بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا وعملاً صالحًا يا كريم.
أما بعد؛ فقد كنا قد أنهينا الكلام على باب الربا والصرف في الدرس الماضي، وسنبدأ في هذا الدرس بإذن الله تعالى في باب السلم.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن تبعه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا ولأساتذتنا رحمهم الله تعالى.
باب السلم: هو لغة أهل الحجاز، والسلف لغة أهل العراق، وسمي سلمًا لتسليم رأس المال في المجلس، وسلفًا لتقديمه. وهو شرعًا: عقد على موصوف ينضبط بالصفة في الذمة، فلا يصح في عين، كأن يقول: هذه الدار مؤجلة بأجل معلوم بثمن مقبوض بمجلس العقد. وهو جائز بالإجماع، لقول النبي ﷺ: «من أسلف في شيء، فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم» متفق عليه. ويصح السلم بألفاظ البيع لأنه بيع حقيقة، وبلفظ السلم والسلف لأنهما حقيقة فيه، إذ هما اسمان للبيع الذي عُجل ثمنه وأُجل مثمنه.
ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب أحكام السلم، وأيضًا سيتكلم في خاتمة هذا الباب عن أحكام تتعلق بالدين. والسلم هو نوع من البيع، فهو عكس البيع بثمن مؤجل؛ فيكون التأجيل في السلم للسلعة، وأما الثمن فيكون مقدمًا في مجلس العقد.
يقول: السلم لغة أهل الحجاز، والسلف لغة أهل العراق، يعني أن كليهما بمعنى واحد، فالسلم والسلف بمعنى واحد، لكن السلم لغة أهل الحجاز، والسلف لغة أهل العراق. يقال: سَلَمَ وأسلم، وسلف وأسلف، وكلها بمعنى واحد، لكن السلف يطلق على القرض، والسلم لا يطلق على القرض، ولعل هذا هو سبب تسمية الباب بباب السلم لئلا يلتبس بالقرض، وهذا أشار إليه الزركشي رحمه الله تعالى.
واستدرك بعض الشراح على كون السلف تسمية أهل العراق، لأنه ورد عن النبي ﷺ في الحديث أنه قال: «من أسلف...»، قاله؛ للدلالة على أن النبي ﷺ من أهل الحجاز، فدل على أنه حتى أهل الحجاز يطلقون على السلم "سلف". ما رأيكم في هذا الاستدراك؟ هل هو صحيح؟ هذا الاستدراك محتمل، وإنما لم نقل بالجزم به لأن الحديث يُروى بالمعنى، فقد يكون أحد الرواة تصرف فيه ورواه بالمعنى "من أسلف"، وقد يكون النبي ﷺ قال "من أسلم"، فلذلك نقول هذا محتمل؛ لا نقول إنه خاطئ أو نقول إنه صحيح، محتمل أن يكون كذا أو يكون كذا، لكن هذا المنقول في كتب اللغة أن السلم لغة أهل الحجاز، والسلف لغة أهل العراق.
ثم قال: سمي سلمًا، وسمي سلفًا. سمي سلمًا لتسليم رأس المال في المجلس، وسمي سلفًا لتقديمه؛ فكلا التسميتين عائده إلى أن الثمن مقدم.
ثم ذكر تعريفه في الاصطلاح، وهو التعريف الذي بين قوسين: "عقد على موصوف في الذمة مؤجل بثمن مقبوض بمجلس العقد". هذا التعريف هو تعريف الحجاوي، وهو تعريف طويل لأنهم يذكرون أو يضمنون هذا التعريف بعض الشروط. ولذلك هنا فقط، قال ابن قاسم: إن هذا التعريف انتقد من صاحب "المبدع"؛ لأن صاحب المبدع ذكر بعض الشروط في التعريف. فقال: لو قيل "بيع موصوف في الذمة إلى أجل" كان كافيًا. وهذا الذي ذكره صاحب المبدع نقله أيضًا البهوتي في "الكشاف". والموفق في "المغني" عرفه بأنه: "سلم عوض حاضر في عوض موصوف في الذمة إلى أجل".
والمقصود من السلم هو أن يُسلم رأس المال في المجلس، وتكون السلعة مستلمة مؤجلة وتكون غير معينة، هذا هو المقصود، فأي تعبير عبرت به فهو صحيح.
قال: "عقد على موصوف ينضبط بالصفة"، إذ لا بد أن ينضبط بالصفة، وهذه إحدى الشروط. "موصوف" يقصد به غير معين، "ينضبط بالصفة" أي يكون معلومًا بالوصف. "في الذمة" فلا يصح في عين، فلا يقول مثلاً: أسلمت إليك في هذه السيارة أو في هذا التمر؛ لا، لا بد أن يكون غير معين. "مؤجل" فلا يكون حالًا، ستأتي من ضمن الشروط. "بأجل معلوم، بثمن مقبوض في مجلس العقد"؛ فلو أتى أحمد إلى عبد العزيز وقال له: أريد منك في نهاية الموسم مثلاً أن تعطيني عشرة أصع من التمر، مقابل 500 ريال، هذه الـ 500 ريال لا بد أن تكون حالّة مقبوضة، وليست آجلًا. فلو تفرقا قبل القبض بطل السلم.
قال: "وهو جائز بالإجماع"، وهو جائز بالكتاب والسنة والإجماع. وقلنا لكم مرارًا إن أحيانًا الفقهاء يقدمون دليل الإجماع؛ لأنه لا يرد عليه النسخ، أو قد يُفهم على غير مراده بخلاف نص الكتاب أو نص السنة، فقد يكون نص السنة فيه ضعف، ولذلك يقدمون دليل الإجماع. وناق الإجماع على ذلك الموفق وابن منده قبله.
ولقوله ﷺ: «من أسلف في شيء، فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم»، هذا دليل السنة. ومن الكتاب قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: 282]. يقول ابن عباس رضي الله عنه في تفسير هذه الآية: "أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى قد أحله الله في كتابه وأذن فيه"، ثم قرأ هذه الآية. هل هذه الآية تدل على دين السلم فقط؟ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾.
هل تدل على عموم الديون؟ الديون المؤجلة تكتب، لكن من أول ما يدخل فيها دين السلم؛ لذلك هذه الآية تشمل السلم وغيره.
إذا كان جائزًا بالكتاب والسنة والإجماع، فبالطبع عندنا في السلم في البيع أركانًا. تذكرون عندنا أركان البيع: العاقدان، والمعقود عليه، والصيغة؛ فالمعقود عليه هو السلعة والثمن. أنشد فقلت: ثلاث أركان، وأنشد فقلت: في البسط خمسة. في السلم عندنا نفس الخمسة، هذه الأركان هي: العاقدان، وهما يسميان في باب السلم المسلم والمسلم إليه. المسلم يقابل المشتري؛ لأنه هو الذي يقدم الثمن. والمسلم إليه يقابل البائع في المثال السابق.
الذي يقابل الثمن يسمى رأس مال السلم، أو تقول المسلم فيه؛ والسلعة هي المسلم فيه، صحيح. رأس مال السلم هو الثمن، والسلعة هي المسلم فيه التي ستكون مؤجلة. عندنا الخامس الصيغة. إذاً الأركان هي: المسلم الذي يقدم الثمن، والمسلم إليه الذي يلتزم بإحضار السلعة، ورأس مال السلم وهو الثمن المقدم في مجلس العقد، والمسلم فيه وهي السلعة التي ستأتي لاحقًا، والخامس الصيغة.
يقول: يصح السلم بألفاظ البيع؛ لأن السلم حقيقةً بيع، لكنه بيع مؤجل فيه المثمن مؤجل. فهو نوع من البيع، فيصح بألفاظ البيع؛ فيصح أن يقول: ابتعت منك أو اشتريت منك هذه العشرة صواع من التمر مقابل هذه الخمسمائة ريال أو الثلاثمائة ريال أقدمها لك، يصح سلمًا. ويصح أيضًا بلفظ السلم والسلف؛ لأنهما حقيقة فيه، فهو باب السلم والسلف. قال: إذًا هما السلم والسلف اسم للبيع الذي عُجل ثمنه وأُجل مثمنه. إذاً ينعقد السلم بلفظ البيع، وينعقد السلم أيضًا بلفظ السلم والسلف.
الآن سيذكر المؤلف رحمه الله تعالى شروط صحة السلم. قال رحمه الله: بشروط سبعة زائدة على شروط البيع. مر معنا في شروط البيع أنها سبعة، وهي: الرضا، وأن يكون المبيع مباح النفع من غير حاجة، والملك، والقدرة على التسليم، والعلم بالمبيع، والعلم بالثمن. الشرط الأخير يعود للعاقدين؛ يكون العاقدان جائزين.
الآن نتحدث عن شروط السلم؛ السلم بيع، فيشترط فيه شروط البيع السبعة السابقة، ويقول: يشترط له شروط سبعة زائدة على شروط البيع. هل شروطه أربعة عشر؟ قد يصح تجاوز ذلك؛ لأن شروط السلم السبعة هذه بعضها كتفسير للشروط السابقة التي مرت معنا في البيع، فلذلك قد لا تكون أربعة عشر، بل تكون أقل إذا فصلناها. مثلاً: الشرط الأول "انضباط صفاته" هذه تدخل في "العلم بالمبيع"، وهكذا. فلذلك لا نقول إن شروط السلم أربعة عشر، لأن بعض الشروط هناك كالتفصيل للشروط التي مرت معنا في البيع.
قال: والجار متعلق به؛ يعني يصح السلم بشروط سبعة. قال رحمه الله: أحدها انضباط صفاته التي يختلف الثمن باختلافها اختلافًا كثيرًا ظاهرًا؛ لأن ما لا يمكن ضبط صفاته يختلف كثيرًا فيفضي إلى المنازعة والمشقة. ومما يمكن ضبطه: المكيلات من حبوب وثمار، والخل، والدهن، واللبن ونحوها، والموزونات من قطن وحرير وصوف ونحاس وزئبق وشب وكبريت وشحم، واللحم النيء ولو مع عظمه إن عُين موضع قطعه ومذبحته.
وأما المعدود المختلف كالفواكه، فالمعدود كالرمان لا يصح السلم فيه لاختلافه بالصغر والكبر، وكالوز، لأنها تختلف ولا يمكن تقديرها بالجزم، وكالذرع؛ لأنها تختلف ولا يمكن ذرعها لاختلاف الأطراف، وكالكؤوس، والكاريب؛ لأن أكثر ذلك العظام والمشارف، والعوان المختلف الرؤوس والأوساط كالقماقم. وكل مغشوش؛ لأن غشه يمنع العلم بالقدر المقصود منه، فإن كانت الأثمان خالصة صح السلم فيها ويكون رأس المال غيرها. ويصح السلم في الفلوس ويكون رأس المال عرضًا. وما يجمع أخلاطًا مقصودة غير متميزة كالغالية والنورة والمعاجين التي يتداوى بها؛ فلا يصح السلم فيه لعدم انضباطه.
ويصح السلم في الحيوان، ولو أدمياطي؛ لحديث النبي ﷺ: «استلف من رجل بكرًا» [رواه مسلم]. ويصح أيضًا في الثياب المنسوجة من نوعين كالكتان والقطن ونحوهما لأن ضبطها ممكن، وكذا النشب والنبل، والشنان والخفاف والرماح. ويصح أيضًا فيما خلط -بكسر الخاء- غير مقصود كالجبن فيه المنفحة، وخل التمر فيه الماء، والسكن -والسكن الخل- ونحوها كالشير والخبز والعجين.
هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى الشرط الأول من شروط صحة السلم، يقول: أحدها انضباط صفاته التي يختلف الثمن باختلافها اختلافًا كثيرًا ظاهرًا. يعني أنه لابد أن يكون المسلم فيه مما ينضبط بالصفة، فإذا كان لا ينضبط بالصفة فلا يصح السلم فيه، وسيمثل لك على أشياء تنضبط بالصفة وعلى أشياء لا تنضبط بالصفة. التي تنضبط بالصفة: المكيلات، والموزونات، والمكيلات، والمزروعات، والمعدودات، والحيوان. وإلا فأغلب المعدودات لا يصح؛ أو نقول: عندنا في المعدودات ما لا يختلف صغرًا وكبرًا فيصح السلم فيها، وفي معدودات تختلف فلا يصح السلم فيها، ويستثني الحيوان. وكون المكيل والموزون مما يصح السلم فيهما هذا قول واحد في المذهب، وأما المعدود ففيه قولان، والمذهب منهما جواز السلم فيه.
لماذا اشترطوا أن يكون مما ينضبط بالصفة؟ قالوا: لأن ما لا يمكن ضبطه بالصفة يختلف كثيرًا فيفضي إلى المنازعة والمشقة. الأصل أن العقود إنما شرعت لمصلحة الناس، وأي عقد إذا كان يفضي إلى المنازعة والمشاقة فإنه ينهى عنه؛ ولذلك نهي عن الغرر في العقود لما يفضي إلى المنازعة والمشاقة، فالمنازعة غير مطلوبة للشارع، ولذلك نهي عن ما يسبب المشاقة بين المسلمين.
فإذا كان هذا الشيء الذي لا ينضبط بالصفة يفضي إلى المنازعة، فإنه لا يصح السلم فيه. بمعنى لو قال مثلاً من الأشياء التي لا تنضبط في الصف الرمان، قال: أسلمت إليك في الرمان معدودًا، قال: أسلمت إليك هذه مائة ريال وتسلمني خمسين رمانة مثلاً، بعد ستة أشهر جاء وسلمه خمسين رمانة على العدد، لكنها مختلفة؛ الكبير والصغير والوسط، قال: لا أريدها، كلها كبيرة، قال: تسرّت عليه؛ فهنا يكون فيه منازعة. لكن لو اشترط عليه لو كان هذا الشيء يقاس بالكي أو بالوزن، فهنا لن يحصل منازعة أو مشاقة.
من الأصل نقول لا يصح، إلا أن يحصل هذا الشيء، إلا أن يحصل هذا الأمر؛ ها هو أصلاً السلم فيه غرر، ومن الأصل أن الغرر في أنه قد يحصل وقد لا يحصل. ولذلك بعض العلماء رحمهم الله تعالى قالوا إن السلم ثبت على خلاف القياس؛ والمقصود بالقياس هنا إذا قالوا ثبت على خلاف القياس: الدليل أو القاعدة العامة في الشريعة. فقالوا عندنا الأصل أنه لا يباع الشيء المعد، لكن السلم ثبت على خلاف القياس.
والكلام طويل في هل هناك شيء في الشريعة ثبت على خلاف القياس أو لا؟ وشيخ الإسلام رحمه الله تعالى سئل عن ذلك وأجاب بجواب مطول في هذه المسألة، وبين أنه ليس هناك شيء في الشريعة ثبت على خلاف القياس، والسائل له هو المقرئ رحمه الله، وذكر سؤاله لشيخه في الرسالة، والرسالة موجودة في مجموع الفتاوى.
قال الحجاوي: «بمكيل»، والبهوتي قال: «كمكي». طبعاً قلنا لكم سابقاً إن البهوتي رحمه الله يتأدب مع الحجاوي، فلا يعني ينتقده انتقاداً لاذعاً، يتأدب معه؛ لذلك أحياناً ينتقده أو يستدرك عليه ولا ينتبه له القارئ، فهنا يستدرك على اللفظة. لذلك هنا في حاشية ابن قاسم، وهي منقولة في حاشية فيروز، قال: «وقول الشارح كمكيل من حبوب إصلاح للعبارة؛ لأن ظاهرها أن ضبط الصفات بمكين ونحوه وليس كذلك، ولو قال من مكيل لكان أبين؛ لأنه لم يثبت أن الباء تأتي بمعنى الكاف، بخلاف من يقول لو قال انضباط صفاته من مكيل هذا أوضح وأدق، هنا أن يقول انضباط صفاته كمكي فيبين الأشياء التي تنضبط بها الصفة».
قال: «كمكي من حبوب وثمار وخل ودهن ولبن ونحوها، فهذه تنضبط بالصفة، فلو قال مثلاً أسلمت إليك في عشر لترات من الخل أو من اللبن فيصح ذلك». قال: «وموزون من قطن وحرير وصوف ونحاس وزئبق وسبك، فهذه كلها موزونة فيصح السلم فيها، وهذا بلا إشكال». وجاء في الحديث: «فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم». قال: «وشحم ولحم نيء ولو مع عظمه إن عين موضع قطع الشحم واللحم إذا كان نيئاً فيصح السلم فيه». الحديث: «من أسلم في شيء فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم»، فظاهره إباحة السلم في كل موزون.
وذكر المرداوي في الإنصاف أنه يصح السلم في اللحم النيء بلا نزاع، وإذا أسلم في لحم فسل لمه مع العظم فإنه يقبله، ولا يشترط أن ينزع عظمه؛ لأن العظم تابع له كالوي في التمر. أما لو قال هذا -إذا أسلم في لحم فقط لو قال أسلمت إليك في لحم وعظمه- فيصح أو لا يصح؟ هنا ماذا قال: «إن عين موضع القطع»، فإذا قال مثلاً مع عظم يقطع من الفخذ أو يقطع من الظهر ونحو ذلك فيصح، أما إن أبهم فلا يصح؛ لما فيه من المنازعة والمشقة. قد يقول مثلاً أسلمت إليك في كيلو من اللحم مع عظمه، فيأتي إليه بكيلو لكن نصفه عظم ونصفه عظم، فما أكثر العظم؟ فنقول إن عين موضع القطع فيصح وإلا فلا.
وقال: «وموزون من ثياب وخيوط»، وأجمع أهل العلم على جواز السلم في الثياب كما نقله ابن منذر. طيب، عندنا إذا المكيل والموزون والمذاع فيه، هل يصح السلم في المعدود؟ قال: «وأما المعدود المختلف كالفواكه المعدودة كرمان فلا يصح السلم فيه لاختلافه بالصغر والكبر». الإمام أحمد رحمه الله قال: «لا أرى السلم إلا فيما يكال أو يوزن أو يوقف عليه». قال أبو الخطاب في تفسير كلمة الإمام أحمد "أو يوقف عليه" قال: معناه يوقف عليه بحد معلوم لا يختلف قدراً. فإذا كانت الفواكه المعدودة، أو المعدود المختلف كالفواكه المعدودة كالرمان، فهذا لا يصح السلم فيه.
أما الذي لا يختلف، طيب هنا قال: «المختلف كالفواكه»، فقد يسلم في معدود لا يختلف، مثلاً مصنوعات؛ قال: «أسلمت إليك مثلاً في مائة بيات (بياض) شاهي الشكل الفلاني وصفها أو أراه وجاء المصنع وصنعها مثل الدقة، فهنا هل يصح السلم؟» زالت العلة فيصح. لذلك ما يرد في كلام الفقهاء رحمهم الله تعالى من أن المثل هو فقط المكيل والموزون، هذا في زمن، وفي زمننا كثيراً من المصنوعات تحقق التماثل فيها أكثر من تحقق التماثل في الموجود.
قال: «فلا يصح السلم فيه الاختلاف بالصغر والكبر»، كالبقول، التي قلنا لكم البقول هي الورقية تقريباً، النعناع والبقدونس ونحوها، قال: «أسلمت إليك مثلاً في صاع من البقدونس»، يختلف، وقال: «ولا يمكن تقديرها بالحزم»، حتى الحزمة يربط حزمة يكون بعض أوراقها صغيراً وبعضها كبيراً، وبعض أوراقها صفراء تميل للصفرة، فإذا اختلفت هذا يفض المنازعة والمشقة.
وقال: «والجلود»، والمراد الجلود الطبيعية لأنها تختلف، أما الجلود الصناعية فإنها تذرع ولا تختلف؛ لأنها تختلف ولا يمكن ذرعها لاختلاف الأطراف. قال الموفق: «لأنها تختلف، فالورك قوي والصدر ثخين فخم والبطن رقيق ضعيف والظهر أقوى، فيحتاج إذا جاء يوصف، لو قال أسلمت إليك في جلد غنم، فيه شيء خفيف وفي شيء قوي، فلذلك يحتاج إلى وصف كل موضع منه، ولا يمكن ذرعه لاختلاف أطرافه فهو ليس متساوياً».
وقال: «كرؤوس»، قال: «أسلمت إليك في عشر من رؤوس الغنم أو في عشر من أكار عظامها»، يعني أطراف عظامها، فهنا يقول لا يصح؛ لأن أكثر ذلك العظام والمشافر، والمشافر هو المقابل للشفاه عند الإنسان. وطيب، إذا كان أكثر ما فيها العظام والمشافر، فالشخص لا يستطيع وزنها، لكن في أشكال إذا قلنا إنه سيزن وزناً معتبراً، فأكثر ما في ذلك العظام والمشافر، أنت ستأكل العظم أو شفة البهيمة؟ لا، إذا قلت رأس، فأكثر ما في الرأس العظام، لذلك اللحم فيها قليل، وأنت مقصودك بالسلم هنا باللحم، قال: «أكثر ما فيها العظام والمشافر فاللحم فيها قليل وهو الذي يوزن، أما العظام والمشافر فهي ليست بموزونة وهي الأكثر في الرؤوس والأكارع».
وقال: «من الأشياء التي لا تنضبط الأواني المختلفة، الرؤوس والأوساط»، يعني يكون رأسها ضيقاً ووسطها واسعاً، فهذه لا يصح السلم فيها.
ماذا؟ لأنها غير منضبطة. وهذا كان في عهدهم، الصناعة يدوية، لكن في عهدنا الصناعة في مصانع ويمكن انضباطها، فنقول: يصح إذا أمكن انضباطها فيصح.
قال: والأساليب الرؤوس اختلافها، يعني سطر ضيق رأسه ووسطه واسع، فلا يصح السلم فيه الاختلاف. وهذا كله كما قلنا، هذا بناء على ما في عهدهم من عدم دقة الصناعات، فلذلك العبرة في الشيء الذي يصح السلم فيه أن يمكن ضبطه بالصفة. وما يمكن ضبطه بالصفة يختلف من زمن إلى زمن؛ ففي أزمان التي يمكن ضبطها بالصفة المكي الموزونات المذرع والمعدودات، بعضها إذا كانت لا تختلف، واستثنوا الحيوان فهو مستثنى.
قال: «وكالعقيق ونحوه لأنها تختلف اختلافًا متباينًا بالصغر والكبر وحسن التدوير وزيادة الضوء والصفاء»، فهذه لا يصح السلم فيها لأنها لا تنضبط بالصفة، وأثمانها تختلف اختلافًا كبيرًا. لو قال لك مثلاً: أسلمت إليك -وكان ذهب إلى صياد لؤلؤ وقال أسلمت إليك في عشر لآلئ- وسلمه رأس مال السلعة عشر آلاف، لكنها مختلفة؛ شيء صغير، شيء كبير، شيء لامع، وشيء لا أقل لمعانًا، شيء مستدير وشيء متعرج، فتختلف أثمانها، ولاختلاف أوصافها فهذا يفضي إلى المنازعة والمشقة، فلذلك لا يصح السلم فيها.
قال: «وكالحامل من الحيوان لا يصح السلم فيها»، لا يصح السلم في «أسلمت إليك في ناقة حامل»، فهنا لا يصح السلم؛ بماذا؟ غير معلوم. في البيع لو اشترى أمة حامل، محل العقد الناقة مثلاً، كيف يأتي السلم؟ وصف الولد مجهول غير محقق الصفة، لا تأتي. حتى في البيع الولد مجهول، ومع ذلك يقولون يدخل تبعًا؛ هنا مجهول، لماذا؟ ما قاله يصح يدخل تبعًا لأن مقصود الطلب في العقد هو أمر آخر.
في البيع بعت عليك الناقة، ما فيها جهالة، الجهالة التي في بطنها، السلم لا، الجهالة في الناقة، ففي الحمل هنا صارت جهالته، فلذلك منع هنا، وأبيح هناك. إضافة إلى أنه هنا قال: «ناقة حامل» أو «أمة حامل»، فكأنه أوقع العقد على الأمرين. وهناك ذكروا أنه إذا اشترى الشاة والحمل لا يصح، لكن إذا اشترى الشاة الحامل دخل الحمل تبعًا.
قال: «وكذا لو أسلم في أمة وولدها لندرة جمعهما الصفة»، لماذا؟ لأنه في الأمة سيصفها بصفات، وسيصف الولد بصفات؛ يقول: أريد أمة صفتها كذا وكذا، مثلاً تجيد الطبخ وتجيد عمل البيت، وولدها مثلاً عمره كذا، مثلاً يعرف القراءة والكتابة، فيندر أن تجتمع الأوصاف في الأمة وولدها معًا. فقد يجد أمة على نفس الأوصاف لكن ولدها ليس نفس الأوصاف، وقد يجد العكس، وقد مثلاً الأوصاف ليس لها ولد، وهكذا؛ فلذلك لما كان ينظر أن تجتمع هذه الأوصاف، قالوا لا يصح السلم فيه لأنه لا يمكن ضبطه.
قال أيضًا: «وكل مغشوش»، هذا لا يصح السلم فيه؛ «والمقصود بالمغشوش ما خلط فيه شيء من غير جنسه». فكل مغشوش لا يصح السلم فيه، لماذا؟ لأنه غير منضبط. قد يسلم في ذهب، فيكون الذهب مغشوشًا، يعني فيه شيء من النحاس أو الحديد، لكن لا نعلم هل النحاس كثير أم قليل، فلا نعلم؛ فلذلك المغشوش -قال- لأن غشه يمنع العلم بالقدر المقصود منه، لكن لو كان غشه مضبوطًا لا يمنع؛ مثل الذهب الآن، الذهب عيار 18، كم نسبة الذهب فيه؟ شرحنا لكم في الزكاة، أسرع ما تنسون، النسبة الكاملة 24، 18 من 24 هي 75%، 75% ذهب و25% ليست ذهبًا، هذا عيار 18. وعيار 21 هو 75% تقريبًا أو تزيد قليلًا، 85% ذهب، لكن عيار 24 فهو ذهب خالص. فلو أسلم في ذهب عيار 18 هنا، هو مغشوش لكن غشه لا يمنع العلم بالقدر المقصود، معروف أن ثلاثة أرباعه ذهب، فهنا يصح لأنه لا يفضي إلى المنازعة والمشقة.
الان سنأتي إليها. قال: «فإن كانت الأثمان خالصة صح السلم فيه، ويكون رأس المال غيرها». كانت الأثمان خالصة ذهب 24 يصح السلم فيه، لكن يقول يكون رأس المال غيرها، يكون ثمنًا؛ لماذا؟ لأنه إذا كان ثمنًا وقعنا في ربا الفضل، وإذا كان نسيئة وقعنا في ربا النسيئة. وكذا لو كان من جنسه وحصل التفاضل نقع في ربا الفضل، لكن لو كان من غير جنسه، مثلاً ذهب بفضة، فإننا نقع في ربا النسيئة؛ ذهب بفضة نقع في ربا النسيئة، واضح؟
طيب، هل هنا يكون رأس المال غيره؟ هل يمكن أن يكون رأس المال موزونًا؟ أسلم ذهبًا في أسلم حديدًا في ذهب، رأس المال حديد والمسلم فيه ذهب، هل يصح هذا؟ اتفقوا في العلة واختلفوا في الجنس. الآن قدم الحديد، قال: أريد أن تعطيني 100 جنيه من الذهب بعد سنة مقابل هذا الحديد، قدم الحديد سيستلم الذهب بعد سنة، كلاهما موزون، اختلف الجنس، لكن في العلة متفقون.
من الضوابط التي ذكرناها في بداية باب الربا، ذكرنا ضابطًا تستنتج من الجواب لا من الخاض: إذا اتفقت العلة واختلف الجنس فإنه لابد من التقابض، يجري ربا النسيئة، ويجوز التفاضل لكن لابد من التقابض. استثنينا إذا كان أحد العوضين نقدًا؛ هذه المسألة، إذا كان أحد العوضين نقدًا فلا يطبق هذا الضابط، فيجوز التفاضل وعدم التقابض.
واضح؟ فإذا أراد أن يسلم في أثمان فيصح، لكن يكون رأس المال غيره، لا يكون ذهبًا؛ لا يسلم ذهبًا في فضة، لا ذهب في حديد مثلاً، أو ذهب في قطن أو نحو ذلك.
قال: «ويصح السلم في فلوس». الفلوس ذكرنا لكم سابقًا هي الفلوس المعدنية التي كانت تستخدم في أزمنة سابقة. يصح السلم في فلوس، لكن يقول يكون رأس المال عرضًا لا يكون نقدًا؛ حتى لا يكون ربا نسيئة. الفلوس هل هي ربوية أم لا؟ هم يفرقون بين مبادلة الفلوس بذاتها، فيقولون ليست ربوية، ليست مكيالًا ولا موزونًا، خرجت عن الوزن في الصنعة صارت معدودة، هذه إذا أبدلت الفلوس بذاتها. أما إذا أبدلت الفلوس بأحد النقدين، الذهب والفضة، فإنهم يقولون إنها تجري فيها الربا، فلابد فيها من التقابض إذا أبدلت بأحد النقدين، وهذا قلنا لكم سابقًا إن هذا وقع فيه ما اختلف فيه صاحب المنتهى عن صاحب...
الأقنان، فصاحب المنتهى اشترط التقابل فيما إذا أبدل الفلوس بأحد النقدين، أما صاحب الإقناع فلم يشترط التقابل؛ يعني جرى على القاعدة في أنها ليست ربوية، فلذلك هنا اختلفوا فيها كما اختلفوا هناك.
الآن، ماذا يقول هنا؟ يكون رأس المال عرضاً؛ لماذا؟ لأنهم هنا لحقوها بأحد النقدين، فيكون رأس المال عرضاً، وهذا مبني على كلام صاحب المنتهى. لكن صاحب الإقناع على قاعدته أن الفلوس ليست ربوية، فخَصَّها بأنها عرض، فلذلك صاحب الإقناع ما اشترطها، يقول: حتى لو كان رأس المال ثمناً، حتى لو كان رأس المال أحد النقدين، فيجيز ذلك. لماذا يجيز صاحب الإقناع ذلك؟ لأنه على قاعدته في باب الربا أن الفلوس ليست ربوية حتى لو أبدلت بأحد النقدين. واضح؟
هنا قال: «وما يجمع أخلاط مقصودة غير متميزة». عندنا الشيء الذي خلط فيه شيء آخر، فنقول: إما أن يكون متميزاً أو غير متميز، فإذا كان غير متميز فلا يصح السلم فيه؛ لأنه يفضي إلى المنازعة، مثل قولهم: «كالغالية والند»، هذه أنواع من الطيب المخلط، فالطيب هنا أخلاطه غير متميزة، فلذلك لا يصح السلم فيها. لماذا؟ لأنه مثلاً أنت تشم عطراً وتقول: خلاص أريد أن يكون هذا العطار هو الذي يصلح هذا الخليط، فتقول: أريد منه عشر علب، فيحضر لك شيئاً تشمه ليس على الذي شممته من قبل؛ لأن اختلاف الأخلاط أحياناً يزيد من هذا وينقص من هذا ويختلف، فلذلك قال: لا يصح.
على ما ذكرناه سابقاً، إذا كان الخليط في مصنع وكانت النسب دقيقة جداً لا تتفاوت، فهل يصح السلم؟ يصح هنا، لأنه انتفت العلة. المعاجين التي تحتوي على مخلطات مثل الكريمات ونحوها، هذه فيها نفس العلة، فهي معاجين مخلطات فلا يصح السلم فيها لعدم تميزها وتوقع المنازعة والمشقة، وإذا كان يمكن تمييزها مثل التي في المصانع، فنقول: يصح السلم فيها؛ لأن ضبطها ممكن، فإذا أمكن انضباطه فيصح السلم فيه.
قال: «يصح السلم في الحيوان ولو آدمي». يقصدون الحيوان هنا أي الكائن الحي، سواء كان إنساناً أو حيواناً، فالحيوان البهيمي والحيوان الناطق، وبعضهم يقول الحيوان الضاحك؛ فالحيوان سواء كان حيواناً أو كان آدمياً -يقصد العبد أو الأمة- فيصح السلم فيه. استدل المؤلف -رحمه الله- على صحة السلم في الحيوان بحديث أبي رافع أن النبي ﷺ «استسلف من رجل بكراً» رواه مسلم.
هل هذا حديث في السلم؟ «استسلف» معناها لا، بل قرر السلف مع رجل بكراً، ورد رباعياً فهو اقترض بكراً، ولما جاء يطالبه بالرد بدله رداً خيراً منه، والذي جاء في الحديث: «خيركم أحسنكم قضاء». هنا الحديث في القرض، فكيف استدلوا به على السلم؟ يقول لكم أحياناً الفقهاء -رحمهم الله تعالى- يذكرون الدليل ويمشون ولا يبينون وجه الدلالة اعتماداً على فهم القارئ، وأحياناً يطلب من القارئ أن يحاول أن يصل للنتيجة.
هذا الحديث في القرض، فكيف يكون في السلم؟ اللهم كيف؟ أحسنت القرض كما سيأتينا إن شاء الله، أنه يرد بدله، بدل القرض المثل في المثليات والقيم في القيمي؛ النبي ﷺ رد قيمته لا رد مثله، رد أجود منه، فدل على أنه يثبت في الذمة ويرد بدله. فما دام الأمر كذلك، فنقلها إلى السلم؛ فالأصل أن السلم يثبت في الذمة، فلما ثبت في الذمة في القرض، أثبتناه في الذمة في السلف. هذا الحديث في القرض لا في السلف، لكن هذا وجه الدلالة منه، والله تعالى أعلم.
قال: «ويصح أيضاً في الثياب المنسوجة من نوعين». هنا الاختلاط متميز، كالكَتّان والقطن ونحوها؛ لأن ضبطها ممكن، فالاختلاط هنا متميز، يعني مثلاً ثياب منسوجة من كتان وقطن، الكتان 70% والقطن 30%، فهنا متميز فيصح السلم فيه لأن ضبطها ممكن. قال: «وكذا النِّشاب والنَّبْل مريش»، والنشاب والنبل هذه أسماء للسهام، فالنشاب السهم الفارسي والنبل السهم العربي، فيجوز أن يسلمك في نشاب ونبل مريش، أي فيهما ريش، لأن هذا يمكن ضبطه أيضاً. والخفاف -جمع خف ما يلبس في الرجل- والرماح أيضاً، فهذه كلها يصح السلم فيها لإمكان ضبطها.
وأيضاً يصح فيما خلطه غير مقصود، كالخلط غير المقصود كالجبن فيه الأنفحة فلا تتميز، والسكنجبين فيه الخل؛ هذه كلها يكون فيها أخلاط لكنها غير مقصودة وتكون لمصلحة هذا المخلوط، فهذه كلها يصح السلم فيها لأن الخلط فيها يسير.
قال رحمه الله: «الشرط الثاني: ذكر الجنس والنوع، أي جنس المسلم فيه ونوعه، وكل وصف يختلف به الثمن اختلافاً ظاهراً، كلونه وقدره وبلده وحداثته وقدمه، ولا يجب استقصاء كل الصفات لأنه يتعذر». ولا يختلف به الثمن عدم الاحتياج إليه، ولا يصح شرط المتعاقدين: «الأردأ أو الأجود»؛ لأنه لا ينحصر، إذ ما من رديء أو جيد إلا ويحتمل وجود أردى وأجود منه، بل يصح شرط جيد ورديء، ويجزئ ما صدق عليه أنه جيد أو رديء، فينزل الوصف على أقل درجة؛ فإن جاء المسلم إليه بما شرط للمسلم لزمه أخذه، أو جاءه بأجود منه من المسلم فيه من نوعه ولو قلّ محله أو أي حلوله، ولا يضره في القبض، لزمه أخذه لأنه جاءه بما تناوله العقد وزيادة تنفعه. وإن جاءه بدون ما وصف أو بغير نوعه من جنسه، فله أخذه ولا يلزمه، وإن جاءه بجنس آخر لم يجز له قبوله. وإن قبض المسلم فيه فوجد به عيباً فله رده وإمساكه مع العِوض.
الشرط الثاني: ذكر الجنس والنوع، أي جنس المسلم فيه ونوعه، وكل وصف يختلف به الثمن اختلافاً ظاهراً. هنا ما الفرق بين هذا الشرط والشرط السابق؟ في الأول أن يكون هذا الشيء المسلم فيه مما يمكن ضبطه بالوصف، أما الآن فجئنا للشرط الثاني وهو أن تضبط الصفة، فتذكر هذه الصفات، فيقول: ذكر الجنس والنوع، الجنس يقول...
مثلاً نوع التمر، يقول مثلاً: سكري، جنس المسلم فيه، ونوعه، وكل وصف يختلف به الثمن، أي بسببه الثمن اختلافاً ظاهراً، كلونه؛ هذا إذا كان الشيء يختلف باللون، لكن لو كان لا يختلف باللون، سواء جبته أسود أو أبيض، لا يختلف الثمن ولا تختلف رغبات الناس فيه، فهنا لا يستوجب ذكر اللون.
قدره، يعني كبير أو صغير، يعني حجمه كبير أو صغير، فهذا أيضاً يذكر. بلده، إن كان يختلف في البلد، فلو كان مثلاً إذا قيل من المدينة يكون سعره أكثر، ولو كان من الرياض يكون سعره أقل، فيذكر هذا، أما إذا كان لا يختلف فلا يذكر. وقدمه، فكل الأوصاف التي يختلف بها الثمن اختلافاً ظاهراً فتذكر.
لماذا تذكر؟ لأن المسلم فيه عوض في الذمة، فلا بد من كونه معلوماً بالوصف كالمسلم، ولأن العلم شرط في المبيع. وقلنا لكم في شروط العلم بالمبيع، إن العلم بالمبيع إما بالرؤية أو بالصفة، وفي السلم ما في رؤية لأنه معدوم، فما بقي إلا الصفة. وإنما اشترط ذكر هذه الأوصاف لأن الثمن والغرض يختلف لأجلها، فاشترط ذكرها.
قال: ولا يجب استقصاء كل الصفات، أنه قد يتعذر توفيره، خاصة قد يتعذر توفيره؛ يعني لو قال أريد مثلاً في سيارة وذكر أوصافها كاملة، فهنا قد يتعذر توفير كل هذه الأوصاف، خاصة بعضها ليس له أثر في الثمن. قال: ولا ما لا يختلف به الثمن لعدم الاحتياج إليه، ولا ما لا يختلف به الثمن عند الاحتياج، فلو كان مثلاً التمر سواء كان لونه أسود أو بنياً سعره واحد، فهنا نقول وأيضاً أغراض الناس لا تختلف، يعني يقبلون هذا وهذا، فهنا نقول لا يحتاج أن يذكر هذا الوصف.
ثم ذكر: هل يصح أن يشترط الأردأ أو الأجود؟ قال: أريد منك أن تحضر لي أجود تمر في السوق بعد ستة أشهر، أو أردأ تمر في السوق، هل يصح؟ لا يصح. لماذا؟ قال في تعليله: لأنه لا ينحصر، إذ ما من رديء أو جيد، لو يوجد أردع منه، أو يوجد أجود منه. فلذلك نصح على أن في شرط الأردأ خلاف في المذهب؛ يعني بعض الأصحاب قالوا يصح شرط الأردأ، لا يصح شرط الأجود، لكن يصح شرط الأردأ.
طيب، إذا قال هذا ليس صحيحاً، فيه أردأ من هذا، يقولون هنا المسلم إليه تنازل عن حق وأعطاك أفضل من الذي طلبت، بخلاف لو شرط الأجود. طيب، قال: بل يصح شرط جيد ورديء، يعني يقول: أريد من التمر الجيد ومن التمر الرديء، هذا يصح ويجزئ، ما يصدق عليه أنه جيد أو رديء، فينزل الوصف على أقل درجة. وذكر المرداوي أنه يصح شرط الجيد والرديء بلا نزاع في المذهب، فيقول ينزل الوصف على أقل درجة في الجودة أو في الرداءة.
لا، يقول مثلاً: أريد من التمر الجيد، ما يجمع في هذا من التمر الجيد، أو يقول التمر الرديء، هذا يصح، لكن لو قال أجود أو أردأ فلا يصح. قال: فإن جاء المسلم إليه، سيذكر لك ما يترتب على عقد السلم.
قال: أريد، أسلمت إليك هذا المبلغ في تمر صفته كذا وكذا وكذا، فنقول هذا المسلم إليه له أحوال: إما أن يأتي للمسلم بما شرطه في المسلم فيه، يأتي بالتمر الذي اشترط على نفس الشروط، فهنا يلزمه أخذه، يلزم المسلم أخذه؛ هل له حق يقول: لا خلاص أنا هونت؟ لا، لأن السلم عقد لازم، فلذلك قال لازمه أخذه لأن السلم عقد لازم.
إذا جاءه بأجود من أجود منه من نوعه، قال: ولو قبل محلّه، أي حلوله، لكن لو قلنا محلّ مكان، فالمقصود أي حلوله، ولا ضرر في قبضه، فإنه يلزمه أخذه. جاءه بأجود منه من نوعه، قال: جاءه بتمر سكري درجة ثانية، وجاءه بتمر سكري درجة أولى، أجود منه من نوعه، نفس التمر السكري، قال: ولو قبل محلّه، لكن بشرط أن لا يتضرر في قبضه، فإنه يلزمه أخذه؛ لماذا؟ لأنه جاءه بما تناوله العقل وزيادة تنفعه، فلا ضرر على المسلم في ذلك.
هذه الحالة الثانية، الحالة الأولى أن يأتيه بما شرط، فيلزمه أخذه، إذا كان لا ضرر في قبضه. طيب، إذا كان عليه ضرر في قبضه فإنه لا يلزمه قبوله. هنا في حاشية ابن قاسم قال: وإن كان في قبضه ضرر، أما لكونه ما يتغير كالفاكهة، أنا عندي الآن تمر، خلص بعد ستة أشهر، وأخشى مثلاً أن يتلف هذا التمر، يعني مثلاً ما عنده شيء يحفظه، يبرده، فيتلف، فلذلك يريده بعد المدة، فهنا عليه ضرر في قبضه، فلا يلزمه أخذه.
الحالة الثالثة، إذا جاءه بدون مواصفات، قال: أريد تمر سكري درجة أولى، فأجاب بتمر سكري درجة ثانية، هنا بدون مواصفات، فهنا هل يلزمه أخذه ولا؟ قال: لا يلزم، يعني يرجع الحق والاختيار إلى المسلم، يقول له: أخذه، لأنه رضي بدون حقه، لكن لا يلزمه، ليس مثل الحالتين الأولتين نقول يلزمه؛ لأنه في إسقاط حقه بدون رضاه. وكذلك لو جاءه بغير نوعه من جنسه، قال: بمر سكري، جاب تمر خلاص، فهنا نقول له: أخذه، لكن لا يلزمه كالسابق، ولأن اتحاد الجنس يجعلهما كالشيء الواحد، ولذلك يحرم التفاضل بينهما، ولا يلزم أخذه لأن الإنسان لا يجبر على إسقاط حقه.
طيب، هذه كم حالة؟ أربع حالات: أن يأتيه بما شرط، أن يأتيه بأجود منه من نوعه، أن يأتيه بدون مواصفات، أن يأتيه بغير نوعه من جنسه. الحالة الخامسة: أن يأتيه بغير الجنس، جاء بجنس آخر، قلت: أسلمت إليك في بر، فأجابle بشعير، لم يجوز قبوله، ما نقول مثل السابقة: له أخذه ولا لا يلزمه؟ لا، ما يدخل، لأنه أعطاه نقداً، رأس المال نقد، على أنه يجلب بعد ستة أشهر شعير، بعد ستة أشهر ما عندي شعير، عندي بر.
هنا المؤلف رحمه الله يقول: لا يجوز له قبوله. الأصحاب رحمهم الله تعالى يقولون: لا يجوز له قبوله، يستدلون بحديث: «من أسلف في شيء فلا يصرفه إلى غيره». هذا المذهب عند الأصحاب، وهناك قول آخر في المذهب أن له أخذ الأدنى عن...
الأعلى يأخذ من الجنس الآخر، لكن بشرط أن يكون أدنى من الجنس الذي اشترطه، كالشعير عن البر؛ فالبر أفضل من الشعير. ولذلك كان طعام الصحابة رضي الله عنهم، بعد النبي ﷺ، البر، لكن كان طعامهم يومئذ الشعير، فالبر أفضل من الشعير، فقالوا: لو اعتاض عن البر شعيرًا جاز. وهذا نقله أبو طالب، والمروي عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى.
الأصحاب رحمهم الله تعالى اختلفوا في حمل هذه الرواية؛ فمنهم من حملها على أن هذا خاص بالبر والشعير، لماذا؟ لأنه توجد رواية عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أن البر والشعير جنس واحد. فقالوا: هذا القول الذي نقله أبو طالب والمروي محمول على الرواية الثانية أنهما جنس واحد، وذا ذكره بعض الأصحاب رحمه الله تعالى.
شيخ الإسلام رحمه الله يقول: لا، هذا يدل على جواز الاعتياض عن غير المسلم في الجملة، لكن بشرط أن يكون بسعر وقته أو أدنى منه، بمعنى أن يعتاض مثلًا -كان بيعطيه برًا- يعتاض عنها من الشعير بقيمة 100 البر أو أقل منها. ذكر أن هذا مروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.
فالأصحاب رحمه الله اختلفوا في حمل هذه الرواية المروية عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وهذا سبب كثرة الأقوال في المذهب؛ أن الأصحاب يختلفون في توجيه بعض الروايات عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى.
قال: وإن قبض المسلم فيه فوجد به عيبًا فله رده، وإمساكه مع الأرش، يعني مخير. وقبض مثلاً أسلم إليه في تمر، أعطاه التمر ووجد به عيبًا، فنقول: أنت مخير بين أن ترده وبين أن تمسكه وتأخذ أرشه.
نقف على هذا، والله أعلم، ونستعين بالله. نعم، في سؤال يقول: لماذا منع الأصحاب رحمهم الله تعالى السلم في الرؤوس والأكارع؟ لم يعلم بكمية اللحم الذي يكون فيها؟ نقول: الرؤوس والأكارع هذه اشتملت على لحم جيد، اللحم موزون يصح السلم فيها، الرؤوس والأكارع ليست موزونة فلا يصح السلم فيها. لذلك هذا سبب منع السلم في الرؤوس والأكارع.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان