بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا وعملًا صالحًا يا كريم.
أما بعد؛ فنحمد الله عز وجل على ما به من عودة هذا اللقاء بعد الانقطاع للإجازة الصيفية وقبلها إجازة الحج، وأسأل الله أن يوفقنا جميعًا للعلم النافع والعمل الصالح، ونسأله سبحانه ألا يمنعنا عن العلم بمانع، ولا يعوقنا عنه بعائق، وأن يرسخ العلم في قلوبنا.
والوصية المبذولة لي ولكم هي تقوى الله عز وجل، وهي وصية الله للأولين والآخرين: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾. والنبي ﷺ أمره الله عز وجل في كتابه بالتقوى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾.
ومن تقوى الله عز وجل في طلب العلم أن يطلبه على الوجه النافع له وللناس، فينفع نفسه بالعلم الذي تعلمه بأن يتعلم العلم على أصوله، ولا يقفز بكبار العلم قبل صغارها. لأن هناك من الناس من محب العلم إذا سمع عن عالم يحفظ القرآن ويحفظ جملة كبيرة من الأحاديث ومن المتون من متون أهل العلم، وإذا تكلم تكلم بلغة علمية وعنده حافظة قوية ونحو ذلك، يقول: أنا أريد أن أكون مثله.
فإذا سئل: كيف أكون متوسعًا في الفقه؟ فيقال له مثلاً من موسوعات كتب الفقه: «المغني»، فيقول: إذاً سأذهب للمغني وأدع ما سواه. فهو هنا قفز إلى النهاية، فلا بد أن يتدرج من البداية. لو قرأ في المغني أو قرأ في المجموع أو قرأ في الإنصاف أو نحوها، سيجد مصطلحات كثيرة لا يعرف المقصود بها، وسيجدهم مثلاً في كتب الخلاف العالي، وكذلك كتب الخلاف النازل التي على قول مذهب واحد يستعملون القواعد الفقهية، ويستعملون المسائل الأصولية، ويستعملون قواعد الترجيح في المسائل. وهو خلو الذهن من هذه المسائل كلها، فلذلك لن يستفيد من ذلك أبداً.
متى يصل إلى هذه المرحلة؟ نقول: لا بد أن تترقى، أن تتعلم صغار العلم قبل كبارها؛ تبدأ بصغار المتون في كل فن تريد أن تتعلمه، ثم تترقى من الصغار إلى الكبار. قد يقول قائل: نحن نتعلم الفقه، نريد أن نتعلمه كما تعلمه الصحابة، من أين تعلموا الفقه؟ من النبي ﷺ، ومن القرآن. إذاً يقول: أنا سأذهب إلى القرآن والسنة، ولن أتعلم في زاد المستقنع أو الروض المربع أو دليل الطالب أو نحوها، سأذهب إلى هذه الكتب التي تقولون أنتم الروض وغيرها، هذه تأخذ من الكتاب والسنة مباشرة، سأتعلم في القرآن وفي السنة هذه المسائل الفقهية.
فنقول: لا شك أن الكتاب والسنة هما أصل الأصول ومنهما تستمد العلوم، لكن الصحابة رضي الله تعالى عنهم عندهم آلة علمية فطرية؛ فاللغة العربية في فطرهم، ومسائل الأصول والترجيحات وقرائن الترجيح عندهم، تجدهم يستعملونها في بعض المسائل إذا وجدت محاجة بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم، تجدهم يستعملون هذه القواعد الأصولية التي اصطلح عليها لاحقًا، لكنها هي عندهم. فعندهم الآلة التي يستطيعون بها استنباط الأحكام من الكتاب والسنة. أما نحن فليس عندنا الآلة، فلا بد أن نتعلم الآلة التي نستطيع بها استنباط الأحكام من نصوص الكتاب والسنة.
والفقهاء رحمهم الله تعالى، سواء الفقهاء أو المفسرون أو المحدثون أو غيرهم، وضعوا لنا سلماً نتدرج به لكي نصل إلى ما وصل إليه الأسلاف رحمهم الله تعالى، فلا بد أن نسير على هذه السنة. أما كوننا نذهب إلى الكتاب والسنة مباشرة، فهذه دعوة قد تكون صحيحة في ظاهرها لكنها صعبة التطبيق على الوجه الصحيح؛ هذه توجه لمن لديه آلة الاستنباط والفهم من نصوص الكتاب والسنة، أما من ليس لديه ذلك، فإننا إذا دللناه على نصوص الكتاب والسنة مباشرة وهو ليس لديه علم، فسيضر أكثر مما ينفع.
أذكر أحد الشيوخ، الشيخ عبد الكريم الخضير وفقه الله وحفظه، يذكر أن شخصاً كبيراً في السن كان يجبر بناته على تزويجهن بمن لا يرضين، فقيل له: يا فلان لا يجوز، لأن لك أن تجبرها على الزواج بمن لا ترضى، لا بد أن تستأذنها. فقال: أنا أجبرها، لأن الله عز وجل يقول: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَمَن يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: 33]. فكان فهمه: «ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم»، فظن أنه يريد المغفرة والرحمة. وهذا جاء من سوء الفهم، فلذلك أحياناً يؤتى الإنسان من سوء فهمه؛ لأنه ليس عنده الآلية. فلا بد أن يكون عند الإنسان آلية للتعلم، فيترقى من صغار العلم إلى أن يصل إلى كبارها.
وأسأل الله للجميع التوفيق والسداد. وقفنا في التعليق على الروض المربع على باب الحجر، توقفنا عند القسم الثاني من الحجر وهو المحجور عليه؛ لحظة، القسم الأول هو المحجور عليه لغيره.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وبعد، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين. قال المصنف رحمه الله تعالى: «فصل: في المحجور عليه لحظة، ويحجر على السفيه والصغير والمجنون لحظهم؛ إذ المصلحة تعود عليهم، بخلاف المفلس والحجر عليهم عام في ذممهم ومالهم ولا يحتاج لحاكم، فلا يصح تصرفهم قبل الإذن».
الفصل: أصل في المحجور عليه لحظة، وهو الصغير والمجنون والسفيه، قال: يحجر على السفيه والصغير والمجنون لحظهم، إذ المصلحة تعود عليهم، بخلاف المفلس. الأصل في الحجر على هؤلاء قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: 5]. قال سعيد بن جبير وعكرمة: هو مال اليتيم؛ عندك لا تؤته إياه وأنفق عليه، وإنما أضاف الله عز وجل المال إلى الأولياء، قال: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ ولم يقل أموالهم، وإنما أضاف الله الأموال إلى الأولياء وهي لغيرهم لأنهم قوامها ومدبروها. وأيضاً مما يدل على أنه اليتيم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: 6]، فهذا دل بمفهومه.
في المخالفة على أنه لا يدفع إليه ماله حتى يؤنس منه الرشد، وأيضًا قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ﴾. وإذا ثبت الحجر على هذين، السفيه والصغير، ثبت على المجنون بطريق التنبيه.
قال: المصلحة تعود عليه بخلاف المفلس؛ المفلس حجر عليه لأجل غيره، والمصلحة تعود إلى غيره. قال: والحجر عليهم عام في ذممهم وأموالهم. وهذا فرق بين الحجر على الصغير والمجنون والسفيه، الذي هو الحجر لنفسه، والحجر للغير؛ فالمحجور عليه للغير وهو المفلس، الحجر عليه في ماله فقط دون ذمته كما تقدم معنا.
فالحجر عليهم في مالهم وذمتهم، وسياتينا بعد قليل تمثيل على الحجر في الذمة. قال: ولا يحتاج لحاكم، وهذا فرق ثاني؛ الحجر على المفلس فيه حكم حاكم على المشهور من المذهب، وأما الحجر على الصغير والمجنون فهذا لا يحتاج لحكم. وطبعًا الحجر على السفيه فيه خلاف المذهب، هل يحتاج لحكم حاكم أو لا، وحتى على الصغير، لكن المشهور في المذهب في الصغير أنه لا يحتاج لحكم حاكم.
إذًا هذان فرقان؛ الفرق الأول أن الحجر عليهم عام في ذممهم وأموالهم، والفرق الثاني أن الحجر عليهم لا يحتاج إلى حكم حاكم، وقلنا لكم هذا للصغير والمجنون، أما السفيه فسياتي أنه لا بد من حكم حاكم.
قال: فلا يصح تصرفهم قبل الإذن؛ لا يصح تصرفهم قبل الإذن، وهذا في الصغير غير السفيه، أما المجنون فوجود الإذن فيه كعدمه. فلا يصح تصرفهم قبل الإذن، إذًا هذا في الصغير والسفيه، فإذا أذن الولي للصغير في التصرف فإنه يصح تصرفه كما تقدم معنا في شروط البيع؛ من شروط البيع أن يكون العاقدان جائزي التصرف، فلا يصح تصرف الصغير إلا إذا أذن له وليه، طبعًا أذن الولي إذا أذن له وليه أو كان في المحقرات، كما لو اشترى الخبز بريال أو نحو ذلك، فهذا لا يحتاج إلى إذن ولي، لكن فيما عدا المحقرات، وإذا لم يكن للاختبار فإنه لا بد من إذن الولي.
وإذن الولي مقيد بالمصلحة، فلا يجوز للولي أن يأذن له بشيء فيه ضرر عليه، مثل لو قال له وليه: اذهب اشترِ سيارة، لا يجوز للولي أن يأذن للصغير أن يشتري سيارة؛ لأن هذا لا مصلحة للطفل فيه، لأن المخاطرة فيه كبيرة جدًا.
السلام عليكم. قال رحمه الله: «ومن أعطاهم ماله بيعًا أو قرضًا أو وديعة ونحوها، رجع بعينه إن بقي؛ لأنه ماله، وإن تلف في أيديهم أو أتلفوه لم يضمنوا؛ لأنه سلطهم عليه برضاه، علم بالحجر أو لا، لتفريطه. ويلزمهم أرش الجناية إن جنوا؛ لأنه لا تفريط من المجني عليه، والإتلاف يستوي فيه الأهل وغيره. ويلزمهم أيضًا ضمان مال من لم يدفع به إليهم؛ لأنه لا تفريط من المالك، والإتلاف يستوي فيه الأهل وغيره».
قال: ومن أعطاهم ماله، هنا يتكلم عن التصرفات التي تصدر من الصغير ومن في حكمه، هل تضمن أو لا؟ من أعطاهم ماله بيعًا، باع على الصغير مثلاً، غير المأذون له، باع عليه مثلاً كتابًا بـ ٥٠ ريالًا، هل البيع صحيح؟ الصغير الآن لم يؤذن له، هل البيع صحيح؟ لا، فقد فَقَدَ شرطًا من شروط صحة البيع وهو جواز التصرف.
طيب، «من أعطاهم ماله بيعًا»، قال لك: «رجع بعينه»، طبعًا سيمثل على القرض والوديعة؛ «رجع بعينه إن بقي؛ لأنه الآن أعطيته وما سدد لك المبلغ إلى الآن، هل تطالبه بالمبلغ؟ لا، ترجع بعين مالك إن بقي؛ لماذا؟ لأن هذا مالك وليس ماله لأن البيع غير صحيح».
قال: «وإن تلف في أيديهم وأتلفوه لم يضمن»، لو مثلاً أخذ هذا الكتاب ومزقه، أنت بعت عليه هذا الكتاب، ووالده لم يأذن له بالشراء، وكان هذا الكتاب ليس من المحقرات، ليس بريال أو ريالين، بل بـ ٥٠ أو ١٠٠، فجاء وأتلفه، فهنا نقول: هل يضمن الصغير؟ هل يضمن وليه؟ يضمن الصغير؛ لماذا؟ لأنك أنت الذي أعطيته، أنت الذي سلطته عليك بالضبط. طيب، هل يضمن المبلغ؟ الصغير لا يضمن المبلغ؛ لماذا؟ لأن البيع غير صحيح وهو سلط عليه برضه. هل يضمن الولي؟ لا يضمن الولي؛ لماذا؟ لأن الولي لم يأذن، فهو لا تفريط من الولي، والتفريط من البائع هنا.
هذا مثال على البيع، قال: «أو قرضًا»، جاء الصبي إلى شخص وقال: أريد أن أسافر مع أهلي إلى مكة، أريد ١٠٠٠ ريال لأشتري بها أغراضًا في مكة، جاء إلى شخص فأعطاه هذا الشخص ١٠٠٠ ريال بدون إذن الولي، هنا نقول: هل يصح هذا الاقتراض؟ غير صحيح، بمعنى أنه لا يثبت في ذمة الصغير شيء، وهذا من معنى قولهم: الحجر عليهم عام في ذممهم وأموالهم؛ لا يثبت في ذمة الصغير شيء، وفي ذمة والده لا يثبت شيء لأن الولد لم يأذن.
ما الذي يترتب للمقرض؟ نقول: إذا وجدت مالك الذي هو ١٠٠٠ ريال عند الصغير فخذه، ما وجدت مالك بذرها واشترى فيها أشياء، فقد ذهبت عليك لأنك سلطته على هذا المال برضاك.
أيضًا الوديعة، أودعت هذا الصغير شيئًا، فنقول: الإيداع غير صحيح، بمعنى أن الصغير ليس مأمورًا بأن يحفظ، فلو تلف سواء تلف بتعديه وتفريطه أو بغير تعدٍ وتفريط، نقول لا يضمن مطلقًا؛ لأنه أمين، لكن إذا تلف بتعدي الصغير أو تفريطه فلا يضمن؛ لماذا؟ لأن عقد الإيداع هذا غير صحيح، وأنت أيها المودع سلطت الصغير على هذه العين، فإذا تلف فلا يثبت في ذمته شيء ولا يثبت في ذمة وليه؛ لأنه لم يأذن في ذلك.
قال: «علم بالحجر أو لا»، إذا كان عالمًا بالحجر، فلا إشكال في أن الصغير والمجنون والسفيه لا يضمن، لكن إذا كان غير عالم بالحجر فيقول لا يضمن؛ لأن هذا في مظنته. أما الصغير فواضح، يتضح غالبًا أنه غير رشيد، والمجنون يتضح من تصرفاته، بقينا في السفيه، هل السفيه يتضح؟ هل إذا رأيته تعلم أنه سفيه؟ لا، السفيه رجل عاقل، بل تجده بادر بالصلوات.
مرت علينا قضية قبل فترة، الشيخ توفي رحمه الله، أولاده يقولون إن أبوهم الذي اشترى منه العقار...
الذي اشترى منه العقار، أولاده جاؤوا يطالبون برد العقار الذي باعه والدهم على هذا الشخص، ويقول إنني اشتريت العقار عام 1435هـ تقريبًا، وأنه في السنوات التي بعدها كان لديه حساب في تويتر يستقبل فيه استشارات الناس، وهو طبيب واستقبل استشارات الناس، وخرج في الإذاعة وفي إحدى القنوات عدة مرات في مقابلات، وتكلم كلام العاقل.
حقيقة ما فيه تلازم بين هذا وهذا، فقد يكون كلامه كلام عاقل وفاهم، لكن تصرفاته المالية قد تكون تصرفات سفيه، فاقصد أن الشخص قد لا يبين عليه السفاهة، ولا يُعرف أنه سفيه إلا من عمله، فإذا عمل مرة ومرتين وجلس معه نحو ذلك، يتبين له أنه سفيه. ولذلك في السفيه قول آخر في المذهب؛ وهو أن السفيه يضمن.
السفيه يضمن إذا كان هذا الشخص غير عالم بذلك، لا يُعرف من تصرف واحد أو تصرفين، لذلك سيأتينا أن السفيه أصلاً اشترطوا في أن يحجر عليه الحاكم، لأن التبذل يختلف، فإذا كان مبذرًا، وضابط التبذير يختلف، فلذلك احتجوا إلى حكم الحاكم بخلاف الصغير والمجنون، فأمرهم واضح.
ولذلك هناك قول آخر في المذهب أن التصرف مع السفيه هنا كالرشيد، وهذا الذي صوبه المرداوي رحمه الله في الإنصاف والتصحيح، صوب أن السفيه كالرشيد في الضمان. لكن سيأتينا إن شاء الله أن الصغير إذا ناهز البلوغ يختبر، لكن يختبر بما يليق به كما سيأتي إن شاء الله، فيُفوض إليه بعض التصرفات، هذا سيأتينا، لكنه ما زال محجورًا عليه بمعنى أنه لا يتصرف تصرفًا مطلقًا، إنما يتصرف بما يختبر به.
إذن، لا يلزمهم التصرفات، ولا يلزم الصغير والمجنون والسفيه ما يترتب على العقود من بيع أو قرض أو وديعة ونحوها. هذا الأمر الأول، والتصرف الثاني: أرْش الجناية؛ قال: ويلزمهم أرْش الجناية إن جنوا؛ لأنه لا تفريط من المجني عليه. جاء الصغير مثلًا ورمى حجرًا على سيارة شخص فكسر الزجاج، هل نقول ما عليه شيء؟ لا، هنا يلزمه أرْش الجناية، هنا أرْش جناية على المال، وأرْش جناية على البدن؛ لو أنه تطارح شخص، صبي وآخر، فانكسر عظم الساق لأحد الصبيين، فالصبي المتسبب هنا يلزمه الأرش، لا نقول صغير وما يلزمه شيء، يلزمه الأرش.
قال: لأنه لا تفريط من المجني عليه، والإتلاف يستوي فيه الأهل وغيرهم. الإتلاف يستوي فيه الأهل وغيرهم؛ لأن الإتلاف في أصول الفقه يُعبر عنه بأنه من الأحكام الوضعية، فالإتلاف ضمان بسبب، والسبب هذا حكم وضعي، والحكم الوضعي لا ننظر فيه إلى التكليف وغيره.
الأمر الثالث من التصرفات: الصبي والمجنون؛ قال: يلزمهم ضمان مال من لم يدفعه إليهم؛ لأنه لا تفريط من المالك، والإتلاف يستوي فيه الأهل وغيرهم. يعني لو أن صغيرًا أخذ كتاب شخص فجلس يتصفحه وفتح أوراقه بقوة فتمزقت بعض الورقات، أو مثلًا وهو يسير به سقط في ماء فتلف هذا الكتاب، فهل هذا المال مضمون على الصغير؟ أو نقول هو مثل الوديعة والعارية لا تضمن؟ لا، الوديعة والعارية المالك هو الذي سلط الصغير عليها، أما هنا فالمالك ما سلط الصغير عليه، الصغير هو الذي أخذه، والذي أخذه فيضمنه. قالوا: يلزمهم ضمان مال من لم يدفعه إليهم؛ لأنه لا تفريط من المالك، والإتلاف يستوي فيه الأهل وغيرهم. فإذا كان هناك تفريط من المالك بأن سلط المحجور عليه على هذا المال فإنه يضمن، أما إذا سلطه فإن الصغير لا يضمن، إنما الضمان يكون على المالك.
الآن سيتكلم عن متى يُحكم على الصغير بأنه بلغ. علامات البلوغ التي تمر علينا في العبادات: بالغ، عاقل. متى نعرف أن هذا الشخص بالغ أو لا؟ يذكرونه هنا، وهذا مظنة ذكره في باب الحج.
أحسن الله عليكم، قال رحمه الله: «وإن تم للصغير ١٥ سنة حكم ببلوغه»، لما روى ابن عمر رضي الله عنهما قال: «عرضت على النبي ﷺ يوم أحد وأنا ابن ١٤ سنة فلم يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن ١٥ سنة فأجازني» [متفق عليه]. أو أنبت حول أو نبت قبله شعر خشن حكم ببلوغه؛ لأن سعد بن معاذ رضي الله عنه لما حكم في بني قريضة بقتلهم وسبي غيرهم، أمر أن يكشف عن مآزرهم، فمن أنبت فهو في المقاتلة، ومن لم ينبت فهو من الذرية، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: «لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة أرقعة» [متفق عليه].
أو أنزل حكم ببلوغه لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: ٥٩]. أو عقل مجنون ورشد سفيه، زال حجرهم لزوال علته؛ قال تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]، بلا قضاء حاكم؛ لأنه ثبت بغير حكمه فزال لزوال موجبه بغير حكمه.
وتزيد الجارية على الذكر في البلوغ بالحيض؛ لقول النبي ﷺ: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» [رواه الترمذي وحسنه]. وإن حملت الجارية حكم ببلوغها عند الحمل؛ لأنه دليل إنذارها، لأن الله تعالى أجرى العادة بخلق الولد من مائهما، فإذا ولدت حكم ببلوغها من ستة أشهر؛ لأنه اليقين. ولا ينفك الحجر عنهم قبل شروطه السابقة بحال، ولو صار شيخًا.
هنا ذكر علامات البلوغ وهي معروفة وهي ثلاثة: الأول تمام ١٥ سنة، قال: «وإن تم لصغير ١٥ سنة حكم ببلوغه»، لما روى ابن عمر قال: «عرضت على النبي ﷺ يوم أحد وأنا ابن ١٤ سنة فلم يجزني، فعدت عليه يوم الخندق وأنا ابن ١٥ سنة فأجازني» [متفق عليه]. وجاء في رواية أنه قال: «عرضت على النبي ﷺ يوم أحد وأنا ابن ١٤ سنة فردني، ولم يرني بلغت، ويوم الخندق قال: فأجازني»، وجاء في بعض الروايات: «رآني بلغت». فأخبر بهذا عمر بن عبد العزيز رحمه الله في ولايته، فكتب إلى عماله: «ألا تفرضوا إلا لمن بلغ ١٥ سنة».
طيب، الآن قال: عرضت على النبي ﷺ يوم أحد ١٤ سنة، يوم أحد متى كانت؟ الخميس، والخندق متى؟ الخميس. طيب، كيف يكون بين سنتين؟
وهو يقول: «يوم أحد وأنا ابن 14 سنة، ويوم الخندق وأنا ابن 15 سنة»، فكيف؟ في آخر الثالثة والخندق في أول الخامسة، والأحد في آخر الثالث، ظنها بشوء، لكن الخندق في شوال. كيف تم له ما تم له خمس؟ ويوم الأحد قال ابن 14 سنة، لكن تعبيرك هو، والمقصود هذا ذكره في «المبدع»: فإن قلت: بين أحد والخندق سنتان، فالجواب أن عمره يوم أحد كان في أول 14، يعني تم له 13 سنة ودخل في الـ 14 بعشر. ويوم الخندق عند استكمال 15 سنة، استكمل 15 سنة، يعني كأنه يوم الأحد 13 سنة دخل في الرابعة عشرة، أما يوم الخندق فتم له 15 سنة. وهناك أجوبة أخرى، من الأجوبة بعضهم قال إن الخندق كانت في السنة الرابعة، ومنهم من قال إن يوم الخندق أجيز لقوة جسمه لا لكونه بلاغ، لكن هذا يعارضه الرواية الأخرى: «فإني قد بلغت».
هذا الأول، الثاني: إذا نبت قبله شعر خشن، هذا مفهومه أنه إذا كان شعرا ناعما فإنه لا عبرة به، لأنه قال ينبت، لأنهم قالوا إنه ينبت في حق الصغير، فلا بد أن يكون شعرا خشنا نبت القبل، واستدل بما وقع في حادثة بني قريظة، أن سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه لما حكم في بني قريظة، طبعاً بنو قريظة لما نقضوا العهد في غزوة الأحزاب، وانتهى النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة الأحزاب، التف على بني قريظة لكي يحاربهم، فقالوا: ننزل على حكم سعد بن معاذ، سعد بن معاذ كان صديقا لهم في الجاهلية، فقالوا لعله يشفع لنا. سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه كان أصيب يوم أحد ويوم الخندق، ولذلك جعل في مسجد لكي يداوونه، وكان قريباً من الخندق.
فلما قالوا ننزل على حكم سعد بن معاذ، أرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليه فأتِيَ به محمولا على الراحلة، فلما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حكمي نافذ عليهم؟» قال: «نعم»، قال: «وعلى من؟» -وهنا لا يريد أن يقول عليك يا رسول الله- قال: «نعم»، فحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم، يعني من بلغ، وتسبع درايهم النساء والأطفال. كيف يعرفون البالغين؟ أمر أن يكتشفوا عن مؤتزرهم، فمن أنبت فهو من المقاتل، ومن لم ينبت فهو من الذرية، فهذا دليل على أن الإنبات دليل البلوغ. وبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «لقد حكمت بحكم الله من فوق سبع رقاع»، متفق عليه.
طبعا هو متفق على أصل الحديث، حكم سعد فيهم هذا متفق عليه، لكن المؤلف أتى به؛ لماذا؟ لماذا استدل بهذا الحديث؟ نعم، ثبات أن الإنبات من علامات البلوغ. هذه الإنبات من علامات البلوغ، كشف عن مؤتزرهم ومن أنبت فهم المقاتل ومن لم ينبت فهم الذرية، هذا ليس في الصحيحين، فلذلك هو أصله في الصحيحين، وإلا هذه الزيادة ليست في الصحيح. الأصل أن الحديث أوتي به للاستدلال بها، فلذلك الأدق أن يقال: أصله متفق عليه، أو يعزى إلى السنن، ويقال: واصله في الصحيحين، هذا أدق. لكن عندك أشار إليها: هل ذكر أن كذلك من فوق سبع رقاع في الصحيحين؟ «حكمت بحكم الله» أو «بحكم الملك»، في بعض الروايات، لكن «من فوق سبع» هذا أيضا خارج الصحيح.
هذا الثاني، الثالث: الإنزال، قال: أو أنزل حكم ببلوغه؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: 59]. سواء أنزل في يقظة أو منام، في جماع أو احتلام أو غير ذلك، فإن هذا يحصل به البلوغ وهذا بالإجماع. أما البلوغ 15 سنة، فهذا قول بعض أهل العلم، والمذهب هو قول بعض أهل العلم، ومنهم من قال 17، ومنهم قال 18، وكذلك الإنبات حصل به الخلاف، أما هذا فبالإجماع.
وأيضا حديث: «رُفع القلم عن ثلاثة»، جاء في بعض الروايات: «عن الصبي حتى يحتلم»، ونقل المنذر والموفق الإجماع على ذلك، على أن المحتلم -يعني من أنزل منيا- فإنه يكون بالغا. قال: أو عقل مجنون ورشد، يعني هنا يبين لك متى يدفع للمحجور عليه ماله؛ فيقول الصغير يدفع إليه ماله إذا جاءت فيه إحدى علامات البلوغ والرشد، وسياتينا بعد قليل بيان الرشد. المجنون إذا عقل ورشد، وكذلك السفيه إذا رشد، سياتينا بيان الرشد، فهؤلاء يزول حجرهم بذلك، يزول حجرهم بالرشد، وزوال الصغار أو الجنون أو السفه؛ قال: زال حجرهم لزوال علته.
قال تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: 6]. يقول الموفق رحمه الله: ليس فيه اختلاف في وجوب دفع المال إلى المحجور عليه إذا رشد وبلغ، ونقل ابن المنذر الاتفاق على ذلك، وقد أمر الله به في الآية: ﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾. ولأن الحجر عليه إنما كان لعجزه عن التصرف في ماله على وجه المصلحة حفظا لماله عليه، وبهذين المعنيين: الرشد والتكليف، يقدر على التصرف ويحفظ ماله، فيزول الحجر لزوال سببه.
قال: بلا قضاء حاكم؛ لأنه ثبت بغير حكمه، فزال لزوال موجبه بغير حكمه. أما المجنون فإنه لا يعتبر في زوال الحجر عليه إذا عقل حكم الحاكم، ذكر الموفق أنه بغير خلاف؛ لا يعتبر حكم الحاكم في زوال الحجر عن المجنون إذا عقل، يعني كان مجنونا وحجر عليه لجنونه فعقل، هنا هل لابد أن نرفعه إلى الحاكم لكي يصدر أمره بزوال الحجر؟ لا، لأن أصلا الحجر عليه ثبت بغير حكم حاكم، فيزول بغير حكم حاكم.
الموفق في «المبدع» ذكر أنه هناك وجه بافتقاده إلى حكم الحاكم؛ الصبي فيه خلاف في المذهب وخارج المذهب، هل لابد من حكم حاكم لكي يدفع إليه المال أو لا؟ في خلاف، والمذهب أنه لا يحتاج إلى حكم حاكم، وذلك لأن الله عز وجل أمر بدفع الأموال إليهم عند البلوغ وإناث الرشد، فاشتراط حكم الحاكم زيادة تمنع الدفع عند وجوب ذلك بدون حكم الحاكم، هذا خلاف النص، ولأن الحجر ثبت بغير حكم الحاكم فيزول.
بغير حكمه، كالحجر على المجنون، وبهذا فارق السفيه. طبعًا السفيه، هل لابد من حكم الحاكم أو لا؟ هل لابد في الحجر عليه من حكم الحاكم أو لا؟ هنا ذكر أنه يزول بلا حكمه، يزول الحجر عن السفيه بلا حكمه، لكن التعليل كأنه شامل له، وأنه حتى السفيه يحجر عليه بغير حكم حاكم.
والحقيقة أن في المذهب قولين: هل الحجر على السفيه يحتاج إلى حكم حاكم أو لا؟ وهذه ترى تمر في القضاء كثيرًا، مثل الواقعة التي ذكرتها قبل قليل، يكون هناك تصرفات من السفيه ثم يتبينها الأبناء لاحقًا، فيرفعون طلب الحجر عليه، فإذا حجر عليه؛ التصرفات السابقة للحجر هل تبطل أو لا؟ هنا هذا محل الخلاف.
الموفق رحمه الله مال إلى أن السفيه لا يحجر عليه إلا الحاكم، ويترتب عليه أنه لا يفك حجره إذا رشد إلا الحاكم. لماذا قال ذلك؟ لكون التبذير يختلف؛ فتجد شخصين، كل واحد منهما اشترى عقارًا بـ 100,000، لكن واحد تقول له مبذر، وواحد تقول له لا، هذا مقبول أيضًا، ويختلف فيه؛ تجد نفس الشخص الذي قيل إنه مبذر، بعض الناس يقول لا هذا ليس مبذرًا. فقال لما كان يختلف ويحتاج إلى الاجتهاد، فما دام كذلك فإنه لابد فيه من حكم حاكم، ليس مثل المجنون؛ المجنون أمره ظاهر، وليس مثل الصغير، الصغير أمره ظاهر، فهذا لابد فيه من حكم حاكم في ابتدائه وكذلك في فكه، فإنه لابد من حكم حاكم لكونه ثبت بحكم الحاكم فلا يزول إلا به، ولكون الرشد يحتاج إلى تأمل واجتهاد في معرفته وزوال تبذيره، فكان كابتداء الحجر عليه.
فلذلك عندنا إذاً الموفق رحمه الله قسم زوال الحجر ثلاث أقسام: قسم يزول بحكم بغير حكم حاكم بلا خلاف، وهو الحجر عن المجنون، وقسم لابد فيه من حكم الحاكم وهو السفيه، وطبعًا السفيه على اختيار الموفق، وإلا ففي خلاف، وقسم مختلف فيه محتمل وهو الصبي. والموفق رحمه الله، وأول المذهب أيضًا، يرون أن في الصبي لا يحتاج إلى حكم حاكم.
الآن علامات البلوغ للذكر والأنثى؛ يقول: تزيد الجارية على الذكر في البلوغ بالحيض؛ لقول النبي ﷺ: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار». وهذا واضح وهو في الإجماع. وإن حملت الجارية حكم ببلوغها عند الحمل، يعني لو أنها لم تحض ولم تبلغ 15 سنة ولم تنبت لكنها حملت، فنقول إذاً حملها دليل إنزالها السابق، فنقول إذاً هي بالغة؛ لأنه دليل إنزاله؛ لأن الله تعالى أجرى العادة في خلق الولد من مائهما، فإذا ولدت حكم ببلوغها من ستة أشهر؛ لأن اليقين هو ذلك.
متى نقول إنها بالغة يقينا؟ بعد ستة أشهر من الولادة؛ لأن المتيقن أن الحمل أقل مدة يعيش بها الجنين، فإذا لم يعش، قد يكون أقل، لذلك ذكر الخلوتي أنه يرجع فيه إلى أهل الخبرة في تحديد متى بدأ حملها. وهذا طبعًا يتكلم عن الزمن السابق، لكن في زمننا هذا، ولله الحمد مع تقدم الطب، يمكن تحديد مدة بدء الحمل، بحيث يكون الإنزال موافقًا لعدة الحمل.
قال: ولا ينفك الحجر عنهم، عن الصغير والمجنون والسفيه، قبل شروطه السابقة، بحال ولو صار شيخًا؛ في قول أكثر أهل العلم، خلافًا لأبي حنيفة الذي حدده بـ 25 سنة، أبو حنيفة حدد السفيه بـ 25 سنة، إذا بلغ 25 سنة وهو سفيه يعطى ماله، والجمهور يقولون: لا، إذا استمر على سفه فإنه لا يعطى ماله ولو صار شيخًا؛ وذلك لقول الله عز وجل: ﴿فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: 6]، وهو لم يرشد بعد.
الآن سيتكلم عن المقصود بالرشد؛ قال رحمه الله: والرشد الصلاح في المال، في قول ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: 6]، أي صلاحًا في أموالهم، فعلى هذا يدفع إليه ماله وإن كان مفسدًا لدينه. ويؤنس الرشد هو بأن يتصرف مرادًا، فلا يغبن غبنًا فاحشًا غالبًا، ولا يبذل ماله في حرام كخمر وآلات له، أو في غير فائدة كغناء ونفط؛ لأن من صرف ماله في ذلك عُدَّ سفيهًا. ولا يدفع إليه أي إلى الصغير حتى يختبر ليعلم رشده قبل بلوغه بما يليق به؛ لقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ﴾ [النساء: 6]، والاختبار يختص بالمراهق الذي يعرف المعاملة والمصلحة.
هنا ذكر المقصود بالرشد؛ قال الرشد الصلاح في المال، الصلاح في المال، الكلام الحجاوي بين قوسين: بأن يتصرف مرادًا، فلا يغبن غالبًا، ولا يبذل ماله في حرام أو في غير فائدة. هذا التفسير للرشد ذكره ابن مفلح في الفروع، وأيضًا قبله الموفق في المقنع ذكر قريبًا منه: قال الرشد الصلاح في المال، بقول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ﴿فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: 6]، أي صلاحًا في أموالهم.
فإذاً الأصحاب رحمهم الله تعالى أخذوا بتفسير ابن عباس للآية، فقصروا الرشد على أحد أنواعه، أخذًا بتفسير الصحابي: ﴿رُشْدًا﴾ أي صلاحًا في أموالهم، وهذا قول أكثر أهل العلم، خلافًا للشافعي؛ فالشافعي رأى أنه أيضًا الصلاح في الدين، صلاح في أمواله وفي دينه. ودليل الجمهور تفسير ابن عباس في الآية؛ فابن عباس خصها بالصلاح في المال.
هنا الموفق لما ذكر تفسير ابن عباس قال: ولأن هذا إثبات في نكرة، ومن كان مصلحًا لماله فقد وجد منه رشد؛ هذه مسألة أصولية. يقول: ولأن هذا إثبات في نكرة، والآن النكرة في سياق النفي تدل على العموم، والنكرة في سياق الإثبات تدل على الإطلاق، وليس على العموم، والإطلاق يكتفى فيه بأحد الأفراد.
طيب هنا: ﴿فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا﴾، سياق الأسلوب ماذا؟ إنْ شرط، فالنكرة في سياق الشرط، هل هي للعموم أم للإطلاق؟ كلام الموفق هنا يقول: لأن هذا إثبات في نكرة، ومن كان مصلحًا لماله فقد وجد منه رشد؛ فماذا تفهمون أنه يرى أنها للعموم أم للإطلاق؟
الأصوليون يقررون أنها للعموم، نكرة في سياق الشرط تدل على العموم، وطبعاً ليست مسألة اتفاقية، لكن المشهور عند الأصوليين كذلك. لذلك ابن اللحام في «القواعد والفوائد الأصولية» لما ذكر هذه المسألة قال: نكرة في سياق الشرط تدل على العموم. وذكر من قال إن الأصحاب ذكروا في كلام الموفق في باب الحجر دلالة على أنها ليست كذلك، ويقصد هذا الموضع. والموفق لم يذكر هذه المسألة، النكرة في سياق الشرط لم يذكرها في «الروضة». سنرجع إليها بعد قليل، سنكمل الكلام.
الموفق يرى أن هذا إثبات في النكرة: ﴿وَمَن كَانَ مُصْلِحًا لِّمَالِهِ فَقَدْ وَجَدَ مِنْهُ رُشْدًا﴾ [النساء: 6]. ولأن العدالة لا تعتبر في الرشد في الدوام، فلا تعتبر في الابتداء. الآن الرشد: يدفع المال للمحجور عليه إذا وجد منه رشد، والمقصود الرشد في هذه الحال؛ لا يلزم أن يستمر معه الرشد الذي رشد في الدين، فطبعاً الرشد في الدين لا يلزم أن يستمر معه. ولأن الحجر لحفظ ماله عليه، وقد تحقق بصلاحه فيه.
هناك قول آخر كما قلنا، أن الرشد هو الصلاح في المال والدين، وهذا قول الشافعي رحمه الله. قال ابن عقيل: «وهذا هو الأليق بمذهبنا»، وهو قولنا بسد الذرائع، واستدل بالآية: ﴿فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: 6]، فإنها نكرة في سياق الشرط، فتعم لذلك. إذا جئنا نطبق القواعد الأصولية فهي نكرة في سياق الشرط.
لكن الأصحاب رحمهم الله تعالى أخذوا بتفسير ابن عباس، وهو قول صحابي، وهو مما يقيد به المطلق ويخصص به العام ونحو ذلك. قال: «فإن آنستم منهم رشداً في أموالهم»، فعلى هذا التفسير، أن هو الصلاح في المال؛ يدفع إليه ماله وإن كان مفسداً لدينه، كما لو كان فسقه مثلاً بالكذب، أو فسقه بمنع الزكاة، أو إضاعة الصلاة مع حفظ ماله؛ لأن المقصود بالحجر حفظ المال، وماله محفوظ بدون الحجر.
قال: «ويؤنس رشده بأن يتصرف مراراً»، هذا هو الرشد؛ بأن يتصرف مراراً فلا يغبن غبناً فاحشاً غالباً. يعني تفوض إليه بعض التصرفات، فينظر إذا كانت تصرفاته كلها أو أكثرها يغبن فيها غبناً فاحشاً، فهنا نقول ليس برشيد. أما إذا كان لا يغبن فيها، أو غبنه يسير، أو غبن مرة واحدة غبناً فاحشاً لكن مثلاً تصرف عشر مرات واحدة فقط غبن فيها غبناً فاحشاً والباقي لم يغبن فيها، فهنا نقول يكون رشيداً.
قال: «ولا يبذل ماله في حرام كخمر وآلات له»، فإذا بذل ماله في الحرام فإنه يكون سفيهاً فلا يعطى ماله. طبعاً هذا في البداية، لكن لو أنه بلغ وصار معه مال، ودفع إليه المال، ثم بعد سنتين أو ثلاث أو أربع بدأ يشتري خمراً ونحو ذلك، هل نقول إن هذا سفيه يسحب منه ماله؟ لا. إذاً «لا يبذل ماله في حرام أو في غير فائدة»؛ هذا في البداية فلا يشترط الاستمرار.
إذاً كونه مبذراً، بمعنى صار يتصرف تصرفاً لا يليق بالعقلاء، فهنا يحجر عليه. لكن كونه مثلاً يشتري دخاناً حراماً، أو يشتري مثلاً أدوات غناء، هل يحجر عليه؟ لا. لكن مثلاً يبيع سيارة ولا يغبن فيها، فهنا نقول لا. إذاً هذه التي يكون يتصرف فيها فلا يغبن غالباً، «ولا يبذل ماله في حرام أو في غير فائدة»؛ هذه في البداية. فإذا أعطي ماله ثم بدأ يتصرف فيها، يعني يبذل ماله في الحرام لكن في الأمور الثانية تصرفه سليم، إذا أراد أن يشتري الأمور المباحة تصرفه سليم، فهنا نقول لا يحجر عليه. لكن إذا كان يبذل ماله في الحرام ويغبن مثلاً في المباحات بعد ما دفع إليه ماله، فهنا نقول يعد مسرفاً فيحجر عليه.
قال: «ولا يبذل ماله في حرام كخمر وآلات له»، فإن بذل ماله في الحرام فهو غير رشيد، تبذيره ماله وتضييعه إياه في غير فائدة. وقلنا هذا في بداية الأمر، أما لو كان عدلاً ثم طرأ عليه الفسق بعد دفع ماله إليه، فإنه لا يزول رشده ولا يحجر عليه من أجله. أو في غير فائدة كالغناء؛ والغناء ليس من المحرمات، وما المقصود بالغناء؟ نعم، الغناء يعني الشعر، الشعر الذي يتغنى به، فإذا كان كلامه مباحاً وليس فيه موسيقى ولا نحو ذلك، فنقول هو مباح. وإذا كان كلاماً محرماً أو معه موسيقى أو نحوها فيكون محرماً.
فإذا كان يبذل ماله في غير فائدة كغناء، يعني يدفع أموالاً لمن يغنون، يبذر أموالاً يدفعها في مثل هؤلاء، فإنه يحجر عليه ولا يكون رشيداً. كالغناء والنفط، يعني هم يقولون قريبة من المفرقعات النارية، نقول يحرق نفطاً ليتفرج عليه، هذا قليل من المفرقعات النارية، فإذا كان يبذل ماله في ذلك فإنه يكون غير رشيد. قال: «لأن من صرف ماله في ذلك يعد سفيهاً ولا يدفع إليه».
في «الكشاف» وفي «الفروع» في هذا الموضع يتكلمون عن الفرق بين الإسراف والتبذير، وما المراد بهما لمن أراد أن يرجع إليهما، وقد ذكرنا ذلك في الطهارة.
قال: «ولا يدفع إليه» أي إلى الصغير، «حتى يختبر ليعلم رشده قبل بلوغه بما يليق به». لا يدفع إلى الصغير المال حتى يختبر بأن تفوض إليه بعض التصرفات، لقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ﴾ [النساء: 6]. واختباره يكون بتفويض التصرفات التي يتصرف فيها أمثاله؛ فإن كان من أولاد التجار فيصرف، فيفوض بعض التصرفات في التجارة، وإن كان من أولاد المزارعين فيصرف، فيفوض بعض التصرفات في الزراعة ونحو ذلك، يفوض إلى كل ولد بما يكون يصلح له فيما يصلح له.
قال: «والاختبار يختص بالمراهق»، يعني بمن قارب البلوغ الذي يعرف مصلحة المعاملة والمصلحة، أما الذي لا يعرف شيئاً، أو كان قبل البلوغ بسنوات كثيرة، فإنه لا يختبر؛ لأن الاختبار لأجل تعويده على التصرف بعد البلوغ، فيختبر قبل البلوغ بمدة يسيرة. المراهق هو المقارب، يعني من كان قرب البلوغ، فيختبر قبل بلوغه لا بعده؛ لظاهر الآية حيث سماهم الله عز وجل يتامى، واليتيم هو من فقد والده قبل البلوغ.
ولذلك جاء في الحديث: «لا يتم بعد احتلال»، فإذا بلغ الشخص فلا يسمى يتيماً، وإنما يكونون يتامى قبل البلوغ؛ ولكون الله -عز وجل- مد اختبارهم إلى البلوغ وابتلى اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح، فدل على أنه يختبرون قبل البلوغ.
قال رحمه الله: ووليهم أي ولي السفيه الذي بلغ سفيهاً واستمر، والصغير والمجنون، حال الحجر: الأب الرشيد العدل ولو ظاهراً لكمال شفقته، ثم الوصي لأنه نائبه ولو بجعل، ثم المتبرع، ثم الحاكم؛ لأن الولاية انقطعت من جهة الأب فتعينت للحاكم. ومن فك عنه الحجر فسفه وعيد عليه، ولا ينظر في ماله إلا الحاكم، كمن جن بعد بلوغ ورشد.
هنا ذكر ترتيب الولاية، فذكر أن الولي على الصغير والمجنون والسفيه. قال: «الذي بلغ سفيهاً واستمر»، لأن السفيه إذا ما بلغ سفيه -يعني إذا كان شخصاً طبيعياً، لما بلغ ورشد سفى مثلاً يوم صار عمره 30 أو 40- فإنه يختلف حكمه عن السفيه الذي بلغ سفيهاً واستمر كما سيأتي؛ فهؤلاء يكون الولي عليهم حال الحجر: الأب الرشيد العدل ولو ظاهراً.
فاشترط للأب أن يكون رشيداً في ماله، عدلاً ولو ظاهراً، والعدالة هي استقامة الدين والمروءة، ولو ظاهراً بمعنى أنه لا يلزم أن تثبت العدالة الباطنة، فيكفي بالعدالة الظاهرة. واشترط في الإقناع أن يكون الأب رشيداً وعدلاً، وزاد ثلاثة شروط: أن يكون بالغاً، عاقلاً، حراً.
يقول: كيف يكون بالغاً؟ أجاب عليها الشيخ منصور في الكشاف؛ اشترطوا في الأب أن يكون بالغاً، فكيف يأتي منه ابن ولا يكون بالغاً؟ يقولون في ابن عشر ونحوه، لو تزوج امرأة وهو ابن عشر فجاءت بولد، هذا الولد يمكن أن يكون من هذا الزوج وممكن أن لا يكون منه، تكون وطئات بشبهة أو بزنا، لكن لما أمكن منه نقول حفظاً للنسب فننسبه إلى أبيه، لكن هل يثبت البلوغ للأب؟ يقولون لا يثبت، يعني إذا لم توجد علامات أخرى؛ لو كان ابن عشر أو ابن أحد عشر ووجد ولد له على فراشه، فيثبت النسب لهذا الأب لكن لا يثبت البلوغ، ولا تثبت الولاية له على الولد، فهذا شرط البلوغ.
الأب إذا كان رشيداً عدلاً، وبعد الأب الوصي، يعني لو أن الأب توفي وقال في وصيتي: «أوصي أن يقوم على أبنائي فلان»، فهذا هو الوصي، وصي عهد إليه بالتصرف بعد الوفاة، فيكون بعد الأب وصياً لأنه نائبه، ولو كان بجعل أو متبرعاً، لو قال: «يقوم على أبنائي فلان ويكون له أجرة شهرية قدرها كذا»، وجاء شخص وقال: «أنا أريد أن أقوم على فلان ولن آخذ شيئاً»، فمن يقدم؟ الوصي؛ لأنه نائبة من الأب.
ثم الحاكم، لو لم يوجد الأب ولا الوصي انتقل إلى الحاكم مباشرة، لأن الولاية قد انقطعت من جهة الأب فتعينت للحاكم، فالحاكم ولي من لا ولي له، وقد نبه الشارع على مثل هذا في النكاح، فيقال هؤلاء لا أولياء لهم فيكون وليهم الحاكم. والمذهب أنه لا ولاية لغير الأب والوصي والحاكم، فالمذهب أنه لا ولاية للأم أو الجد أو سائر الأقارب، والقول الثاني أن لهم الولاية كالأم والجد ونحوه.
والمعمول به الآن أنه إذا توفي الأب ولم يكن هناك وصي، فإن الحاكم يولي أحد الأقارب، ويحرص القاضي غالباً على توليه الأم لأنها أبصر بأولادها وأحرص على مصلحتهم، وربما يولي الأخ أو العم، لكن يحرصون على تولية الأم قبل العم والأخ الأكبر لأنها أشفق عليهم في الجملة، وغالباً تقدم الأم.
والولاية هنا في المال، أما ولاية النكاح فمعروف أنه لا مدخل للنساء فيها. وقال: «من فك عنه الحجر»، هذا شخص كان صغيراً أو مجنوناً أو سفيهاً ففك عنه الحجر فعاد سفيهاً، فهنا يقول: يعاد عليه الحجر مرة أخرى، لكن من يكون وليه؟ الحاكم؛ لذلك قال قبل قليل: ولي السفيه الذي بلغ سفيهاً واستمر، لكن الذي صار سفيهاً بعد أن رشد هذا يكون وليه الحاكم، والحاكم يولي عليه من شاء، ربما يولي عليه الأب إذا كان موجوداً وقادراً، وإعادة حجره عليه هذا بإجماع الصحابة فيما نقله الموفق حيث ذكر قصة لعبد الله بن جعفر أنه ابتاع بيعاً فقال علي: «لآتين عثمان ليحجرن عليك»، فأتى عبد الله بن جعفر للزبير فذكر له ذلك، فقال الزبير: «أنا شريكك في البيع»، فذكر علي لعثمان واقعة بيع عبد الله، فقال الزبير: «أنا شريكه في البيع»، فقال عثمان: «كيف أحجر على رجل شريكه الزبير؟». ومثله من جن بعد بلوغ ورشد، فإن الحاكم يحجر عليه ويكون هو الولي عليه.
نقف على هذا ونسأل الله جميع التوفيق والسداد. السؤال يقول: لو كان بدأ بإنفاق المال بغير سفه، ثم بعدها بدأ بشرب المخدرات ويضيع ماله فيها لكن لا يغبن في المباحات، ألا يحجر عليه مرة أخرى؟ لا، ما دام أنه لا يغبن في المباحات فإنه لا يحجر عليه مرة أخرى؛ فالسفه هو تضييع المال في الحرام، وأن يغبن في المباحات. ولو قلنا كل من صرف ماله في الحرام فإنه يحجر، لا؛ لا حجر على أكثر الناس والله المستر ماله في حرام، والله هل أحد قال بهذا في المذهب أو لا أعلم، لكن المشهور أنه لا يحجر، يعني إن صرف ماله في الحرام هذا في البداية، في وقت الاختبار والامتحان، والله أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان