رده؛ لأن الحق له». يعني الآن هذا الوكيل ذهب إلى محل الجوالات ليشتري لموكله، فأوقف معه واشترى السلعة وانتهى وقبضها بعد يومين، ولما أراد أن يردها، قال: «لقيت فيها العيب الفلاني»، وبينما هم يتفاوضون على الرد دخل الموكل، وما عُرض عليه من الموكل حتى الآن، دخل الموكل وقال: «ما الأمر؟ وين الجوال الذي قلت؟»، قال: «هذا اشتريته بس هو فيه عيب سأرده»، قال: «لا، أنا راضٍ به بهذا العيب». فهل يملك الوكيل رده هنا؟ قال: «لكن هنا، فإن حضر قبل رد الوكيل ورضي بالعيب لم يكن للوكيل رده؛ لأن الحق له»، فحقوق العقد تتعلق بالموكل لا بالوكيل كما سيأتينا بعد قليل.

بل بخلاف المضارب، لأن له حقاً فلا يسقط برضا غيره. المضارب يعني شخص أعطى آخراً مالاً وقال له: «ضارب به، اشترِ به سلعاً وبعها لأجل أن نتكسب ونربح»، فاشترى مرة جوالات من محل جوالات، اشتراها عشر جوالات وذهب بها للبيت، ثم أثر فيها عيوب، أراد أن يردها، ذهب في الغد ليردها وهو يتفاوض مع صاحب المحل، دخل صاحب رأس المال الذي دفع له المال ليتاجر به، قال: «ما الأمر؟»، قال: «أنا اشتريت هذه عشان أتاجر فيها بالمبالغ التي أعطيتني إياها فوجدت فيها عيباً فأردت ردها»، قال: «لا، ما في إشكال، بعها واشترِ». فهنا يقول لا للمضارب ردها ولو رضي صاحب المال؛ لماذا؟ قال: «لأن له حقاً»، لأن لو باع هذه يصير ثمنها أقل مما لو باع جوالات سليمة، فإذا صار ثمنها أقل فسينقص ربحه، بخلاف الوكيل؛ فالوكيل هو وكيل في الشراء، لن ينقص حقه سواء قبلها أو ردها. إذاً بخلاف المضارب، فله الرد وإن لم يرضَ صاحب المال؛ لأن له حقاً فلا يسقط برضا غيره.

قال: «فإن طلب البائع الإمهال حتى يحضر الموكل لم يلزم الوكيل ذلك». يعني لما أراد الوكيل الآن، الوكيل اشترى سلعة معيبة وتبين له أن بها عيباً وذهب إلى البائع قال: «أنا أريد أن أردها لأن فيها عيباً، أنا اشتريتها لأبي أو لأخي الذي وكلني ووجدت فيها عيباً، خلاص أنا أريد أن أردها»، قال: «إيش رأيك نعطيك حلاً؟ نتواصل مع موكلك ونقول له ترى السلع فيها كذا وكذا يمكن يرضى، فلعلك تؤجلها»، فهل يلزمه قبول هذا العرض؟ يقول: لا، «فإن طلب البائع الإمهال حتى يحضر الموكل لم يلزم الوكيل ذلك». لماذا؟ انظروا لتعبيرات الفقهاء رحمه الله تعالى، دقيقة، ما قال لم يجز أو لم يصح، قال: «لم يلزم»، يعني جعل الخيار للوكيل؛ أنت يا وكيل بالخيار، تريد أن تنتظر انتظر، ما تريد أن تنتظر فلك حقك في المطالبة بالرد. قال: «لم يلزم الوكيل ذلك»، قالوا: «لأنه لا يأمن فوات الرد لهرب البائع»، فقد يهرب البائع فيريد أن يرد ما أخذ أو يتلف الثمن.

طيب، لو قال: «لو رضي الوكيل قال ما عندي مال، أنت تريد أن تنتظر موكلي»، وكان موكله مسافراً وحضر بعد شهرين، قال له: «أنا لا أرضى بهذه السلعة»، فذهب المشتري الذي هو الوكيل إلى البائع وقال له: «إن موكلي لم يرضى»، يعني شهرين الآن، مرت مدة طويلة، شهرين، فهل يسقط حق الموكل بالرد هنا أو لا؟ قالوا: لا يسقط، حتى وإن قلنا خيار العيب على الفور؛ خيار العيب على الفور ولا على التراخي؟ قالوا: حتى على القول بأنه على الفور هنا لا يسقط؛ لماذا؟ لأن البائع أذن بالتأخير.

قال: «وحقوق العقد كتسليم الثمن وقبض المبيع والرضا والرد بالعيب وضمان الدرك تتعلق بالموكل». يعني عندنا الآن الحقوق التي تترتب على العقد هنا هي تتعلق بالموكل، مثلها قال: «كتسليم الثمن»، يعني الموكل الآن وكل شخص أن يبيع له سلعة، الوكيل باعها بثمن مؤجل.

بثمن مؤجل، الموكل ما عنده إشكال. قال: باعها بثمن مؤجل، هل للموكل حق أن يطالب المشتري بالثمن المؤجل؟ أو نقول لا تطالب، بل نطالب الوكيل؟

الآن نتكلم عن الموكل، هل له حق المطالبة بتسليم الثمن أو لا؟ الموكل يطالب المشتري، فنعم حقوق العقد تتعلق به أيضاً؛ كإتسليم الثمن وقبض المبيع. فمن اشترى شيئاً عن طريق الوكيل فله حق أن يقبض المبيع، والرد بالعيب إذا اشترى سلعة صارت معيبة؛ يملك الرد بالعين.

وضمان الدرك؛ هل مر علينا ضمان الدرك أم لا؟ وهو ضمان العهدة، الذي هو يضمن أن المبيع مملوك له ليس لغيره، فلو تبين أن المبيع ملك لغيره فإنه يضمن. فهنا لو أن شخصاً سلم جواله لوكيله وقال: اذهب وبع الجوال، فذهب وبع الجوال على زيد من الناس، وذهب ذاك اليوم مع أصحابه في الاستراحة، فقال: شريت الجوال، فقال: من أين لك جوالي؟ مشروق قبل شهر وأنا أعلنت عن سرقته، فتبين أنه مسروق وأن هذا جوال صاحبه، فمن الذي يضمن لزيد؟ هل الوكيل أم الموكل؟ الوكيل لا يضمن شيئاً، فهي تتعلق بالموكل.

السلام عليكم. قال رحمه الله: «ووكيل البيع يسلمه»، أي يسلم المبيع؛ لأن إطلاق الوكالة في البيع يقتضيه لأنه من تمامه. «ولا يقبض الوكيل في البيع الثمن بغير إذن موكله»، لأنه قد يوكل في البيع من لا يأمنه على قبض الثمن بغير قرينة. فإن دلت القرينة على قبضه، مثل توكيله في بيع شيء في سوق غائب عن الموكل، أو موضع يضيع الثمن بترك قبض الوكيل له، كان إذا في قبضه؛ فإن تركه ضمنه لأنه يعد مفرطاً.

هذا المذهب عند الشيخين، وقدم في التنقيح وتبعه في المنتهى: «لا يقبضه إلا بإذن، فإن تعذر لم يلزم الوكيل شيء لأنه ليس بمفرط لكونه لا يملك قبضه».

الآن ذكر المؤلف رحمه الله تعالى الوكيل في البيع، وكالته ماذا تخوله؟ الأصل في الوكيل أن يتصرف فيما أذن له موكله فيه. إذا أذن له في البيع، فالبيع يقتضي أمرين: إذا باع عنده سلعة سيسلمها، وثمن سيقبضه. يترتب على البيع أمران: تسليم السلعة وقبض الثمن. كأن أعطاه الجوال وقال: بع جوالي مثلاً بألف ريال، الآن سيترتب على البيع أنه يسلم الجوال للمشتري ويقبض الثمن من المشتري، فهل يملك هذين الأمرين أم لا؟

ماذا يقول المؤلف عن الأمر الأول؟ يقول: «ووكيل البيع يسلمه»، أي يسلم المبيع. هو لم يقل استلم المبيع، بل قال بع، لأن إطلاق الوكالة في البيع يقتضيه؛ لأنه من تمامه، فمن وكل شيئاً شخصاً في بيع شيء، فهذه الوكالة تتضمن أن يسلم الشيء المبيع.

عندنا الأمر الثاني: قبض الثمن، هل يقبض الثمن أم لا؟ إذا أذن له الموكل بالقبض، كأن قال: وكلتك في بيع السلعة وقبض الثمن، فهنا لا إشكال، يقبض الثمن. لذلك قال المؤلف: «ولا يقبض الوكيل في البيع الثمن بغير إذن الموكل». أما إذا نهاه الموكل، كأن قال: وكلتك في بيع ساعة لكن لا تقبض الثمن، فهنا لا يقبض الثمن؛ لأن التصرف منوط به.

وهناك مسألة ثالثة: إذا أسكت الموكل، ولم يقل لا تقبض، فهل له قبض الثمن أم لا؟ المؤلف يقول: ليس له قبض الثمن إلا بقرينة. فإذا دلت القرينة على قبضه، كأن يوكل في بيع شيء في سوق غائب عن الموكل، فلو باع ولم يقبض الثمن وذهب المشتري، لكان الوكيل مفرطاً؛ فكانت هذه قرينة تدل على أنه يملك قبض الثمن. فإذا دلت القرينة على القبض فإنه يقبض، فلو تركه -والموكل لم يقل له اقبض الثمن- ضمنه لأنه يعد مفرطاً.

هذا القول هو المذهب عند الشيخين، وهما ابن قدامة والمجد ابن تيمية الجد رحمهما الله تعالى، وهو الذي مشى عليه في الإقناع والمقنع والحجاوي في الإقناع وابن النجار في الإنصاف.

والقول الثاني في المذهب، كما قدم في التنقيح وتبعه في المنتهى، هو أنه لا يقبض مطلقاً إلا بإذن؛ أي إذا لم يوجد إذن صريح لا يقبض حتى لو وجدت قرينة، فإن تعذر لم يلزم الوكيل شيء لأنه ليس بمفرط لكونه لا يملك قبضه. وهذا هو الذي استظهره أصحاب التنقيح، وإن كان قد قدم القول الأول.

وإذا لم يأذن له في القبض فقبضه، فإذا تلف في يده يكون ضامناً لا أميناً، لأن يده يد ضمان، وهذا الذي يظهر منه الخلاف بينهما.

الآن تكلمنا على وكيل البيع، والآن يتكلم على وكيل السرا (الشركة). في القول الثاني الذي قال لا يقبض مطلقاً إلا إذا أذن، قالوا: ما لم يفضِ عدم القبض إلى ربا؛ فإذا كان يبيع ربوياً بربوي، كأن يبيع تمراً بتمر أو تمراً بقمح مما يشترط فيه التقابض، فلو لم يقبض الوكيل وصار ذلك مؤدياً إلى الربا، فهنا يقبض، وهذا ذكره في التنقيح ونقله في المنتهى؛ لأن القبض حينئذ من مقتضى العقد.

القبض حينئذ؛ ما يصح العقد إلا بقبض؛ لأن القبض أحياناً يكون من تمام العقد، وأحياناً يكون شرطاً في العقد.

أحسن الله إليكم. قال رحمه الله: «ويسلم وكيل المشتري الثمن؛ لأنه من تتمته وحقوقه كتسليم المبيع، فلو أخره -أي آخر تسليم الثمن- بلا عذر وتلف الثمن ضمنه لتعديه بالتأخير». وليس لوكيل في بيع تقليبه على مشترٍ بحضرته، وإلا ضمن.

يترتب على الوكالة في الشراء أمران: أولهما تسليم الثمن، والثاني قبض المبيع. هنا يتكلم عن تسليم الثمن فقط؛ هل يسلم وكيل الشراء الثمن أو لا؟ إذا أعطاه الموكل ألف ريال ليشتري بها جوالاً، فذهب واشترى، هل يسلم الثمن؟ يقول: هنا يسلم وكيل الشراء الثمن؛ لأنه من تتمته وحقوقه من تتمة البيع، والعادة دالة على ذلك، قال: «كتسليم المبيع»، أي قاسها على تسليم وكيل البيع للمبيع؛ فما قلنا إن تسليم وكيل البيع للمبيع لا يحتاج إلى نص، لأن إطلاق الوكالة يقتضيه، فمثل تسليم المشتري بالثمن.

ويقول: «فلو أخره -أي آخر تسليم الثمن- بلا عذر وتلف الثمن ضمنه لتعديه بالتأخير». فلو لم أكن أحتاج الألف ريال هذه، وكان سيأتينا ألفان أخرى بعد أسبوع، فخرج من المحل وسرقت هذه الألف ولم أصرف فيها شيئاً، ثم أخّرت التسليم بغير عذر فتلف الثمن؛ فإنه يضمن، ولا يقول: أنا تلف بلا تعدٍ ولا تفريط، بل أنت تعديت بالتأخير.

هل يستلم وكيل الشراء السلعة (الجوال) أم لا؟ استلام وكيل الشراء للسلعة كاستلام وكيل البيع للثمن، فما فيه من الخلاف هناك، ينتقل إلى: «وليس لوكيل في بيع تقليبه على مشترٍ بحضرته، وإلا ضمن». تقليبه على مشترٍ مع المشتري ليذهب به إلى من يشاور على السلعة. إذا كان البائع هو صاحب السلعة وسأله المشتري، فأذن له فلا إشكال، لكن إذا كان البائع وكيلاً عن صاحب السلعة، فـ«بحضرته»؛ الضمير هنا يعود على من؟

اختلفت الأصحاب في المنتهى؛ قال: «بحضرة موكل»، وبن قندس في حاشية الفروع كلامه أن الضمير يعود إلى الوكيل. إذا قلنا إن الضمير يعود إلى الموكل، فمعناه أنه ليس للوكيل تقليب السلعة على مشترٍ إلا بحضرة الموكل، فإذا حضر الموكل وأذن فالحق له. وعلى القول بأن الضمير يعود إلى الوكيل، فمعناه ألا يذهب بالسلعة ليُشاور عليها ويخرج عن المحل إلا مع الوكيل، أو يُحضر من يبيشاوره أمام الوكيل.

وقوله: «وإلا ضمن»؛ أي إن خالف في ذلك، فإذا قلنا الضمير يعود على الموكل، فإذا لم يحضر الموكل وأذن الوكيل للمشتري بتقليب السلعة (أي عرضها على غيره) وغاب به عن الموكل، فإنه يضمن. وإذا قلنا الضمير يعود على الوكيل، فإنه إذا غاب به عن الوكيل فإنه يضمن.

ومتى يضمن؟ إذا قال له الموكل: «لا إشكال، اذهب وشاور عليه»، فذهب وشاور ولم يرجع، ثم ضاع المال، يقول الوكيل: «أنا والله وثقت به»، نقول: أنت لم توكل في البيع، بل وُكلت ولم تُوكل في الإذن فيه. لكن على القول الثاني، لو كان الموكل موجوداً وقال: «لا إشكال، خله يذهب به»، فذهب ولم يرجع، فهنا لا يضمن الوكيل؛ لأن هذا الإذن كان بحضرة الموكل.

والمراد بالتقليب: هو تركه إلى من يذهب به، وهذا هو الصحيح. وفي الفروع لما نقل هذه المسألة قال: «ويتوجه أن نرجع إلى العرف»؛ فإذا كان العرف يدل على أن للوكيل أن يأذن ولو لم يكن الموكل حاضراً، فله ذلك ولا يضمن.

أحسن الله عليكم. قال رحمه الله: «وإن وكله في بيع فاسد لم يصح ولم يملك؛ لأن الله تعالى لم يأذن فيه، ولأن الموكل لا يملكه». فلو باع الوكيل بيعاً فاسداً -مثل بيع خمر أو خنزير أو شيء مجهول- فهذا لم يملك؛ لأن الله تعالى لم يأذن فيه، وأيضاً الموكل لم يملك، والقاعدة أن: «من ملك تصرف في شيء ملك التوكيل فيه»، وهنا لم يملك الوكيل التصرف في هذا الشيء المحرم شرعاً، فلا يملك التوكيل فيه.

وقوله: «لو وكله في بيع فاسد فباع الوكيل بيعاً صحيحاً». كأن يبيع شيئاً مجهولاً، فإذا أراد أن يصحح البيع، فتح الكراتين وأخرج الجوالات ليرى الناس ويجربونها، فباع بيعاً صحيحاً؛ فهل يصح؟ قال: «لم يصح»؛ لأنه لم يوكل فيه، ووكل في بيع فاسد، فهو علم على ما لم يؤذن له فيه.

السلام عليكم. قال رحمه الله: «أو وكله في كل قليل وكثير لم يصح»؛ لأنه يدخل فيه كل شيء من هبة ماله وطلاق نسائه وعتاق رقيقه، فيعظم الغرر والضرر. «أو وكله في شراء ما شاء عيناً بما شاء ولم يعين».

نوعا وثمنا لم يصح؛ لأنه يكثر فيه الغرر. وإن وكله في بيع ماله كله أو ما شاء، قال في المبدع: «وظاهر كلامهم: بع من مالي ما شئت، له بيع ماله كله».

قال المحقق في تعليقه على نقل المبدع، ونقله عن المبدع أيضًا في كشاف القناع في الجزء الثامن، ولم نجده فيه. والعبارة لابن مفلح في الفروع، ونقله عنه ابن النجار في المعونة والنهى وغيره، فلعلها سقطت من طبعة المبدع التي لدينا. هذه العبارة ليست في المبدع المطبوع، ونقله هنا في الروض ونقلها في الكشاف عن المبدع، وليست في المبدع وإنما هي في الفروع.

أذكر قبل سنوات كنا نقرأ في هذا الروض مع مجموعة من الزملاء، كل واحد معه نسخة، فحتى معنا نسخة ترام؛ متون لكنها الطبعة الأولى ما عُلّق عليها بالشيء، فطبعة الركائز ما كانت موجودة ذاك الوقت. لكن في طبعة حققها يسري إبراهيم، هو الذي علّق عليها، قال: ليست موجودة في المبدع، موجودة في الفروع. فكل البهوتي إذا نقلها في هذا الكتاب وفي الكشاف عن المبدع، لكن في شرح المنتهى نقلها عن الفروع كذلك. والله أعلم.

العبارة هذه لصاحب الفروع، ولعلها موجودة في طبعة المبدع؛ لأن صاحب المبدع كثير النقل عن الفروع، بنصه يقول إنها موجودة في طبعة المبدع لكن سقطت من الطبعة. أنا ما أدري عن طبعة ركائز المبدع، لكن في الكتب العلمية طبعتها القديمة، وأيضًا طبعة الشيخ ذيال رامدي كلها ليست موجودة في هذه اللفظة.

نرجع إلى المؤلف رحمه الله، قال: «أو وكله في كل قليل وكثير لم يصح؛ لأنه يدخل فيه كل شيء من هبة ماله وطلاق السد هكذا، فيعظم الغرر والضرر». طبعًا من شروط صحة الوكالة أن يكون التوكيل في تصرف معلوم، فإذا كان وكله في كل شيء لم يصح. «وكله في كل شيء»، كل ما تريد أن تفعل افعله في شؤوني، فإنه هنا في شؤونه يملك طلاق نسائه، يملك وقف أراضيه، يملك بيع سياراته إلى آخره، فلما كان التصرف المطلق غير معلوم، أي مفتوح في كل شيء، فإنه لا يصح. قال: لأنه يدخل في كل شيء من هبة ماله وطلاق نسائه، فيعظم الغرر والضرر؛ فلم يصح لذلك.

قال: «أو وكله في شراء ما شاء عينا بما شاء»، قال: اشتر لي ما شئت، أو اشتر لي هذه السيارة بما شئت. قال: «ولم يعين نوعًا وثمنًا»، لا بد أن يعين، لابد أن يعين النوع والثمن؛ اشتر لي كذا بكذا، فإنه لا يصح؛ لأنه يكثر فيه الغرر. فقد يشتري الوكيل ما لا يقدر الموكل على ثمنه إن عين النوع دون الثمن، قال: اشتر لي السيارة نوعها كذا وكذا ولم يعين له ثمنًا. المذهب أنه لا بد أن يذكر النوع ويقدر الثمن.

والقاضي أبو يعلى ذكر أنه إذا عين النوع دون الثمن فإنه يصح؛ لأنه إذا ذكر النوع فقد أذن في أغلاه ثمنًا؛ لتقليل الغرر. ولأن تقدير الثمن قد يضر؛ فقد لا يجد بقدر الثمن، لو قال اشتر لي جوالًا بـ 1000 ريال، فذهب ما يجد، لكن لو قال اشتر لي جوال صفته كذا وكذا بـ 1000 ريال، أو قال اشتر لي جوال صفته كذا وكذا ولم يذكر له ثمنًا فاشترى له جوالًا صفته كذا وبثمن معين فإنه يصح. لكن لو قال له بـ 1000 ريال فذهب في السوق ولم يجد، هنا لا يستطيع أن يشتري له بدون ما قدره به من الثمن.

قال: «وإن وكله في بيع ماله كله أو ما شاء»، بيع ماله كله أو بيع ما شاء من ماله، صح؛ لأن الشراء يتضمن في ذمته البيع، فيتضمن أنه سيبيع فقط، ولا يوجد جهل مؤكد؛ لأنه يعرف ماله، يعرف ماله كله، فيصح. وإذا صح في الكل صح في البعض؛ إذا قال: بع ما شئت منه صح؛ لأنه إذا جاز التوكيل في الجميع صح في البعض.

قال في المبدع، وطبع صواب في الفروع، وظاهر كلام الأصحاب في لفظه: «بع من مالي ما شئت»، له بيع ماله كله. كيف؟ من قوله «من» التي تدل على التبعيض؟ «بع من مالي ما شئت» إلا تدل على التبعيض؟ نعم، أحسنت، «بع من مالي ما شئت» فتكون من هنا بيانية بيان للجنس لا تبعيضية؛ مما إذا قلنا تبعيضية «بع من مالي ما شئت» يعني بع بعض ما شئت من مالي، لكن إذا قلنا بيانية: بيع أي شيء شئته من مالي، فلو شاء بيع ماله كله جاز له ذلك. أحسن الله إليكم.

قال رحمه الله: «والوكيل في الخصومة لا يقبض؛ لأن الإذن لم يتناوله نطقًا ولا عرفًا؛ لأنه قد يرضى للخصومة من لا يرضى له القبض، ولأنه قد يرضى للخصومة من لا يرضاه للقبض، والعكس بالعكس. والوكيل في القبض له الخصومة؛ لأنه لا يتوصل إليه إلا بها، فهو إذن فيها عرفًا». وإن قال الموكل: «اقبض حقي من زيد»، ملكه من وكيله؛ لأنه قائم مقامه. ولا يقبض من ورثته؛ لأنه لم يؤمر بذلك ولا يقتضيه العرف، إلا أن يقول الموكل للوكيل: «اقبض حقي الذي قبله أو عليه»، فله القبض من وارثه؛ لأن الوكالة اقتضت قبض حقه مطلقًا.

قال: «والوكيل في الخصومة لا يقبض»، يعني شخص وكل آخر أن يطالب له بحقه في المحكمة. ذهب للمحكمة وطالب بحقه في مبلغ مالي وكسب القضية، هل له الآن، إذا كانت الوكالة فيها حق الخصومة، يعني حق المرافعة فقط ولم يوكل فيها باستلام الثمن، هل له أن يذهب لمحكمة التنفيذ ويقول: أعطوني المبلغ الذي حكم به لموكلي؟ لا.

القاضي إذا جاء يطلع الوكالة ينظر ما الأشياء التي وكلها الموكل للوكيل؛ يوكله في المرافعة لكن لا يوكله في استلام الثمن. أحيانًا يوكله في المرافعة ولا يوكله في الإقرار عنه؛ لذلك لو لم يوكله في الإقرار فإنه لا يصح إقرار الوكيل على موكله، لابد أن تكون الوكالة في حق الإقرار.

فهنا إذا وكله في الخصومة ولم يوكله في القبض فلا يقبض؛ لماذا؟ قال: لأن الإذن لم يتناوله نطقا ولا عرفا، لأن القبض ليس من الخصومة، فالقبض أمر زائد.

قال لك هنا: لماذا لا يتناوله عرفا؟ قال: لأنه قد يرضى للخصومة من لا يرضاهم، فمثلا يقول: هذا فلان أعرفه جيدا في المرافعة، لكن أنا لا أريد أن يقوى الثمن، أخشى أنه يقوى الثمن ولا يعطيني حقي، فهو جيد في المرافعة لكنه ليس أمينا في المال، فلا يوكله بذلك.

العكس بالعكس، فالوكيل في القبض له الخصومة؛ قال: وكله في أن يقبض حقه من فلان، قال: اذهب فاقبض حقي من فلان. ذهب لفلان وقال: يا فلان أعطني حقي لموكلي، فرفض، هل له أن يرفع عليه دعوى؟ يقول: إن فلانا عليه دين في ذمته لموكله ولم يسدد، أطلب السداد. ولا نقول: لا، أنت ما وكلتك في الخصومة، بل قال: العكس بالعكس، فالوكيل في القبض له الخصومة.

وكيل في القبض له الخصومة؛ لماذا؟ علل قال: لأنه لا يتوصل إليه، أي إلى الحق، إلا بالخصومة. فهو إذن مأذون فيها عرفا، وإن لم يؤذن فيها نطقا. هذا ما قرره المؤلف. وفي وجه ثان في المذهب أنه لا يكون الوكيل في القبض وكيلا في الخصومة، وعليه العمل الآن؛ إذا جاء يرفع دعوى ووجد أن وكالته لا تخول حق المرافعة فإنه لا يقبل ترافعه، لابد أن يوكل بذلك، فالعمل على القول الثاني في المذهب.

هنا ذكر مسألة في استيفاء الدين، وهذه المسألة ترجع إلى اللفظ، فالمسائل التي ترجع إلى اللفظ يتكلم فيها الفقهاء على مقتضى اللغة، وأحيانا يتكلمون فيها على ما جرى به العرف. وهذا التوجيه صحيح إذا كان المتكلم بها ممن يعرف ثلاثة ألفاظ ومعانيها، لكن إذا كان شخصا عاميا فالأقرب أنه يرجع فيها إلى عرفه.

يقول: إذا قال الموكل -وهذه ترى في كل ألفاظ تأتيك في أبواب الفقه مثل ألفاظ الصريح والكناية في الطلاق والقذف إلى آخره- هناك ألفاظ صريحة في كلام الفقهاء لكنها في زمننا أو في مكان آخر ليست صريحة إنما هي كناية، والعكس، وهكذا فينظر إلى أعراف الناس.

قال: إذا قال: «اقبض حقي من زيد»، ملكه من وكيله. يعني قال: أنا أطلب زيد مئة ألف ريال، اذهب وخذها منه. ذهب إلى زيد وجده، أو لم يجده، قال: أريد أن أطالبه بمئة ألف ريال، فما دام توكيل قال: أنا وكيل عنك في السداد، فخلاص سدد مئة ألف. هل يملك أن يطالب الوكيل؟ أو نقول: لا، لابد أن يطالب الأصيل؟ يقول له: إن يطالبه من أوله.

قال: وإذا قال الموكل: «اقبض حقي من زيد»، ملكه من وكيله، يعني له أن يطالب زيدا، وله أن يطالب الوكيل، ومطالبة زيد ما فيها إشكال لأنه وكله بها. طيب، من طالبه الوكيل؟ لماذا له حق مطالبة الوكيل مع أنه ما قال له طالبه الوكيل، بل قال: طالِب زيد؟ قال: لأنه قائم مقامه، فالوكيل قائم مقام الموكل. طبعا هذا في الوكيل في سداد الديون، لكن لو كان شخصا وكيلا عن آخر في الشراء، قال: وكلتك في الشراء فقط، أو وكيل في البيع فقط، هنا لا يملك المطالبة.

إذا قال: «اقبض حقي من زيد»، ذهب يبحث عن زيد ووجده توفي، وإن ورثته موجودون، فهل لو حط طلبه الورثة؟ قال المؤلف: لا يقبض من ورثته لأنه لم يؤمر بذلك، ولا يقتضيه العرف. لماذا؟ لأنه قد يريد حقه من زيد، فإذا علم أنه توفي وأن ورثته موجودون وفيهم أولاد صغار، قد يسمح عن حقه ولا يريده.

فلذلك قالوا: العرف يدل على أنه إذا أراد حقه من زيد فإنه يريد حقه من وفده، إلا أن يقول الموكل للوكيل: «يقبض حقه الذي لزيد» أو «الذي على زيد»، هنا فرقوا بالنسبة للفظ. إذا قال: «اقبض حقي من زيد» لا يملك أن يطالب الورثة، إذا قال: «اقبض حقي الذي لزيد» أو «الذي على زيد» فله حق مطالبة الورثة؛ لماذا؟ قال: لأن الوكالة اقتضت قبض حقه مطلقا. هذا ذكره الموفق رحمه الله، لأن قبضه من ورثته يتطلب إتيانه بلفظ يشمل ذلك، بخلاف اللفظ السابق «من زيد» فإنه قصد زيدا بذاته ووكيله قائم مقامه.

وهذا كما قلنا لكم، هذا التفريق إنما يعمل به إذا كان المتكلم ممن يفرق بين الألفاظ، أما إذا كان لا يفرق فلا يسوغ أن نعامله بمقتضى اللفظ، لكن نعامله بالعرف؛ إذا دل العرف على أنه إذا قال: «اقبض حقي من زيد» فإنه يقبض من الورثة، فنقول له: طالب الورثة لأن العرف دل على ذلك.

قال رحمه الله: «ولا يضمن وكيل في الإيداع إذا عُوِّد، وإن قال اقبضه اليوم لم يملكه غداً». ولا يضمن وكيل في الإيداع إذا أودع ولم يشهد وإنكر المودع؛ لعدم الفائدة في الإشهاد لأن المودع يقبل قوله في الرد والتلف. وأما الوكيل في قضاء الدين إذا كان بغير حضور الموكل ولم يشهد ضمن، إذا أخذ رب الدين وتقدم في الضمان.

قال: «إن قال اقبضه اليوم لم يملكه غداً». إذا قال محمد لعلي: «توكلت في الذهاب إلى زيد وتأخذ ديني منه هذا اليوم»، فإنه لابد إذا كان هذا اليوم، فإذا ما ذهب هذا اليوم وذهب غدا، فإنه لا يملك ذلك ولا يكون وكيلا عنه، لأن الوكيل لا يملك التصرف إلا بما يقتضيه الإذن، سواء من جهة النطق أو من جهة العرف، لأن تصرفه بالإذن فاختص بما أذن فيه.

فلو وكل شخصا آخر التصرف في زمن مقيد، لم يملك التصرف قبله ولا بعده لأنه لم يتناوله إذنه نطقا ولا عرفا. فلو قال: «بعثوا بي غدا»، فإنه لم يملك بيعه اليوم ولم يملك بيعه بعد غد، ولأنه قد يختص غرضه به في زمن حاجته إليه. هذا ما قال الفقهاء رحمه الله تعالى، أنه إذا قال: «اقبض حقي من زيد اليوم» يعني...

فإنه لا يملك في حاجته، الشيخ ابن عثيم رحمه الله على الروض قال: الظاهر ما لم تقم قرينة، أن المراد بذلك الحث على المبادرة بقبضه، إن كان قرينة فله قبضه في الغد. إنه يرجع فيه إلى القرائن، فإذا كان المراد من كلام الموكل أنه يحث الوكيل على المبادرة، فنقول إن هذا لا يعني تقييده باليوم، إن ما يحث على المبادرة.

يقول الشيخ رحمه الله، كما قالوا في من حلف ليقضين حقه غداً فقضاه قبله لم يحنث، إذا كان نيته المبادرة إلى قضائه. لو قال الشخص: «والله لأقضين دينه لزيد غداً»، قاله في الصباح، وما جاء العصر وتوفر عنده المال لبرء ذمته اليوم فقضاه، هل يحنث؟ وحلف أنه يقضيه غداً فقضاه اليوم، هل يحنث؟ لا يحنث؛ لأن الظاهر من نيته أنه يريد المبادرة، يعني لا أريد أن أؤجله كثيراً، أقضيه غداً، فهو بادر أكثر فلا يحنث. يقول الشيخ رحمه الله: فيقضى عليها الوكالة، فإذا قال: «اقبضه اليوم»، فإنه لا يملك غداً إلا إذا دلت القرينة على أن مراده بقوله «يقبضه اليوم» هو المبادرة إلى أدائه وقبضه.

ثم قال رحمه الله: «ولا يضمن وكيل في الإيداع إذا أودع ولم يشهد، وإن أنكر المودع؛ لعدم الفائدة في الإشهاد، لأن المودع يقبل قوله في الرد والتلف».

عمر أراد أن يسافر، وعند زوجته حلي من الذهب، فخاف أن يسرق، فأعطاه جاره محمد، وقال: «اذهب به إلى صديقي صالح وأودعه عندها، أنا لا أريد أن أودعه عنده». عمر هو زوج المرأة التي عندها الحلي، والجار هو زيد مثلاً، وزيد هو وكيل الإيداع، الوكيل الذي أراد أن يأخذ المال، الذي هو الذهب من عمر، ويودعه عند صالح.

يقول زيد: ذهب به إلى صالح وأودعه، هل يلزم على زيد أن يشهد إذا أراد أن يودع أم لا؟ هنا ماذا قال: «ولا يضمن وكيل في الإيداع إذا أودع ولم يشهد وإن أنكر المودع؛ لعدم الفائدة في الإشهاد». لعدم الفائدة في الإشهاد فلا يضمن الوكيل إذا أودع ولم يشهد، لماذا؟ ما في فائدة؛ لأن المودع يقبل قوله في الرد والتلف. أو قال المودع الآن: «رددتها» أو «تلفت»، يقبل قوله، فما الفائدة من أننا نلزم هذا الوكيل بالإشهاد؟

طبعاً الكلام؛ هم يقولون إذا أنكر، إذا صارت الأمور سالكة، يعني ردها خلاص، ما في ضمان، ما في شيء. الكلام لأنه قد ينكر، فهل يضمن؟ لو أعطى عمرو جاره زيداً هذا الحلي، وقال له: «اذهب أودعه عند صالح»، ثم رجع عمرو إلى صالح وقال: «ما ودعتني شيئاً»، فقال زيد: «لقد ودعت عند فلان»، فهل يضمن لأنه لم يشهد؟ لماذا قالوا: سواء أشهد أو لم يشهد، المودع يقبل قوله في الرد والتلف، فلا فائدة في الإشهاد؟ قولهم: «لعدم الفائدة في الإشهاد»، ترى هذه جايبينها لأجل الرد على من قال: يجب الإشهاد، ويلزمه الضمان؛ قياساً على الوكيل الذي سيأتي هنا بعده. فقالوا: لا، هنا ما في فائدة في الإشهاد، أما الوكيل ففي فائدة في الإشهاد.

هذه مسألة الإيداع، ثم الوكيل في قضاء الدين، طبعاً تقدمت في الليلة مع قول في الضمان، لكن سنذكر الوكيل في قضاء الدين. عمر عليه دين لخالد مثلاً عشرة آلاف ريال، جاء عمر أعطى محمد العشرة آلاف، قال: «اذهب سددها لخالد»، محمد أخذ المال فسدد لخالد ولا أشهد أحداً، جاء بعد أسبوع اتصل خالد على عمر: «أين أنت تسدد العشرة آلاف؟»، اتصل بعمر، قال محمد: «ما أعطاني شيئاً»، اتصل عمر على محمد: «أين الخلاص؟»، فقال محمد: «والله أنا ما شاهدت أحداً ولا شيئاً»، هنا هل يضمن محمد لأجل أنه لم يشهد؟

قال المؤلف: «أما الوكيل في قضاء الدين إذا كان بغير حضور الموكل ولم يشهد، ضمن إذا أنكر رب الدين». تقدم في الضمان الحقيقة، إنها تقدمت في باب الرهن ولم تتقدم في الضمان، وتقدم التفصيل فيها، وأن الوكيل إذا قضاه ببينة فلا يضمن، وإذا قضاه بحضور الموكل فلا يضمن، يعني إذا قضاه بإشهاد أو بحضور الموكل فلا يضمن، وإذا قضاه بغير إشهاد ولا حضور الموكل، تقدمت معنا هذه في باب الرهن. تقدم في الضمان، ترى لأن بعض الأصحاب يذكرون هذه المسألة في الضمان، يعني في المنتهى ذكرها في الضمان، ويمكن أنه ذكرها أيضاً في الرهن، لكن ذكرها في الضمان أيضاً، ولعل صاحب لبيهوتي رحمه ذهب إلى ذلك لأنها في المنتهى ذكرت هناك.

الصورة الآن: قال أعطاه عشرة آلاف ريال، قال: «اذهب»، فذهب مرة عمر ليتقهوى عند صديقه خالد الذي هو الدائن، وجاء محمد وسلم العشرة آلاف لخالد بحضور عمر ولم يشهد أحد، حضر معه، لكن لم يشهد أحداً، فبعد أسبوع جاء خالد: «أين العشرة آلاف؟»، قال محمد: «لا، ما أعطى»، قال عمر: «أنا أعطى وأنا موجود»، قال: «لا لم يعطِ»، هنا الوكيل ما عليه شيء، الذي عليه شيء عمر نفسه الموكل يلزمه القضاء.

نقف على: إذا قامت البينة. طبعاً دائماً إذا قلنا قوله مقبول يعني عند عدم البينة، إذا وجدت بينة فالقول ما قالت البينة. لعدم الفائدة في الإشهاد، الآن يشهد على ماذا؟ هو الكلام على هل يضمن أنه ترك الإشهاد أم لا، فإذا أشهد على الوديعة قد تثبت الوديعة، لكن الوكيل المودع يقول مثلاً: «تلفت عندي»، أو يقول: «رددتها»، يقبل قوله في ذلك، فهنا الشهادة على الوديعة، هو مقر بالوديعة، ادعى أنه لم يستلمها، وهذا قال: «لا، أنا سلمتها»، هنا الكلام على الضمان فيما بعد. والوكيل أمين بالنسبة لصاحب المال فلا يضمن شيئاً.

لابد الوكيل أن يكون مخولاً بالإجراءات التي يطلبها من الموكل، فإذا قام بغير ما طلب من الموكل فلا يقل ذلك، قالوا: إذا وكله، إذا أقر وهو لم يوكل في الإقرار فلا يقر، يعني شخص ذهب إلى المحكمة.

هو كيد عن المدعى عليه لكن لم يوكله الموكل في الإقرار، فادعى المدعي، قال: "إنني إذا كان المدعي هو الأصيل، إنني أقرضت فلانًا 10000 ريال لم يسددها وأطلب سدادها". اشتغل الوكيل، قال: "نعم"، وقيل: "لأن موكلي استلم 10000 ريال مسددة"، فحكم القاضي عليه بذلك. تبين أن الوكالة ليس فيها حق الإقرار، ليس فيها حق الإقرار.

الحكم هنا بناء على الإقرار غير صحيح، لأن الوكالة ليس فيها حق الإقرار، لابد في الوكالة أن يكون فيها حق الإقرار. لو أنكر والوكالة ما فيها حق الإقرار، لو قال: "مو صحيح"، وجدنا الوكالة ليس فيها حق الإقرار، هل يقبل إنكاره ولا لا؟ نعم، الإنكار يقبل؛ لأن الإنكار في صالح موكله، وهو أصلاً إذا وكله في الترافع وهو مدان عليه، فالأصل فيه الإنكار، فالجواب: الأصل الإنكار، لذلك ذلك يقبل أن ينكر عن موكله ولو لم يخول له في الوكالة حق الإنكار، لكن لا يقبل الإقرار عن موكله حتى يخول له في الوكالة حق الإقرار.

الوكالة العامة التي هي مثل: وكله في بيع ماله كله، لا، وكالة في كل شيء لا، ما فيه في الوكالات عندنا ما في هذا الشيء؛ لأنه في الوكالات عندنا في أشياء يقولون لك: وكيل في كذا وفي كذا. الإنكار له حق الإنكار حتى لو لم يذكر، إنكر يقبل منه.

هنا كونه عامل في المحل، فالأصل في عامل المحل أنه يشتري البضاعة من الموردين، يبيع، يقبض الثمن، سلم السلعة، فهذا العرف دل عليه. هنا لا يلزم حتى عندنا في القضاء؛ لو أن في شركة أو مؤسسة وكتب مثلاً أو وقع على عقد أو صادق على عقد أو صادق على مديونية، فجاءت الشركة وطالبت بمديونية موقع عليها، قال: "نعم صحيح هذا توقيعنا وهذا خاتمنا وهذا الموظف يعمل عنده"، ترى الموظف ليس مسؤولاً عن العقود أو تجاوز صلاحياته ووقع له، فهنا وإن كان ليس وكيلاً في ذلك، فإنهم يلزمون بهذا، وبإمكانهم يرجعون على الموظف، لكن يلزم بهم لأنهم مسؤولون عن أعمال التابع، التابع له مسؤولون عن أعمال التابع في حدود الوظيفة هذه التي متواضن فيها، فما دام أنهم يقرون هذه الأوراق أوراقهم، هذا الختم خاتمهم، توقيع موظفهم، لكن يكون هو تجاوز صلاحياته، فنقول: يلزمون بهذا.

الشيخ الإسلام رحمه الله له كلام في نظير هذه المسألة، وأنه يقول: حتى لو لم يوكله في ذلك، فإنه يضمن للتغرير. نسيت المسألة التي تتكلم فيها، لكن قال في مثل هذا: ترى مثل البقالات هذه، لو قال: "لا والله أنا ما وكلته بالبيع أو بالشراء، لكن هو وضعه في هذا المحل"، نقول: نحن مشين عن صلاحياته التي أنت أعطيتها إياه، فحتى لو ما وكلته، حتى لو ما ضمناك لكونه وكيلاً، نضمنك لكونك غررّت بالناس في جعله يعملون.

والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.