بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا وعملًا صالحًا يا كريم.
أما بعد، كنا قد توقفنا في التعليق على المربع على باب الوكالة، بعد أن نهينا الكلام على باب الحجر وأقسام المحجور عليه. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: «باب الوكالة» بفتح الواو وكسرها، التفويض. «وكّلتُ أمري إلى الله» أي فوضته إليه. واصطلاحًا: «استنابة جائز التصرف مثله فيما تدخله النيابة». تصح الوكالة بكل قول يدل على الإذن، فافعل كذا، أو أذنت لك في فعله ونحوه. وتصح مؤقتة ومعلقة بشرط، كوصية، وإباحة أكل، وولاية قضاء وأمارة. ويصح القبول على الفور والتراخي، بأن يوكله في بيع شيء فيبيعه بعد سنة، أو يبلغه أنه وكله بعد شهر فيقول: قبلت، بكل قول أو فعل دال عليه، أي على القبول؛ لأن قبول وكلاء النبي ﷺ كان بفعلهم، وكان متراخيًا عن توكيلهم، قاله في المبدع. ويعتبر تعيين الوكيل ومن له.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: «الوكالة جائزة»، والسنة والإجماع من الكتاب، قوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَٰذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَىٰ طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِهِ﴾ [الكهف: 19]. فليتلطف؛ وهنا وكل أصحاب الكهف أحدهم في الشراء والتلطف في الشراء، أي هذا جاء في شرع من قبلنا. والأصل أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه، وهنا جاء شرعنا بموافقته.
فجاءت من فعل النبي ﷺ ومن فعل الصحابة رضي الله تعالى عنهم التوكيد من السنة؛ فالنبي ﷺ وكل عروة بن الجعد في شراء شيء. ومن الإجماع، أجمع العلماء رحمهم الله تعالى على جواز الوكالة في الجملة، والحاجة داعية إلى ذلك، فإنه لا يمكن لكل أحد فعل ما يحتاج إليه، فدعت الحاجة إلى شرعية الوكالة.
يقول: بفتح الواو وكسرها، تقول الوكالة والوكالة بمعنى التفويض، تقول: «وكّلتُ أمري إلى الله» أي صوبته إليه، فوضته. وما القاعدة في هذا؟ إذا جاءت بعد «أي» فإنها تكون التاء مفتوحة أو مضمومة، وإذا جاءت بعد «إذ» تكون مفتوحة؛ فلو قال: «وكّلتُ أمري إذ»، تقول: فوضتُه، وفي «أي» تقول: فوضتُه. هناك بيتان ذكرهما ابن قاسم رحمه الله في أول تعليقي على الرووع، المجلد الأول، في تفويض...
وهذا التفويض وأيضًا من معانيه الحفظ، تطلق ويراد بها الحفظ؛ «ما أنت عليهم بوكيل» أي بحفيظ. واصطلاحًا: «استنابة جائز التصرف مثله فيما تدخله النيابة». استنابه جائز التصرف، يعني أن يستنيب جائز التصرف من آخر جائز التصرف، أن يستنيب منه أن ينوب عنه في أمر ما، وهذا الأمر مما تدخله النيابة، كما سيأتينا من الأشياء التي تدخلها النيابة والأشياء التي لا تدخلها النيابة. وزاد بعضهم قيدًا في الحياة، لإخراج الوصية؛ لأن الوصية يستنيبه في أمر يكون بعد وفاته.
ذكر المؤلف رحمه الله تعالى: «جائز التصرف»، وتقدم لنا مرارًا مراده وهو: الحر المكلف الرشيد. قال المؤلف رحمه الله: «تصح الوكالة بكل قول يدل على الإذن، كافعل كذا أو أذنت لك في فعله ونحوه». يعني مثلًا لو أراد أن يوكله في أن يبيع عنه سيارته، سواء قال له: «وكّلتك في بيع السيارة»، أو قال: «بع سيارتي»، أو «خذ سيارتي اصرفها»، كل هذه ألفاظ تدل على التوكيل في البيع، وليس فيها لفظ محدد، بل تصح بكل قول يدل على الإذن.
وقوله: «بكل قول»، هل تصح الوكالة بالفعل؟ انظروا في القبول، قال: «بكل قول أو فعل دال عليه في الإيجاب». قال: «تصح بكل قول يدل على الإذن»، فهل تصح الوكالة بالفعل أو لا؟ ظاهر كلام المؤلف رحمه الله أنها تصح في الفعل؛ يعني مثلًا لو أعطاه سيارته، وقال: «أنا والله مليت من هذه السيارة، هذه سيارة جديدة»، فأعطاه سيارته، أي أعطى صديقه سيارته، ففهم الصديق منه أنه يريد منها أن يبيعها له، لكن ما قال له: «بع»، فقد سلمه إياها ولكن هذا فُهم منه أنه وكله في بيعها، فهل تصح هذه الوكالة أو لا؟
ظاهر كلام الأصحاب رحمهم الله عدم صحة الوكالة في الفعل الدال عليها من الموكل. هذا ظاهر كلامي، لكن جاء في الفروع كلام في حاشية ابن قاسم، قال: «وفي الفروع دل كلام القاضي على انعقادها بفعل دال كبيع». طبعًا كلام القاضي كان يتكلم على رواية جعفر، روى عن الإمام أحمد رحمه الله أنه قال: إذا قال: «بعني»، حتى يقول: «قد وكلتك»، يعني كانت هذه ظاهر هذه الرواية أنه لابد فيها من التصريح بالتوكيد، لا تكفي الدلالة عليها، قلنا قبل قليل إنها تصح بكل قول يدل على الإذن، وهذه الرواية تدل على أنه لابد من التصريح بالتوكيد.
القاضي رحمه الله أول هذه الرواية على التأكيد، يعني أن هذا هو الأفضل وليس هو الواجب، قال: «لنصه على انعقاد البيع باللفظ والمعاطاة، وكذا الوكالة»، فتنعقد باللفظ والمعاطاة. فعلق عليها صاحب الفروع قال: «دل كلام القاضي على انعقادها بفعل دال كبيع»، قال: «وهو ظاهر كلام الشيخ».
وإذا قال صاحب الفروع "الشيخ"، فإنه يقصد ابن قدامة. وإذا قال "شيخنا" أو "تقي الدين" فإنه يقصد شيخه ابن تيمية. أما صاحب الإقناع، إذا قال "الشيخ" فإنه يقصد شيخ الإسلام. لذلك هنا قال: «وهو ظاهر كلام الشيخ في من دفع ثوبًا إلى قاضٍ»، وإشكالية حاشية ابن قاسم رحمه الله تعالى أنها لم يبين فيها بداية النقل ونهايته، أتعلم هل هذا من كلام ابن قاسم أو من تتمة النقل؟ فهو هنا قول: «وهو ظاهر كلام الشيخ»، وهذا من تتمة نقله عن الفروع، فإذًا هو ظاهر كلام الشيخ، يعني الموفق انتبه إلى أن بعض...
في الكشاف، لما نقلوا هذا الكلام، عزوا ظاهر كلام الشيخ إلى الفتاوى، وهو من صاحب الفروع. وظاهر كلام الشيخ يعزوا إلى أنه من صاحب الفروع، والمقصود بكلام الشيخ هو الموفق رحمه الله، شيخ الإسلام رحمه الله. قاعدته في الباب، ويمكن ما نص عليها في الوكالة، لكن قاعدته أن العقود كلها تنعقد بما دل عليه، وهذه ما فيها إشكال، وتسري على شيخ الإسلام رحمه الله. لكن توثق نقل صاحب الفروع عن كلام ابن قدامة من مجموع الفتاوى، ولعل المحقق ذهب وهمه إلى أن المراد بالشيخ هو شيخ الإسلام رحمه الله؛ لأن أصلاً صاحب الإقناع إذا قال الشيخ فإنما يقصد به شيخ الإسلام.
قال: «وهو ظاهر كلام الشيخ في من دفع ثوبه إلى قصار أو خياط، وهو أظهر»، وهذا من كلام صاحب الفروع، إذاً صاحب الفروع استظهر أن الوكالة تنعقد بالفعل.
نأتي هنا للوكالة بالكتابة. الآن الدارج في وكالات الكتابة لا يتلفظ، بل الآن خلاص من زمان، كان يأتي إلى كاتب العدل ويوقع، الآن لا، وهو في بيته أو في عمله، في جواله يدخل على الموقع الذي يستخرج منه الوكالات ويستخرج الوكالة، يضغط أيقونات فقط. فهي وكالة بالكتابة، هل تصح أو لا تصح؟ هل هي قول أو فعل؟ الكتابة قول أو فعل؟ إذا قلنا إنها تنعقد بالفعل فهذا ما فيه إشكال، فالكتابة لا تخرج عن قول أو فعل. لكن إذا قلنا إن الوكالة لا تنعقد إلا بالقول، فهل تنعقد الوكالة بالكتابة ونقول هي في مثابة القول؟
هنا في حاشية ابن قاسم صفحة ٢٠٥ حاشية ٤ قال: «ويتخرج انعقادها»، والكلام موجود في حاشية ابن عيسى، وموجود في حاشية العنقري: «ويتخرج انعقادها بالخط والكتابة الدالة على ذلك». قال ابن نصر الله ولم يتعرض له الأصحاب، ونصر الله في حاشيته على الفروع، ولعله داخل في قوله «أو فعل»؛ لأن الكتابة فعل دال على المعنى، والآن ذكر أن الكتابة فعل. فعلى هذا، من قال بانعقاد الوكالة في الفعل، قال بانعقادها في الكتابة، ومن قال لا تنعقد إلا بالقول، فهنا إذا رأى الكتابة ليست بمثابة القول فإنه لا يقرر انعقادها بالكتابة.
البهوتي في حاشية المنتهى نقل هذا الكلام، ذكروا هذا الهامش في شرح المنتهى، لكن هو أيضاً موجود في حاشية البهوتي على المنتهى، وهذا النقل تقدم على صحته.
قال: «وتصح مؤقتة ومعلقة بشرط». تصح مؤقتة بلا نزاع، مثل لو قال: وكلتك في بيع سيارتي مدة شهر من واحد محرم إلى واحد شعبان، خلاص تمسك، يصح سواء أطلق أو قيد. الآن في الزمان الحاضر، الوكالة التي كانت سابقاً مفتوحة لا تنتهي إلا بإنهاء عمل الذي وُكل فيه، الآن ممكن لها قرابة عشر سنوات جعلوا أقصى مدة لها خمس سنوات، معنى أنها بعد خمس سنوات إذا لم تجدد تنتهي، فلا بد أن يجددها.
قال: «وتصح مؤقتة معلقة بشرط». معلقة بشرط يعني مثلاً يقول: إذا دخل شهر رمضان فأنت وكيل في كذا، أو إذا رجعت من السفر فأنت وكيلي في كذا، فهنا معلقة بشرط ليست من الجزاء فتصح، تصح مؤقتة ومعلقة بشرط، وتصح منجزة كوصية. كالوصية تصح مؤقتة، مثل لو قال: أوصيت إلى فلان بعد وفاتي أن يقوم على أولادي لمدة سنة، هذه وصية مؤقتة. وإباحة أكل مثلاً؛ عنده مزرعة، أباح لمن مر عليه أن يأكل، جعل الإباحة لمدة شهر مثلاً. ولا ولاية قضاء وإمارة، لو قال: سأوليك القضاء في هذه البلد لمدة سنة، فكذلك الإمارة، يوليه لمدة عدة سنين، وهكذا.
قال: «ويصح القبول على الفور والتراخي». الوكالة لابد فيها من إيجاب وقبول، مثل البيع الصحيح لابد فيه من إيجاب وقبول. القبول يقول: يصح على الفور والتراخي. الفور ما فيه إشكال، وكلتك في بيع السيارة أو في شراء سيارة لي، قال قبلت، هذا على الفور. وعلى التراخي، يقول له اليوم، يقبل بعد ساعة، بعد يوم، بعد يومين، بعد أسبوع، فهذا صحيح. بخلاف البيع؛ البيع لا يصح أن يتراخى الإيجاب عن القبول.
قال: «بأن يوكله»، هذا تفسير للتراخي؛ يوكله في بيع شيء فيبيعه بعد سنة، أو يبلغه أنه وكله بعد شهر فيقول قبلت، يعني هنا فيبيعه بعد سنة، هنا قبول بالفعل. والمثال الثاني قبول بالقول؛ يبلغه أنه وكله بعد شهر فيقول قبلت. قال: «بكل قول أو فعل دال عليه»، يعني سواء قال قبلت الوكالة، أو مثلاً وكله في بيع الجوال فذهب وباعه، لم يقل قبلت بل ذهب وباعه، فهذا سائغ، لا يلزم أن يصرح بالقبول، يكفي ما يدل عليه سواء صرح به بالقول أو دل عليه بالفعل.
ثم استدل لذلك بالقبول بالفعل والتراخي فيه بفعل الصحابة رضي الله تعالى عنهم مع النبي ﷺ؛ قال: لأن قبول وكلائه عليه السلام كان بفعله، لم ينقل أن كل من وكله النبي ﷺ قال قبلت، لا، قد يقول له اذهب واشتري كذا فيذهب ويشتري له ولا يقول قبلت. وكذلك كان متراخياً عن توكيلهم؛ يعني قد يوكلهم في شيء فيفعلونه بعد يوم أو يومين أو نحو ذلك، فلا يكون في نفس الوقت، قد يكون لم يبلغهم الوكالة في وقتها، فهذا فعل الصحابة رضي الله تعالى عنهم مع النبي ﷺ، قاله في المبدع وقاله الموفق والشارح.
قال: «ويعتبر تعيين الوكيل». فلا يصح أن يقول: وكلت أحد هذين، لا يصح للجهالة، فلا بد أن يعينه، يقول: وكلت فلاناً، أو وكلت فلاناً.
قال رحمه الله: «ومن لا تصرف في شيء لنفسه فله التوكيل فيه». والتوكيل فيه أي جاز أن يستنيب غيره وأن ينوب عن غيره لانتفاء المفسدة، والمراد فيما تدخل فيه النيابة. ومن لا يصح تصرفه بنفسه فنائبه أولى، فلو وكله في بيع ما سيملكه أو طلاق من يتزوجها لم يصح، ويصح توكيل امرأة في طلاق نفسها وغيرها، وأن يتوكل واحد الطلاق في قبول نكاح.
من له التصرف في شيء فله التوكيل فيه والتوكل فيه، هذه قاعدة: من يصح توكيله ومن يصح توكله. إذاً من له التصرف في شيء فله التوكيل فيه وله التوكل فيه.
مثلاً زيد عنده سيارة، الآن هو يستطيع أن يبيع السيارة بنفسه، ما دام أنك تستطيع بيع السيارة بنفسك إذاً لك أن توكل في بيعها، فهنا له التصرف في شيء فله التوكيل والتوكل فيه. مثلاً بيع سيارة هذا لابد أن يكون البائع بالغاً عاقلاً جائز التصرف، فهنا إذا أراد زيد أن يوكل أحداً لابد أن يوكل جائز التصرف، وجائز التصرف هو الذي يستطيع البيع.
فهذه القاعدة: من له التصرف في شيء فله التوكيل فيه والتوكل فيه، أي جاز أن يستنيب غيره وأن ينوب عن غيره لانتفاء المفسدة، والمراد فيما تدخله النيابة كما سيأتي، إذ هناك أشياء لا تدخل النيابة فيها، وله التصرف فيها لكن لخصوصية فيها ليس له أن ينيب غيره فيها كما سيأتي.
واستثنى المرداوي في التنقيح، وتبعه في الإقناع والمنتهى، لو وكل أعمى في عقد يحتاج إلى رؤية. يعني الآن الأعمال أصلية، يصح شرائه وبيعه، وكل هذا الأعمى في بيع شيء يحتاج إلى أن يراه، وكل شخص أعمى موكل، وهذا العقد يحتاج إلى رؤية لكي يستبين منه؛ مثلاً أنظر لهذا الشيء، العلم بالمبيع قلنا رؤية أو صفة، فوكل شخصاً لكي يرى له هذه العين الغائبة، هنا الأعمى موكل.
لكن من الأصل، الموكل أعمى؟ نعم، الموكل أعمى؛ لأن هذه استثناء من «من له التوكيل فيه»، سوى الأعمى. يعني عندنا مسألتان: من له التصرف في شيء فله التوكيل فيه، ومن له التصرف في شيء فله التوكل فيه، المسألة لا يستثنى منها الأعمى، وله التصرف في شيء فله التوكيل فيه، لكن الأعمى الآن أراد أن يشتري شيئاً يحتاج إلى رؤية، لا يستطيع أن يراه فوكل غيره، فهنا يصح. الأعمى لا يستطيع أن يرى، يعني لا يستطيع أن يعقد هذا العقد لنفسه؛ فنقول هو امتنع منه عقد هذا العقد نفسه لمعنى فيه لعجزه عن العلم بالمبيع، وليس لخلل في هذا البيع.
ومن لا يصح تصرفه بنفسه فنائبه أو لا؟ هذا مفهوم القاعدة. الضابط: من لا يصح تصرفه بنفسه فنائبه أو لا؟ مثل عليها قال: فلو وكله في بيع ما لا يملك، هل يصح أو لا يصح؟ لماذا؟ لأن الشخص نفسه لا يجوز له بيع شيء لم يملكه حتى الآن، فلو قال مثلاً محمد لصالح: أنا سأشتري هذه السيارة بعد أسبوع ووكلتك في بيعها، أقول لا يصح هذه الوكالة؛ لأن محمداً الآن لا يملك حق بيعها، لكن لو جاء بعد أسبوع وتملكها، أقول لك حق أن توكل في بيعها.
كذلك طلاق من يتزوجها، لو قال: أنا سأتزوج فلانة بعد شهر ووكلتك في طلاقها، فهل يصح؟ لا يصح. هل يصح طلاق الشخص من امرأة لم يتزوجها ولم يعقد عليها؟ ما يقع. لو كان فلان خطب امرأة لكن لم يعقد عليها وقال هي طالق، هل يقع الطلاق؟ ما يقع، لكن لو عقد عليها ولم يدخل بها وقال هي طالق، وقع الطلاق. فهنا إذاً من لا يصح تصرفه بنفسه فنائبه أو لا؟ فلو وكله في بيع ما لا يملك أو طلاق من لم يتزوجها لم يصح، إذ البيع والطلاق لا يملكه في الحال.
الآن سيذكر أربع مستثنيات على الضابط: من ليس له التصرف في شيء فله التوكل فيه. يعني عندنا الأصل أن من له التصرف في شيء فله التوكيل فيه والتوكل فيه، قلنا فله التوكيل فيه، يستثنى الأعمى فله التوكل فيه، ويستثنى أربع مسائل:
الأولى: يصح توكيل امرأة في طلاق نفسها وغيرها. الآن المرأة هل الطلاق في عصمتها؟ لا، الطلاق في عصمة الزوج، فهي ليس لها التصرف ابتداءً بالطلاق، لكن لها أن تتوكل في الطلاق، توكل في طلاق نفسها وفي طلاق غيرها. طبعاً إنما جاز تطليقها لنفسها لأن العصمة بيد الزوج وأعطاها إياه، ويبدو أنه يظهر والله أعلم أن في آثار في ذلك عن الصحابة، أنه إذا قال: «عصمتك بيدك»، وقالوا إذا جاز أن تطلق نفسها جاز أن تطلق غيرها.
المسألة الثانية: وإن يتوكل واجد الطول في قبول نكاح أمة لمن تباح له. نكاح الأمة؛ لا يجوز للحر أن ينكح أمة إلا إذا خاف العنت وعجز عن مهر حرة أو ثمن أمة، والطول هو مهر الحرة. فإذا كان شخص توفرت فيه شروط نكاح الإماء ووكل آخر أن يقبل نكاحه، ووكل شخصاً غنياً أن يقبل نكاحه، قال: اقبل النكاح عني نكاح الأمة عني، فهنا هذا الغني الذي يستطيع أن يتزوج حرة يجوز له أن يقبل النكاح لهذا الفقير، وهو مستثنى من القاعدة؛ لأن القاعدة أن من له التصرف في شيء فله التوكيل فيه، وهو ليس له التصرف في شيء، ليس له ابتداءً أن ينكح أمة، لكن له أن يتوكل، لماذا؟ ما زالت المستثنيات لأن المنع كان مختصاً بهذا الوكيل، فهو ممنوع منه لعدم توفر الشرط.
وكذا المسألة الثالثة: الغني توكل للفقير في قبول الزكاة. الآن الغني لا يجوز له أن يقبل الزكاة؛ لأنه ليس من أصناف الثمانية، لكن لو أن فقيراً قال للغني: أنا الزكاة وسأغادر فاقبلها عني، فقبل الغني الزكاة عن الفقير، هنا الأصل في من يصح له التوكل في شيء أنه له التصرف فيه، لكن هنا الغني ليس له قبول الزكاة ابتداءً لنفسه، لكن جاز له قبولها عن غيره، ويعلل لها بمثل ما علل في المسألة السابقة، أن المنع كان مختصاً به، يعني هو لم تتوفر فيه شروط قبول الزكاة.
الرابعة: قبول نكاح أخته ونحوها لأجنبي. هذا شخص أراد أن يتزوج امرأة وهو مسافر، وقال لأخي الزوجة: اقبل النكاح عني، أخو الزوجة قال: اقبل النكاح عني، قبل أخو الزوجة النكاح، لما جاء في عقد النكاح قال الأب لابنه: هذا زوج موكلك ابنتي، فقال الابن: قبلت عنه. هنا الابن الأصل الذي...
هو أخو الزوجة لا يصح له أن يقبل النكاح لنفسه، لكن يقبل النكاح لغيره، فهو هنا مستثنى من القاعدة. القاعدة أن كل من له التصرف في شيء فله التوكيل والتوكل فيه، وقلنا الضابط الأول: هذا يستثنى منه الأعمال، والضابط الثاني يستثنى منه هذه المسائل الأربعة.
لو كان الأخ هو الولي، فهل له أن يوجب ويقبل؟ تولى طرفه العقد، هل له ذلك؟ نعم طبعاً المسألة خلافية، لكن المذهب نعم له ذلك، واستدلوا بأثر عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، فقد كان ولياً على يتيم، وهو الذي تولى في العقد.
يقول: في توكيل ما لم يملك بعد، لو وكله وكالة عامة -مثل الوكالات الآن التي تجول وله حق البيع والشراء ونحو ذلك- مثلاً وكالة صادرة عام 1444، جاء هذا الموكل عام 1445 واشترى سيارة، فهنا هذا الوكيل هل له حق أن يبيع هذه السيارة وأن يملكه في البيع؟ الذي يظهر -والله أعلم- أنه له ذلك، وإن المنع هنا في الشيء المعين، أما الشيء المطلق فيظهر -والله أعلم- أنه يملكه. وهذا الذي يعني لو أراد التقييد وجد: بيع الكذا، أو بيع السيارات، أو يعمل لك حالياً ونحو ذلك.
السلام عليكم. قال رحمه الله: «ويصح التوكيل في كل حق آدمي من العقود؛ لأنه ﷺ وكل عروة بن الجعد رضي الله عنه في الشراء، وسائر العقود كالإجارة والقرض والمضاربة والإبراء ونحوها في معناه، والفسوخ كالخلع والإقالة والعتق والطلاق؛ لأنه يجوز التوكيل في الإنشاء فجاز في الإزالة بطريق الأولى، والرجعة، وتملك المباحات من الصيد والحشيش ونحوه كإحياء الموات؛ لأنها تملك مالاً بسبب لا يتعين عليه، فجاز الابتاع».
لا: الظهار؛ لأنه قول منكر، واللعان، والأيمان، والنذر، والقسامة، والقسم بين الزوجات، والشهادة، والرضاع، والالتقاط، والاغتنام، والغصب، والجناية؛ فلا تدخلوها، والنيابة.
وتصح الوكالة؛ هنا ذكر الأمور التي تصح فيها الوكالة والتي لا تصح فيها الوكالة. وعندنا نوعان من الحقوق: حقوق للآدميين وحقوق لله تعالى، وبدأ بحقوق الآدميين فقال: «يصح التوكيل في كل حق آدمي من العقود»، يعني التي تتعلق بالمال أو تجري مجراه كالحوالة والرهن والضمان إلى آخر ذلك من العقود.
واستدل بأنه عليه الصلاة والسلام وكل عروة بن الجعد في الشراء، فإنه وكله أن يشتري له شاة بدينار، فاشترى له شاتين بدينار، ثم باع إحداهما بدينار، فجاء إلى النبي ﷺ بشاة ودينار، فالنبي ﷺ استفهم منه عن ذلك فأخبره بما حصل، فدعا له النبي ﷺ بالبركة.
قال: «وسائر العقود كالإجارة والقرض والمضاربة والإبراء ونحوها في معناه»، يعني في معنى البيع الذي جاء الحديث بالتوكيل فيه. يقول الموفق رحمه الله: «لا نعلم خلافاً في جواز التوكيل في البيع والشراء»، للأية والخبر؛ الأية التي هي: ﴿أَذِنُوا لِي فِي مَالٍ﴾ [الكهف: 88]، والخبر الذي هو حديث عروة بن الجعد وغيره. قال: لأن الحاجة داعية للتوكيل فيه؛ أنه قد يكون ممن لا يحسن البيع والشراء، أو لا يمكنه الخروج إلى السوق، وقد يكون له مال ولا يحسن التجارة فيه، وقد يحسن ولا يتفرغ، فأباحها الشارع دفعاً للحاجة وتحصيلاً لمصلحة الآدمي المخلوق لعباده الله سبحانه.
وذكر الموفق رحمه الله أنه لا يعلم خلافاً في صحة التوكيل في العقود التي قيست على البيع. هذه العقود أيضاً الفسوخ، قال: «كالخلع والإقالة»، يوكل شخصاً أن يخارع زوجته، أو يوكل شخصاً أن يقيله في بيع أو شراء. قال: «والعتق والطلاق»، لماذا؟ قال: «لأنه يجوز التوكيل في الإنشاء»، يعني في إبرام العقد، فجاز التوكيل في إزالته بطريق الأولى؛ لأن أيهما أقوى: الإنشاء أم الإزالة؟ الإنشاء ما دام صح في الإنشاء صح في الإزالة.
قال: «والرجعة»، والرجعة يصح أن يوكل من يراجع به عنه زوجته بدعاء الحاجة إلى ذلك. طيب، هل له أن يوكل المرأة أن ترجع نفسها؟ الآن طلق زوجته طلاقاً رجعياً، فهل له أن يوكلها في إرجاع نفسها؟ أو نقول لابد أن يكون الوكيل رجلاً؟ الطلاق نص على أنه يمكن أن يوكلها في تطليق نفسه، لكن في إرجاع نفسها، أصح في الطلاق صح في الرجعة.
في حاشية الخلو: يقول انظر هل يصح توكيل المرأة في رجعة نفسها؟ قال: الظاهر الصحة؛ لأنه لا يتوقف على صيغة كما يأتي في بابه. هذا كلام الخلو. أما مرعي في الغاية فقال: «ويتجه احتمال أنه لا يوكلها في رجعة نفسها أو غيرها»، يعني أنها لا يصح لها أن ترجع نفسها ولا غيره فيختص بالرجل. والشطي في تجريد زوائد الغاية له كلام في انتقاد ما ذهب إليه مرعي، فهو يميل إلى كلام الخلو.
قال: «وتملك المباحات من الصيد والحشيش ونحوهما»، يعني الأصل في الصيد أن من أراد الصيد يذهب للصيد مثلاً فإذا صاد شيئاً أصل أنه يملكه، لكن لو أن فلاناً أعطى آخراً سلاحه وقال: صِد، وما صِد، أو وكلك في الصيد، فما صِدته يكون لي؟ قالوا: يصح. وكذلك في الحشيش ورعي الحشيش ونحوه فيصح. قال: «ونحوه كإحياء الموات»، فهذه يصح التملك، ويصح التوكيل فيها؛ قال: «لأنها تملك مالاً بسبب لا يتعين عليه»، يعني يقصد أنها ليس ملكاً قهرياً، ليس ملكاً لمن صاد، فلا يتعين عليه أنه يملكه، ما نقول إذا صِدْتَ خلاص هذا ملك لك لا يجوز لك أن تتنازل عنه، ليس ملكاً قهرياً، فلما كان ليس ملكاً قهرياً قالوا يجوز له أن يوكل فيه.
قال في الإنصاف: «وقيل لا يصح التوكيل في تملك المباحات»، قال: «والنفس تميل إلى ذلك»، لماذا؟ قال: «لأن الموكل لا يملكه عند الوكالة». يعني مثل إذا وكل في بيع ما سيشتريه، أو وكل في طلاق من سيتزوجه، قالوا: لا يصح؛ لأنه لم يملكه حالياً، قالوا: هذا مثله إذا وكل في تملك المباحات فلا يصح؛ لأنه لا يملك. قال: «والنفس تميل إلى ذلك لأن الموكل لا يملكه عند الوكالة وهو من المباحات»، يعني الصيد والحشيش نحوها، فمن استولى عليه ملكه، يقول: يملك بالاستيلاء، فلو وكل شخصاً وملك وصاد.
أو احتساب أو نحو ذلك، فإنه الوكيل هو الذي يملك.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى ما لا تدخله الوكالة؛ فهناك أمور لا تدخلها الوكالة إما لكونها محرمة، أو لكونها تتعلق بعين الموكل. فقال لفظه: «لأنه قول منكر».
هنا محرم، لا يجوز للشخص أن يقول لآخر: ظاهر عني زوجتي؛ فالظهار لا يجوز، لماذا؟ لأنه محرم. والمحرم هل للشخص أن يفعله بنفسه؟ لا، فلذلك لا يجوز له أن ينيب غيره فيه، هذا هو الظهار. والقاعدة أن من له التصرف في شيء فله التوكيل فيه، وليس له التصرف في الشيء أيضًا.
كذلك اللعان؛ لماذا؟ لأن اللعان متعلق بذات الزوج، وأيضًا هو يمين، واليمين شهادات مقرونات بأيمان فهو يمين فلا تدخل النيابة. وكذلك الأيمان والنذور، هذه كلها لا تدخل النيابة لأنها تتعلق بعين الحالف وعين الناذر؛ فلا يقول شخص لآخر: احلف عني كذا، سواء كان يمينًا مكفرة أو يمينًا قضائيًا. يقول الوكيل: وكلتك في أن تترافع عني، وتقر عني، وتنكر عني، وتحلف عني؛ فلا، اليمين لا توكل، لا تدخل اليمين في الوكالة.
قال: «والنذور مثل اليمين، والقسامة». القسامة ما هي؟ إذا وجد مقتول لا يعلم قاتله، ولكن وجد لوث، واللوث قصره الأصحاب رحمه الله تعالى على العداوة الظاهرة بين القتيل والقاتل؛ يعني مثلاً وجد شخص مقتول في وسط حي وهو قريب من بيت شخص هو عدو له، فيتجه أهل القاتل والمقتول ويقولون: إنك أنت الذي قتلته، فينكر، فيرفعون الأمر للقاضي ويحلف أهل المقتول خمسين يميناً أنه هو الذي قتله. سياتينا في الجنايات تفاصيل فيها، المهم أن القسامة هي أيمان، فلذلك لا تدخلها الوكالة.
قال: «والقسم بين الزوجات»؛ القسم بين الزوجات لا تدخل فيه النيابة لأنها متعلقة بالزوج. والشهادة لا تدخل النيابة؛ لو قال شخص لآخر: اشهد أن فلان هو الذي قتل، أو أن فلانًا مثلاً هو الذي باع واشترى السيارة، فيشهد على ذلك. لو قال لي شخص: أريدك أن تتوكل عني في الشهادة، فنقول: لا، الشهادة لا نيابة فيها لأنها تتعلق بعين الشاهد بكونها خبرًا عما رآه أو سمعه، ولا يتحقق هذا المعنى في نائبه، لكن سياتينا في باب الشهادات أن هناك ما يسمى الشهادة على الشاهد، وهذه لها شروط تأتينا إن شاء الله.
قال: «واللقطة». لو قالت امرأة لأخرى: ابتلعي فلانًا، لكن بشرط أن أكون أنا أمه، لا يصح؛ لأن هذا يتعلق بالمرضعات والالتقاط. لو قال: التقط هذا الشيء الضائع وعرفه، لكن بشرط أن يكون بعد تعريفك له ولم تجد صاحبه، أن يكون لي أنا الذي وكلتك بالتقاطه؛ نقول لا يصح، لأنه بأخذه يصير ملكًا للملتقط، ومن التقطه ومضت عليه سنة فيكون ملكًا قهريًا له.
والاغتنام؛ يوكله يقول: حارب مع الجيش، وما كسبت من الغنيمة فهو لي، بأنني لوكلت وكانت الحرب والغنيمة تكون لي؛ فنقول لا يصح، لأن الغنيمة متعلقة بالحضور، فإذا حضر النائب تعين عليه الجهاد وكان له السهم من الغنيمة وليس لموكله.
والغصب لا يصح فيه النيابة؛ لأن الغصب محرم، فالغاصب نفسه ليس له الغصب بنفسه، فليس له أن يوكل فيه. والجناية؛ لو وكل شخصًا آخر يجني على فلان، لا يجوز له ذلك؛ لأنه محرم. هذه كلها لا تدخلها النيابة، وكذلك يقاس على الغصب والجناية كل محرم؛ فكل محرم لا يجوز التوكيل فيه لأنه من الأصل لا يصح للشخص أن يفعله بنفسه.
نعم، الآن انتهينا من حقوق المخلوقين، ننتقل إلى حقوق الخالق سبحانه وتعالى. أحسن الله عليكم، قال رحمه الله: «وتصح الوكالة أيضًا في كل حق لله تدخله النيابة من العبادات».
كتفرقة صدقة وزكاة ونذر وكفارة؛ لأنه ﷺ كان يبعث عماله لقبض الصدقات وتفريقها. وكذلك الحج والعمرة على ما سبق. أما العبادات البدنية المحضة كالصلاة والصوم والطهارة من الحدث، فلا يجوز التوكيل فيها لأنها تتعلق ببدن من هي عليه، لكن ركعتا الطواف تتبع الحج. وتصح في الحدود في إثباتها واستيفائها؛ لقوله ﷺ: «يا أنيس، اذهب إلى امرأتي هذا، فإن اعترفت فارجمها، فإن اعترفت فأمر بها فرجمت» [متفق عليه]. ويجوز الاستيفاء في حضرة الموكل وغيبته.
يقول: «تصح الوكالة أيضًا في كل حق لله تدخله النيابة من العبادات»، والمقصود العبادات المالية المتعلقة بالمال؛ قال: «كتفرقة صدقة». عنده صدقة الآن يريد أن يوزعها على المساكين، صدقة تطوع، فأعطاها شخصًا يوزعها، هنا يصح، لا يلزم أن يوزع بنفسه. وكذلك تفرقة الزكاة، له زكاة واجبة، إذا أعطاها شخصًا ليوزعها فيصح. والنذر مالي، والكفارة مالية، كلها يجوز التوكيل في تفريقها؛ لأنه ﷺ كان يبعث عماله لقبض الصدقات وتفريقها، وأيضًا في حديث بعث معاذًا إلى اليمن: «تُؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم».
وهنا مسألة يسأل عنها كثيرًا، وستأتي في الوكالة لكن جاءت مناسبتها هنا: لو أن شخصًا أعطي مالاً ليفرقه على المساكين، سواء زكاة أو صدقة تطوع، فهو مسكين من ضمن المساكين، فهل له أن يأخذ منه لنفسه أو لا؟ ليس له ذلك، فهو مؤتمن على أدائه. طيب، لو أخذ لنفسه هل خان الأمانة؟ نعم، إذا استأذن فلا إشكال، قال: "أنا ترى محتاج"، قال: "خلاص خذ منها"، هنا خرج من المشكلة. لكن لو لم يستأذن، هل له أن يأخذ بدون إذن؟ وكله على أدائها لا على أخذه وإدائها لنفسه؛ فطر فيها العقد.
سنتبين إن شاء الله، إذا لم يأذن له إذنًا صريحًا، بمعنى أن قال له: خذ هذا فرقه عن المساكين وخذ منه ما شئت، أو هو استأذن وقال إنني مسكين فأذن له، فهنا لا بأس. لكن إذا لم يوكله في ذلك أو لم يصرح له في ذلك، فالأصل أنه لا يأخذ منها لنفسه.
يقول الموفق رحمه الله: «والمنصوص عن أحمد أنه لا يجوز له أن يأخذ منه شيئًا إذا كان هو مسكينًا». فإن أحمد قال: إذا كان في يده مال للمساكين وأبواب البر وهو محتاج، فلا يأكل منه شيئًا، وإنما أمره بتنفيذه، يعني بإعطائه لغيره، وهذا هو العرف؛ أنه إذا قال له وزعه، يقصد على غيرك.
إذا قال: «وزعه»، فإنه يقصد على غيرك فهو متهم لو أخذ لنفسه. يقول: كان غلبة الظن عنده غمناً، لكن لم يصرح، نقول: لا بد أن يستأذن حتى لو غلب على ظنه؛ لأنه قد يحابي نفسه هذا الوكيل.
يقول: لو أعطى أهل بيته، على كلٍ ترى فيها خلاف المذهب، لكن المشهور من المذهب أنه يجوز، فهو أن يعطي أهل بيته. ويبدو والله أعلم أنهم فرقوا بينها وبين البيع؛ قالوا: إذا أراد أن يبيع، وكله في البيع لا يبيع لنفسه، ولا لولده، ولا لوالده، ولا لزوجته، ولا لسائل من تقبل شهادته له. يبدو والله أعلم أن هناك مسألة الصدقة منظور فيها للإحسان، والبيع فننظر فيها للربح، فقدر المؤكد لو باعه على ولده أو زوجته ربما يحابيهم الوكيل في شيء من الثمن فيتضرر الموكل، ذاك بخلاف البيع. هذا هو مشهور المذهب، وإلا في قول آخر في المذهب أنه حتى ولده ووالده لا يعطيهم شيئاً.
قال: وكذا حج وعمرة على ما سبق، في كتاب المناسك. ما الذي سبق في التوكيل في الحج والعمرة؟ النفل دون الفرض، كذا؛ الفرض ما يجوز مطلقاً. هو الكلام على الإنابة فيها.
أحسنت، في النفل مطلقاً للعاجز والقادر، وفي الفرض للعاجز؛ في الفرض للعاجز عجزاً مطلقاً، يعني العجز عجزاً طارئاً، هذا يصبر إلى أن ينزل هذا العجز.
قال: وكذا حج وعمرة على ما سبق. أما العبادات البدنية المحضة، هذا النوع الثاني: العبادات البدنية المحضة، إذا العبادات المالية هي جزء، الحج والعمرة هذه يفرق بين الفرض والنفل؛ فالنفل يجوز مطلقاً، والفرض يجوز عند العجز. العبادات البدنية المحضة، قال: كالصلاة والصوم، فلا يجوز التوكيل فيها. وإن شخصاً قال لآخر: ما أنا عليّ قضاء عشرة أيام كنت مثلاً صليتها بدون طهارة أو نسيتها أو نحو ذلك، بتقاسم أنا وياك: صلِّ عن خمسة أيام وأنا أصلي خمسة أيام، هل يصبح هذا؟ لا يصح، لا يصح التوكيل فيها، هذه عبادة بدنية محضة.
الصوم كذلك لا يصح التوكيل فيه. مر عن الصوم أنه يصام عن الميت، يصام عن الميت، ما صوم إيش؟ صوم النذر؛ طيب، أليس هذا من باب التوكيل؟ إذاً هذا ليس من باب التوكيل، لكنه من أداء ما وجب عنه، أداء ما وجب عنه وليس بتوكيل.
قال: والطهارة من الحدث، أو قال شخص آخر: توضأ عني، فلا يصح. طبعاً إلا بصب الماء وإيصال الماء إلى الأعضاء؛ لو يجوز أن ينيب غيره بأن يصب عليه الماء، وأن يوصل ماءه إلى أعضائه، لو أن شخصاً صب عليه وترك يده مثلاً وحوّله لكي يتحقق مع الأعضاء، فهذا يصح، يعني يعاونه في ذلك.
الطهارة من الخبث، هل يصح التوكيل فيها؟ يصح التوكيل فيها؛ لو أن شخصاً أصاب ثوبه نجاسة، فهل لا بد أن يكون هو الذي يزيل النجاسة؟ لا، يدفعه لمن يزيل النجاسة عنه، قالوا: لأن هذا من باب التروك، لأنها تتعلق ببدن من هي عليه فلا يقوم غيره مقامه. تعليل منع التوكيل في العبادات البدنية المحضة؛ لأنها تتعلق ببدن من هي عليه، هذا موجود في الروض: فلا يقوم غيره مقامه.
إذاً عندنا حقوق الله عز وجل ثلاث أنواع، أو نقول الحقوق عموماً حقوق الله وحقوق الآدميين ثلاث أنواع: نوع يصح فيه التوكيل مطلقاً، وهو ما تدخل فيه النيابة من حقوق الله وحقوق الآدميين، ونوع تصح فيه الوكالة مطلقاً، وهو العبادات البدنية المحضة، هذا في حقوق الله، وأيضاً الأمور التي تدخلها النيابة في حقوق الآدميين، أما لخصوصيتها بالمُوكل كالشهادة والقسم بين الزوجات ونحوها، أو لكونها محرمة كالظهار والغصب والجناية ونحوها. وهناك أمور يصح التوكيل فيها مع العجز دون القدرة، وهذا في حج الفرض وعمرته.
قال: لكن ركعتا الطواف، إذا وصلتها هل لا بد أن تبين الألف؟ ترى في آية في القرآن قريبة منها، فيها ألف وبعدها همزة وصل، مثل ركعتا الطواف، الألف واثنتان وبعدها همزة وصل، لا بد أن تبين الألف، تقول ركعتا الطواف، ولا تكون ركعة الطواف. إذا قلت لكن، ركعتا الطواف، لكن الآن النون ساكنة، لكن ركعة تكون مرفوعة. ما شاء الله، أجابوا في الذين يجيبون عن بعد، حمزة أتى بالألف. هي لا يلزم أن تبين الألف، تقول ركعة الطواف، لا يلزم أن تبين الألف، والتي في سورة النمل، وقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، كيف تقرأ؟ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ لا تبين الألف.
قال: ركعتا الطواف تتبع الحج. هذا استثناء من ماذا؟ من العبادات البدنية، الصلاة الأصلية تخالف هنا لما ناب في الحج، وفي ركعتا الطواف ركعتا الطواف تابعة للحج، فتدخلها النيابة، فثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً.
وصوم ثلاث أيام في الحج، لمن لم يجد دم المتعة، دم المتعة لمن لم يجد دم المتعة، صنفت في "غاية المنتهى" يقول: وكذا صوم ثلاثة أيام في الحج، مستثنى من الصوم، قال: الخلوة بل ظاهرة، وصيام ثلاث أيام بل العشرة، الصيام ثلاث أيام والسبعة كلها عن موكّله.
قال: وفي الحدود، وتصح في الحدود في إثباتها واستيفائها. تصح في الحدود التوكيل في الحدود في إثباتها، يعني يوكل الإمام من يثبت له الحد، يعني يتحقق من توفر شروط الجريمة الحدية، وأيضاً في استيفاء إذا ثبتت الجريمة التي تستوجب حداً، فيوكل من يستوفي عنه، واستدل بقوله صلى الله عليه وسلم: «واغدو يا أنيس إلى امرأتي، فإن اعترفت فرجمها، أو فأمر بها فرجمها» [متفق عليه]. وذلك لدعاء الحاجة إلى التوكيل في الحدود إثباتاً واستيفاءً، لأن الإمام لا يمكنه تولي ذلك بنفسه.
قال: ويجوز الاستيفاء في حضرة الموكل وغيبته بالحديث، حيث لم يشرط النبي صلى الله عليه وسلم لإقامة الحد حضوره عليه الصلاة والسلام.
أحسن الله عليكم. قال رحمه الله: وليس للوكيل أن يوكل فيما وكل فيه إذا كان يتولاه مثله ولم يعجزه؛ لأنه لم يأذن له في التوكيل، ولا تضمنه إذنه لكونه يتولى مثله، إلا أن يجعل إليه بأن يأذن له في التوكيل أو يقول: اصنع ما شئت. ويصح توكيل عبد بإذنه. هنا مسألة وهي: هل للوكيل أن يوكل؟
الآن ما وكل صالح مثلا أن يبيع له سيارته، هل يأتي صالح ويقول لعبد الله: يا عبد الله بيع سيارة محمد؟ هل له ذلك؟ نقول: لا، تخلو هذه من أحوال.
الحالة الأولى: أن يصرح له، يعني يوكله ويقول: وكلتك في بيع سيارته ولك حق أن توكل من شئت، فهنا واضح أن له أن يوكل لأنه أذن له في التوكيل.
الحالة الثانية: أن يقول له: وكلتك في بيع سيارتي ولا إذن لك بتوكيل غيرك، فهنا لا يجوز له التوكيل. هاتان المسألتان بغير خلاف.
الحالة الثالثة: وهي محل الخلاف؛ إذا أطلق وكله ولم يقل له أبح لك التوكيل، ولم يقل له منعتك من التوكيل، فنقول هذه الحالة الثالثة في الإطلاق لها ثلاثة أحوال، أو نقول بوجه عام: الضابط في أنه ليس له التوكيل إلا إذا دلت القرينة على ذلك. فالأحوال هذه كلها إذا دلت القرينة جاز، وإذا لم تدل القرينة لم يجز.
أما أحوال القرينة فهي: أن يكون مما يرتفع الوكيل عن مثله، كالأعمال الدنيوية في حق أشراف الناس، لو وكل شخصاً أن ينظف عندي البيت، يعني نحن شارين عمارة جديدة أو شارين بيتاً جديداً ونحو ذلك، وأريد تنظيفه، فقلت: توكلتك يا فلان في تنظيف البيت، أنه يقصد بمن ينظفه، فهنا دلت القرينة على أنه يقصد أن يوكل.
الحالة الثانية: إذا كان مما يعجز عنه، يعني يكون مما يعمل بنفسه لكن يعجز عن عمله كله لكثرته، مثلاً أعطاه شيئاً كثيراً، كسلع كثيرة، قال: بعها خلال يوم، وهو يستطيع أن يبيعها وهو ممن يمتهن البيع، لكن لا يستطيع أن يبيعها كلها ويصرفها كلها خلال يوم، فهذا دليل على أنه أراد لك حق توكيل غيرك ينجز هذا البيع.
والحالة الثالثة: ما عدا ذلك، يعني يكون يعمله بنفسه وليس كثيراً، فهل له التوكيل أو لا؟ هذه هي التي قالها المؤلف رحمه الله تعالى: «وليس للوكيل أن يوكل فيما وكل فيه إذا كان يتولاه مثله ولم يعجزه». لماذا؟ قال: لأنه لم يأذن له في التوكيل، ولا تضمنه إذنه لكونه يتولى مثله. وهذه الرواية هي المشهورة نقلها ابن منصور وغيره لما ذكره المؤلف رحمه الله.
وهناك رواية أخرى في المذهب أنه يجوز للوكيل أن يوكل وإن لم يصرح له الوكيل بالتوكيل ما لم ينهه، لكن المشهور هو الأول. قال: «إلا أن يجعل إليه»، أي أن يأذن له في التوكيل، كما قلنا لكم إذا قال له: أذنت لك أن توكل، أو يقول له: اصنع ما شئت، خذ السيارة فبعها واصنع ما شئت، فمما يصنعه أن يوكل غيره.
ويصح توكيل العبد بإذن سيده عندنا، والأصل أنه لا يصلح له التوكيل لأنه مشكوك في خدمته لسيده، لكن لما كان المنع لحق سيده فأذن سيده، فنقول هنا زال المانع فيجوز ويصح توكيله. نعم، نقف على هذا، نسأل الله الجميع التوفيق والسداد.
يقول: هل يصح الإنابة في أفراد أعمال الحج وعمرة النافلة كالطواف أو الوقوف بعرفة أو التحلل؟ الفقهاء الحنابلة رحمه الله تعالى أطلقوا القول بأنه يصح النيابة في حج النافلة أو بعضه. هل إطلاقهم يدل على أنه ينوب عنه في كل فعل من أبعاضه أو لا؟ يعني هل يصح له في حج النافلة أو في عمرة النافلة وهو قادر أن ينيب غيره في الوقوف بعرفة أو ينيب غيره في طواف الإفاضة؟ هنا خلاف بين الحنابلة المتأخرين رحمهم الله تعالى.
وكونهم متفقون على أنه ينيبه في رمي الجمرات، وهي التي ورد بها النص، في غيرها كطواف الإفاضة مثلاً أو الوقوف في عرفة، حصل الخلاف بين المتأخرين. الشيخ السعدي رحمه الله تعالى يرى أن هذا خاص برمي الجمرات، وشهاب إبراهيم رحمه الله تعالى له فتوى تدل على أنه يرى أنه يجوز النيابة عنه في طواف الإفاضة، والله أعلم.
قال في إباحة الأكل هنا لا يعين الوكيل، إذا أباح الأكل هنا ليست من باب الوكالة، لكن هو الآن يقيس المسألة، قاسها على إباحة الأكل، والمسألة التي تقاس على إباحة الأكل هي توقيت الوكالة.
طيب، في سؤال عندكم: الطواف التطوع، الذي لا يرتبط بنسك، يقول: هل يصح الطواف التطوع عن شخص؟ يعني طواف مطلق ليس تابعاً لنسك، فهل يطوف عن شخص؟ نعم، هذا من باب إهداء الثواب، فيطوف وينوي ثوابه لفلان. الأصحاب رحمه الله تعالى ذكروه في كتاب الجزاء، وكل عمل فعله ثوابه لحي أو ميت نفعه ذلك، كل قربة فعلها وأهدى ثوابها لمسلم ميتاً أو حياً نفعه ذلك، الله أعلم.
صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان