دخولتسجيل الدخول

كتاب البيع 51 | باب المحجور عليه لحظه (2)

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا وعملًا صالحًا يا كريم.

أما بعد، فقد كنا قد توقفنا في تعليق على الروض المربع أثناء باب الحجر، وكنا قد شرعنا في أحكام المحجور عليه؛ من الصغير والمجنون والسفيه. فتكلمنا على بعض أحكامه، ووقفنا عند قول المؤلف رحمه الله تعالى: «ولا يتصرف لأحدهم وليه إلا بالأحظ».

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن تبعه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين. قال المصنف رحمه الله تعالى: «ولا يتصرف لأحدهم وليه إلا بالأحظ، ولا تقرب مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن، والسفيه والمجنون في معناه، ويتجر لولي المحجور عليه له مجانًا»، أي إذا اتجر ولي اليتيم في ماله كان الربح كله لليتيم؛ لأنه نماء ماله، فلا يستحقه غيره إلا بعقد، ولا يعقد الولي لنفسه، ولا يدفع ماله لمن يتجر فيه مضاربة بجزء معلوم من الربح للعامل.

ولأن الولي نائب عنه فيما فيه مصلحته، وله البيع، والنكاح، والقرض، والرهن، وإيداعه، وشراء العقار وبناؤه لمصلحته، وشراء الأضحية للموسر، وتركه في المكتب بأجره، ولا يبيع عقاره إلا لضرورة أو غبطة.

ذكر المؤلف هنا رحمه الله تعالى ضابطًا في التصرفات التي يتصرفها الولي في مال موليه، وأن الضابط فيها أنه يتصرف بما هو الأحظ بما فيه مصلحته. وهذه القاعدة في كل من تصرف لغيره، فإنه يخير تخيير مصلحة، أما من تصرف لنفسه فإن تخييره تخيير تشاهد.

مثلاً: شخص أراد أن يشتري سيارة، وجد سيارة مستعملة فيها بعض العيوب وقيمتها في السوق بـ 90 ألفًا، وعُرضت عليه بـ 100 ألف، وهو يعلم قيمتها وأن فيها عيوبًا، لكن هذه السيارة لصديقه مثلاً، وأراد أن يبر صديقه فيشتريها بالمبلغ الذي عرضها عليه الصديق، هنا لا بأس، تخييره هنا تخيير تشاهد؛ هو يريد أن ينظر مصلحته أو لا، وهذا راجع إليه. لكن لو أراد أن يشتري شيئًا لليتيم، يعني لمن تحت ولايته سواء كان صغيرًا أو مجنونًا أو سفيهًا، فهنا لا بد أن يتصرف له بالأحظ، فلا يتصرف له تصرف تشاهد وإنما يتخير تخيير مصلحة.

وكل ما ذكر هنا في غير الأب؛ فالأب لا يلزم بهذه المذكرات هنا، لأن الأب له ميزة من بين سائر الأولياء وهي تآلف الشفقة، يعني له ميزة وهي أن ما يملكه ابنه يمكنه أن يتملكه بشروطها التي ستأتي إن شاء الله في باب الهبة، فالأب له أن يتصرف في مال ابنه بغير الأحظ، أصلاً له أن يتملك من مال ابنه. فالتملك من مال ابنه أو تصرفه بغير الأحظ، كالتملك من مال ابنه.

وقولهم بالأحظ يعني بالأحظ له في أمور الدنيا، ولذلك استدلوا بالآية: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: 152]. يعني أحسن في أمور الدنيا، فلا يقول: سأتصدق من مال الصغير صدقة تطوع، من مال الصغير أو المجنون أو السفيه، نقول: لا، هذا قربان له بغير التي هي أحسن.

ولذلك نبهنا عليه من العرب؛ أن بعض الأولاد يريدون أن يبروا آباءهم وأمهاتهم، فتجد الأب أو الأم بدأ يفقد الذاكرة، فيريد الأبناء أن يبروهم فيبنون، فيصرفون مالًا لبناء مسجد أو حفر بئر أو نحو ذلك من مال أبيهم أو من مال أمهم، وليست من أموالهم الخاصة، فهذا ليس إشكالًا، هذا تبرع جرى عليه، لكن من مال أبيهم أو من مال أمهم فنقول: لا يجوز لهم هذا التصرف؛ لأن هذا ليس قربانًا له بالتي هي أحسن. فلا يجوز لهم إذًا أن يتبرعوا تبرع المستحب من مال موريد والدهم.

والدليل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: 152]. وهذا في الصغير، قال: «والسفيه هو المجنون في معناه»، وأيضًا في حديث: «لا ضرر ولا ضرار». وفي قربان مال المولى عليه بغير التي هي أحسن إضرار بماله، ولا يملكه الولي إن فعل شيئًا من ذلك.

فمن صرف الشيء من ماله بغير التي هي أحسن، أو زاد على النفقة عليهما؛ مثلاً ينفق عليه في أمر كمالي، أو على من تلزمه مؤنته بالمعروف، يضمن هذا الولي الذي قرب مال المولى عليه بغير التي هي أحسن، لأنه مفرط، فضمن كتصرفه في مال غيره.

هل يضمن المال كله أو يضمن القدر الزائد؟ عندنا مثلاً هذا القاصر، سواء كان مجنونًا، نفقته الشهرية 1000 ريال، فأنفق عليه مرة 1500 ريال، فأنفق 500 كما لا يحتاجها، فهل يضمن الـ 1500 كاملة أو يضمن الـ 500 الزائدة؟ يضمن ما كان فيه مفرطًا أو متعديًا، يضمن الزائد. يقول في المبدع: «يضمن القدر الزائد على الواجب لا مطلقًا».

قال: «ويتجر ولي المحجور عليه له مجانًا»، هذا من الأشياء. الآن القاعدة في التصرفات، سيذكر لك أمثلة من الأمثلة التي يجوز للولي فيها أن يتصرف في مال موليه، أنه له أن يتجر له بماله مجانًا، ما معنى مجانًا؟ ذكر لك المقصود بها؛ قال: أي إذا اتجر ولي اليتيم -هذه من باب المثال- أو ولي المجنون أو ولي السفيه في ماله، كان الربح كله لليتيم. يعني ما يأخذ مثلاً 500 ريال فيتاجر بها في إحدى التجارات المباحة، فبعد سنة وصلت إلى 5500 ريال.

لو اتجر به غيره، فغيره يقول: أنا سأتجر به لكن أريد جزءًا من الربح، هذه تسمى مضاربة، شركة مضاربة كما سيأتينا في الشركات إن شاء الله. هذا في غير الولي، لو اتجر له غير الولي يجوز أن يكون مضاربًا، لكن الولي قالوا: لا يتجر له مجانًا؛ لأنه نماء ماله.

فلا يستحقه غيره إلا بعقده، فلا يستحق شيئًا من الربح غير صاحب المال، وهو اليتيم هنا إلا بعقد المضاربة. والآن إذا أراد الولي أن يعقد مع اليتيم عقد مضاربة سيكون الولي هو المتولي، طرفا العقد سيكون هو الذي يعقد لنفسه. وإذا كان الولي سيعقد لنفسه فمن الذي سيحاسبه؟ إذا كان سيعقد مع غيره الولي سينظر في غيره فيحاسبه، فكذا كان الولي سيعقد لنفسه.

قالوا يتعذر أن يعقد لنفسه؛ لماذا؟ لأنه هنا سيكون متهماً في تصرفه فيه. ويدل على جواز الاتجار بمال اليتيم حديث: «من ولي يتيما له مال فليتجر له ولا يتركه حتى تأكله الصدقة». جاء هذا الحديث مرفوعاً من حديث عبد الله بن عمرو، وجاء موقوفاً على عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، والموقوف أصح.

وقالوا هذا على جواز الاتجار، على أنه لا يأخذ الولي من ربح مال اليتيم شيئاً كما ذكره المؤلف هنا، وأيضاً أن في ذلك حظاً لليتيم أن يكون الربح كله له لتكون نفقته من ربحه، فتكون النفقة على اليتيم من الربح فيكون رأس ماله باقياً، والنفقة ينفق عليه من ربحه، فلا يتضرر رأس ماله بالنفقة عليه كما يفعل البالغ في ماله.

ومن التنبيهات على هذا أن الولي لا يتجر لليتيم إلا في المواضع الآمنة لئلا يغدر بما به. وهناك قول آخر في المذهب أن الولي يستحق ربح المثل كغيره، كما لو اتجر له غيره، وهذا تخريج ذكره صاحب المغني واختاره الشيخ تقي الدين رحمه الله تعالى وقواه المرداوي في الإنصاف.

هنا الاتجار بمال اليتيم، هل هو واجب أو لا؟ هل هو واجب بمعنى لو أن الولي لم يتجر بمال اليتيم فإنه يأثم، أو نقول لا وهو ترك للأولى فتكون المتاجرة مستحبة؟ تقول الزركشي رحمه الله: "وظاهر كلام أبي محمد في المغني صريح أن ذلك على سبيل الجواز والندبية لا على سبيل الوجوب، إذ لا يجب على الولي أن يحصل له نفعاً، بل الواجب عليه ألا يضره".

الواجب عندنا في تصرفات الولي شيء واجب وشيء مستحب؛ الواجب عليه ألا يلحق الضرر باليتيم أو المحجور عليه، سواء كان يتيماً أو مجنوناً أو سفيهاً، هذا هو الواجب عليه. والواجب فيه شيء أكمل منه وهو أن يلحق له النفع، فالاتجار فيه النفع له، فنقول: المتاجرة إذاً مستحبة وليست بواجبة.

وعبر في المنتهى بقوله: «وله»، وكلمة «وله» محتملة للوجوب ومحتملة للجواز ومحتملة للاستحباب. يقول الخلوتي: "الظاهر أن مراده أنه لا يمتنع عليه شيء من ذلك فلا ينافي استحبابه المصرح به في كلام غيره". ويقول: "ما فيه قولان في المذهب"، يعني بعضهم يعبر بـ «وله إذاً مندوب»، وبعضهم مثل شيخ الإسلام رحمه الله صرح بالاستحباب، فقال: "فيه قولان في المذهب" لرفع توهم المنع؛ لأن البعض قد يقول: يمكن هذا ممنوع لأن التجارة قد يخسر بها اليتيم ماله، فلذلك نقول للولي لا تتجر به، وهذا لرفع توهم المنع، وهذا لا يعني أنه ليس مستحباً.

إذا اتجر به الولي يكون الربح كله لليتيم، أما إذا اتجر به غيره فقال: «وله دفع ماله لمن يتجر فيه مضاربة بجزء معلوم من الربح للعامل»، فيكون هذا أيضاً جائزاً، أي غير ممنوع، سواء كان جائزاً أو مستحباً. واستدل بأثر عائشة رضي الله عنها؛ لأن عائشة أبضعت مال محمد بن أبي بكر رضي الله تعالى عنه.

والأثر فيه تنبيه، فهو في عبد الرزاق وابن أبي شيبة وغيرهم، أنها أبضعت من القاسم بن محمد، وهو ابن محمد بن أبي بكر، فتكون عائشة عمتها، وقد أبضعت ماله. والتنبيه الثاني: ما معنى «أبضع»؟ سيأتينا في باب الشركات؛ هل الإبضاع هو المضاربة؟ أي أن يدفع شخص ماله لمن يتجر به ويكون الربح كله لصاحب المال مثل مسألتنا الأولى إذا اتجر به الولي.

كيف استدل المؤلف به على أن العامل يستحق جزءاً من الربح؟ عائشة أبضعت مال محمد بن أبي بكر. لعل في التقديم إشكال، فالموفق رحمه الله في المغني استدل به على أن الربح كله لليتيم فلا ينطبق معه، لكن الجماعة من الأصحاب استدلوا به على أن الربح جزء منه للعامل. فما وجه الدلالة هنا؟ هم أتوا به ليبينوا جواز أن يأخذ العامل -إذا كان غير ولي- جزءاً من الربح، ففسروا الإبضاع هنا بالمضاربة، فليس على بابه المذكور في باب الشركة.

وهنا تأخذ فائدة، وهي أنك لا تحمل الكلام المتقدمين -سواء كان آية أو حديثاً أو أثراً- على مصطلح الفقهاء الذين تأخروا عن عصر الرواية؛ فكون الإبضاع هذا خاصاً عندنا نحن الحنابلة، أي أننا نطلقه على من يدفع مالاً لمن يتجر به ويكون الربح كله لصاحب المال، هذا مصطلح صحيح، لكن هل ممكن أن يشمل غيره؟ نقول ممكن لكن هذا على خلاف ما اصطلح عليه الأصحاب، فلا تحمل النصوص عموماً على اصطلاح متأخر، وهذا نبه عليه شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله تعالى.

أرادوا أن يحملوا الحديث على أن المراد أحد حقوق الله تعالى، فمن ارتكب ما يوجب التعزير فإنه حقيقة أخل بحق من حقوق الله تعالى، فيدخل في هذا الحديث. وقالوا إنه لا يحمل الحديث على اصطلاح المتأخر في قصر الحد على العقوبة المقدرة شرعًا.

في حاشية ابن قاسم هنا في صفحة 192، قال: «ولاد في عمال يتجر في مضاربه جزء معلوم من الربح للعامل»، حاشا خمسة، قال: لعل المراد هنا المضاربة. طبعًا هذا الكلام موضع الصحيح بعد أثر عائشة؛ لأن الأصل أن يجعله هناك، وهو حديث أثر عائشة رضي الله عنها لأنها أضاعت مال محمد بن أبي بكر رضي الله عنه، فافترض يضع الرقم هنا ويقول: لعل المراد هنا بالأضلاع المضاربة. قال هنا: لتتجه الدلالة، بدلاً من قوله للمتجه، وهذا من كلام ابن فيروز في حاشيته.

قال في الاستدلال على جواز المضاربة بمال اليتيم: «لأن الولي نائب عنه فيما فيه مصلحته»، فينوب عنه في المضاربة به، وفي إعطاء جزء من الربح للعامل حسب ما يتفقان.

قال: وله البيع نَساءً، والأصل أن يبيع نقدًا لأن هذا هو الأحوط، لكن لو كان الأحوط بيعًا بالتأجيل فيبيع به طبعًا نقدًا لأنه سيضمن المال؛ فالتأجيل لن يضمن المال لكن سيكون أكثر في العادة، فبدلًا من أن يبيع السيارة نقدًا بـ 20,000 يبيعها مؤجلة بـ 30,000 مثلاً أو بـ 25,000 فهي أكثر، لكنها غير مضمونة. فلذلك قالوا له أن يبيع ذلك، خاصة إذا كان له الحق في ذلك، فإنه قد يكون أكثر ثمنًا وأنفع، لكن قالوا الأحوط له أن يحتاط له بأن يأخذ له رهنًا أو كفيلًا موثوقًا به يتحفظ الثمن به.

كذلك له أن يقرض برهن، وله القرض برهن، يقرض من مال اليتيم إذا كان طبعًا فيه مصلحة، مثلاً لو كان يقول: أنا أخشى إذا جعلت مال اليتيم أشتري به أشياء غير حاجية فينتهي مباشرة، فأقرضه للغير لكي يرده في وقت الحاجة إليه، وأنا لا أقصره على قرض اليتيم في البنك، إيداعه في البنك. وتكييف الحساب الجاري في البنك الآن أنه أن صاحب المال أقرض البنك، فهذا من الأمثلة المعاصرة لإقراض مال اليتيم.

وقوله: «برهن»، هذا هنا تبع الشارح البعوتي للموفق في المقنع في تقييد القرض أن يكون برهنًا، وإلا فالمشهور من المذهب جواز قرضه ولو لم يأخذ عليه رهنًا. وله إيداعه؛ لو كان الولي أراد أن يسافر مثلاً فيودعه عند غيره إذا لم يجد من يقرضه، فإذا وجد من يقرضه ووجد من يودعه فماذا يقدم؟

أحسنتم، إذا وجد من يقرضه ووجد من يودعه فيقدم القرض؛ لأن القرض مضمون على المال، لكن الوديعة إذا تلفت بتعدٍ تضمن. طيب، لو أودع مع إمكان القرض، فهل يضمن؟ لا يضمن، يقول الموفق: لو أودع مع إمكان القرض جاز ولا ضمان عليه؛ لأنه ربما رأى الإيداع أحظ له من القرض فلا يكون مفرطًا.

قال: وشراء العقار، له أن يشتري له عقارًا وبناءه لمصلحته، لأن الشراء مصلحة للمولى عليه فإنه يحصل منه الفضل ويبقى الأصل، يشتري له عقارًا يؤجره فيحصل منه الفضل الذي هو إيرادات العقار ويبقى الأصل، والغرض فيه أقل من التجارة لأن أصله محفوظ. ويجوز أن يبني له عقارًا لأنه في معنى الشراء، إلا أن يكون الشراء حظًا وهو ممكن فإنه يقدمه.

قال: وشراء الأضحية لموسر. طبعًا شراء العقار الآن في الوقت الحالي، إذا أراد أن يشتري أو يبيع الولي لموليه عقارًا لابد أن يكون عن طريق المحكمة، لأنه اشترط له نظامًا أن يكون عن طريق المحكمة لكي تتحقق المحكمة من وجود المصلحة في هذا الشراء أو في البيت.

قال: وشراء الأضحية لموسر، يعني لولي اليتيم أن يشتري لليتيم أضحية من ماله، وهذا نص عليه الإمام أحمد رحمه الله تعالى إذا كان له مال كثير لا يتبرع بشراء الأضحية، فيكون ذلك على وجه التوسعة في النفقة في هذا اليوم الذي هو يوم عيد ويوم فرح، وفيه جبر قلبه وتطيبه وإلحاقه بمن له أب، فينزل منزلة شراء الثياب الحسنة وشراء اللحم، لاسيما مع استحباب التوسعة في هذا اليوم وجري العادة به. وهذا محمول على ما إذا كان الطفل يعقل الأضحية ويفرح بها، أما إذا كان لا يهمه ذلك فنقول لا يشتري له أضحية، ويدخله معه في الأجر، يشركه معه في الأجر.

ولذلك جاء عن الإمام أحمد رحمه الله روايتان، رواية في أنه يشتري له الأضحية وكأنه لا يشتري له الأضحية، وجمع بينهما الموفق رحمه الله تعالى على أن الروايتين محمولتان على اختلاف حالين كما ذكرت قبل قليل؛ فإذا كان يعقل بها ويفرح بها ويتطلع لها فيشتري له من ماله أضحية تطيبًا لقلبه وجبرًا لخاطره، أما إذا كان لا يعقلها ولا يفرح بها ولا تهمه فهنا لا يشتري له أضحية من ماله.

وهذه الأضحية لا يتصدق بشيء منها، هذه مرت معنا في باب الأضاحي؛ ذكرنا هناك أنه يتصدق من مال الأضحية إلا إذا كانت الأضحية يتصدق منها، لماذا لا يتصدق منها؟ لأنه لا يحل الصدقة بشيء من ماله، هذا هو المشهور عند الأصحاب رحمه الله تعالى، والمرداوي في الإنصاف يقول: لو جاز الصدقة بما جرت العادة فيه إذا كان متوجهًا لاسيما وإن الصدقة هنا جاءت تبعًا للأضحية، هي ليست صدقة مستقلة إنما هي تابعة للأضحية، وأصل الأضحية هي تقرب وصدقة، أصل الأضحية صدقة تقرب إلى الله عز وجل بإراقة الدم.

قال: وتركه في المكتب بأجره، المكتب يعني أي مكان ثاني مثل المدرسة، وعندنا قديمًا كان يتركون في الكتاتيب ويعطون المعلم أجره، فهل يدفع الأجرة من مال اليتيم؟ هل هذا من قربانه التي هي أحسن؟ قل نعم؛ لأنه سينتفع منه، والصحيح أنه سيدفع من ماله لكن هذا يعود عليه بالفائدة العظيمة، فقالوا: لأن المكتب من مصالحه فجرى مجرى.

نفقته ولا يلزم إذن الحاكم. وحكي عن الإمام أحمد رحمه الله قول سفيان: «لا يسلم الوصي الصبي إلا بإذن الحاكم»، لا يسلمه للمكتب للتعليم إلا بإذن الحاكم، فإن أنكره الإمام أحمد رحمه الله تعالى قال: «ولا يبيع عقاره إلا لضرورة أو غبطة».

لا يبيع عقاره إلا لضرورة أو غبطة؛ اشترط أمرين، وذلك لأن في بيعه تفويتاً لحظهما، أنه كما قلنا يرد عليه أو يدخل منه إيرادات دورية اللي هي إيجارات نحو ذلك، فإذا باعه انقطعت عنه هذه الإيرادات؛ فلذلك قالوا لا يبيع عقاره إلا لضرورة كالحاجة للكسوة أو النفقة أو قضاء الدين ونحوه، أو غبطة؛ والغبطة بأن يأتي من يشتريه بأكثر من ثمن المثل مثلاً، ثمن مثله مليون وجاء من يشتريه مليون و1000 مثلاً، وبعضهم قيده بالثلث، قال بأكثر من ثمن مثله بالثلث، وهذا قيده به الموفق في المقنع متابعاً لأبي الخطاب رحمه الله تعالى.

واشتراط وجود الضرورة والغبطة في جواز بيع عقار القاصر هذا أحد القولين في المذهب، وهو الذي مشى عليه البهوتي هنا متابعاً للموفق في المقنع، والموفق تبع القاضي، وهو الذي عليه المتأخرون، واختاره الموفق في المغني أنه يشترط تحقق المصلحة ولا يشترط تحقق الغبطة.

ما الفرق بينهما؟ تحقق المصلحة وتحقق الغبطة؟ أحسنت. المصلحة يعني يكون في حظ لليتيم في بيعه لكن برأس ماله، لكن في حظ له؛ مثلاً اليتيم كان وليه كانوا ساكنين في الرياض وعندهم عقار يدر عليهم في الرياض، فسينتقل سكن الولي إلى مكة، فقال إذا أبقيت هذا هنا أحتاج إلى من يرعاه ونحو ذلك، وقد لا أجد القوي الأمين فسابيعه، ما وجد إلا برأس ماله فسابيعه وأشتري عقاراً في مكة لكي أكون قريباً منه، فهنا ليست ضرورة وليست غبطة لكن فيها مصلحة.

فعلى ما ذهب إليه المؤلف ما يجوز البيع لضرورة ولا غبطة، لكن على القول الثاني وهو المشهور من المذهب أنه يجوز البيع هنا لوجود المصلحة، وهو الذي عليه العمل في القضاء؛ أنه إذا وجدت مصلحة، سواء في الغبطة -بمعنى أكثر من ثمن المثل- أو تحققت المصلحة ولو كان برأس ماله ما دام فيه مصلحة لليتيم في البيع.

أي لا يلزم أن يكون في زيادة في المال، قد يكون المصلحة هنا يريد أن يكون قريباً منه، فهذه مصلحة. المعتمد لا يشترط الضرورة والغبطة، ما في إشكال، بس لو كان في مصلحة ولا في ضرورة ولا غبطة هذا الذي فيه الخلاف؛ فعندنا الذي اشترط الضرورة والغبطة القاضي، تبعه الموفق في المقنع، تبعهم البهوتي هنا.

والقول الثاني أنه لا يشترط وهو الذي اختاره الموفق في المغني، والشارح شيخ الإسلام والمرداوي أيضاً ذكر أن الصحيح من المذهب، وأيضاً عليه الإقناع والمنتهى؛ فيشترطون المصلحة.

طيب، أحسن عليكم. قال رحمه الله: «ويأكل الولي الفقير من مال موليه»؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 273]، الأقل الأقل من كفايته أو أجرة عمله، لأنه يستحق بالعمل والحاجة جميعاً، فلم يجز أن يأخذ إلا ما وجد فيه، فلا يجوز أن يأخذ مجاناً، فلا يلزمه عوضه إذا أيسر لأنه عوض عن عمله فهو فيه كالآجير والمضارب.

هنا يتكلم المؤلف رحمه الله تعالى عن أكل الولي من مال اليتيم، نلخصها ثم نذكر كلام المؤلف رحمه الله تعالى؛ نقول الولي لا يخلو من أن يكون أباً، أو حاكماً، أو أميناً، أو غيره. فإذا كان أباً فإنه يأكل مطلقاً سواء كان غنياً أو فقيراً، وإذا كان حاكماً أو أميناً فإنه لا يأكل مطلقاً. أما إذا كان ليس أباً ولا حاكماً ولا أميناً، فنقول لا يخلو من أن يكون قد فرض له الحاكم شيئاً أو لا، فإذا كان قد فرض له الحاكم شيئاً فإنه له أن يأكل غنياً أو فقيراً، وإن لم يكن قد فرض له شيئاً فيفرق في حاله؛ فإن كان غنياً فلا يجوز له أن يأكل، وإن كان فقيراً جاز له أن يأكل الأقل من كفايته وأجرته.

نعيدها؛ نقول لا يخلو الولي من ثلاثة أحوال: إما أن يكون أباً، أو حاكماً أو أميناً، أو غيرهما. الحالة الأولى: الأب له أن يأكل مطلقاً غنياً أو فقيراً لأن الأب له ما يولده ما شاء. الحالة الثانية: حاكماً أو أميناً فلا يأكل مطلقاً. الحالة الثالثة: غيرهما، لا أب ولا حاكم ولا أمين، فنقول لا يخلو من حالين: إما أن يفرض له الحاكم شيئاً فيأكل ما فرضه له الحاكم، مثلاً يقول الحاكم تولى مال اليتيم ولك 1000 ريال شهرياً من مال اليتيم، فهنا يأكل من ماله سواء كان غنياً أو فقيراً إذا فرض له الحاكم، أما إذا لم يفرض له الحاكم شيئاً فيفرق في حال الولي؛ إذا كان غنياً فلا يجوز له أن يأكل شيئاً، وإذا كان فقيراً فيجوز له أن يأكل بالمعروف، والمعروف فسر المؤلف أنه يكون على أقل من كفايته أو أجرته.

نرجع إلى كلام المؤلف رحمه الله تعالى؛ المؤلف رحمه الله تعالى ما تعرض للأب ولا الحاكم، كلامه هنا عن غير الأب والحاكم، تكلم عن الحالة الثالثة فقط، وذكر فقر التفريق بين الغني والفقير ولم يذكر ما إذا فرض له الحاكم، فيقول: «ويأكل الولي الفقير من مال موليه»؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾، فهذه الآية دلت على جواز أكل الولي الفقير من مال موليه.

طيب، أكله مقدر أو لا؟ يقول نعم مقدر بالمعروف، ما المعروف؟ يقول لك الأقل من كفايته وأجرة عمله. ننظر هذا الولي لو استؤجر له لليتيم من يرعاه، مثلاً أجرته مثليها 500 ريال، الولي مثلاً موظف عنده راتب لكن راتبه لا يكفيه، فيقول أنا يكفيني من مال اليتيم 200 ريال، فهنا هذه كفايته من مال اليتيم، وتلك أجرته مثله 500، وكفايته 200، كم يأخذ؟ 200، هذا الأقل. إذا كان العكس يكفيه، يعني اللي يكفيه 500 وأجرته 200، كم يأخذ؟ 200، الأقل. ولذلك قال الأقل من كفاية أو أجرة عمله؛ لماذا؟ قال لأنه الولي يستحق الأكل من مال وليه بالعمل والحاجة جميعاً؛ بالعمل لأنه ولي، والحاجة للآية: ﴿وَمَن كَانَ فَقِيرًا﴾.

فقيرا، فلم يجز أن يأخذ إلا ما وجد فيه، أي العمل والحاجة. طبعاً الدليل على أن الغني لا يأكل قوله تعالى: ﴿وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ [النساء: 6].

قلنا لكم إنه يجوز له أن يأكل غنيناً وفقيراً لأن له التملك من مال ولده والحاكم وأمينه؛ لا يجوز لهم الأكل من مال اليتيم شيئاً لأنهما يستغنيان عنه، وبأنهما لهما استحقاق في بيت المال. وقلنا لكم إذا فرض الحاكم لولي اليتيم شيئاً، طبعاً إذا كان غير الأب فما في إشكال سيأكل، لكن إذا كان غير الأب وفرض له شيئاً فإنه جاز له أن يأخذه مجاناً مع غناه من غير خلاف، كما قاله الحافظ ابن رجب رحمه الله في "القواعد" وأقره المروزي على ذلك.

قال: «مجاناً»، وفسر قوله مجاناً قال: «فلا يلزمه عوضه إذا أيسر». لو كان الولي كان فقيراً يوم كان ولياً على مال اليتيم، فكان يأخذ مثلاً كل شهر 500 ريال إلى أن بلغ اليتيم، وجمعوا ما أخذ الولي من حين توفي أبو اليتيم إلى أن بلغ اليتيم سن الرشد، وجدوا أن مقدار ما أخذ مثلاً 10000 ريال لما بلغ اليتيم سنه الرشد، وبعدها في خمس سنوات مثلاً حصل مال كثير وصار الولي غنياً؛ فهل يرجع اليتيم للولي ويقول: أنت أخذت من مالي، وأنت الآن صرت غنياً ارجع لما أخذت؟ يقول له: لا يلزمه عوضه إذا أيسر. لماذا؟ قال: لأنه عوض عن عمله، والله عز وجل أمر بالأكل من غير ذكر عوض، فأشبه سائر ما أمر بأكله.

فهو لأنه عوض عن عمله، فهو فيه كالآجير والمضارب، والآجير والمضارب لا يلزمهما عوض ما أخذا على عملهما. هل لو شخص ضارب لآخر وأخذ استحقاقه، ثم بعد سنوات جاء صاحب المال وقال: أنت أخذت من مال المضاربة ارجع لي؟ هنا أخذ عوضاً على عمله، وهكذا هذا أخذ عوضاً عن عمله فلا يرجع عليه اليتيم.

الآن سيتكلم عن مسائل الخلاف بين اليتيم والأمين الذي هو الولي عليه. أحسن الله عليكم، قال رحمه الله: «ويقبل قول الولي بيمينه والحاكم بغير يمين بعد فك الحجر في النفقة قدرها ما لم يخالف عادة وعرفاً، ولو قال أنفقت عليك منذ سنتين فقال الصبي: منذ سنة، قُدم قول الصبي لأن الأصل موافقته». قاله في "المبدع".

وقال: «ويقبل قول الولي أيضاً في وجود الضرورة والغبطة إذا باع عقاره، أو ادعاهما ثم أنكره، ويقبل قول الولي أيضاً في التلف وعدم التفريط؛ لأنه أمين والأصل براءته، ويقبل قوله أيضاً في دفع المال إليه بعد رشده لأنه أمين، وإن كان بجعل لم يقبل قوله في دفع المال؛ لأنه قبضه لنفعه كالمرتهن».

الولي على مال المحجور عليه يعتبر أميناً؛ بأنه قبض المال من غيره بإذن من الشارع أو إذن من المالك. والأمين يقبل قوله، سبق وذكرنا لكم قواعد في الأمناء: الأمين يقبل قوله في نفي التعدي والتفريط، وأيضاً الأمين لا يضمن إلا إذا تعدى أو فرط.

أما في الرد، فيقبل قوله إذا قبض المال لمصلحة مالكه، أما إذا قبض المال لمصلحته هو فلا يقبل قوله في الرد. المقترض هذا هو أمين. العارية هي العارية صحيح، لكن ترى الأصحاب لا يرون العارية من باب الأمانات، إنهم من الضمان. المرتهن حقيقة قبض العين لمصلحته معه.

المضارب قبض العين لمصلحته. أنا لا يحضرني، هي العارية صحيحة لكن ترى الأصحاب لا يرون المستعير أميناً، هم يمثلون بها لكنها لا ترونه بمعنى أنه يضمن مطلقاً.

قلنا إذا قبض العين لمصلحة نفسه فلا يقبل قوله في الرد، وإذا قبض العين بمصلحة مالكه فيقبل قوله في الرد مثل هنا الولي ومثل المودع، وإذا قبض العين لمصلحتهما ففيه قولان.

نقول من قبض العين؛ من قبض مال غيره بإذن من الشارع أو إذن من المالك فهو أمين، والأمين لا يضمن إلا إذا تعدى أو فرط. بالنسبة له يقبل قوله في التلف وفي أنه لم يتعدَّ ولم يفرط. وفي الرد، يفصل: إذا كان قبض العين لمصلحته هو فلا يقبل، وإذا كان قبض العين لمصلحة صاحبه فيقبل، وإذا كان قبض العين لمصلحتهما معاً ففيه خلاف في المذهب، طبعاً المشهور أنه لا يقبل إذا قبض لمصلحتهما معاً، وطبعاً القول قوله فإنه لا بد من يمين.

نرجع إلى كلام المؤلف يقول: «ويقبل قول الولي بيمينه والحاكم بغير يمين بعد فك الحجر في النفقة قدرها». لو قال اليتيم: أنا خلف لوالدي 100000 ريال وأنت لم تنفق علي شيئاً، والولي قال: أنفقت عليك، فمن يقبل قوله؟ قول الولي طبعاً بيمينه. قال: «إلا إذا كان الحاكم»، الحاكم لو كان الحاكم هو الذي تولى الإنفاق عليه فإن الحاكم لا يُطلب منه اليمين في النفقة وقدرها؛ لو قال أنفقت عليك مثلاً 50000 وبقي عندي 50000، قال اليتيم: لا ما أنفقت، يدعيها، فهنا اختلف الولي والقاصد بعد رشده في قدر النفقة، فيقبل قول الولي ما لم يخالف عادة أو عرفاً. فإن خالفه لم يقبل؛ لو كان مثلاً الأب توفي قبل أن يبلغ اليتيم سن الرشد بسنة وخلف له مثلاً 100 ألف ريال، فبعد سنة جاء اليتيم للولي وقال: أعطني المتبقي مما خلفه لوالدي، قال: فكل الـ 100 ألف في سنة، هذا طبعاً على حسب اختلاف البلدان، بعض البلدان يتوقع فيها 100000 في سنة، لكن لو كان في بلد مثلاً لا يحتاج اليتيم خلال السنة إلا 20000، فهنا نقول: قول الولي هنا خالف العادة فلا نقبله.

قال: «لو قال أنفقت عليك منذ سنتين فقال الصبي: منذ سنة، قُدم قول الصبي لأن الأصل موافقته». قاله في "المبدع". هنا الخلاف في ماذا؟ الخلاف تراه في زمن موت الأب؛ فالولي يقول: أبوك مات قبل سنتين وأنا لي سنتين أنفق عليك، قال: لا، أبي لم يمت إلا منذ سنة، فهنا السنة الثانية حصل فيها الخلاف، الولي يدعيها.

والطفل، يعني اليتيم الذي بلغ، ينكرها. إذا رجعنا للأصل، الأصل هل هو الحياة أم الموت؟ الأصل الحياة؛ الأصل أن الأب كان حيا إلى التاريخ المعين، فلذلك قال: «قدم قول الصبي»؛ لأن الأصل موافقة.

العبارة أوضح؛ هذه العبارة التي ذكرها هنا عبارة المبدع في المغني، يقول: «لو ادعى اليتيم أن أباه لم يمت إلا منذ سنة، قُدم قوله؛ لأن الأصل حياة والده، واختلافهما في أمر ليس الوصي أمينا فيه، فكان القول قول من يوافق قوله الأصل».

يقول الآن: اختلفوا في السنة الأولى مثلا؛ الآن عندنا عام ١٤٤٧هـ، الطفل يقول: والدي توفي في واحد محرم ١٤٤٦هـ، وهذا الولي كله من واحد محرم ١٤٤٥هـ، ومن ١٤٤٥هـ جالس أنفق عليه. افترضنا ما في شهود، ما في أوراق، ما في شيء؛ فهنا اختلفوا. الأصل أن حياة والده إلى التاريخ الذي ادعي موته، فعام ١٤٤٦هـ متفق عليه، الولي والطفل، واليتيم الذي بلغ، أن الأب توفي ما قبلها. الولي يدعي أنه توفي، والطفل يقول: لا لم يمت؛ فقدمنا قول الطفل لأن الأصل معه، وهو حياة والده. لماذا لم نقدم قول الولي؟ لأنه أمين، والأمين هنا حتى في بعض الأشياء مثل قوله إني أنفقت، هذا خلاف الأصل، لكن قدمنا أنه أمين. الأصل في الأشياء العدل، فلو قال أنفقت، وقال الطفل لما أنفقت عليه شيئا، قدمنا قول الأمين. هنا قدمنا قول الطفل ولم نقدم قول الولي، لأن هذه السنة الآن مختلف فيها: هل هو ولي أم لا؟ ما لو متفق أنه ولي، خلاص نقدم قول السنة الأولى العام ١٤٤٥هـ. لكن المختلف فيه: هل الأب توفي فصار هذا وليا فيكون أمينا؟ أم أن الأب حي، فهذا إلى الآن ما صار وليا ولا أمينا؟ فلم يقدم ولذلك يقول الموفق: «واختلافهما في أمر ليس الوصي أمينا فيه»، أي إلى الآن ما صار وصيا، فكان القول قول من يوافق قوله الأصل، وهو الطفل، أن الأصل حياة والده.

قال: «ويقبل قول الولي أيضا في وجود الضرورة أو الغبطة إذا باع عقاره»، فإذا كان عند اليتيم عقار فباعه الولي بوجود الضرورة أو الغبطة، فجاء اليتيم بعدما بلغ قال: لماذا تبيع عقاري؟ إذا لم تكن هناك ضرورة ولا غبطة، أو لم توجد مصلحة على ما ذكره المؤلف، أو لم تكن على ما هو مشروع المذهب، وباعه الولي، فإنه يضمن. فالقاصر يقول: «لما قررنا بعتها في مسد البيع فإنه يضمن». والولي قال: لا يوجد ضرورة أو يوجد غبطة في البيع؛ فهنا هل يقبل قول الولي أو قول الطفل؟ قال: يقدم قول الولي لأنه أمين.

أيضا في التلف، يقبل قول الولي في التلف وعدم التفريط؛ لأنه أمين، والأصل براءته. والفقهاء رحمهم الله تعالى يفرقون في التلف، يمكن ذكرناها سابقا، أنه إذا ادعي التلف بأمر ظاهر، فلا بد من إقامة البينة على هذا الأمر الظاهر. مثلا لو قال الولي هنا: أنا كنت مخبأ مالك في تجوري، عندي صندوق، واحترق وحصل حريق في البيت، وتعقى البيت كله، وذهب مالك؛ هنا نقول لابد، لأن الحريق أمر ظاهر، فنقول للولي: أحضر البينة على وجود التلف، على وجود السبب وهو الحريق، فإذا أحضر بينة قبلنا قوله، ولا نطلب منه بينة أخرى على أن المال موجود في الغرفة، لا نصدقه فيه، بل نطلب البينة على الأمر الظاهر، لأنه أمين والأصل براءته.

كذلك يقبل قوله أيضا في دفع المال إليه بعد رشده لأنه أمين، أشبه بالمودع. وفي هذه المسألة الأخيرة، بعض الأصحاب رحمهم الله تعالى يرون أنه لا يقبل من الولي إذا ادعى أنه دفع المال لليتيم بعد رشده، لا يقبل منه ذلك، لابد أن يقيم البينة؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَاشْهَدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: 48]، وهو إذا لم يشهد فقد فرط، وهذا قول في المذهب يميل إليه المرداوي رحمه الله تعالى. والمذهب أنه يقبل إذا كان الولي متبرعا، أما إذا كان الولي غير متبرع، كان ولي مقابل جعل، قال: «وإن كان بجعل لم يقبل قوله في دفع المال لأنه قبضه لنفعه»، كالمرتهن؛ المرتهن قبض المال لمنفعة نفسه، وطبعا حق المرتهن قبض المال لمنفعتهما معا، وهذا مثله، قبض المال لمنفعتهما: منفعة الصبي في حفظه، ومنفعته هو في الأجرة التي يحصل عليها. وقلنا إذا قبض مال لمنفعة هنا فإنه لا يقبل قوله في الرد إلا ببينة. والمقصود هنا في كل من قلنا يقبل قوله هو بدون بينة، فتطلب البينة من الطرف الآخر، تطلب البينة من اليتيم.

أحسن الله. قال رحمه الله: «ولولي مميز وسيده أن يأذن له في التجارة فينفك عنه الحجر في قدر ما أذن له فيه، وما استدان العبد لزم سيده أداؤه إن أذن له في استدانته ببيع أو قرض؛ لأنه غر الناس بمعاملته، وإن لم يكن استدان بإذن فما استدانه في رقبته يخير سيده بين بيعه وفدائه بالأقل من قيمته أو دينه، ولو أعتقه، وإن كانت العين باقية ردت لربها كاستداعه»، أي أخذه وديعة فيتلفها، فيتعلق ذلك كله برقبته ويخير سيده كما تقدم.

«ولا يتبرع المأذون له بدراهم ولا كسوة»، بل بأهداء مأكول وإعارة دابة وعمل دعوة بلا إسراف، ولغير المأذون له الصدقة من قوته بنحو الرغيف الذي لا يضره، وللمرأة الصدقة من بيت زوجها بذلك ما لم تضطرب العادة أو يكن بخيلا أو تشك في رضاه.

قال: «ولولي مميز وسيده»، أي سيد القن، «أن يأذن له في التجارة»، لأن عندنا المميز هذا لا يصح تصرفه إلا بإذن وليه فيما عدا المحرات، فإذا أذن له وليه في التجارة فيصح تصرفه، فيفك عنه الحجر في قدر ما أذن له. فإذا أذن له في التجارة في نوع معين من المبيعات، فيتقيد هذا التصرف بما أذن فيه، فلا يتعداه إلى غيره. فإن رأى سيده، أو رأى الولي موليه اليتيم يتصرف في غير ما أذن له، فهل يعتبر هذا إذنا وسكت؟ فهل يعتبر هذا إذنا أو لا؟ يعني مثلا أذن له في أن يبيع في محل الخضار.

هذا عنده محل خضار، وعنده مثلاً مطعم، وراه مرة يبيع في المطعم، سكت ما قالوا شيء، هل يعد هذا إذنا؟ سكوت في معرض الحاجة إلى البيان بيان؟ نعم، لابد أن يكون إذناً صريحاً؛ المذهب أنه لابد أن يكون إذناً صريحاً.

ذلك قالوا إن راه وليه يتجر فلم ينهه، يصير مأذوناً له، قالوا لأنه -هذا ذكره في المقنع وأيضاً في المنتهى قال- لأنه تصرف يفتقر إلى الإذن الصريح، فلم يقم السكوت مقامه، لا يصير. لكن ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أنه وإن لم يكن كإذن، إلا أنه يكون الولي هنا مغرراً بالناس بسكوته، فيكون ضامناً؛ بمعنى لو أن مثلاً القاصر تصرف تصرفاً فيه ضمان، فيتجه الضمان على الولي، لا يقول أنا ما أذنت له، نقول: وإن لم تأذن له لكنك سكت فتتحمل ذلك.

ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى الديون التي على العبد، وخلاصتها أن العبد إما أن يستدين ديناً من غيره بإذن، أو بدون إذنه. فإذا استدان بإذن، فإن الدين يتعلق بذمة السيد؛ لأن السيد غر الناس بمعاملته. أما إذا استدان بغير إذن سيده، فذكر المؤلف أن ما استدانه في رقبته، ومعنى في رقبته فسر بقوله: وخير سيده بين ثلاثة: إما أن يبيعه، وهذا ثمنه يسدد به الدين، أو يفديه بالأقل من قيمته، أو يسلمه لغيره، يعني إما أن يتولى بيعه أو يسلمه للداين.

قال: إن كانت العين باقية رُدت لربها؛ لأنه هنا صار العبد استدان بغير إذن سيده، فمثلاً لو استدان سيارة ووجدت السيارة، فنقول ما دام أن العبد بغير إذن سيده فهنا يبطل العقد وترجع السيارة إلى المالك. قال: كاستيداعه، أي أخذه وديعة فأتلفها فإنه تتعلق برقبته. قال: وأرش جنايته وقيمة متلفه فإنه يتعلق برقبته؛ يعني لو أنه جنى على غيره أو أنه أتلف مالاً لغيره، فإن هذا كله يتعلق برقبته، وكل ما قلنا يتعلق برقبته، فالسيد خير فيه بين ثلاثة أمور: إما بيعه، أو فداءه، أو تسليمه.

وخيار سيده كما تقدم. قال: ولا يتبرع المأذون له بدراهم ولا كسوة؛ يعني العبد المأذون له في التجارة يتقيد بالتجارة، فلا يتبرع بدراهم ولا يتبرع بكسوة؛ لأن ذلك ليس من التجارة ولا يحتاج إليه فيها. أشبه غير المأذون له، قال في المبدع: ظاهره ولو قل الدراهم التي يتبرع بها، قال: بل بإهداء مأكول وأشياء تابعة، يعني هذا كله جارٍ على العادة؛ يعني إذا مثلاً جاءه وجبة غداء فأكل منها شيئاً وأهدى لغيره فيصح، فنقول: هذا لابد أن يرجع لسيده لأن العادة جرت بذلك. وأعطيت دابة مثلاً، فإذا ركبها شخص أو جعله يركب، فهذا مما جرت العادة بالتسامح فيه.

وعمل دعوة بلا إسراف، يدعو أصحابه بلا إسراف، فهذا كله لا يحتاج فيه إلى إذن السيد؛ لأن هذا مما جرت العادة فيه، والنبي ﷺ كان يجيب دعوة المملوك. وتزوج أبو سعيد مولى أبي أسيد، فحضر دعوته أناس من أصحاب رسول الله ﷺ، منهم ابن مسعود وحذيفة وأبو ذر، وهو يومئذ عبد.

قال: ولغير المأذون له الصدقة من قوته؛ يعني هذا المأذون له قبل القليل الذي لم يؤذن له بالتجارة، له الصدقة من قوته بنحو رغيف، أن يتصدق بشيء يسير من قوته، هذا لا يلزم أن يسيء لسيِّده.

ثم تكلم عن المرأة ونفقتها من بيت زوجها، هل لها أن تنفق من مال زوجها الموجود في بيتها بدون إذنه أو لا؟ إذا أذن فما في إشكال، الكلام فيما إذا لم يأذن، فهل لها النفقة أو لا؟ يقول: نعم لها النفقة؛ لأن جرى العادة بذلك، ما لم تضطر. استثنى ثلاث أمور تضبط العادة؛ بمعنى عادة أهل البلد منهم المتسامح ومنهم غير المتسامح، فهنا نقول: لا بد أن تأخذ إذناً صريحاً من زوجها، أو أن لا يكون بخيلاً. فإذا كان بخيلاً، ولو كانت عادة أهل البلد السماح لزوجاتهم بالنفقة من أموالهم، فلا بد من إذنه ورضاه، أو تشك في رضاه، فهنا ليس لها النفقة.

أما إذا كانت العادة جارية بذلك، وزوجها ليس بخيلاً، وهي تعلم أنها لو قالت له سيفرح، فإنه لا يلزم أن تستأذنه؛ يعني مثلاً لو جاء فقير إلى البيت ويطلب شيئاً من الماء، فذهبت إلى المطبخ وأعطته شيئاً من الطعام الذي اشتراه زوجها ولم تستأذن زوجها بذلك، فإنه يجوز لها ذلك. وجاء فيه بعض الأحاديث مثل قوله ﷺ في حديث عائشة: «ما أنفقت المرأة من بيت زوجها غير مفسدة كان لها أجرها وله مثله بما كسب، ولها بما أنفقت». والخازن مثل ذلك من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ولم يذكر إذناً.

ولقول أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها للنبي ﷺ: «ليس لي شيء إلا ما أُدخل عليّ من الزبير، فهل عليّ جناح أن أتبرع؟» قال: «تبرعي ما استطعتِ ولا تَوْعِي فيوعي الله عليك». ولأن العادة السماح بذلك وطيب النفس، وجرى مجرى صريح الإذن، كما أن تقديم الطعام بين يديه للآكل قام مقام صريح الإذن في أكله. فلو منعها من ذلك وقال: لا تتصدقي بشيء ولا تتبرعي من مالي بقليل ولا كثير، لم يجوز ذلك؛ لأن المنع الصريح نفي للباب العرفي.

ويأخذ حكم الزوجة هنا من يكون في بيت الرجل ممن يقوم مقام امرأته، كجاريته وأخته وغلامه المتصرف في بيت سيده وطعامه؛ فإنه يجري مجرى الزوجة في ذلك لوجود المعنى. يعني لو أن الشيخ سائلًا جاء إلى السائق الذي يتصرف في بيته، فطلب شيئاً من الطعام، فأخرج له السائق شيئاً من الطعام الذي أخرجه الكفيل، يكون طعماً يسيراً، فلا بأس بذلك بالشروط التي ذُكرت هنا، أن تكون العادة جارية في ذلك، وأن لا يكون بخيلاً، وأن لا يشك في رضاه.

ونختم بقصة ذكرها الشيخان رحمه الله تعالى عن الصدقة من مال الزوج؛ يقول: إن كان الشخص بخيلاً لا يتصدق بشيء، فرأى مرة في منامه أن القيامة قد قامت، وأن الشمس قد دنت من رؤوس العباد، ورأى أشياء تظل الناس من الشمس، وهو...

لا يظله شيء أبدًا يتمنى أن يكون له شيء يظله، وبينما هو ينظر، إذا قد جاء ثوب فوق رأسه، ثوب فيه خروق فوق رأسه، فجأة صارت الشمس تدخل أشعتها من هذه الخروق، وكذلك جاءت تمرات وسدت هذه الخروق، فاستيقظ استقر، ما قص على زوجته، ففهمت زوجته المقصد، فقالت: إن هذه أثر الصدقة، وإنه جاءني مرة شخص يسأل، فبحثت ما وجدت عندك إلا الثياب فيها فروق، فأخذته ورحت للمطبخ وأخذت لي بعض التمرات فأعطيتها له، وهذه هي التي أظلتك.

فسبحان الله تأثر بذلك وحسنت حاله وبدأ يتصدق مما أعطاه الله، وهذا من يصدقه قول النبي ﷺ: «كل امرئ بائن تذل صدقته يوم القيامة». أسأل الله للجميع التوفيق والصلاح.

نعم، في سؤال يقول: لماذا نقول في الأمين لا بد أن يحلف اليمين، أليس هو مصدقًا؟ نقول: بلى هو مصدق، لكن عندنا في القضاء بينة أو يمين، فاليمين تكون مع من الأصل معه؛ يعني إذا جاء شخص يدعي على الآخر أنه أقرضه، الأصل عدم الإقراض، هذا ينكر، فنقول لهذا: ائت ببينة، ما عنده بينة، نقول له: احلف اليمين. فاليمين تقوي جانب من كان الأصل معه، تقوي جانب من كان الأصل معه، طبعًا الأصل أو الظاهر على اختلاف الأحوال.

فهنا الأمين ليس الأصل معه، الظاهر أنه صادق، فاحتمال أنه مثلا فرط أو خان أو نحو ذلك، فنرفع هذا الاحتمال بتحليفه. فكل من قلنا القول قوله فلا بد من يمينه، وإنما يعتبر قوله متى نلجأ إلى القول؟ إذا كان ما في بينات. إذا كان في بينات، ننظر في البينات. البينة تطلب من خصم الأمين، الأمين لا تطلب منه البينة، يعني لو قال: أنا رددت لك، هل نقول أين البينة؟ نقول: لا، يقبل منه، لكن هذا لو عنده بينة أن هذا لم يرد المال يحذر.

بص، هل قد يكون حتى المرضاوي مع اليهوت مع الفتوعي والحجا يكون لأنه لخص الكتاب أو شرح مختصر المقر صراح الزائد مختصر المقر، وقد يكون تبعه لهذا، والله على كل شيء وكيل. الروض هو السابق على المنتهى، اسمه في الكشاف وشرح المنتهى، فربما كان هذا رأيه أولًا ثم رجع، هذا الذي أعرفه أنه مشى على ما في الإقناع والمنطق ولم يخالف. ولا شك أن إذا كان برهن فهو أحق، لكن الكلام هل يشترط أو لا؟ نعم معلوم.

يقصد معلوم غير مجهول، غير مجهول، أما كونه معينًا أو مشاعًا فلا، لم يقصد ذلك، هم أحيانًا لا يستقصون الشروط خاصة إذا ذكرت المسألة في غير مظلمة.

هنا يقول إن الشيخين رحمه الله قال: "ألحظ في الأمور الدينية والدنيوية"، يقصد يتبرع الولي لليتيم فيما هو لا حق له، نحن قلنا في الأمور الدنيوية. ويقول الشيخين قال له في الدنيا الدنيوية، على عِلّة لعل يأتي بكلام الشيخ ليتبين مقصوده، حتى الشيخ يقول: لا يتبرع من ماليتي رحمه الله، يعني لا يخالف الشيخ في تبرع مالي ونحوه، لكن لعله لعل السائل يرجع إلى كلام الشيخ ليتبين مقصوده بذلك.

هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.