ولا يباع ثمر قبل بدو صلاحه، لما روى البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه، نهى البائع والمبتاع. والنهي يقتضي الفساد. ولا يباع زرع قبل اشتداد حبه، لما روى مسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع النخل حتى تزهو، وعن بيع السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة، نهى البائع والمشتري. ولا تباع رطبة وبقل وقثاء ونحوه كباذنجان دون الأصل، أي منفردة عن أصولها؛ لأن ما في الأرض مستور مغيب، وما يحدث منه معدوم، فلم يجز بيعه؛ كالذي يحدث مع الثمرة.
هنا تكلم المؤلف رحمه الله تعالى عن بيع الثمر قبل بدو صلاحه، والحكم التكليفي أنه لا يجوز أن يباع الثمر قبل بدو صلاحه. والدليل نهيه عليه الصلاة والسلام عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، نهى البائع والمبتاع، والنهي يقتضي الفساد، وهذا الحكم الوضعي أنه يحرم ويفسد إذا حصل. فلو حصل أن شخصاً اشترى من مالك النخلة الثمر قبل بدو صلاحها، ثم تركها حتى بدا صلاحها ثم أراد أن يجنيها، فهنا الثمرة تكون لصاحب الأصل البائع؛ لأن البيع فاسد محرم.
أما نهي المشتري أيضاً، فلأن في إقدامه على هذا العقد الفاسد إضاعة لماله، والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن إضاعة المال، وأيضاً فيه موافقة للبائع على هذا العقد المحرم، فالنهي إذا توجه لهذا ولهذا. والنهي عن بيع الثمر قبل بدو صلاحه هذا ذكره المنذر إجماعاً، طبعاً هو الأصل فيه مستثنيات ستأتي بعد قليل، لكن أصل المسألة البائع منهي عن بيع الثمر قبل بدو صلاحه بالإجماع.
قال أيضاً ولا يباع زرع قبل اشتداد حبه، يعني حتى الزرع الذي ينبت في الأرض كالسنبل، والنخل حتى يزهو أي يبدأ صلاحه ويطول ويكمل، وعن بيع السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة، نهى البائع والمشتري، فكلاهما توجه لهما النهي. وكل هذا لأن في بيع هذا الثمر قبل بدو صلاحه سريان التلف إليه أو ورود التلف عليه أمر معتاد كثير، لكن ورود التلف عليه أو العاهة بعد بدو صلاحه أمر قليل، فلذلك أبيح البيع بعد بدو الصلاح ولو لم يتكامل الصلاح؛ لأن كون العاهة تأتي في هذا الوقت قليل، لكن كون العاهة تأتيه قبل بدو الصلاح كثير، فلذلك أجري الحكم على الغالب.
قال ولا تباع رطبة، وهي ما تأكله البهائم كالتين ونحوه، والبقل وهو الورقيات كالنعناع والخس والبقدونس ونحوه، ولا قثاء ونحوه كباذنجان، هذه لا تباع دون الأصل أي منفردة عن أصولها. هذه المزروعات قد تنبت في الأرض، فلا يظهر هل بدا صلاحها أو لا، وإذا بدا صلاح الظاهر منها قد يكون هناك شيء في الأرض مخفي، مثلاً باذنجانة ظاهرة وباذنجانة مخفية في الأرض لا نعلم هل بدا صلاحها أو لا، فلذلك مثل هذه يقول لا تباع دون الأصل.
وهناك طريقتان لصحة بيعها، الطريقة الأولى أن تباع مع أصله؛ أي تباع الشجرة كلها، فلا يصح بيع الثمرة وحدها لأن ما في الأرض مستور مغيب، وما يحدث منه معدوم، فلم يجز بيعه كالذي يحدث من الثمرة. فإذا باعها مع أصلها باع الشجرة والزرع كاملاً فهذا يصح، سواء باعه بشرط القطع أو بغير شرط القطع، ولا فرق بين كون هذه الأصول الأشجار صغاراً أو كباراً، مثمرة أو غير مثمرة؛ لأنه أصل تتكرر فيه الثمرة فشبه الشجرة.
فإن بيع الثمر قبل بدو صلاحه بأصوله، أو الزرع الأخضر بأرضه، أو بيع لمالك أصلهما، أو بيع قثاء ونحوه مع أصله، صح البيع. لأن الثمر إذا بيع مع الشجر أو الزرع إذا بيع مع الأرض دخل تبعاً في البيع، فلم يضر احتمال الغرر. وإذا بيع لمالك الأصل فقد حصل التسليم للمشتري على الكمال.
هنا إذا بيع الثمر قبل بدو صلاحه له ثلاث حالات: أن يبيعه وحده ليس مع أصل ولا لمالك أصل، فهذا لا يجوز وهو الذي بدأنا به الدرس. الحالة الثانية أن يبيعه مع أصله، يبيع التمر مع النخل أو العنب مع شجر العنب ويكون التمر أو العنب لم يبد صلاحه، فهنا يصح. والتعليل أنه دخل تبعاً، والقاعدة أن يثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً، فلم يضر احتمال الغرر. الحالة الثالثة أن يباع لمالك الأصل، بأن يشتري مالك النخل الثمر من المستأجر قبل بدو صلاحه، أو أن الموصى له بثمرة النخل يبيع الثمرة للورثة قبل بدو صلاحها، فيصح؛ لأنه باعه لمالك الأصل، وقد حصل التسليم للمشتري على الكمال، فالمشتري أصلاً معه الأصل وبقي له الثمر.
يصح كما لو اشتراهما معًا؛ لو اشترى النخلة بثمر والثمر لم يبدُ صلاحه صح؛ لأنه بيع لملك أو بيع مع الأصل. فيقولون مثله لو باع لمالك الأصل؛ فإنه لو باع لمالك الأصل سيحصل له الأصل والثمرة معًا. طبعًا قالوا: البيع يتبع نحو مع أصله، هذا مثل الزرع الأخضر بأرضه ونحوه، صح البيع.
إذًا يصح بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، ذكرنا حالتين، بيع الثمرة قبل بدو صلاحها يصح في حالتين، في حالة ثالثة ستأتينا الآن إذا بيعت مع أصلها أو لمالك الأصل. الحالة الثالثة للجواز، وهي الحالة الرابعة لأصل المسألة، أن الحالة الأولى المحرمة إذا بيعت ليس مع أصلها وليس لمالك الأصل.
قال رحمه الله: «إلا إذا باع الثمرة قبل بدو صلاحها أو الزرع قبل اشتداد حبه بشرط القطع في الحال فيصح إن انتفع بهما». لأن المنع من البيع لخوف التلف وحدوث العاهة، وهذا مأمون فيما يقطع، «أو إلا إذا باع الرطبة والبقول جزة موجودة فجزَّ فيصح لأنه معلوم لا جهالة فيه ولا غرر، أو إلا إذا باع القثاء ونحوه لقطة موجودة»؛ لما تقدم، وما لم يُخلق لم يجز بيعه.
هذه الحالة الثالثة من الحالات التي يجوز فيها بيع الثمر قبل بدو الصلاح: إذا باعها بشرط القطع في الحال. باع الثمر قبل الصلاح أو الزرع قبل اشتداد حبه بشرط القطع في الحال فيصح؛ لماذا؟ لأن المنع كان لخوف العاهة، فإذا باعه بشرط القطع خلاص لن تأتي العاهة؛ لأنه سيقطعها مباشرة. لذلك يقول: «إلا إذا باع الثمرة قبل بدو صلاحها أو الزرع قبل اشتداد حبه بشرط القطع في الحال فيصح إن انتفع بهما»، كما لو قطعهما؛ يعني مثلاً اشترى تمر النخل بشرط القطع في الحال فقطعه وأطعمه للبهائم، هنا يصح؛ لأنه انتفع بهما، لكن لو قطعهما وألقاه ولم ينتفع به، فهنا لا يصح.
لذلك يقول: «فيصح إن انتفع بهما»، وهذا الشرط ذكره ابن حمدان في الرعاية، وشيخ الإسلام رحمه الله في تعليقه على المحرر. قال في الإنصاف: قلتُ: وهو مراد غيرهما. وهذا كثير في الإنصاف؛ أنه يذكر قيداً يقيد المسألة، وهذا القيد يذكره بعض الأصحاب ثم يقول: ولعله مراد من أطلق. فنتبيّن أن المسألة قول واحد لكن بعضهم ينظر أن هؤلاء أطلقوا الكلام وهؤلاء قيدوا. لا، هنا في الإنصاف يقول: هو مراد غيرهما ممن أطلق. بعضهم قال: يصح بشرط القطع في الحال ولم يقيد الانتفاع، لكن في الإنصاف قال: هو مراد غيرهما، قال: وقد دخل في كلام الأصحاب في شروط البيع حيث اشترطوا أن يكون فيه منفعة مباحة. شروط البيع أن يكون المبيع مالاً، وهو ما أُبيح الانتفاع به من غير حاجة، فإذا اشترى شيئاً لغير منفعة هنا ضاع مال. فيقول هذا القيد قد نقول إن الأصحاب يدخل في كلامهم هناك في شروط البيع.
نعم، تقصد أنه هل نقول إن كان ينتفع به قد يكون هذا مرادهم؟ نعم، قد يكون هذا مرادهم. قال: «فيصح إن انتفع بهما»، يعني قد نقول إن مرادهم أن كان يُنتفع بهما ولو لما ينتفع به المشتري؛ لأن المشتري مثلاً اشترى هذا الثمر قبل بدو صلاحه واشترط عليه القطع فقطعه وألقاه، فهل نقول إذاً يبطل العقد؟ فنلزم المشتري البائع بأن يرد له الثمن؟ نعم، لعل هذا مراده، قال: «لأن المنع من البيع لخوف التلف وحدوث العاهة مأمون».
قال: «أو إلا إذا باع الرطبة والبقول جزة موجودة فجزَّ»، هذا الذي قلنا لكم إن الرطبة والبقول لها طريقة ثانية صحيحة للبيع؛ الطريقة الأولى الصحيحة أن تباع مع أصلها، الطريقة الثانية أن تباع الثمرة الظاهرة. قال: «إلا إذا باع رطبة والبقول جزة موجودة فجزَّ»، يعني بعتُك هذه الجزة، طيب الجزة الثانية إذا جاءت أبيعك إياها وهكذا، لأنه معلوم لا جهالة فيه ولا غرر. وكذلك القثاء ونحوه لقطة موجودة، يعني أبيعك هذا الموجود تلقطه، طيب القثاء الذي في الأرض لم يبدُ حتى الآن، فإذا بدا فأبيعك إياه وتلقط وهكذا. قال: «وما لم يُخلق لم يجز بيعه»، يعني من هذه التي المقصود منها مستتر في الأرض، فيقول التي لم يُخلق منها لم يجز بيعه؛ لأنها في حكم المعدوم، فلا يصح بيعه. ابن القيم رحمه الله له كلام، وشيخ الإسلام قبله له كلام في هذا، وأنه يصح بيعه وأنه ليس في الشريعة ما يدل على تعليق المنع بالمعدوم.
قال رحمه الله: «والحصاد للزرع والجذاذ للثمر واللقط ونحوها على المشتري؛ لأنه نقل لملكه وتفريغ لملك البائع عنه، فهو كنقل الطعام». الآن إذا اشترى هذا الثمر بعد بدو صلاحه، أو الزرع بعد اشتداد حبه ونحو ذلك، طيب الآن إذا جاء يحصده، يحصد الزرع أو يجذ الثمر أو يلقط القثاء، فاستأجر عاملاً لكي يحصد أو يجذ أو يلقط، على مَن تكون أجرة العامل؟ هل على البائع ولا على المشتري؟ على المشتري؛ لأنه نقل لملكه، الآن لما اشترى خلاص سيأخذ من ملك البائع، من مزرعة البائع مثلاً أو من حوش البائع، سيأخذ إلى ملكه، فالآن سينقل ملكه وسيفرغ ملك البائع عنه، فيكون على المشتري. لماذا؟ لأن هذه توابع للبيع حصلت بعد القبض، فتكون على المشتري. طبعاً القبض يكون في الثمر بالتخلية؛ خلّى بينك وبينها، لو قلنا بالجذاذ لقلنا ما قبض حتى الآن فيكون القطع على البائع، لكن قبض الثمر بالتخلية.
طيب لو احتاج المبيع إلى كيل أو وزن يكون على مَن؟ يكون على البائع؛ لماذا؟ هذا قبل القبض، لأن قبض المكيل والموزون بكيله ووزنه، فالأشياء التي قبل القبض تكون على البائع، الأشياء التي بعد القبض تكون على المشتري. فهذه الكيل والوزن ونحوها من مؤنة التسليم، فتكون على البائع؛ لأن التسليم يلزم البائع. وفي هذه المسألة التسليم حصل من البائع بالتخلية، بدليل أنه يجوز للمشتري أن يبيع هذا الثمر ويتصرف فيه وهو على رؤوس الشجر، فدل على أنه قبضه بذلك. طيب هذا الأصل أن يكون الحصاد والجذاذ على المشتري، لكن لو اشترط على البائع أن يجذ أو يحصد، فهل يصح؟ يصح؛ لأن المسلمين على شروطهم، وهي شرط منفعة في المبيع.
قال رحمه الله: «فإن باعه -أي الثمر قبل بدو صلاحه أو الزرع قبل اشتداد حبه أو القثاء ونحوه- مطلقاً -أي من غير ذكر قطع ولا تبقية- لم يصح البيع لما تقدم، أو باعه ذلك بشرط البقاء لم يصح البيع لما تقدم، أو اشترى ثمراً قبل أن يبدو صلاحه بشرط القطع وتركه حتى بدا صلاحه بطل البيع بزيادته؛ لئلا يجعل ذلك ذريعة إلى شراء الثمرة قبل بدو صلاحها وتركها حتى يبدو صلاحها». وكذا زرع أخضر بيع بشرط قطع ثم ترك حتى اشتد حبه، أو اشترى جزة ظاهرة من بقل أو رطبة، أو اشترى لقطة ظاهرة من قثاء ونحوها ثم تركهما فنمت بطل البيع؛ لئلا يُتخذ حيلة على بيع الرطبة ونحوها والقثاء ونحوها بغير شرط قطع.
هنا لما ذكر أن هذه الثمار لا تباع إلا بعد بدو صلاحها، وأنه إذا باعها قبل بدو صلاحها مع أصلها أو لمالك أصلها فيجوز، وإذا باعها لغيرهما فإن كان بشرط القطع فيجوز، طيب إذا باعها مفردة وسكت، لم يقل بشرط القطع ولا بشرط التبقية، فهل يصح أو لا يصح؟ لا يصح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أطلق النهي، نهى عن بيع الثمر قبل بدو صلاحه، طبعاً استثنى العلماء إذا بيع بشرط القطع، فاستثنينا فيختص الحكم به، ما عداه يبقى على أصل المنع. أو باعه ذلك بشرط البقاء لم يصح؛ لأنه داخل في الحديث: «نهى عن بيع الثمر حتى تصلح».
المسألة الثالثة: إذا اشترى ثمراً لم يبدُ صلاحه بشرط القطع، قلنا إن بشرط القطع يصح، لكنه لم يقطعه وتركه حتى بدا صلاحه، فهنا يقول: بطل البيع بزيادته، لماذا؟ لأنه قد يتخذ حيلة على بيع الثمر قبل بدو صلاحه ثم يترك حتى يبدو صلاحه، ومن قاعدة الأصحاب رحمهم الله تعالى سد باب الحيل على المحرمات. القول بالبطلان هنا من مفردات الحنابلة رحمهم الله تعالى، ودليلهم حديث النهي: «نهى عن بدو صلاحها»، المستثنى فقط إذا بيع بشرط القطع فقطعه، فبقي ما عداه على أصل التحريم، وهو هنا صحّ بيعه بشرط القطع لكن لم يقطعه، فرجع إلى التحريم. قالوا ولأن تبقيته كونه يبقيه إلى أن يبدو صلاحه، هذا معنى حرّم الشرع اشتراطه لحق الله تعالى، يعني محرم لحق الله ليس لحق الآدمي، يعني لو قال شخص: أنا سأشتري هذا التمر قبل بدو صلاح، لا يجوز، النبي صلى الله عليه وسلم قال كذا، قال: خالف أنا إذا خسرت أنا راضٍ، فهل يجوز؟ لا يجوز؛ نقول المحرم لحق الله تعالى ما حُرّم لحق الله، ما في يعني مدخل ترضى ولا ما ترضى. لو جاء شخص قال: سأتعامل بالربا، قلنا أنت تدفع 1000 ريال، نعم أنت تأخذ 1000 ريال وتدفع 1500، قال: أنا راضٍ، الضرر مو علي، خلاص أنا راضٍ، هل يجوز؟ لا يجوز؛ الربا محرم لحق الله تعالى ليس لحق الآدمي، فما حُرّم لحق الله فلا يُنظر فيه لرضا الآدمي من عدمه أو رضا المتضرر من عدمه. فلذلك قالوا: التبقية معنى حُرّم الشرع اشتراطه لحق الله تعالى فأبطل العقد بوجوده، كالنسمات، لو أنه أبدل ذهباً بذهب، ذهب بذهب لابد فيه من التقابض والتماثل، حصل التماثل لكن التقابض ما حصل، قال أنا راضي ما يخالف يجيب لي الذهب بكرة، هل يجوز؟ ما يجوز، محرم لحق الله تعالى.
وكذا زرع أخضر بشرط القطع ثم ترك حتى اشتد حبه، هذا مثل الثمر. قال: «أو اشترى جزة ظاهرة من بقل أو رطبة أو اشترى لقطة ظاهرة من قثاء ونحوها ثم تركهما فنمت بطل البيع»؛ يعني عندنا إذا اشترى الجزة الظاهرة أو اللقطة الظاهرة، فهنا طبعاً إذا اشتراها لم يبدُ صلاحها، لابد أن يقطعها في الحال. طيب اشتراها ونمت، الأصل أنه يقطعها في الحال لكن لم يقطعها في الحال فنمت، فهنا يقول: بطل البيع لئلا يُتخذ حيلة على بيع الرطبة ونحوها بغير شرط القطع، وهذا يقاس على ما قبله.
قال رحمه الله: «أو اشترى ما بدا صلاحه من ثمر وحصل معه آخر واشتبه بطل البيع». قدمه بالمقنع وغيره، والصحيح أن البيع صحيح، وإن علم قدر الثمرة الحادثة دفع للبائع والباقي للمشتري، وإن اصطلحا ولا يبطل البيع، لأن المبيع اختلط بغيره ولم يتعذر تسليمه، والفرق بين هذه والتي قبلها اتخاذه حيلة على شراء الثمرة قبل بدو صلاحها كما تقدم. هذه مسألة المؤلف رحمه الله تعالى الحجاوي ألحقها بما قبلها، وهناك قول آخر في المذهب أنها لا تُكَيَّف كالتي قبلها. إذا اشترى ما بدا صلاحه من ثمر وحصل معه آخر واشتبه، لو لم يشتبه معروف أن هذه الثلاثة اشترى اثنين، هذه ما اشتراها هذا ما فيه إشكال، الكلام فيما إذا اشتبه، قال: ما أدري والله أيّها التي اشتريت لا أعلم أيّتها التي اشتريت، فهنا ما الحكم؟ المؤلف رحمه الله يقول: بطل البيع قياساً على المسألة السابقة، لا قياساً على المسألة السابقة في الاشتباه، ولا هي ليس فيها حيلة، قياس على المسألة السابقة في الاشتباه. هناك قول آخر في المذهب وهو الذي قال المؤلف: والصحيح أن البيع صحيح، ومشهور المذهب أن البيع صحيح في هذه المسائل؛ لأن هناك في حيلة على بيع الثمر قبل صلاحها، هنا ليس فيه حيلة، لأن هنا بعد بدو الصلاح، قال: والصحيح أن البيع صحيح، وإن علم قدر الثمرة الحادثة.
إن لم تتميز هذه الثمرة الحادثة عن التي وقع عليها العقد، فنقول: الأصل أنها إذا لم تتميز فيكونان شركاء فيها، كل واحد بقدر ثمرته. يعني علموا مثلاً أن هذا له ثلاثة قنوان وهذا له قنوان، فيكون لهذا ثلاثة أخماس الثمر؛ يعني يكونان شريكين في الثمار كلها، يكون لهذا ثلاثة أخماس وهذا له الخمسان، هذا إذا لم تتميز.
إن ما اتفقوا على الشراكة، فنقول يصطلح على أي شيء؛ لو اصطلح مثلاً يباع ويتقاسم الثمن فيصح على أي شيء يتفقان عليه، ولا يبطل العقد؛ لأن المبيع لم يتعذر تسليمه، وإنما اختلط بغيره، فهو كما لو اشترى طعاماً في مكان ما، كما اشترى براً مثلاً، فانسكب عليه بر آخر، فهنا هل نقول بطل البيع؟ لا. انسكب بر آخر وعجز عن التمييز، فهنا لا نقول بطل البيع، وإنما إذا عرف قدره لكل واحد منهما، فيأخذ كل واحد منهما قدر ما يملكه. والفرق بين هذه وبين التي قبلها أن تلك فيها حيلة على شراء الثمر قبل الصلاح، وهذه لا حيلة فيها.
نعم، في المسألة السابقة لا حيلة فيها، لكن الذين قالوا يبطل البيع قالوا للتشابه في مقدار ما له، ما قالوا للحيلة، قالوا للاشتباه، قالوا هؤلاء ممكن يزال، يعني لا نبطل البيع بالاشتباه، وإنما يتفق على شيء معين.
قال رحمه الله: أو اشترى رطباً عرية، وتقدمت صورتها في الربا، فتركها فتمرت أي صارت تمراً، بطل البيع؛ لأنه إنما جاز للحاجة إلى أكل الرطب، فإذا اتمرت تبين عدم الحاجة، سواء كان الترك لعذر أو لا، والكل أي الثمرة وما حدث معها على ما سبق للبائع لفساد البيع.
أحسنت، هنا: أو اشترى رطباً عرية، وتقدمت صورتها في الربا اللي هي العرايا، أي ما المقصود ببيع العرايا؟ بيع بخرصها تمراً، الرطب على رؤوس النخل بخرصها تمراً للمحتاج إلى أكل الرطب. هنا يقول: اشترى رطباً عرية، يعني انطبقت فيها الشروط التي ذكر الأصحاب، لكنه تركها في النخل حتى اتمرت، فهنا بطل البيع؛ لأنه إنما جاز للحاجة إلى أكل الرطب، هنا إذا تركها حتى اتمرت تبين أنه لا يحتاج إلى أكل الرطب، فلذلك لما كانت، وهذا تقدم يمكن الإشارة له هناك أن بيع العرايا هذا استثني للحاجة، والأصحاب ضيقوا هذه الحاجة واشترطوا لها شروطاً أخذوها من الحديث ومن الوقائع الواردة في الحديث، فإذا توفرت صح، وإذا لم تتوفر لو اختل فيها شرط فإنه لم يصح، وهنا اختل فيها شرط الحاجة.
هنا قال: سواء كان الترك لعذر أو لا. يعني أنه إذا كان الترك لعذر واضح أنه، لكن لو كان الترك لغير عذر، يعني أراد أن يقطفه فمثلاً، فمرض مرض أسبوعاً، ما تعدى الأسبوع إلا هي اتمرت، فهنا يقولون أيضاً لا يصح؛ لإطلاق الخبر، خبر «يأكلونها» أو «يأكلها أهلها رطباً»، وهذا لن يأكلها رطباً. قال: والكل أي الثمرة وما حدث معها على ما سبق للبائع لفساد البيع، يعني في كل المسائل التي قلنا فيها إنه يبطل البيع تكون الثمرة للبائع؛ لأن البيع قد فسد.
قال رحمه الله: وإذا بدا أي ظهر ما له صلاح في الثمرة، اشتد الحب، جاز بيعه أي بيع ما ذكر من الثمرة والحب، مطلقاً أي من غير شرط، وجاز بيعه بشرط التبقيه أي تبقية الثمرة إلى الجذاذ والزرع إلى الحصاد، لأمن العاهة، فيبدو الصلاح، وللمشتري تبقية إلى الحصاد والجذاذ، وله قطعه في الحال، وله بيعه قبل جذه، ويلزم البائع سقيه بسقي الشجر الذي هو عليها إن احتاج إلى ذلك، وكذا لو لم يحتج إليه؛ لأنه يجب عليه تسليمه كاملاً فلزمه سقيه، وإن تضرر الأصل بالسقي ويجبر إن أبى، بخلاف ما إذا باع الأصل وعليه ثمر للبائع فإنه لا يلزم المشتري سقيها؛ لأن البائع لم يملكها من جهته.
هنا بين لنا أنه إذا بدا صلاح الثمرة واشتد الحب، هنا يجوز بيعه مطلقاً، ويجوز بيعه بشرط التبقيه. يجوز بيعه مطلقاً يعني من غير شرط القطع؛ يعني له أن يقول بعتك إياه بشرط أن تقطعه، وله أن يقول بعتك إياه بشرط أن تبقيه، وله أن يقول بعتك إياه ويسكت، فكل هذه الحالات تجوز. هذا إذا باعه بعد بدو الصلاح، لكن قبل بدو الصلاح لا بد من اشتراط القطع؛ إذا لم يشترط القطع، أو اشترط البقاء، أو سكت، فلا يصح. أما بعد بدو الصلاح فيجوز بيعه بالحالات الثلاث كلها.
طيب قال: لأمن العاهة، بدو الصلاح، وهذا كما قلنا لك لأنه لما أمنت العاهة فيه، أن الأصل بإذن الله ما دام أنه بدا صلاحه فإنه سيطيب وينضج بإذن الله تعالى، فجاز بيعه في هذه الأمور، لذلك استدل الأصحاب رحمهم الله تعالى بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «حتى يبيض» وفي الزرع: «حتى يبدو صلاحه»، فدل على أن هذا غاية، فما بعد الغاية يختلف حكمها عن ما قبلها، فما قبلها منهي عن بيعه قبل بدو صلاحه أو الزرع قبل اشتداد حبه، بعد الغاية يجوز؛ فيجوز في هذه الحالات الثلاث: يجوز بشرط القطع، ويجوز بشرط التبقيه، ويجوز السكوت عن ذلك.
قال: وللمشتري تبقيته إلى الحصاد والجذاذ، يعني إذا اشتراه المشتري فهو مخير إما أن يبقيه إلى الحصاد والجذاذ، وإما أن يقطعه في الحال، وأيضاً له أن يبيعه قبل أن يجذه؛ يعني مثلاً اشترى تمراً في النخل بعد بدو الصلاح وتركه حتى تكامل صلاحه، ثم باعه على غيره فيجوز. لماذا هذه المسألة مستثناة من الأصل؟ عند الأصل أن كل ما كان في ضمان البائع فإنه لا يجوز لمشتري التصرف فيه، وكل ما كان في ضمان المشتري فيجوز له التصرف فيه، هذه مسألة مستثناة هي من ضمان البائع، الثمرة قابل تكامل صلاحها وصلاحيتها للجذاذ، هي من ضمان البائع، ومع ذلك يجوز للمشتري التصرف فيه، فهي مسألة مستثناة، وهذا تقدم لنا في أول فصل تصرف المبيع قبل قبضه، وإنما جاز له بيعه قبل جذه؛ لأنه يجوز له التصرف فيه، فجاز له بيعه وقد حصل له القبض بالتخلية.
قال: ويلزم البائع سقيه بسقي الشجر الذي هو عليها إن احتاج إلى ذلك؛ لأنه على المؤلف قال: لأنه يجب عليه تسليمه كاملاً. الآن مثلاً باع البائع التمر الذي في النخل، لكن إلى الآن ما تكامل صلاحه، بدا صلاح لكن ما تكامل، البائع مطلوب منه أن يعتني بالنخلة حتى يعتني بالثمر حتى يتكامل صلاحه، مطلوب منه، تحتاج النخلة لسقي فإنه يسقيها. طيب، يقول المؤلف: إذا احتاج إلى ذلك، قلت وكذا لو لم يحتج إليه، طبعاً استدراك من البهوتي، هذا استدراك الحجاوي قيد السقي وجوب السقي بالحاجة، والبهوتي زائد يقول: ما له حاجة لقيد كذا لو لم يحتج إليه، يعني لو لم يحتج إليه بأن كان السقي من مصلحته، لكن ليس من حاجته، بمعنى لو سقاها ستنضج أحسن، أو واظب على سقيها ستنضج أكمل، وإذا ترك السقي ستنضج لكن ستكون أضعف نوعاً ما مما لو توبع سقيها، فهنا ليس فيه حاجة لسقيه لكن فيه مصلحة في سقيها، فعلى كلام الحجاوي أنه لا يلزم البائع السقي في هذه الحالة، والبهوتي يقول: لا بل يلزمه السقي، قال له: كذا لو كان هناك مصلحة لكن ليس فيه حاجة بمعنى لن يتلف الثمر لو ترك السقي، لكن ستقل جودته.
طيب قال: وإن تضرر الأصل، يعني أنه يلزمه السقي حتى وإن تضرر الأصل، وإن تضررت الثمرة، وإن تضررت الشجرة بكثرة السقي، ما دام أن فيه مصلحة للثمرة، قال: ويجبر عليه إن أبى؛ يعني لو أبى البائع أن يسقي فيجبر عليه. قال: بخلاف ما إذا باع الأصل وعليه ثمر للبائع فإنه لا يلزم المشتري سقيها؛ لأن البائع لم يملكها من جهته. يعني لو باع الشجرة، نخله زيد عنده نخله باعها، هذه النخلة فيها تمر، وهذه النخلة قد لقحت، أو على المذهب أنها بدا صلاحها تشقق طلعها حتى لو لم تلقح، ولم يشترط المشتري الثمرة، فهنا الثمرة تكون لمن؟ نعم، لصاحب الأصل الذي هو البائع، الثمرة تكون للبائع، هل يلزم الآن المشتري هو الذي يملك النخلة؟ هل يلزم المشتري السقي هنا؟ لا يلزم المشتري السقي. طيب لماذا قلنا في المسألة الأولى البائع يلزمه السقي، وهنا أقول المشتري لا يلزم السقي؟ كيف؟ طيب هنا المشتري لماذا نقول يلزمه السقي؟ لأن فيه مصلحة طرف آخر؟ لا. المشتري اشترى النخلة، النخلة فيها ثمر قد لقح أو تشقق طلعه ولم يشترط المشتري الثمرة، تكون الثمرة للبائع، طيب نقول هنا في هذه المسألة لا يلزم المشتري السقي، البائع هو يسقي، لماذا قلنا في المسألة الأولى يلزم البائع السقي، وهنا نقول لا يلزم المشتري السقي؟ بمعنى المؤلف أي البائع ما اشتراها من المشتري، البائع استبقى ملكيتها فلم يشتريها من المشتري، هناك المشتري اشتراها من البائع فلزم البائع تسليمها تامة، هنا البائع لم يشتريها المشتري إنما استبقى ملكيته، فلذلك لم يلزم المشتري سقيها.
وإن تلفت ثمرة بيعت بعد بدو صلاحها دون أصلها قبل أوان جذاذها بآفة سماوية، وهي ما لا صنع لآدمي فيها كالريح والحر والعطش، رجع ولو بعد القبض على البائع، لحديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الجوائح، رواه مسلم، ولأن التخلية في ذلك ليست بقبض تام، وإن كان التالف يسيراً لا ينضبط فات على المشتري. وإن أتلفه أي الثمرة المبيعة على ما تقدم آدمي، ولو البائع، خير المشتري بين الفسخ ومطالبة البائع بما دفع من الثمن والامضاء أي البقاء على البيع، طالبه المتلف بالبدل.
هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى الجوائح: تلف الثمر ونحوه قبل جذاذها بآفة سماوية، إذا تلفت الثمرة التي بيعت بعد بدو صلاحها دون أصلها، دون أصلها، هذا يفيدك أنها إذا بيعت مع أصلها، بيعت مع أصله؛ يعني اشترى زيد من عمر النخلة كاملة، وجاءت جائحة، مطر شديد، فتلف التمر كله، هل توضع الجائحة؟ لا، إذا الجائحة توضع في شراء الثمر فقط دون أصله، لو شرى النخلة كاملة لا توضع الجائحة.
قال: إذا تلفت ثمرة وبيعت بعد بدو صلاحها دون أصلها قبل أوان جذاذها. إذا بيعت بعد أوان جذاذها، أيوا طبعاً تكون على المشتري ما لم يمنعه بائع من قبضه. يعني الآن خلاص تكامل صلاح التمر مثلاً يوم السبت، المشتري تأخر في تكامل صلاحه، تعال، اخرف، تأخر المشتري إلى يوم الخميس، يوم الأربعاء جاء مطر شديد فتلف التمر، هنا هل توضع الجائحة؟ ما انتبهت؟ طيب، اشترى زيد من عمر ثمر النخل، قد بدا صلاحه لكن لم يتكامل صلاحه، تكامل صلاحه يوم السبت، جاء المشتري تعال اخرف، هذا التمر، التمر كان طيب، تأخر، جاء كان بيجي يوم الخميس، جاء يوم الأربعاء مطر شديد فتلف هذا التمر كله، هل توضع الجائحة هنا؟ ما توضع. لماذا؟ لأنه تأخر، فيصار التأخر من المشتري، فيتحمل؛ فهو مفرط بترك النقل، فهو مفرط بترك نقل الثمر. إذاً الثمرة إذا تلفت بعد بدو صلاحها توضع الجائحة بشرط ألا تكون قد بيعت مع أصلها، وبشرط أن يكون التلف قبل أوان الجذاذ.
طيب قال هنا: تلفت بآفة سماوية. عندنا أتلف بأمرين، إما بآفة سماوية أو بإتلاف آدمي. الآن سيتكلم إتلاف الآفة السماوية. الآفة السماوية تقدم معنا في الفصل السابق في تصرف المبيع قبل قبضه، تكلمنا عن الآفة السماوية ولا صنع للآدمي فيها، قال كالريح والحر والعطش، هنا تكون على من؟ الضمان على البائع، لذا قال رجع ولو بعد القبض، يعني ولو بعد التخلية يرجع على البائع لحديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الجوائح، رواه مسلم، ولأن التخلية في ذلك ليست بقبض تام.
والجائحة جاء تفسيرها من قول جابر: الجائحة تكون في البرد والجراد، وجاء في مطبوعة المغني والشرح الكبير وفي الحبق، قالوا كذا وجدناها، قال محقق كذا وجدتها ولا أعرف المعنى، وذكر في تحقيق الشرح الكبير قال: في بعض النسخ الخطية لشرح الكبير قالوا لعلها الحرق، والحرق واضحة، قال: والسيل، وفي الريح. هذا تفسير من الراوي جابر للجائحة، فهنا يسير، فهنا يسير فلا يضمنها البائع، طيب اليسير يرجع فيه إلى العرف، والقول بوضع الجوائح في القليل والكثير اليسير، هذا مستثنى اليسير العرف في القليل والكثير، يعني أنه لا يحد بنسبة معينة، هذا من مفردات الحنابلة رحمهم الله تعالى، المالكية حده بالثلث، وأما الشافعية والحنفية فإنهم لا يرون وضع الجوائح.
طيب، هذا إذا كان التلف بجائحة خلاف، فإذا كان المتلف آدمياً فنقول للمشتري: أنت بالخيار بين أمرين، إما أن تفسخ البيع وترجع على البائع بماذا؟ بالثمن الذي دفع، أو يمضي البيع ويطالب المتلف بالبدل، البدل الذي هو.
البدل؛ يعني يطالبه ببدله، مثله. نعم، إذا كان مثلياً فيطالب بمثله، وإذا كان قيمياً فيطالب بقيمته. تقدمت هذه ترى معنا سابقاً في التصرف في المبيع قبل قبضه؛ أنه يفرق بين الجائحة وبين المتلف. إذا كان آدمياً، فالثمن الذي هو الذي وقع عليه العقد، والقيمة أي قيمة في السوق.
هنا ذكر الشارح ابن أبي عمر إشكالاً؛ الآن إذا قلنا يطالب المتلف بالبدل إذا اختار البقاء، فالمطالبة بالبدل، بالمثل للمثلي وبالقيمة للقيم؛ لو كانت قيمته أكثر من ثمنه، يعني مثلاً اشترى تمراً بـ 1000 ريال، ولكن قيمته عند البائع -صديقه لذلك رعاه في السر- وقيمته مثلاً 1500، فتلف هذا التمر؛ فقال: "خلاص أنا سأختار الإمضاء والطلب بالبدل" الذي هي القيمة 1500، هذا الحكم.
ابن أبي عمر يقول: كيف تقولون له أن يطالب بالبدل، وهو القيمة، وقد تكون القيمة هنا أكثر من الثمن؟ وقد نهى النبي ﷺ عن «ربح ما لم يضمن»، وهو هنا لم يدخل في ضمان، فكيف تكون هنا ربحاً والثمر لم يدخل في ضمانه؟ ما الجواب عن ذلك؟ ذكر الإشكال وجوابه.
أول شيء نستحضر حديث النبي ﷺ: «لا تَرْبَحْ فِي مَا لَمْ تَضْمَنْ». يعني الشيء الذي ليس في ضمانك فإنه لا يجوز لك أن تربح فيه. متى ينتقل الشيء إلى ضمانك؟ بالتملك أو بالقبض. هنا الثمرة قبل أوان الجذاذ ليست في ضمان المشتري، فلا يجوز للمشتري أن يربح فيها؛ لأنه لم تدخل في ضمانه، فلا يجوز له أن يربح فيها.
هنا يقول ابن أبي عمر: النبي ﷺ نهى عن «ربح ما لم يضمن»، فإذا قلتم إن له أن يطالب المتلف بالبدل، وكان البدل هو القيمة وهي أكثر من الثمن، فقد ربح فيما لم يدخل في ضمانه، فما الجواب عن ذلك؟ ليس معاوضة؛ هو قال: والمراد بالخبر النهي عن الربح بالبيع، يعني أن يبيع ويربح فيما لم يدخل في ضمانه. والنهي عن الربح بالبيع بدليل أن المكيل لو زادت قيمته قبل قبضه ثم قبضه جاز ذلك بالإجماع. يعني لو اشترى تمراً، وقيمة التمر مثلاً 100 ريال قبل أن يكيل له البائع، وهو جالس في المجلس ارتفعت قيمته إلى 120، وطبعاً لم يبعها حتى الآن، فهو الآن سيربح؛ فهل نقول لا يجوز لأنك ستربح والآن لم يدخل في ضمانك؟ لا، لأنه هنا الربح جاءه بغير معاوضة، أنه لم يعاوض. فيقول هنا: هذه مثلها، الربح أتاه بغير معاوضة.
قال رحمه الله: وصلاح بعض ثمرة الشجر صلاح لها ولسائر النوع الذي في البستان؛ لأن اعتبار الصلاح في الجميع يشق. وبدو الصلاح في ثمر النخل أن تحمر أو تصفر؛ لأنه ﷺ نهى عن بيع الثمرة حتى تزهو، قيل لأنس: وما زهوها؟ قال: «تحمار أو تصفر». وفي العنب أن يتموه حلواً؛ لقول أنس رضي الله عنه: «نهى النبي ﷺ عن بيع العنب حتى يسود» [رواه أحمد]. وفي بقية الثمرات كالتفاح والبطيخ أن يبدو فيه النضج ويطيب أكله؛ لأنه ﷺ نهى عن بيع الثمرة حتى تطيب [متفق عليه]. والصلاح في نحو القثاء أن يؤكل عادة، وفي الرمان أن يشتد أو يبيض.
ذكر المؤلف رحمه الله تعالى الصلاح؛ هل لابد أن يبدو الصلاح في جميع الشجر أو يكفي في بعض الشجر؟ وهل لابد أن يبدو الصلاح في جميع ثمر الشجرة أو يكفي بعضه؟ عندنا الشجرة الواحدة، وعندنا النوع، وعندنا الجنس. فصلاح بعض ثمر الشجرة صلاح لها ولسائر ثمر الشجرة في نفسها؛ فإذا اشترى تمراً في النخلة، مثلاً فيها عشرة قنوان، ثلاثة قنوان بدا صلاحها والسبعة لم يبدُ صلاحها، فيجوز أن يشتري كل هذه العشرة؛ لذلك يقول: "وصلاح بعض ثمر الشجرة صلاح لها".
هل يجوز أن يشتري النخلة الثانية التي بجوارها وهي لم يبدُ صلاحها؟ يعني هنا من نفس النوع، فهل يجوز؟ نعم، هنا يقول المؤلف: "وصلاح بعض ثمرة الشجرة صلاح له ولسائر النوع الذي في البستان". لماذا؟ أما صلاحها للشجرة نفسها فهذا لا خلاف فيه، وأما صلاحها لباقي الشجر من النوع ذاته فهو على أحد القولين في المذهب، وهو المشهور؛ لماذا؟ قال: لأن اعتبار الصلاح في الجميع يشق؛ الواحد يشتري تمر المزرعة كلها، فلو قلنا لابد أن تنتظر حتى يصلح الجميع لشق ذلك. لذلك قالوا: النوع الواحد يجوز بيعه.
أما الجنس، يعني مثلاً هذه السكري أطلع، لكن الخلاص تأخر ولم يبدُ صلاحه، فهنا يقول: ليس صلاحاً للأنواع الأخرى. فإذا قالوا: صلاح بعض ثمر الشجرة صلاح للشجرة وصلاح لسائر النوع الذي في البستان، وإذا قالوا في البستان المجاور ليس صلاحاً له؛ لماذا؟ قالوا: لأنه هنا إذا قلنا مثلاً ليس صلاحاً للشجرة، فسيصير بعض القنوان للمشتري وبعض القنوان للبائع، فيحصل تداخل، وتتكاثر الأيدي على الشجرة الواحدة فيكون فيه ضرر؛ فلذلك قالوا يرفع الضرر بأن يعتبر الصلاح في بعضها صلاحاً للجميع.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى بدو الصلاح، كيف أو صفة بدو الصلاح؟ بدو الصلاح في ثمر النخل أن يحمر أو يصفر؛ للحديث أن عليه الصلاة والسلام نهى عن بيع الثمرة حتى تزهو، وفسر أنس زهوها بأن تحمر أو تصفر. وفي العنب أن يتموه حلواً، وهذا في العنب الأبيض، فصلاحه بتموه وهو أن يبدو فيه الماء الحلو ويلين ويصفر لونه؛ لحديث أنس: «نهى النبي ﷺ عن بيع العنب حتى يسود». وفي بقية الثمر كالتفاح والبطيخ أن يبدو فيه النضج ويطيب أكله؛ أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن...
حتى تطيب، وفي نحو القثاء إن يؤكل عادة، يعني هو لا يتغير لونه ويؤكل صغيراً وكبيراً، فنقول: إذا وصل إلى درجة يؤكل عادة فيكون قد صلح. وفي حب أن يشتد أو يبيض؛ للحديث أن النبي ﷺ نهى عن بيع السنبل حتى يشتد.
الآن سيتكلم عن بيع العبد. قال رحمه الله: «ومَن باع عبداً أو أمةً وله مال، فماله للبائع إلا أن يشترطه المشتري». لحديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً: «من باع عبداً وله مال، فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع» رواه مسلم.
فإن كان قصده -أي المشتري- المال الذي مع العبد، اشترط علمه، أي العلم بالمال وسائر شروط البيع؛ لأنه مبيع مقصود، أشبه ما لو ضم إليه عيناً أخرى. وإلا -وإلا يكن قصده المال- فلا يشترط له شروط البيع، ويصح شرطه ولو كان مجهولاً؛ لأنه دخل تبعاً، أشبه أساسات الحيطان، وسواء كان مثل الثمن أو فوقه أو دونه.
وإذا شرط مال العبد ثم رده بإقالة أو غيرها، رده معه وثياب الجمال التي على العبد. وثياب الجمال التي على العبد المبيع للبائع؛ لأنها زيادة على العادة ولا يتعلق بها حاجة العبد، وثياب العادة للمشتري لجريان العادة ببيعها معه، ويشمل بيع دابة كفرجا وقوداً ونعلاً.
هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى مسائل تتعلق ببيع العبد، يعني ما يشمله بيع العبد، ولعلهم الحقوها في هذا الباب لأنها وردت مع جملة تأبير النخل جاءت في حديث واحد، فلعله لذلك الحقوا بهذا الباب، وهو أيضاً من باب آخر لأنه شبيه ببيع الأصول وما يتبعها، فهو هنا ما يتبع بيع العبد.
يقول: «من باع عبداً أو أمة وله مال، فماله للبائع إلا أن يشترطه المشتري»، حديث ابن عمر مرفوع عن النبي ﷺ: «من باع عبداً وله مال، فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع» رواه مسلم، وأيضاً البخاري رحمه الله قد رواه.
هذا واضح؛ الذي يبيع عبداً وله مال فماله للبائع، لماذا؟ لأن العبد لا يملك، فجميع ما عليه هو ملك لسيده، فإذا باع السيد باع العبد، واختص البيع به دون غيره، فماله الذي عليه أو الذي معه يكون لبائعه مالكه السابق، إلا أن يشترطه المبتاع؛ قال: اشترطت هذا العبد بالمال الذي معه، فهنا يصح هذا الشرط.
قال: «فإن كان قصده -أي قصد المشتري- المال الذي مع العبد، اشترط علمه»، أي العلم بالمال وسائر شروط البيع، أنه حقيقة اشترى عبداً ومالاً؛ لا لازم يصير نقوداً، لكان مثلاً عليه ساعة أو معه جوال أو نحو ذلك، فهنا نقول: إذا كان قصد المشتري أن يتملك هذه الساعة وهذا الجوال فهنا لابد أن يكون عالماً بهذا المال، فيشترط علمه؛ لأنه يعتبر كأنه اشترى عبداً وجوالاً أو عبداً ونحو ذلك. هذا إذا كان قصده، قال: لأنه مبيع مقصود، قصد العبد وقصد المال، أشبه ما لو ضم إليه عيناً أخرى؛ يعني كأنه اشترى مثلاً عبداً وسيارة، فإذا اشترى عبداً وسيارة، فالسيارة ما لها علاقة بالعبد، فيستطيع أن يقول: هذا مثله.
وإلا يكن قصده المال، يعني هو أصلاً ما قصد أن يتملك هذا المال، فهنا يقول: لا يشترط شروط البيع، هو اشترط فقال: بشرط أن يكون المال معه، بس ما قصد أن يتملك، قصد أن يقي العبد، فهنا لا يشترط شروط البيع، فيجوز أن يشترطه ولو كان مجهولاً، يعني ما يدري ما مع العبد مثلاً، كأن يقول: أريده بما كان معه من ممتلكات خاصة به، قال: لأنه صح شرطه؛ لأنه ولو كان مجهولاً فإنه دخل تبعاً، كما قلنا قبل قليل إن التوابع يغتفر فيها الغرر والجهالة، أشبه أساسات الحيطان، سواء كان مثل الثمن أو فوقه أو دونه.
يعني المال الذي مع العبد، لو اشترى مثلاً العبد بـعشرة آلاف ريال واشترط أن يكون المال معه ولم يكن قصده تملك المال، وكان المال الذي مع العبد أكثر من عشرة آلاف، كأن يكون معه جوال وساعة وملابس، فإنه لا إشكال، تكون أكثر أو أقل؛ لأنها تغتفر فيها الغرر والجهالة.
أما إذا اشتراه بشراء هذا العبد بنقود، والعبد معه نقود، وكان قصده المال، فهنا الحالة الثانية، فإن كان قصده المال فهنا لا يصح هذا العقد؛ لماذا؟ لا، ما تفريق صفقة مسائل مبادلة مال بمال من جنسه ومع المال الآخر من غير جنس؟ يعني باع مثلاً عشرة بألف، وعقد العبد معه مئة ألف، فهنا تدخل مسائل المبادلة إذا كان قصده المال، أما إذا ليس قصده المال فهي المسألة الثالثة فلا تدخل.
تكلم عن الثياب طبعاً، قبلها إذا شرط مال العبد ثم رده بإقالة أو غيرها، فإنه يرد المال معه؛ قال: اشتريت من كذا أن يكون ماله مثلاً معه جوال، فأخذه، ثم قال: خلاص هونت، رد العبد بإقالة، هل يرد معه الجوال أو لا؟ هل يختلف الحكم لو قلنا فسخ أو عقد جديد؟ يبحث هل هذه من المسائل التي ذكروها أو لا، يبحث ما أدري، لكن الأصحاب رحمه الله تعالى يقولون: يرده معه؛ لأنه عين مال أخذها المشتري ولا تحصل بدون البيع، يعني هو لن يحصل له الجوال هذا بدون شراء العبد فيرده بالفسخ، ولأن العبد إذا كان ماله كانت قيمته أعلى، فأخذ ماله ينقص قيمته، فرده وأبقى ما له، وإن أنقص قيمته فلم يملك رده حتى يدفع ما.
ثم تكلم المؤلف رحمه الله تعالى عن الثياب؛ إذا اشترى عبداً عليه ثياب، فهل الثياب تصير مع العبد؟ طبعاً إذا لم يشترط الكلام، فالمؤلف رحمه الله تعالى فرق بين نوعين من الثياب: ثياب الجمال، وثياب العادة.
ثياب الجمال التي هي الزائدة عن العادة، أصلها أنها لا تكون للعبد، فترجع إلى مالكه السابق. وقالوا: الثياب الجمال التي على العبد المبيع للبائع؛ لأنها زيادة على العبد، ولا يتعلق بها شيء، فالأصل أن البائع ألبسه إياها لحاجته، وليست لحاجة العبد، فتكون للبائع. أما ثياب العادة عليه، مثل ثوب أو سروال وبنطلون كالعادة، فهذه تكون للمشتري وتتبع العبد؛ لجريان العادة ببيعها معه.
ثم تكلم المؤلف رحمه الله تعالى عما يشمله بيع الدابة، فبيع الدابة يشمل توابعها؛ قال: «يتبع بيع دابة كفرس: لجام الذي يجعل في فم الدابة، ومقود، ونعل»، والنعل هو الحذاء الذي يوضع للحصان. فهذه كلها تشملها البيع، كما قلنا في أول الباب إنها ترجع للعرف؛ فالعرف في زمننا هذا تشمله، وإذا اختلف العرف نقول: الأصل يرجع فيه إلى العرف ما لم يكن هناك شرط، فإذا كان هناك شرط فالشرط مقدم على العرف.
نسأل الله التوفيق والسداد. يقول: «استواء الثمر ليس في زمن واحد»، فهل قالوا بذلك أيضاً؟ لأننا إذا انتظرنا صلاح جميع الثمر قد يفسد الثمر الذي استوى في أول الوقت. قلنا: إذا كان هذا الكلام في بدو الصلاح في الثمار، يكون بدو الصلاح لصلاح جميع الشجرة والأشجار الأخرى التي في البستان من النوع نفسه، لكن لا يكون صلاحاً لجنس آخر كالتمر من نوع آخر، ولا يكون صلاحاً للأشجار التي من نوع آخر لكن خارج البستان، كما لو كان في بستان مجاور.
يقول: «العبد لا يملك»، فكيف قالوا له مال هذه عنها؟ جواب هذا الإشكال ذكره الأصحاب؛ ولو أنصفنا لوجدنا جوابين: أحدهما أن هذا مبني على القول الثاني في المسألة، وأن العبد يملك بالتمليك، فتجري هذه المسألة بناءً عليه. والجواب الآخر: أن قوله "له" ليس للملك، بل اختص به أنه أعطاه لحاجته، فهل يتبعه في البيع أم لا؟ وهذا جارٍ على ما يقرره الأصحاب من أن العبد لا يملك حتى وإن ملكه صاحبه أو سيده.
انتهينا ولله الحمد من التعليق على المجلد الرابع من حاشية ابن قاسم على الروض المربع، نسأل الله أن ينفعنا بما تعلمنا وعلمنا. والحقيقة أن هذا الكتاب تختلف طرق الشراح أو المشايخ الذين يعلقون عليه؛ فمنهم من يكون تعليقه فك عبارة، ومنهم من يكون تعليقه إجمالياً، ومنهم من يعلق على المسائل ويرجح، سواء كان الترجيح مذهبياً أو خارج المذهب، ولكل وجهة مولاها، ولا نخطئ طريقة عن طريقة ما كانت صحيحة.
لكن المهم أن يكون الدرس موجهاً إلى أناس يستوعبون هذا الشرح. والحقيقة أن الشرح الذي سرنا عليه في هذا الكتاب هو توضيح عبارة المصنف، وتقرير المذهب في المسائل، وعدم الخروج عن المذهب، وذكر بعض الإشكالات في الاستدلالات؛ فأحياناً تجد الأصحاب يستدلون بدليل أو يعللون بتعليل قد يكون فيه إشكال، أو يكون لا إشكال فيه ولكن وجهه غامض، فنهتم في هذا الدرس بمثل هذه الإشكالات وتوضيحها.
لأن فك العبارة -والحمد لله- تجاوزتم هذه المرحلة، فالمجرد هو فك العبارة فقط، ثم ننتقل إلى ما بعده، وهذا هو الذي يسلكه الشيخ ابن قاسم والشيخ البهوتي رحمه الله وغيرهم ممن تولى إقراء الروض؛ فكان تدريسهم للروض تدريس استشكال، وهو عرض لبعض الاستدلالات والاستشكالات، فليست قراءة مجردة، بل يقرؤونه قراءة تفاهم واستشكال.
ونسأل الله أن يمن علينا بالعلم النافع والعمل الصالح، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان