بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا وعملاً صالحًا يا كريم.
أما بعد؛ فقد كنا قد توقفنا في التعليق على الروض المربع أثناء باب الوكالة، وقفنا عند قول المؤلف رحمه الله تعالى: «والوكالة عقد جائز».
قال المصنف رحمه الله تعالى: «والوكالة عقد جائز؛ لأنها من جهة الموكل إذن، ومن جهة الوكيل بذل نفع، وكلاهما غير لازم؛ فلكل واحد منهما فسخها، وتبطل بفسخ أحدهما، وموته، وجنونه المطبق؛ لأن الوكالة تعتمد الحياة».
تبطل أيضًا بعزل الوكيل ولو قبل علمه؛ لأنه رفع عقد لا يفتقر إلى رضا صاحبه، فصح بغير علمه كالطلاق. ولو باع أو تصرف فادعى أنه عزله قبله لم يقبل إلا ببينة. وتبطل أيضًا بحجر السفه لزوال أهلية التصرف، لا بحجر الفلس؛ لأنه لم يخرج عن أهلية التصرف، لكن إن حُجر على الموكل وكانت في أعيان ماله بطلت لانقطاع تصرفه فيها.
هنا بين المؤلف رحمه الله تعالى حكم عقد الوكالة من حيث اللزوم وعدمه. وكنا قد قدمنا في مقدمة كتاب البيع أن العقود أنواعها من حيث اللزوم وعدمه: هناك عقود لازمة من الطرفين كعقد البيع، وهناك عقود جائزة من الطرفين مثل الوكالة، وهناك عقود لازمة من طرف وجائزة من طرف مثل الشركة.
وهناك أنواع أخرى مثل الرهن؛ فهو عقد لازم في حق الراهن، جائز في حق المرتَهِن. وكذلك الضمان؛ فهو لازم في حق الضامن، وجائز في حق المضمون.
قال المؤلف: «والوكالة عقد جائز»، ولماذا هي عقد جائز؟ قال: «لأنها من جهة الموكل إذن، ومن جهة الوكيل بذل نفع». فالموكل يأذن للوكيل في التصرف، والوكيل يبذل خدماته في التصرف، وهذا عن الموكل به، وكلاهما غير لازم؛ الإذن ولا بذل النفس، فيترتب عليه أن لكل واحد منهما فسخها؛ فللموكل عزل وكيله متى شاء، وللوكيل عزل نفسه متى شاء.
ثم ذكر مبطلاتها، فقال: «تبطل بفسخ أحدهما»، وهذا المبطل الأول وهو الفسخ، سواء فسخها الوكيل أو فسخها الموكل؛ لأنها عقد جائز كما تقدم، فمتى فسخت من أحدهما بطلت. مثلاً لو أن محمدًا وكل أحمد في بيع جهازه الجوال، أعطاه الجهاز وقال: اذهب فبيعه، فإذا عرض أحمد الجهاز في اليوم الأول ولم يشتر أحد، فقال: إذاً فسخت التوكيل عن محمد، فقد بطلت. ولو أن أحمد باعه في الغد، فهو قد فسخ الوكالة فبيعه باطل غير صحيح.
الأمر الثاني: الموت. فلو أن محمدًا وكل أحمد في بيع الجوال في يوم السبت مثلاً، وعرضه أحمد ولم يشتره أحد، ثم مات محمد يوم الأحد، فإن الوكالة تنفسخ وتبطل.
وعلل المؤلف بذلك بأن الوكالة تعتمد الحياة والعقل. فإذا انتفت صفة الحياة انتفت صحة الوكالة. فمتى تصرف الوكيل بعد موت الموكل؟ لو أن أحمد باع الجوال وهو لم يعلم بموت محمد، وكان في مدينة أخرى، فالبيع وقع بعد بطلان الوكالة، ولا ينفذ العقد. وهنا يبطل العقد؛ لأن العبرة في العقود بما في واقع الأمر، والظن في العبادة المعتبر، ونفس الأمر في العقود اعتبروا. وهذا قاله شيخنا رحمه الله في منظومته في القواعد الفقهية والأصولية.
الثالث: جنونه المطبق أو المطبِق.
هناك مسألة خلافية في ضبطها لغويًا، هل هي بفتح الباء أم بكسرها؟ يقول ابن فيروز رحمه الله بفتح الباء كما في شرح المنتهى في باب الحجر، وذكر أن مقتضى عبارة مصباح المنير رجحان الكسر. وقال ابن فيروز: «وظاهر كلام القاموس ما ذكره الشارح»، أي أنه بالفتح.
وقد ذكروا في هذا البيت -وهي مسألة خلافية في ضبطها لغويًا- أن المعنى واحد، فالمطبق هو الذي غطى عليه الجنون. والمقصود به ليس الجنون العارض الذي يجن أحيانًا ويفيق أحيانًا، بل هو الجنون المستمر.
الثالث: إذا كان الجنون مطبقًا أو مطبقًا، فإنه مما يزيل العقل فتبطل به الوكالة. قال موفق بلا خلاف، كذا ذكره الموفق رحمه الله تعالى، وذكر المرداوي أن فيه خلافًا في المذهب، لكن أكثر الأصحاب على أنه يبطل الوكالة.
لأن الوكالة تعتمد الحياة والعقل؛ قلنا الحياة هذه لتعليل انفساخها أو بطلانها بالموت، والعقل هذا لتعليل انفساخها أو بطلانها بالجنون، فإذا انتفت الحياة أو العقل انتفت صحتها. وهذا الجنون أو الموت يعود إلى الوكيل والموكل؛ يعني سواء جن الوكيل أو مات الموكل، وكذلك الموت سواء مات الوكيل أو مات الموكل، فإنها تبطل الوكالة بذلك.
يقول الموفق رحمه الله: «متى خرج أحدهما -يعني الوكيل أو الموكل- عن كونه من أهل التصرف، مثل أن يجن، فحكمه حكم الموت؛ لأنه لا يملك التصرف، فالمجنون لا يملك غيره من جهته». وهذا طبعًا في الموكل؛ إذا زال عنه أهلية التصرف خلاص، هو نفسه لا يستطيع أن يتصرف بنفسه، إذ لا يستطيع أن يملكه غيره.
الرابع: إذا قلنا المبطلات ثلاث، وهي: فسخ الموت، والجنون، والرابع: الفعل القائم مقام الفسخ بالقول، هنا الفسخ بالفعل، الفعل الدال على الفسخ. قال: «وإذا وُكّل في طلاق الزوجة ثم وطئها، أو في عتق العبد ثم كاتبه ودبّره، بطلت».
وُكّل زيدٌ عمرًا في طلاق زوجته، قال زيد لعمر: «أوكلتك في أن تطلق زوجتي»، وكله مثلاً يوم السبت، وعمر ما ذهب يثبت الطلاق طبعًا ولا تلفظ بالطلاق، فجاء يوم الأحد ووطئ زيد زوجته؛ فهذا الوطء دليل على رغبته فيها، وأنه لا يريد الطلاق. فلما كان هذا دليلًا على رغبته فيها، كان هذا دليلًا على أنه فسخ وكالته لعمر في طلاقها، فهذا يدل على رغبته فيها واختياره إمساكها، وقوله: «وطئها».
لو فعل معها مقدمات الوطء قبلها، مثلاً أخذ بضمها ونحو ذلك من غير وطء، فهل تنفسخ الوكالة بذلك أو لا؟ قالوا: إذا فعل معها مقدمة الوطء، يدل على رجوعه ولا على عدم رجوعه.
ما تعتبر رجعة؟ نعم، هو طبعًا في خلاف في المذهب في حصول الرجعة بمقدمات الوطء؛ حصول الرجعة بالوطء المشروع في المذهب. طبعًا هذا إذا لم يراجعها في لسانه فقط، وطئها؛ فالمشهور في المذهب أنه يرجع، أي يحصل الرجوع إذا فعل معها مقدمات الوطء. فهل يعتبر رجعة أو لا؟ في خلاف في المذهب، والمشهور أنه لا يعد رجعة.
مسألة الوكالة مبنية عليها؛ ففي خلاف في الوكالة: هل تبطل الوكالة بفعل الموكل مع زوجته مقدمات الوطء أو لا؟ يقول الموفق رحمه الله: «وإن فعل معها مقدمات الوطء، يكون ذلك فسخًا للوكالة»، يحتمل وجهين بناءً على الخلاف في حصول الرجعة به، وهذا مما اختلف فيه.
تقرير صاحب الإقناع عن تقرير صاحب المنتهى؛ ففي الإقناع جزم ببطلان الوكالة بحصول مقدمات الوطء، وفي المنتهى بالعكس، وأنه لا تبطل الوكالة إلا بالوطء دون مقدماته.
هذا مثال آخر: «وكله في عتق العبد، ثم دبره أو كاتبه». فكتابته أو التدبير، اللي هو تعليق العتق بالموت، هذا دليل على رجوعه عن العتق المنجز، ولذلك تبطل الوكالة بذلك؛ فهو قصد بذلك الرجوع عن عتقه.
وقوله: «وتبطل أيضًا بعزل الوكيل». هنا عزل الوكيل، قبل قليل قال فسخ أحدهما، هل في فرق بين العزل والفسخ؟ لا فرق. لماذا أجّل العزل يا شيخ؟ الموضوع عزل على وكالة باقية، ولكن لا يتصرف. فالفسخ سواء من الوكيل أو الموكل يعتبر فسخًا، وإذا عزل الوكيل فهذا يكون من الوكيل، أما عزل الموكل لوكيله، فيظهر والله أعلم أن المراد بهما واحد؛ يعني فسخ أحدهما سواء فسخ الوكيل أو فسخ الموكل وعزل الوكيل.
العجيب أنها موجودة في الزاد نفسه، والزاد مختصر في الأصل أنه لا يكرر. الشيخ محمد في الممتع -أنا نسيت مراجعاته- هل عزل الوكيل هو العازل؟ قد يكون بغير علم كلاهما. إذاً، مثل ما ذكرتُ قبل قليل أن هذه يغني عنها ما سبق من الفسخ.
الشيخ حمزة يقول: لعلها بمعنى واحد لكن بنظرين؛ الفسخ بالنظر إلى العقد، والعزل بالنظر إلى شخص الوكيل ومنعه من التصرف. هذا صحيح، إذا نظرنا لنظرين لكن الحكم واحد. ولم يُعهد في الكتب المختصرة التكرار، مثل هذا يأتي بالعبارة بأكثر من وجه وهي تدعو إلى معنى واحد.
هنا البهوتي رحمه الله قال: «ولو قبل علمه»، لو أن هذه جاءت من البهوتي بعزل الوكيل لقلنا إن البهوتي كررها لأجل أن يذكر «ولو قبل علمه»، لكن هي جاءت من الحجاوي. فهنا يقول: «تبطل بعزل الوكيل ولو قبل علمه»، وهذه مسألة خلافية شهيرة بين الفقهاء رحمهم الله تعالى، وهي: هل -طبعًا نتفق على أن الوكالة تبطل بالفسخ- لو فسخ الموكل وكالة الوكيل وهو لم يعلم، فهل يترتب حكم الفسخ من حين صدوره أو من حين علم الوكيل به؟
المسألة خلافية شهيرة حتى في المذهب، فيها عن الإمام أحمد رحمه الله قوله: «والمشهور، وهو الذي عليه الأصحاب، أنها تبطل بمجرد الفسخ ولو لم يعلم الوكيل»، كما قرره المؤلف رحمه الله هنا. وعللوا لذلك بأنه رفع عقد لا يفتقر إلى رضا صاحبه، فصح بغير علمه كالطلاق. والقاعدة: «كل من لا يشترط رضاه، فلا يشترط علمه».
كالطلاق؛ الطلاق الآن، الزوج إذا أراد أن يطلق زوجته هل لا بد أن ترضى؟ لا، ما يجب أن ترضى، فلو طلقها بدون علمها، ما علمت إلا بعد شهر مثلاً، هل نقول تبدأ بالعدة؟ عدتها ثلاث حيض تبدأ من حين علمها؟ لا، تبدأ من حين طلاق الزوج لها. فلو كان طلقها مثلاً قبل خمسة أشهر وقد حاضت في تلك المدة ثلاث حيضات، فنقول من حين علمت بالطلاق فإنها قد طلقت وخرجت من العدة.
إذًا هذا هو مشهور المذهب؛ أن الوكالة تبطل بمجرد فسخ الموكل لها وعزل الوكيل ولو قبل علمه، بما علل به المؤلف رحمه الله هنا. والرواية الثانية أنه لا ينعزل قبل علمه، وهذه أيضًا، ترى حتى بالموت؛ سواء بالموت أو بالفسخ، لا ينعزل قبل علمه بموت الموكل وعزله.
نص عليه الإمام أحمد رحمه الله في رواية جعفر بن محمد وأبي منصور وأبي الحارث، قالوا: لأنه لو انعزل قبل علمه كان فيه ضرر؛ لأنه قد يتصرف تصرفات فتقع باطلة ويلزمه ضمانها، فيتضرر بذلك. وهذا القول في الرواية الثانية هو اختيار شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وصوبها المرداوي رحمه الله في الإنصاف.
وينبني على الخلاف تضمينه وعدمه؛ فإن قلنا ينعزل بمجرد فسخ الوكيل، وكذلك بمجرد فسخ الموكل، وكذلك بمجرد موته، فإنه يضمن التصرفات التي وقعت بعد بطلان الوكالة. وإن قلنا لا ينعزل إلا بالعلم، فإنه لا يضمن. وهذا الذي يترتب عليه الخلاف، على أن شيخ الإسلام رحمه الله وصوبه المرداوي يقولون: لا يضمن مطلقًا، حتى على هذا القول؛ لأنه لا يضمن؛ لأنه تصرف تصرفًا مبنيًا على السبب الظاهر.
قال في الإقناع: «إلا ما يأتي في باب العفو عن القصاص». ذكروا أنه إذا وكل شخص آخر في الاقتصاص من القاتل، قاتل العبد، ثم قبل أن ينفذ الوكيل القصاص عفا ولي الدم، فسقط القصاص، فهنا تبطل الوكالة، لكن الوكيل لم يعلم بهذا العفو، فاقتص من هذا القاتل، فهل يضمن؟ على القاعدة أن الوكالة تبطل هنا ويقع الضمان على الوكيل، لكن هناك استثنوها لعظم الضرر، ولأن الموكل محسن، والمحسن من السبيل.
قال: «ولو باع أو تصرف فادعى أنه عزله قبله لم يقبل إلا ببينة». لو أن زيدًا وكل عمروًا يبيع جواله، وذهب عمرو وباع الجوال بعد توكيل زيد له بيومين أو ثلاثة، فلما باعه وأحضر الثمن له قال عمر: ماذا تبيعه؟ أنا بعد ما وكلتك بيوم فسخت الوكالة، أريد أن ترجع لي الجوال، خلاص بطلت الوكالة والعقد إذاً غير صحيح، ارجع لي الجوال. هنا ماذا قال المؤلف: لو باع أو تصرف الوكيل، فادعى الموكل أنه عزله قبل هذا التصرف، لم يقبل قول الموكل أنه عزل هذا الوكيل إلا ببينة. لماذا؟ لأن الموكل يدعي خلاف الأصل، عندنا الأصل أنك وكلت، واتفقنا على الوكالة، أنت ادعيت شيئًا يخالف الأصل وهو العزل، والوكيل أنكر ذلك، فهنا نقول القول قول الوكيل؛ لأنه معه الأصل، والأصل استمرار الوكالة، فلا يقبل إلا ببينة.
واستثنوا في الطلاق؛ استثنوا في الطلاق أنه يقبل قول الموكل أنه كان قد رجع قبل طلاق وكيله.
أيضًا مما تبطل به الوكالة: حجر السفيه. الحجر على السفيه، قلنا لكم السفيه هذا ممنوع من التصرفات المالية، فإذا حجر عليه في تصرف مالي، لكن لو أنه وكله في تصرف غير مالي، كوكله في تزويج ابنته، فهنا لا تبطل الوكالة بذلك؛ لأن حجر السفيه في تصرف مالي لزوال أهلية التصرف.
قال: «لا بالحجر للفلس»، لأنه لم يخرج عن أهلية التصرف. يعني لو أن شخصًا وكل آخرًا في أن يبيع سيارته، والوكيل هذا عليه ديون كثيرة، وحُجر عليه كونه مفلسًا، هل تنفسخ الوكالة؟ لا تنفسخ الوكالة؛ لأنه أهل للتصرف، فالحجر عليه لأجل ديونه هذا لا يخرجه عن كونه أهلًا للتصرف. لكن المؤلف رحمه الله قال: إن حجر على الموكل وكانت في أعيان ماله بطلت لانقطاع تصرفه فيها.
إذا حجر على الموكل، وكان قد وكله على شيء من أعيان ماله، كأن قال له: بع داري هذه، وقد حُجر على الموكل للفلس، فهنا تبطل الوكالة؛ لأن الموكل نفسه لا يستطيع أن يتصرف في هذه الأعيان، فمن باب أولى ألا يستطيع الوكيل التصرف فيها؛ لأن الوكيل فرع الموكل.
قال رحمه الله: «ومن وكل في بيع أو شراء لم يبع ولم يشترِ من نفسه؛ لأن العرف في البيع بيع الرجل من غيره، فحملت الوكالة عليه، ولأنه تلحقه تهمة، ولا من ولده ووالده وزوجه ومكاتبه وسائر من لا تقبل شهادته له؛ لأنه متهم في حقهم، ويميل إلى ترك الاستقصاء عليهم بثمن، كتهمته في حق نفسه»، وكذا الحاكم، والأمين، والناظر، والوصي، والمضارب، والشريك، والعان، والوجوه.
قال: «ومن وكل في بيع أو شراء لم يبع ولم يشترِ من نفسه». قال: وكلتك في بيع هذه السيارة، فجاء هذا الوكيل وقال: خلاص أبيعها لنفسي، فباعها على نفسه وأتى بالمبلغ إلى الموكل وقال: بعتها. هنا يقول: لا يصح أن يبيع على نفسه، وذكر لك سببين: السبب الأول، العرف؛ العرف إذا قال لك بع هذا الشيء فإنه يقصد بعك، فالعرف يخصص اللفظ العام، وإلا فالأصل أنه إذا قال بع قصد به كل أحد ومنهم نفسك، لكن قالوا العرف يخصص العام ويقيد المطلق. والسبب الثاني، لأنه تلحقه تهمة.
وهذا المذهب، وهو عليه جمهور الأصحاب رحمهم الله تعالى، وهو إحدى الروايتين في المذهب، ونقلها مهن. والرواية الثانية عن الإمام أحمد رحمه الله جواز ذلك بشرطين: الأول أن يزيد على مبلغ ثمنه في النداء، والثاني أن يتولى النداء غيره. يعني قال: اذهب وبع سيارتي هذه في المعرض، فذهب الوكيل ورأى شخصًا يحرج على السيارات فقال: هذه سيارة مكني، أبيك تحرج عليها. هذا الشرط الثاني، وبشرط أن يتولى النداء غيره. والشرط الأول قالوا: أن يزيد على ثمنه في النداء؛ فهو يبدأ بمساومة ٣٠٠، ٣٠١، ٣٠٢، وهو يزاود معه، فإذا زاد على نفسه فيجوز ذلك؛ لأنه هنا فيه انتفاء التهمة، أن يزيد على ثمنه في النداء، فهذا المبلغ هو ثمنه فيدخل في المزايدة. طبعًا هذا إذا أطلق، إذا قال له بيع سيارته، لكن في حالة أو صورة ثانية أن يأذن له، يقول: بع هذه السيارة وعلى نفسك، فهنا إذا صرح.
إذن الحق للموكل وقد أذن في ذلك، لذلك قالوا: فإن أذن له أن يشتري من نفسه جاز ذلك؛ لأنه وكله في التصرف لنفسه فجاز ذلك. قالوا: كما لو وكل المرأة في طلاق نفسها فيجوز. ولأن علة المنع من الشراء لنفسه أنه يُتهم، لدلالتها على عدم رضا الموكل بهذا التصرف، فانتفت هذه التهمة بإذن الموكل بذلك.
أيضًا هو لا يبيع على نفسه، قالوا: ولا من يُتهم فيهم مثل ولده، والده، زوجته، مكاتبه، وسائر من لا تقبل شهادته له. لماذا؟ لعله يُتهم في حقهم، وأيضًا يميل إلى ترك الاستقصاء عليه، يعني قد يتجاوز عن بعض ما يأخذه منهم، كأن يبرئهم من بعض المبلغ ونحو ذلك؛ فقالوا لوجود ذلك منعنا هذا الأمر.
والحقيقة أن المذهب وهذه فيها خلاف كالاولى، الذين أجازوا هناك أجازوا هنا، والمذهب أحوط في هذا. المذهب أحوط خاصة أنه أحيانًا يرجع عند الإنسان إلى الرأي الثاني، مثلاً يقول: ما في تهمة، هذا الرجل صالح، لكن فتح الباب للناس خاصة في مثل هذا الزمن الذي كثر فيه المتحايلون؛ ما ينبغي فتح الباب، ينبغي سده. لذلك الفقيه والمفتي ينبغي له ملاحظة هذا الأمر، وأن الناس إذا تساهلوا في أمر ولو كان يراه من باب المباح لكنه قد يجر إلى محرم، فمن الممكن أن يفتيهم بالقول الآخر.
ولذلك شيخنا ابن عثيمين رحمه الله، تعرفون رأيه في الطلاق الثلاث والطلاق في الحيض، وأنه يرى أن الطلاق الثلاث واحد، والطلاق في الحيض لا يقع. وتعرفون أنه جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في حديث ابن عباس: أن الطلاق في عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وسنتين من خلفه عمر طلاق الثلاث واحدة، فلما كثر في عهد عمر، قال عمر للناس: قد تتابعوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم. فأمضاه عليهم الطلاق الثلاث ثلاثة.
يقول الشيخ رحمه الله: لو أن المفتي أو القاضي كان يرى أن الطلاق الثلاث واحد، لكن رأى وقوع الناس الكثير في هذه المخالفة، فله أن يعدل إلى القول الآخر من باب السياسة الشرعية. وهكذا مثل هذه المسائل، لو أن رجلًا أو عالمًا يرجع إلى القول الثاني وأنه يجوز إذا انتفت التهمة، هنا ممكن يقرره في دروسه، لكن في الإفتاء العام ينبغي له أن يستعمل الأحوط خاصة في مثل هذا الوقت.
سائر من لا تقبل شهادته له، من هم؟ الأصول، الفروع، وأحد الزوجين. هل يجوز للأخ أن يشهد لأخيه؟ نعم يجوز، يشهد باستحياء، نعم يجوز أن يشهد الأخ لأخيه؛ لانتفاء التهمة هنا، وهذه مثل ما تقدم قبل قليل، أحيانًا تجد التهمة موجودة في حق الإخوان. والحقيقة أن المرجع والمناط هو التهمة، فلو تحققت التهمة في شهادة الأخ لأخيه فإن القاضي يردها لهذا السبب.
هنا، هل يجوز له أن يبيع على إخوانه وقد وكله في بيته؟ نعم، الوكيل له أن يبيع على إخوانه؛ لأن الإخوان ليسوا ممن تمنع شهادتهم له. لكن قال المرداوي رحمه الله في الإنصاف: ذكر أنه حيث حصلت التهمة في ذلك فلا يصح، وقرر أن الصحيح من المذهب أنه يجوز أن يبيع على إخوانه، لكن قرر أنه إذا حصلت التهمة فإنه لا يصح؛ لأن العلة واحدة.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله أنه يقاس على ذلك الحاكم وأمين الحاكم. فالحاكم إذا أراد أن يبيع مال الغائب مثلاً أو مال المحكوم عليه، فلا يبيع الحاكم ويشتري، يكون من ضمن ما يشترون. وكذلك أمين الحاكم الذي عين من قبل الحاكم، كأن يبيع مال اليتيم أو مال المحجور عليه ونحو ذلك، فإنه لا يبيع ولا يشتري من نفسه ولا سائر من لا تقبل شهادتهم له إلا بإذنه.
وقال: وناظر الوقف كذلك لا يبيع ويشتري مال الوقف لنفسه ولولده، وكذلك الوصي. فالوصي الذي أوصي إليه أن يقوم على أيتام بعد وفاة الموصي، فجاء الوصي ووجد أن لليتيم عقارًا يحتاج إلى بيعه لأجل أن ينفق عليه، فهل له أن يشتري هو مال اليتيم؟ قالوا: لا، لأنه متهم في ذلك. والمضارب والشريك، شريك العنان والوجوه، هؤلاء كلهم لا يبيعون. فالمضارب الذي دفع له المال، قال له: خذ مثلا مائة ألف وتاجر في أجهزة الجوال، فليس له أن يبيع على نفسه، سواء كان مضاربًا أو شريك عنان أو وجوه، فهؤلاء كلهم لا يبيعون ولا يشترون من أنفسهم ولا من سائر من لا تقبل شهادتهم لهم.
نعم، السلام عليكم.
قال رحمه الله: ولا يبيع الوكيل بعرض ولا بنسيئة، ولا بغير نقد البلد؛ لأن عقد الوكالة لم يقتضه. فإن كان في البلد نقدان، باع بأغلبهما رواجًا، فإن تساويا خير. وإن باع بدون ثمن المثل إن لم يقدر له الثمن، أو باع بدون ما قدره له الموكل، أو اشترى له بأكثر من ثمن المثل وكان لم يقدر له ثمنًا أو مما قدره له، صح الشراء؛ لأن من صح منه ذلك بثمن مثله صح بغيره، وضمن النقص في مسألة البيع، وضمن الزيادة في مسألة الشراء لأنه مفرط.
والوصي وناظر الوقف كالوكيل في ذلك، ذكره الشيخ تقي الدين. وإن قال له الموكل: بع بكذا، فباعه بدينار صح لأنه زاده خيرًا، وإن باع الوكيل بأزيد مما قدره له الموكل صح. أو قال الموكل: بع بكذا مؤجلاً فباع الوكيل به حالًا صح.
ذكر المؤلف رحمه الله تعالى مسائل تتعلق بتصرفات الوكيل، وبما يتصرف الوكيل إذا أطلق الموكل الوكالة، إذا قال له: بع سيارتي، ولم يحدد له ثمنًا ولا حدد له بما نبيع به ولا شيء. فإذا أطلق فإنه يتقيد بما هو الغالب في البيع. فعندنا الغالب في البيع أن يبيع بالنقد، ويكون منجزًا، ويكون بنقد البلد. ولذلك قال هنا: ولا يبيع بعرض. فلو جاء وقال: بعت سيارتي، فقال: بعتها بسيارة أخرى، فنقول هنا خالف الإطلاق. طيب، قال: أنت لم تقل لا تبيعها، أنت قلت لي بعها؛ فنقول: لا يتقيد الوكيل بالإطلاق.
البيع في الأصل أنه إذا أطلق البيع فإنه يكون بالنقد لا بالعرض، وأيضًا لا يبيعه مؤجلًا. فإذا قال: "بعه بخمسين ألفًا" وما شابه، فباعه بغير النقد، كأن يجمع له ريالات؛ فهنا نقول: خالف، لأن عقد الوكالة لم يقتضه.
فإن كان في البلد عملتان، مثل الدرهم والدينار، فإنه يبيع بأغلبهما رواجًا، وهذا على القاعدة التي تقدمت لنا مرارًا، وهو أن من تصرف لغيره فتصرفه تصرف اختيار مصلحة من تصرف لنفسه، فهو هنا يتصرف لغيره فينظر إلى الأصلح، فإن تساوي خير، كذا في الروض، وهو منقول من المغني والشرع الكبير وفي الإقناع والمنتهى.
هل فيه اختلاف بين "خير" وبين "بالأصلح"؟ إذا رجعنا إلى القاعدة الحقيقية فما في اختلاف، لأن تخييره هو تخيير مصلحة. لكن إذا نظرنا إلى ظاهر "خير" فكأنه يخير والتخيير راجع إلى نفسه، ولذلك قال ابن فيروز: فظاهره لما نقل أن هذه منقولة من المغني والشرع الكبير، ونقل عبارة الإقناع والمنتهى، قال: فظاهره التغاير، أن عبارة الروض مغايرة لعبارة المنتهى والإقناع.
إلا أن يحمل كلام التساوي في عبارته على العموم، فيحصل التوافق، يعني أنه متساويان من كل وجه، فيخير ما هو أصلح له. لكن لو تساويا من بعض الأوجه ونقول "خير"، وهناك قالوا "بالأصلح"، نقول: إذا نظرنا إلى القاعدة فإن التخير في هذه يرجع إلى المصلحة.
ثم ذكر التصرفات التي تقع من الوكيل خلاف ما أمره به موكله، أو خلاف ما يقتضيه التصرف في الوكالة، وأنه لا بد أن يتصرف بالأصلح. في البيع: قال "بيع سيارتي بأربعين ألفًا" فباعها بثلاثين ألفًا، أو قال "بيع سيارتي بالسوق" ولم يحدد له ثمنًا، لكن سعرها بالسوق أربعون ألفًا وباعها بثلاثين ألفًا؛ هذه صورتان.
وفي الشراء مثلهما: قال "اشتر لي سيارة بثلاثين ألفًا" فاشتراها بأربعين ألفًا، أو قال "اشتر لي سيارة نوعها كذا وكذا" وهي قيمتها في السوق ثلاثون ألفًا فاشترى له هذه السيارة بأربعين ألفًا؛ هذه أربع صور.
قال لك هنا: إن باع بدون ثمن المثل إن لم يقدر له ثمن، هي التي قلنا: باع بثلاثين ألفًا وقيمتها في السوق أربعون ألفًا، أو باع بدون ما قدره له الموكل، كأن قال "بع سيارتي هذه بأربعين ألفًا" وباعها بثلاثين ألفًا؛ هذه صورتان. وفي الشراء: اشترى له بأكثر من ثمن المثل لمّا لم يقدر له ثمنًا، كأن قال "اشتر لي سيارة نوعها كذا وكذا" وهي بالسوق ثلاثون ألفًا ثم حدد له فاشتراها بأربعين ألفًا، أو قال "اشتر لي السيارة بكذا وكذا"، أو مما قدره له "اشتر لي سيارة بثلاثين ألفًا" من نوع كذا وكذا، فاشترى له نفس النوع لكن اشترى بأربعين ألفًا؛ في هذه الصور الأربع يصح تصرفه، وهو قد خالف موكله في التقدير وخالف ما تقتضيه العناية في البيع بدون ثمن المثل أو الشراء بأكثر من ثمن المثل، لكن يصح.
قال: لأن من صح منه ذلك بثمن المثل صح بغيره؛ لأنه لو وكله بثمن المثل واشترى بثمن المثل صح، فلما صح بثمن المثل صح بغيره، لكن يضمن. يضمن ماذا؟ يضمن النقص في مسألة البيع، والزيادة في مسألة الشراء. فهو لما باع السيارة بثلاثين ألفًا وقيمتها أربعون ألفًا، أو إذا حدد له الموكل أربعين ألفًا وباعه بثلاثين ألفًا، فالفرق عشرة آلاف فيضمنها للموكل، يعني يعطيها الثلاثين ألفًا التي باعها بها، ويعطيها العشرة آلاف التي خسرها.
وكذلك بالشراء يضمن الزيادة، فاشترى له بأربعين ألفًا وهو قال "اشترِ بـثلاثين ألفًا"، الثلاثون ألفًا هذه من مال الموكل، لكن الزيادة من مال الوكيل؛ لأنه مفرط في البيع وفي الشراء، حيث باع دون ثمن المثل واشترى بأكثر من ثمن المثل.
لكن النقص الذي يضمنه، ما مقداره؟ في مسألة البيع والشراء قالوا: بشرط أن تكون الزيادة والنقص مما يتغابن فيه الناس في العادة. مثلاً: قال له "اشتر لي سيارة قيمتها كذا" أو "اشتر لي سيارة نوعها كذا وهي قيمتها بثلاثين ألفًا" فاشتراها بـواحد وثلاثين ألفًا، هذه يتغابن فيها الناس في العادة، فلذلك قالوا: هذه معفو عنها لا يضمن.
أما إذا لم يحدد له ثمنًا، فإذا لم يحدد له ثمنًا فإنه لا يضمن فيما يتغابن به الناس في العادة، لكن إذا حدد له ثمنًا، كأن قال "اشتر لي بـثلاثين" فاشتراها بـواحد وثلاثين، هنا يضمن. فنقول: لا يضمن فيما يتغابن به الناس في العادة إذا لم يحدد له ثمنًا.
إذن عندنا ذكرنا البيع صورتين والشراء صورتين: إذا قال له "اشتر لي سيارة" أو "بع سيارة" ما حدد له ثمنًا، فاشترى له بأكثر من ثمن المثل أو باع له بدون ثمن المثل، وكانت هذه الزيادة أو النقص مما يتغابن به الناس في العادة، فهنا لا يضمن. لكن في الصورتين الأخريين إذا حدد له ثمنًا، كأن قال "اشتر لي بـثلاثين" فاشتراها بـواحد وثلاثين أو بـثلاثين وخمسمائة، أو قال "بع لي بـثلاثين ألفًا" فباعها بأقل، فهنا يضمن حتى لو كان مما يتغابن به الناس في العادة؛ لكونه خالف صريح كلام الموكل.
إذا قلنا يضمن، ماذا يضمن؟ قلنا في البيع يضمن النقص. هل يضمن النقص كله، أم يضمن النقص الذي مما يتغابن به الناس في العادة إلى الثمن الذي باعه به؟ يعني مثلاً: قال له "بع لي السيارة بأربعين ألفًا" فباعها مثلاً بثلاثين ألفًا، لو قلنا إنه إلى خمسة وثلاثين ألفًا؛ هذا الناس يتغابنون به في العادة، فالخمسة آلاف هذه حد الناس معتدين أنهم يتغابنون فيها، لكن بعد الثلاثين لا يتغابنون فيها الناس في العادة، فهل نضمنه ما بين الخمسة والثلاثين إلى الثلاثين؟ هل نضمن خمسة آلاف أم نضمن العشرة آلاف كاملة؟ واضح؟
لو قال له: «بع لي هذه السيارة، ثمنها في السوق بـ 40، فباعها بـ 30»، لو قلنا إن الذي يتغابن فيه الناس عادة هو 5000 مثلاً، فـ 5000 هذه حد التغابن في العادة من 40 ألف الثمن، يعني لو قلنا في مجتمع ما الثمن هذا يتغابن فيه الناس عادة، ما زاد علينا يتغابنون فيه، فهل نقول يضمن ما بين المبلغ الذي باعه به إلى الثمن الذي يتغبن فيه الناس عادة، اللي هو 5000 في هذا المثال؟ أو يضمن العشرة كاملة؟
هل يضمن الخمسة؟ لأن الخمسة الأولى ليس مفرطاً فيها، تشوفونه على هذا. وفيه قولان في المذهب، هما وجهان في المذهب: أحدهما ما بين ثمن المثل وما باعه به، اللي هو في المثال السابق 10000 ريال، ما بين ثمن المثل وما باع به. والقول الثاني ما بين ما يتغابن الناس به وما لا يتغابن الناس به؛ لأن ما يتغابن الناس به يصح بيعه به، وللضمان اللي هو 5000 ريال الزائدة. يقول موفق رحمه الله: «والأول أقيس، يضمن العشرة كاملة»، لماذا؟ قال: لأنه لم يؤذن للوكيل في هذا البيع، فأشبه بيع الأجنبي. يعني الـ 5000 التي قلنا يتغابن فيها الناس عادة، هذه لو كان لم يفرط في غيرها هو الآن باع وفرط تفريطاً واضحاً، فنضمنه كامل الخسارة. نضمنه كامل الخسارة لأن الـ 5000 هذه يتغابن فيها الناس عادة، هذه لو أنه لم يخسر غيرها يتسامح فيه، لكن هو خسر زيادة وكانت خسارته لأجل التفريط، والتفريط ممنوع؛ لأنه مأذون له بالبيع فيما يحقق مصلحة موكله، فلما فرط نضمنه كامل المبلغ.
قال: «إن كان من المخالفات ما يكون في صالح الموكل، هنا قال فلا يضمن الوكيل شيئاً وإن خالف الموكل». قال: «إن قال له: بعه بدرهم، فباعه بدينار»، أيهما أغلى؟ الدينار، ولذلك قال: «صح»، لأنه زاده خيراً فهي من مصلحة الموكل. قال: «وإن باع الوكيل بأزيد مما قدره له الموكل: صح»، قال: «بع هذه بـ 30000 فبع بـ 40000»، صح، لماذا؟ لأنه زاده خيراً. أو قال الموكل: «بع بكذا مؤجلاً فباع الوكيل به حالاً»، صح؛ يعني قال: «بيعه بـ 30000 مؤجلاً فباعه بـ 30000 حالاً»، فهنا لأنه زاده خيراً، فهذه مخالفات في صالح الموكل فتصح.
قال رحمه الله: «وإن باع الوكيل بأزيد مما قدره له الموكل وهو صح، أو قال الموكل: بع بكذا مؤجلاً فباع الوكيل به حالاً، صح، أو قال الموكل: اشترِ بكذا حالاً فاشترى به مؤجلاً ولا ضرر فيهما»، أي فيما إذا باع بالمؤجل حالاً أو اشترى بالحال مؤجلاً، صح؛ لأنه زاده خيراً، فهو كما لو وكله في بيعه بعشرة فباعه بأكثر منها. هذه تتم المسألة السابقة عكسها؛ الأولى: «بيع بكذا مؤجلاً فبعه به حالاً»، يقول: «صح»، طبعاً في قيد سيذكر بعد المسألة الثانية. أو قال: «اشترِ بكذا حالاً فاشترى به مؤجلاً»، قال: «اشترِ لي السيارة كذا وكذا بـ 3000 حالاً، فوجد هذه السيارة نفسها تباع بـ 3000 مؤجلة إلى سنة»، نقول: «صح»، لأنه زاده خيراً، يعني الأصل أن قيمة المؤجل أكثر من قيمة الحال، لكن قال في المسألتين قيد الصحة بعدم الضرر، قال: «ولا ضرر فيهما»، أي فيما إذا باع بالمؤجل حالاً أو اشترى بالحال مؤجلاً؛ هنا وإن زاده خيراً لكن قالوا إذا كان في ضرر لا يصح، ستأتي معك، فهنا اشترطوا للصحة عدم الضرر.
صحة؛ لأنه زاده خيراً فهو كما لو وكله في بيعه بعشرة فباعه بأكثر من هذا. المسألة السابقة: «أن باع الوكيل بأقل مما قدم الموكل، صح»، قال: «نعم»، قال: «وإلا فلا»، أي وإن لم يبع أو يشتري بمثل ما قدره له بلا ضرر، بل قال: «بعه مؤجلاً فباعه بتسعة حالاً»، أو باعه بعشرة حالاً، أو على الموكل ضرر بحفظ الثمن في الحال، أو قال: «اشتره بعشرة حالاً فاشتراه بأحد عشر مؤجلاً»، أو بعشرة مؤجلة، أو قال: «بعه بعشرة حالاً فبعه بأحد عشر مؤجلاً»، أو قال: «اشتره بعشرة حالاً فاشتراه بأحد عشر مؤجلاً»، أو بعشرة مؤجلة مع ضرر، لم ينفذ تصرفه لمخالفته موكله.
وقد قدم في الفروع أن الضرر لا يمنع الصحة، وتبعه في المنتهى والتنقيح في مسألة البيع، وهو ظاهر المنتهى أيضاً في مسألة الشراء. قد سبق لك أن بيع الوكيل بأنقص مما قدر له وشرائه بأكثر منه صحيح ويضمن هنا، قال: «وإلا فلا»، هو يعود إلى المسألتين السابقتين: «بعه بعشرة، بيعه بكذا مؤجلاً فباعه به حالاً، أو اشتره بكذا حالاً فاشتراه به مؤجلاً»، فيقول: «يصح بشرط عدم الضرر»، فإن وجد الضرر قال: «وإلا»، يعني إن لم يتحقق عدم الضرر، كان وجد فيها الضرر، فلا يصح.
لكن هنا في الأمثلة فيه مثالان لا ينطبقان، وذكر عدة أمثلة، في مثالان لا ينطبقان وهما قوله: «بان قال: بعه مؤجلاً فباعه بتسعة حالاً»، ينطبق ولا ما ينطبق هذا؟ «بيعه بعشرة مؤجلة فباعه بتسعة حالاً»، أنقص، لذلك أصل المسألة. أو قال: «الموكل: بع بكذا مؤجلاً فباع الوكيل به»، يعني بذلك المبلغ حالاً، فهنا يعني الصحيح بيعه بعشرة مؤجلة فبعه بعشرة حالاً، اللي قال: «فبعه بتسعة حالاً»، أو باعه بتسعة؛ طبعاً المثال صحيح حكمه صحيح ما في إشكال، لكن التمثيل به ها هنا على أصل المسألة هذا الذي فيه إشكال.
وكذلك المثال الثاني: «أو بعه بعشرة حالاً فباعه بأحد عشر مؤجلاً»، باعه بأحد عشر مؤجلاً، هذا باعه بأكثر، مثاله هو كان يقرر البيع بمثل الثمن، ولذلك نبه عليه شيخنا رحمه الله في حاشيته على الروض، قال: «قوله: فباعه بتسعة حالاً، وقوله: فاشتراه بأحد عشر، في التمثيل بهذا نظر على كلام الماتن، فإن كلام الماتن إنما هو فيما إذا باع أو اشترى بما قدر له، لا بأقل ولا بأكثر، حيث قال: فباع به، وقال: فاشتراه به، فقد نص على أن الوكيل باع واشترى بما قدر به، فانتبه لذلك».
إذن الخلاصة أنه إذا حدد له المبلغ والأجل أو الحلول، يعني قال له: «اشترِ بكذا، اشترِ بكذا حالاً فاشتراه به مؤجلاً»، أو «بع بكذا مؤجلاً فباعه به حالاً»، نقول: يصح إذا عدم الضرر، ولا يصح إذا وجد الضرر. طيب، كيف؟ هل في الزيادة ضرر؟
أحسنت، قد يكون هناك بلد فيها خوف، فهو يقول إذا سلمت الآن قد يُسرق، قد يقول: أنا سأسافر مثلا وما عندهم مصارف يحفظون فيها أموالهم فأخشى على مالي، فأنا لا أريده الآن، أريده إذا رجعت من سفري مثلا، فجعله مؤجلاً، فباعه الوكيل به حالاً، فالآن سيتبرر.
هذا مثال الضرر على ما فيه خير، فهنا يقول إذا وجد الضرر فلا يصح التصرف، قال: وإلا فلا، قال: لم ينفذ تصرفه لمخالفته موكله، وهذا هو الذي مشى عليه المؤلف رحمه الله.
هنا قال: قال به الحجاوي، وقدم في الفروع أن الضرر لا يمنع الصحة، أن الضرر لا يمنع الصحة، وأن المخالفة في الحلول والتأجيل لا تمنع الصحة سواء عليه ضرر أو ليس عليه ضرر. قال: وتبعه في المنتهى والتنقيح في مسألة البيع، وهو ظاهر المنتهى أيضاً في مسألة الشراء، فإذاً القول الثاني وهو المشهور من المذهب أنه يصح ولو وجد الضرر، يصح ولو وجد الضرر لأنه زاده خيراً. قال: ولو وجد الضرر فإنه يصح.
قال: وقد سبق لك أن بيع الوكيل بأنقص ما قدره له شراءً بأكثر منه صحيح ويضمن، فهذه تقاس عليها. واضح؟
فهنا بين مخالفة الحجاوي للمشهور من المذهب بذلك، والقول الذي ذكره المؤلف هنا أنه لم ينفذ تصرفه، تبع فيه صاحب الوجيز، وصوبه المرداوي رحمه الله في الإنصاف، لكنه ذاكر أن المذهب الصحة مطلقاً. والحجاوي في الإقناع أيضاً ذهب إلى ما ذهب إليه صاحب المنتهى هنا أن الضرر لا يمنع الصحة، فهذا مما اختلف فيه كلام الحجاوي في الإقناع عن كلامه في الزاد.
نسأل الله للجميع التوفيق والسداد.
نعم، يقول: هل تقبل شهادة الصديق لصديقه؟ فيقاس على الأخ أو يقاس على الزوجة والولد لوجود التهمة، والفقهاء رحمه الله تعالى ذكروها في الشهادات، وأن الصديق يشهد لصديقه، يعني ليس من موانع قبول الشهادة الصداقة، هذا هو الأصل. إذا جعلنا المناط التهمة، فلو وجدت في حالة من الحالات أن الصديق متهم في شهادته لصديقه، فهنا نرد شهادته للتهمة، لكن لا نجعل المناط هو الصداقة، المناط هو التهمة.
لكن هنا خالف الموكل فيما حدده له الموكل، خالفه في الحلول والتأجيل، وخالفه في تحديد المبلغ، فلذلك على الخلاف، الحجاوي هنا يقول لا ينفذ، وطبعاً إذا لم يوجد الضرر فمتفقون على أنه يصح، لكن إذا وجد الضرر في الخلاف أنه لا ينفذ، والقول الثاني أنه ينفذ.
هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان