كنا في الدرس الماضي بدأنا بباب السلم، وذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن السلم يصح بسبعة شروط، وهذه الشروط قال: زائدة على شروط البيع. وقلنا في الدرس الماضي: إن السلم لا بد له من توفر 14 شرطاً. لا نقول إن السلم لا يصح إلا بـ 14 شرطاً؛ لأن بعض الشروط الواردة هنا في باب السلم بعضها تفصيل لشروط واردة في شروط البيع، فلا تكون زائدة عليها وإنما هي تفصيل لها، وهناك شروط صحيح أنها زائدة على شروط البيع.
ذكرنا شرطين، الشرط الأول: انضباط صفاته، الثاني: ذكر النوع والجنس وكل وصف يختلف به الثمن ظاهراً. وقفنا على الشرط الثالث.
ذكر قدره: أي قدر المسلم فيه بكيل معهود فيما يكال، أو وزن معهود فيما يوزن، في حديث: «من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم إلى أجل معلوم» متفق عليه، أو ذرع يعلم عند العامة؛ لأنه إذا كان مجهولاً تعذر الاستيفاء به عند التلف، فيفوت العلم بالمسلم فيه. فإن شرط مكيالاً غير معلوم بعينه، أو صنجة غير معلومة بعينها، لم يصح، وإن كان معلوماً صح السلم دون التعيين.
وإن أسلم في المكيل كالبر والشعير وزناً، أو في الموزون كالحديد كيلاً، لم يصح السلم؛ لأنه قدره بغير ما هو مقدر به، فلم يجز كما لو أسلم في المذرع وزناً، ولا يصح في فواكه معدودة كالرمان والسفرجل، ولو وزناً.
أحسنت، هذا الشرط الثالث من شروط صحة السلم، وهو أن يقدر مقداره بما هو مقدر به شرعاً. فذكرنا في الشرط الثاني أن يضبط الصفات، والمقدار يضبطه بما هو مقدر به شرعاً؛ فالمكيل والموزون يضبطه بالوزن، والمذرع يضبطه بالذرع، فإذا أسلم في تمر فإنه يسلم في تمر مكيل فلا يسلم فيه بالوزن، وإذا أسلم في حديد فإنه يسلم فيه بالوزن ولا يسلم فيه بالكيل.
واستدل المؤلف رحمه الله تعالى على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: «من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم»، فذكر أنه لا بد من تقديره بالكيل والوزن، وقوله معلوم يعني يعلم عند أهل ذلك البلد. ولماذا اشترط تقديره بكيل معلوم ووزن معلوم؟ قالوا: لأن هذا المسلم فيه عوض غير مشاهد؛ إذ ليس أمامه، فهو عوض غير مشاهد يثبت في الذمة، فاشترط معرفة قدره في السلم كالثمن. قال الموفق رحمه الله: ولا نعلم في اعتبار اشتراط معرفة المقدار خلافاً، ويجب أن يقدره بمكيال أو أرطال معلومة عند العامة.
طبعاً في الكيل والوزن قال معهود، في الذرع قال مذروع يعلم عند العامة. لماذا قال: لا بد أن يكون معلوماً؟ هنا ذكر التعليل: لأنه إذا كان مجهولاً تعذر الاستيفاء به عند التلف فيفوت العلم بالمسلم فيه. لو قال مثلاً: أسلمت إليك في عشرة من التمر، لكن ليس بالصاع، مكيال قال: مكيال أنا وجدته عند زيد من الناس، زيد سافر وجاء وقت التسليم وزيد ما هو موجود أو متوفى، أو الكيل الذي كان يكيل به ضاع أو تلف، فهنا سيقع النزاع في الاستيفاء؛ ما عندهم هذا الذي قدروه به.
لكن لو قال الكيل عشرة أصواع معروف تقدير الأصواع عند الناس، أو في الأوزان قال 10 كيلو مثلاً، معروف الكيلوات عند الناس. لكن لو قدره بشيء ليس معلوماً عند العامة، هنا يفضي إلى النزاع، تعذر الاستيفاء به عند التلف ينشأ النزاع ويفوت العلم بالمسلم فيه. قال: إن شرط مكيالاً غير معلوم بعينه، أو صنجة غير معلومة بعينها، تعذر معرفة قدر المسلم فيه، وهذا غرر لا يحتاج إليه في العقد. تستفيد من هذا التعليل: هذا غرر لا يحتاج إليه في العقد. الغرر الذي يحتاج إليه في العقد يغتفر، السلم الآن في غرر؛ قال: أسلمت إليك في عشرة أصواع من التمر، قد تأتي بعد سنة يسلم ما في تمر أبداً. هنا الغرر هو مجهول العاقبة حقيقة، لكن اغتفر هذا الغرر لوجود الحاجة إليه، حاجة الطرفين يغتفر.
ونقل ابن المنذر رحمه الله تعالى الإجماع على أن المسلم فيه في الطعام لا يجوز بقفي لا يعرف عياره، ولا في ثوب بذراع فلان؛ لأن المعيار لو تلف أو مات فلان بطل السلم. وقال: أبيعك هذا الثوب بالقياس الذي يقيس به فلان، ما قال أسلمت إليك مثلاً عشرة أذرع من ذرع فلان، ليس الذرع المعتاد عند الناس، ذرع فلان، هنا فلان قد يتلف هذا الذرع الذي يقيس به، قد يموت، قد ينتقل، يسافر، فيتعذر الرجوع إلى ذرعه، فهنا قالوا: لا يصح السلم هاهنا.
إن شرط مكيالاً غير معلوم بعينه أو صنجة غير معلومة بعينها لم يصح، وإن كان معلوماً صح السلم دون التعيين. طبعاً قلنا قبل قليل إذا قال ذرع فلان، ذرع فلان هذا الموجود معلومه، لكن لو قال ذرع زيد، وزيد في أناس كثيرون اسمهم زيد لم يعين، لكن لو قال ذرع محمد المعروف في السوق، هنا هذه مسألة: إن كان معلوماً صح السلم دون التعيين، فيصح العقد لكن هذا التعيين لا يلزم، فيقولون له: إن يقيس به، وله أن يقيس بغيره من المكاييل أو من الأذرع المعلومة عند الناس، فيقول: صح السلم دون التعيين. قال البهوتي في شرح المنتهى: لأنه التزام ما لا يلزم، المسلمون على شروطهم، فيلزم بالشرط ما لم يكن لازماً قبله، فإذا قال بدرع فلان، خلاص صح السلم ولزم هذا الدرع.
قلنا في أول الباب إن السلم أجيز للحاجة، وإلا هو الأصل فيه التحريم، فضيق فيه، فتجده مثلاً هنا اشترط الكيل المعلوم والوزن المعلوم لأنه جاء في الحديث: «فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم». فحمل المعلوم على أنه المعلوم عند العامة. طيب معلوم عند شخصين أو عند مجموعة من الناس، هذا ليس معلوم عند العامة، فلذلك لم يبطل السلم هاهنا، لكن قالوا: لا يلزم هذا التعيين، فله أن يأخذه وله أن يأخذ غيره؛ لأن لو قلنا يلزم هنا، خالفنا ما جاء في الحديث من استثناء المحرم، استثني فهذا الاستثناء «كيل معلوم ووزن معلوم»، هذا ليس بمجهول محض ولا بمعلوم، فجعلوه بين منزلتين، فأجازوا السلم دون التعيين. لو كان لازماً فيفضي هذا إلى تعذر عند التلف فيفضي هذا إلى نزاع بين الطرفين.
ثم انتقل المؤلف رحمه الله تعالى إلى مسألة تقدير المسلم فيه بغير مقداره الشرعي؛ المسلم فيه لو كان مكيلاً فأسلم فيه بالوزن، أو بالعكس كان موزوناً فأسلم فيه بالكيل، يعني التمر مكيل فقال بدل ما يقول أسلمت إليك هذه 100 ريال في 10 أصواع من التمر، قال: أسلمت لك 100 ريال في 10 كيلو من التمر بالوزن لا بالكيل، أو بالعكس، أسلم في الموزون كالحديد أسلم فيه كيلاً، فهنا قال المؤلف رحمه الله تعالى: لا يصح. لماذا؟ قال: لأنه قدره بغير ما هو مقدر به فلم يجز، مثل أي باب؟ مثل الربا.
قلنا الآن لو كان الشيء موزوناً فبادلني بالكيل، أبادل 10 كيلووات من التمر بـ 10 كيلو، فهل يصح؟ لا يصح، هو من جنسه، لكن من جنسه لا بد فيه من التماثل في المعيار، المعيار الشرعي الكيل، ولو قسنا بالكيل ربما كان أحدها أكثر من الآخر، فلم يصح. فنقلوا ذلك إلى السلم، قالوا: إذا أسلم في المكيل وزناً، أو في الموزون كيلاً، فإنه لا يصح؛ لأنه قدره بغير ما هو مقدر به فلم يجز. وهذا من المفردات، وهذا المشهور عن الإمام أحمد رحمه الله فيما نقله الأثرم. ونقل المروذي عن الإمام أحمد رحمه الله جواز السلم في اللبن كيلاً ووزناً.
واللبن مكيل ولا موزون؟ كل مائع مكيل، خلاص اللبن مكيل. الإمام أحمد رحمه الله نقل عن المروذي جواز السلم في اللبن كيلاً ووزناً، وهذه الرواية الثانية صححها الموفق رحمه الله، والشارح قالوا: لأن الغرض معرفة القدر، ليس مثل الربا؛ الربا الغرض التماثل، هنا لا نريد التماثل، لا يلزم التماثل، فالغرض معرفة القدر، قال: وهذا يحصل بما لو قدره بغير المقدار الشرعي، لو أسلم في التمر وزناً حصل ذلك، فالغرض معرفة القدر وخروجه من الجهالة وإمكان تسليمه من غير تنازع، فبأي قدر قدره جاز، ويفارق بيع الربويات لاشتراط التماثل فيها، هناك اشتراط التماثل فلذلك قلنا إنه لا بد من تقديره بمقداره الشرعي، أما هنا في السلم لا يشترط التماثل، هل نقول إذا أسلمت بـ 100 ريال لا بد أن تحضر 100 كيلو أو 100 صاع من التمر؟ لا يلزم التماثل.
قال: لأنه قدر بغير ما قدر به فلم يجز كما لو أسلم في المذرع وزناً؛ فالمذرع لا يسلم به وزن، لا يسلم في المذرع مثلاً ثوب، قماش، أقيس قماش بالامتار، أقيس قماش بالكيلوات بالجرامات، فهل يصح؟ لا يصح، لماذا؟ هو ليس المقياس الشرعي وفي جهالة، في جهالة كبيرة، يعني الآن الأقمشة تختلف في الثقل فجهالة، بخلاف الطول، الطول معروف. قال: ولا يصح في فواكه معدودة كالرمان والسفرجل، ولو وزناً، وهذا تقدم معنا في الشرط الأول، لا بد أن يكون مما ينضبط بالصفة، قال: فإما المعدود المختلف فلا يصح السلم فيه، هنا المعدود مختلف، الرمان تأتي كبيرة وصغيرة ونحو ذلك، سفرجل. قال: ولو وزناً، إشارة لخلاف؛ لأن من الأصحاب من أجاز السلم في المعدود، ثم اختلفوا هل يسلم فيه عدداً أو وزناً، والمشهور المذهب أنه لا يصح السلم في المعدود لا عدداً ولا وزناً. فهنا أشار إليه إلى الخلاف في المسألتين، السلم في المعدود وزناً.
تقصد الذين قالوا يسلم في المعدود وزناً يرون جوازه في المكيل وزناً، في المكيل وزن ممكن، لكن لا تلازم لأنه في المعدود قد يجوزون هنا ولا يجوزون هناك، لماذا؟ لأنه في المعدود لا يجيزون السلم فيه بالعد لأنه يختلف في الكبر والصغر، خلاف الوزن، يعني لو قلت: أنا أريد منك 100 رمانة، أسلمت إليك 100 ريال أريد 100 رمانة، إذا قلنا 100 رمانة فقط فقد تأتي كلها صغيرة، قد تأتي كلها كبيرة، قد تأتي بعضها الكبير. لكن لو قلت لك: أسلمت لك 100 ريال في رمان وزنه 10 كيلو أو 20 كيلو، فهنا حتى لو أتيت ببعضها صغير فهنا بيصير عددها أكثر، فيعني يكون أقرب للانضباط من كونه يسلم فيها بالعد.
الشرط الرابع: ذكر أجل معلوم، للحديث السابق؛ ولأن الحلول يخرجه عن اسمه ومعناه. ويعتبر أن يكون الأجل له وقع في الثمن عادة كشهر، فلا يصح السلم إن أسلم حالاً بما سبق، ولا أن أسلم إلى أجل مجهول كإلى الحصاد والجداد وقدوم الحاج؛ لأنه يختلف فلم يكن معلوماً، ولا يصح السلم إلى أجل قريب كيوم ونحوه لأنه لا وقع له في الثمن، إلا أن يسلم في شيء يأخذه منه كل يوم أجزاء معلومة كخبز ولحم ونحوهما من كل ما يصح سلم فيه؛ إذ الحاجة داعية إلى ذلك، فإن قبض البعض وتعذر الباقي رجع بقسطه من الثمن، ولا يجعل للباقي فضلاً على المقبوض لتماثل أجزائه، بل يقسط الثمن عليهما بالسوية.
أحسنت، الشرط الرابع: ذكر أجل معلوم. طبعاً في تتمة كلام الحجاوي يقول: له وقع في الثمن، لا بد أن يكون مؤجلاً، وأن يكون الأجل معلوماً، وأن يكون الأجل له وقع في الثمن، ثلاثة أوصاف. فأجل فلا يصح حالاً، والأجل معلوم فلا يصح الأجل المجهول، وله وقع في الثمن فلا يصح إلى أجل قريب، وهذه احترازات كلها سنأتي إليها. قال: ذكر أجل معلوم للحديث السابق: «كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم»، فأمر بالأجل، فليُسلف هذا أمر، في كيل معلوم وزن معلوم إلى أجل معلوم، والأمر يقتضي الوجوب، ولأنه أمر بهذه الأمور لتبيين الكيل في المكيلات والوزن في.
الموزونات، وأن يكون إلى أجل؛ أمر بهذه الأمور تبيينًا لشروط السلم ومنعًا منه بدونها. ولذلك لا يصح السلم إذا انتفى الكيل أو الوزن، فكذلك لا يصح إذا انتفى الأجل. قالوا: ولأن السلم إنما جاز رخصة للرفق، ولا يحصل الرفق إلا بالأجل. السلم فيه مصلحة للطرفين: المسلم والمسلم إليه؛ يعني مثلًا مزارع يزرع البر، فهو قد لا يكون عنده مال كافٍ للزراعة والحصاد ونحو ذلك، فيأتي إليه شخص يقول له: أنا أريد أن أشتري منك هذا البر. يأتي قبل أن يبذر أو في أول البذر، يعني تو ما جاء موسم البر؛ سأشتري منك هذا البر الذي سيخرج، نشتري مثلًا لو قلنا 100 صاع من البر. الـ 100 صاع من البر لو باعها حالّةً موجودة الآن، سيبيع الصاع مثلًا بعشر ريالات، فلما أتاه قبل أن يحصد، سيشتري منه بسبع ريالات، فيطلع عليه الصاع سبع ريالات. فهنا انتفع المسلم بتخفيض الثمن، وانتفع المسلم إليه بتعجيل الثمن؛ فيحصل على الثمن الذي يستطيع به الزراعة، فحصلت المصلحة لهما كليهما. فالسلم جاز رخصة للرفق، ولا يحصل الرفق إلا بالأجل.
قال: ولأن الحلول يخرجه عن اسمه ومعناه. الحلول إذا صار السلم حالًّا، فقد أخرج هذا العقد عن اسمه ومعناه. ومعنى ذلك أن اسمه السلم والسلف، وإنما سمي سلفًا وسلمًا لتعجيل أحد العوضين وتأجيل الآخر، فإذا قدم كل العوضين فإننا خالفنا اسم السلم والسلف. والمعنى الذي قلناه قبل قليل، هو أن الشارع أرخص فيه للحاجة الداعية إليه، ومع حضور ما يبيعه حالًّا لا حاجة للمسلم، فلا يصح السلم.
هذا راجع لقوله: يخرج عن اسمه ومعناه. يقول الشيخ البابطين -رحمه الله- في حاشيته على المنتهى -طبعًا البهوتي في شرح المنتهى- قال: بخلاف بيوع الأعيان. طبعًا كلام البهوتي مختصر من كلام الموفق في المغني؛ المغني لما ذكر المسألة والخلاف فيها: هل يصح السلم حالًّا أو لا؟ ذكر القول الثاني بصحة السلم حالًّا قياسًا على بيوع الأعيان، وهو قول الشافعي وقول في المذهب. فلما جاء إلى هذه المسألة، ولما جاء إلى الاستدلال، رد على القول الثاني أنها مقيسة على بيوع الأعيان وتصح حالًّا قياسًا على بيوع الأعيان. قال: بيوع الأعيان لم تثبت على خلاف الأصل لمعنى يختص بالتاجيل؛ بيوع الأعيان هي الأصل، أنها تكون الشيء المعين، يعني مثل السيارة؛ تستطيع أن تشتريها السيارة المعينة مؤجلًا بثمن مؤجل، وتستطيع أن تشتريها بثمن حالّ؛ فهي شراؤها حالًّا هي الأصل. السلم جاء على خلاف الأصل، الأصل أن يشتريه مؤجلًا، فهو إنما أُجيز للحاجة، والحاجة إنما تتحقق بالتأجيل، فكون نُجيزه حالًّا هذا على خلاف الأصل؛ خلاف بيوع الأعيان، فبيوع الأعيان إجازتها حالًّا هي الأصل. قال الشيخ البابطين في حاشيته على المنتهى: قوله -يعني قول البهوتي- على خلاف الأصل؛ إشارة إلى أن السلم ورد على خلاف القياس، كما صرح به كثير من الفقهاء، وخالف في ذلك الشيخ تقي الدين -رحمه الله- وقال: أي فرق بين كون أحد العوضين مؤجلًا في الذمة، وكون العوض الآخر معجلًا؟ وقال: هو دين من الديون، وهو كالابتياع بثمن مؤجل. شيخ الإسلام -رحمه الله- يرى صحة السلم الحال، ويرى أن السلم ليس على خلاف القياس، وأنه ليس هناك عقد من العقود ثبت على خلاف القياس، والكلام طويل في هذه المسألة.
قد يقول قائل: لماذا لا نقول إذا قالوا: يصح السلم حالًّا، لماذا لا نقول: لا يصح السلم حالًّا؟ لماذا لا نقول: هو بيع، نصححه ونجعله بيعًا؟ قال مثلًا: أسلمت إليك 100 ريال في هذا التمر تعطيني إياه الآن. هذا السلم الحال هل يصح؟ المذهب يقول: لا يصح السلم. هل يصح بيعًا؟ الشيخ مثلًا لو قال: أبتعت منك، ويصح بأي لفظ؛ قلنا: يصح بلفظ السلم والسلف وبالفاء. يعني لو جاء السلم وقال: ابتعْتُ منك هذا -الذي قلنا قبل قليل- محصول البر بمبلغ كذا، سلمني إياه بعد كذا، هذا صحيح ويكون سلمًا. ليش إذا صرح بلفظ السلم صار سلمًا، وإذا صرح بلفظ البيع فنقول: إذا كان على صورة السلم فيكون سلمًا؟ ليس ببيع. هنا قال: أعطاه الـ 100 ريال، هل يصح أن نضبط صفات؟ هنا يقول: لا يصح السلم، هذا هو المحك. لذلك هذه المسألة ذكرها الحافظ ابن رجب -رحمه الله- في القاعدة 38 يقول: إذا وصل بألفاظ العقود ما يخرجها عن موضوعها، فهل يفسد العقد بذلك؟ أو يجعل كناية عما يمكن صحته على ذلك الوجه؟
قال: فيه خلاف يلتفت إلى أن المغلب هل هو اللفظ أو المعنى؟ نطبقها على السلم؛ أسلم حالًّا، قال: أسلمت إليك 100 ريال بـ 10 أواع من التمر ما عينها تسلمنا إياها حالًّا، ما اتفق على التأجيل؛ فهنا قوله: أسلمت إليك، هذا الأصل فيه التأجيل، فوصلها بقيد حالٍّ؛ فوصلها بلفظ يخرجها عن موضوعها، فهل نقول: ننظر إلى اللفظ وهو "أسلمت" ونقول: ما دام أنه وصل به لفظًا يخرجه عن معناه فإنه يبطل العقد؟ أو نقول: لا، العبرة بالمعنى، فإذا وصل به لفظًا يخرج عن معناه عدنا للعقد الذي يوافق هذه الصورة، وهو في هذه المسألة البيع؟ هذا فيه خلاف، والمذهب عندنا أنه لا يصح. فيه وجه عند الأصحاب بصحته ويكون بيعًا، والمشهور أنه لا يصح، لماذا؟ هذه القاعدة العبرة باللفظ، ولعلهم قالوا: العبرة باللفظ هنا لأن اللفظ صريح في السلم، هذا لفظه الصريح السلم، ويظهر -والله أعلم- أنهم في الألفاظ الصريحة لا يلتفتون إلى المعنى في الألفاظ الصريحة، والله أعلم.
ويعتبر أن يكون الأجل له وقع في الثمن؛ إذا الأجل لا بد أن يكون معلومًا وله وقع في الثمن. قال: له وقع في الثمن عادة كشهر؛ لأن الأجل إنما اعتبر ليتحقق الرفق الذي شرع من أجله السلم، ولا يحصل ذلك بالمدة التي لا وقع لها في الثمن. وليعلم أن هذا القيد "له وقع في الثمن" ذكره الأصحاب -رحمهم الله تعالى-. قال ابن مفلح في الفروع: وليس هذا في كلام أحمد -يعني لم يشرط الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- أن يكون الأجل له وقع في الثمن-. قال: واحتج الأصحاب بأن الأصل أنه لا يجوز السلم؛ لأنه باع مجهولًا لا يملكه، يتعذر تسليمه، فرخص فيه لحاجة المفلس، ولا حاجة مع القدرة. قال: وهذا إنما يدل على اعتبار الأجل في الجملة، يعني صح أننا معكم في هذا، هذا المعنى الذي ذكرتموه يدل على أنه لا بد في السلم أن يكون مؤجلًا، نحن معكم في هذا، لكن كونه له وقع في الثمن، يقول: هذه الجملة لا ينهض عليها دليل واضح. فإذا كان مؤجلًا تحقق المعنى الذي من أجله شرع السلم.
قال: فلا يصح السلم إن أسلم حالًّا؛ "بما سبق حالًّا" هذا محترز قيد "مؤجل"، فلا يصح السلم الحال، وذكرنا لكم الإشارة إلى الخلاف في الإقناع يقول: إلا أن يقع بلفظ البيع، فيصح حالًّا ويكون بيعًا بالصفة. يعني لو أنه قال: بعتك، أو اشتريت منك هذا التمر، لو قال: اشتريت منك التمر، خذ هذه 100 ريال وأعطني.. اشتريت منك عشرة أواع من التمر بهذه الـ 100 ريال تعطني بعد ستة أشهر؛ ماذا يكون هذا؟ سلم. وإن تلفظ بلفظ البيع والشراء يكون هذا سلمًا لأنه فيه تعجيل الثمن وتأجيل المثمن. لكن لو قال: اشتريت منك هذا تمرًا، تمرًا صفته كذا وكذا، مقداره كذا بهذه الـ 100 ريال، فهذا.. لو قال: أسلمت إليك كذا، فنقول: لا يصح؛ لأنه سلم حالّ. فإذا قال: اشتريت منك بدل اللفظة؛ فيصح ويكون من باب البيع بالصفة، ولا يكون سلمًا.
ولا أن أسلم إلى أجل مجهول؛ هذا احتراز من قيد "المعلوم" لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ [البقرة: 282]، والحديث: «فليسلم في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم». قال الموفق -رحمه الله-: ولا نعلم في اشتراط العلم في الجملة خلافًا، يعني الأصل أن العلماء متفقون على اشتراط العلم، لكن يوجد بعض المسائل التي يختلف فيها هل الأجل فيها معلوم أو لا، كما سيأتينا. طيب، لو أسلم إلى أجل مجهول؟ قال مثلًا: أسلمت إليك، مثلًا الحصاد ستأتي، نجعل الحصاد فيها خلاف، لكن حتى قدوم الحاج، أو حتى يرجع فلان من السفر ونحن لا نعلم متى يرجع، أو فلان غائب مفقود يبحث عنه، قال: إلى أن يوجد فلان، لا نعلم قد نجلس سنين نبحث عنه؛ فهنا الأجل مجهول، هل يصح السلم فيها؟ لا يصح؛ لأن الأجل مجهول.
البيع قال: بعتك هذه السيارة بـ 500 ألف ريال تسلمني إياها إذا وجدنا مثلًا فلانًا المفقود؛ يصح البيع؟ يصح، البيع ناجز، ما تسلمني إياها؛ هناك يبطل الأجل ويصح العقد، العقد صحيح في البيع، لكن الإشكالية في الأجل، فنلغي الأجل ويصير حالًّا. السلم ما يصح؛ لأنه لا يصح إلا مؤجلًا، فإذا ألغينا الأجل صار حالًّا، والسلم الحال لا يصح، فلذلك يبطلون السلم هنا. قال المؤلف -رحمه الله تعالى- على السلم إلى الأجل المجهول، قال: كالحصاد والجداد وقدوم الحاج؛ لأنها تختلف فلم تكن معلومة. وهذا في إحدى الروايتين عن الإمام أحمد -رحمه الله-، وهي المذهب أنه لا يصح السلم إلى الجذاذ والحصاد. لماذا؟ لا يدرى متى. روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: "لا تبايعوا إلى الحصاد والديس، ولا تبايعوا إلا إلى شهر معلوم". قال: ولأن ذلك يختلف ويقرب ويبعد ويؤدي إلى النزاع. وروي عن الإمام أحمد -رحمه الله- التجويز أو التأجيل إلى الحصاد والجداد، وهو -طبعًا- التجويز في عموم بيوع الآجال، أن يكون الأجل مقيدًا بهذا، يعني حتى في البيع المؤجل، ليس في التقسيط فقط، بابها واحد. فروي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنه كان يبتاع إلى العطاء؛ يعني يشتري من شخص سلعة يقول: أسددك إذا جاءني العطاء من بيت المال، فهنا العطاء مجهول؛ يعني مجهول زمنه بالدقة، لكن يعلم أنه سيأتيه العطاء.
وقال الإمام أحمد -رحمه الله-: إن كان شيء يُعرف، فأرجو ألا بأس به. قال الموفق -رحمه الله-: هذا محمول على أنه أراد وقت العطاء؛ لأن ذلك معلوم، مثل عندنا مثلًا تقول الراتب، اشتري منك هذا الجوال سأسدد مع نزول الراتب، فهذا معلوم، لكن يقول: وأما نفس العطاء فهو في نفسه مجهول يختلف يتقدم ويتأخر. يقول: لو ربطه بالوقت فهو معلوم، لو ربطه بنفس العطاء؛ لأن مثلًا العطاء الذي من بيت المال مثلًا محدد له يوم معين، قد يأتي له ذلك اليوم ويحصل هناك ظروف لا يستلمه في ذلك اليوم، قد يتأخر قد يتقدم؛ فهو غير معلوم. ولذلك نقول الرواية الثانية في المذهب جواز جعله إلى الحصاد والجداد، ويكون في أوله، ويتعلق ذلك بأوله، بأول وقت الحصاد والجداد، يعني لا يلزم أن يحصد هذا الزرع الذي أسلمت فيه، لا سيما وأن التفاوت هنا يسير؛ التفاوت في بداية وقت الحصاد عند الناس في البلدة الواحدة ليس كثيرًا.
ولا يصح السلم إلى أجل قريب كيوم ونحو؛ لأنه لا وقع له في الثمن، وهذا احتراز من القيد الثالث وهو أن يكون الأجل له وقع في الثمن. استثنى المؤلف -رحمه الله تعالى- قال: إلا أن يسلم في شيء يأخذه منه كل يوم أجزاء معلومة، كخبز ولحم ونحوهما؛ ما يصح السلم فيه؛ لأن الحاجة داعية إلى ذلك، يعني مثلًا شخص يقول: بدل ما أحضر إلى المحل أشتري خبزًا أحيانًا يقول: أجد، وأحيانًا لا أحصل، قال: خلاص أنا في أول الشهر أعطيه مبلغ الخبز لمدة شهر، خلاص يوصله لي يوميًا، هذا سَلَمٌ، يعتبر سَلَمًا. فمثلًا لو كان يشتري يوميًا بثلاث ريالات خبزًا، ففي الشهر 90 ريالًا، قال: خلاص صاحب المحل، قال: أعطني 75، خلاص أوصل لك يوميًا بثلاث ريالات، فهنا هذا سَلَمٌ، الأجل يسير، لكن قالوا: أجيز هنا -وإن كان الأجل يسيرًا- لدعاء الحاجة إلى ذلك. قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: الرجل يدفع إلى الرجل الدراهم في شيء يُؤكل، فيأخذ منه كل يوم تلك السلعة شيئًا فشيئًا.
فقال الإمام أحمد على معنى السلم: إذا قلت نعم، قال لا بأس. ثم قال: مثل الرجل القصاب، يعطيه الدينار على أن يأخذ منه كل يوم رطلاً من لحم قد وصفه، يعني يعطيه في أول الشهر ديناراً على أن يعطيه كل يوم رطلاً من اللحم.
وهنا بعض الفقهاء رحمهم الله تعالى قالوا: لا يجوز؛ لأن السلم جاء إلى آجال كثيرة لا إلى أجل واحد، يعني مثل هنا إلى شهر ثلاثين أجلاً. الأصحاب رحمهم الله تعالى يرون جواز ذلك، يكون كل بيع جاز إلى أجل فيجوز إلى آجال؛ كبيع الأعيان، يعني السيارة الآن اشتريت سيارة مثلاً بخمسمئة ألف ريال، يجوز لك أن تقول بخمسين ألف ريال أدفعها إلى سنة، ويجوز لك أن تقول خمسين ألف ريال أدفعها مقسطة كل شهر أدفع لك كذا، فهذا جائز وهذا جائز. قالوا: والسلم مثله، يجوز أن يكون الأجل واحداً ويجوز أن تكون الآجال كثيرة.
قال: فإن قبض البعض وتعذر الباقي، مثلاً كان قال له كل يوم تجيب لي خبز أو كل يوم تجيب لي لحم، فبعض الأيام يتعذر له الخبز وبعض الأيام يكون ما صاحب المحل ما يجي خبز أو ما يأتي لحم، فلا يحضر له الخبز أو اللحم، فهنا قبض البعض وتعذر الباقي، فما العمل؟ قال: يرجع بقسطه من الثمن، ولا يجعل للباقي فضلاً على المقبوض. يعني مثلاً هو أعطاه ووصله 15 يوماً خبز، و15 يوماً ما وصله، دفع له 75، فهنا وصله النصف، فيسترجع نصف المبلغ. طيب، ما يقول إن القسط الأول أو النصف الأول قيمته أعلى من النصف الثاني أو العكس، لا، كلها متساوية، لذلك قال: ولا يجعل للباقي فضلاً على المقبوض لتماثل أجزائه، بل يقسط الثمن عليهما بالسوية؛ لأنه مبيع واحد، هو حقيقة اشترى خبزاً في عقد واحد، فمبيع واحد متماثل الأجزاء، فيقسط الثمن على أجزائه بالسوية كما لو اتفق أجله. يعني مثل لو قال سلمت إليك في 30 خبزة تسلمها إلي بعد شهر، فبعد شهر ما جاب إلا 15 خبزة، فهنا استرجع النصف، وهذه مثلها لو أتى له بالـ 15 خبزة على الشهر، يعني في أثناء الشهر وفر له 15 خبزة، 15 خبزة لم يوفرها، فيسترجع النصف.
نعم، طبعاً هم قالوا: انظر في البداية قال له وقع في الثمن عادة كشهر جيد. الشهر هذه حقيقة ترجع إلى عرف الناس في الثمن أو الأجل الذي له وقع في الثمن. فهنا مثل بشهر، وهو الذي مثل في المغني، وغيره في الكافي مثل بنصف شهر، بنصف شهر، المغني بشهر. وعلى كلٍ، تختلف باختلاف الأعراف. الضابط أن يكون الأجل له وقع في الثمن، فإذا كان يعني مثلاً لو كان عندنا مثلاً أسبوع له وقع في الثمن أقول هنا يصح السلم فيه، لو كان لا ما له وقع في الثمن، لا كان شهراً أكثر، فنقول الأسبوع لا يصح السلم فيه، قد تختلف من سلعة إلى سلعة، قد تختلف من مكان إلى مكان، وهكذا.
نعم، قال رحمه الله: الشرط الخامس أن يوجد المسلم فيه غالباً في محله، بكسر الحاء، أي وقت حلوله لوجوب تسليمه، إذاً فإن كان لا يوجد فيه أو يوجد نادراً كالسلم في العنب والرطب إلى الشتاء لم يصح. ويعتبر أيضاً وجود المسلم فيه في مكان الوفاء غالباً، فلا يصح أن أسلم في ثمرة بستان صغير معين أو قرية صغيرة أو في نتاج من فحل بني فلان أو غنمه أو مثل هذا الثوب؛ لأنه لا يؤمن تلفه وانقطاعه، ولا يعتبر وجود المسلم فيه وقت العقد؛ لأنه ليس وقت وجوب التسليم.
فإن أسلم إلى محل يوجد فيه غالباً فتعذر المسلم فيه بأن لم تحمل الثمار تلك السنة، أو تعذر بعضه، فله أي لرب السلم الصبر إلى أن يوجد فيطالب به، أو فسخ العقد في الكل إن تعذر الكل، أو في البعض المتعذر ويأخذ الثمن الموجود أو عوضه، أي عوض الثمن التالف؛ لأن العقد إذا زال وجب رد الثمن، ويجب رد عينه إن كان باقياً وعوضه إن كان تالفاً، أي مثله إن كان مثلياً وقيمته إن كان متقوماً. هذا إن فسخ في الكل، فإن فسخ في البعض فبقي.
هنا يقول: الشرط الخامس أن يوجد المسلم فيه غالباً في محله بكسر الحاء أي وقت حلوله، والمحل الموضع، فالمحل المكان، هذا هو الأصل بالفتح، ويقال بالكسر أيضاً، الموضع، هذا لغةً. والمشهور أن تكون بالفتح، المصباح المنير المحل بفتح الحاء وكسرها لغة موضع الحلول، ولغة الكسر حكاها ابن القطاع، والمحل بالكسر الأجل. قال: يوجد المسلم فيه غالباً في محله أي وقت حلوله لوجوب تسليمه، إذاً قال الموفق رحمه الله: لا نعلم فيه خلافاً. يعني لا بد إذا أسلم في شيء فيكون المسلم فيه موجوداً في ذلك الوقت غالباً. هم يمثلون يقولون: فلا يصح مثلاً أن يسلم إلى عنب في الشتاء، عنب في الصيف، أو رطب في الشتاء. هل يستقيم هذا المثال عندنا الآن؟ ها، أي الآن لا يستقيم، ما نستطيع نوفر عنب في الشتاء؟ نستطيع، والرطب في الصيف، في الشتاء نستطيع، يعني نحفظه في الثلاجات فيحفظ، لكن يعني كانوا سابقاً لا يستطيعون، يتلف، لو جعلوه إلى الشتاء تلف، فهذا هو المقصود أن يكون المسلم فيه موجوداً غالباً في محله أي وقت الوفاء، وقت حلول الأجل، لماذا؟ لوجوب تسليمه، إذاً قال الموفق رحمه الله: لا نعلم فيه خلافاً؛ لأنه إذا لم يكن عام الوجود، طبعاً عام الوجود يعني مقابل نادر الوجود، يعني إذاً فلا يصح أن يسلم في شيء لا يوجد في محله أو يوجد نادراً، لا يوجد أو يوجد نادراً، لا بد أن يكون يوجد كثيراً.
يقول الموفق رحمه الله: لأنه إذا لم يكن عام الوجود لم يكن موجوداً عند المحل بحكم الظاهر، أن يقول الأصل أنه ظاهراً أنه لن يوجد في وقت الأجل، فلم يمكن تسليمه، ولم يصح بيعه كبيع الآبق، بل أولى. يقول يقاس على بيع الآبق، بيع الآبق لا يصح لأنه لا يمكن تسليمه، وهذا لا يصح السلم فيه لأنه لا يمكن تسليمه، قال: أولى بالأولى في التحريم من بيع الآبق. لماذا؟ قال: فإن السلم احتمل فيه أنواع من الغرر للحاجة، فلا يحتمل فيه غرر آخر؛ لأن يكثر الغرر، وهذا الذي قلنا لكم في الدرس الماضي في مسألة أحد المسائل قلنا فيها لا يصح أن الغرر سيكون مركباً؛ السلم في حمل وولده، قلنا لكم نعم في الحامل من الحيوان، السلم في الحامل من الحيوان قلنا لكم بيع الحامل لو باع الحيوان الحامل يصح، طيب لو أسلم في حيوان حامل؟ لا يصح، طيب لماذا صح هنا ولم يصح هنا؟ قلنا: الغرر هناك في الحمل فقط، هنا في الحيوان وفي الحمل، فهناك غرر دعت إليه الحاجة، وهناك غرر لم تدع إليه الحاجة. قال: فإن كان لا يوجد فيه أو يوجد نادراً كالسلم في العنب والرطب إلى الشتاء لم يصح؛ لأنه لا يؤمن انقطاعه.
قال: ويعتبر أيضاً، يشترط وجود المسلم فيه في مكان الوفاء غالباً، وهذه ذكر هنا في ابن قاسم رحمه الله قال: لم أرهم ذكروا هذه العبارة لا في الفروع ولا في الإنصاف ولا في الإقناع ولا في المنتهى، هذا نقله ابن قاسم عن ابن عيسى، ابن عيسى نقله عن البابطين رحم الله الجميع. فلا يشترط، اللي هي يشترط وجوده في مكان الوفاء غالباً، هذه لم تذكر، لكن ذكروا هنا الذي ذكرها بعد، فلا يصح أن أسلم في ثمرة بستان صغير معين، لكن كونه لا يشترط أنه يشترط وجوده في مكان الوفاء هذه لم يذكروها، وغالباً صاحب الزاد إذا زاد شيئاً فغالباً يكون نقله عن الوجيز ولا ما راجعت الوجيز هل ذكرها أو لا.
قال البهوتي رحمه الله: فلا يصح أن أسلم في ثمرة بستان صغير معين، في ثمرة بستان صغير معين، حتى لفظ صغير هنا أيضاً لم يذكرها الأصحاب، لذلك هنا في حاشية ابن قاسم قال: عباراتهم مطلقة لم يقيدوا البستان بالصغر، وهذا أيضاً نقله ابن عيسى عن البابطين، وذكر أن هذه العبارة يعني اللي هي أنه لا يصح السلم في ثمرة بستان لم يقيدوه بالصغر، عبارة الشراح الكبير والزركشي والفروع والإنصاف والمنتهى كلهم يذكرون لا يصح السلم في ثمرة بستان معين، لم يقيدوه بالصغر، أو قرية صغيرة، القرية الصغيرة نعم قيدوها. وقال ابن المنذر رحمه الله: إبطال السلم إذا أسلم في ثمرة بستان بعينه كالإجماع من أهل العلم رحمهم الله تعالى، وجاء في الحديث أن يهودياً أسلم في تمر للنبي صلى الله عليه وسلم وقال: أريد من حائط بني فلان أن تمر أريده مزرعة بني فلان، هذا السلم في ثمرة بستان معين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أما من حائط بني فلان فلا، ولكن كيل مسمى إلى أجل مسمى».
قال: أو قرية صغيرة، يعني لو قال أسلمت إليك في ثمرة في ثمرة من هذه القرية قرية صغيرة، فهنا لا يصح لأنه لا يؤمن تلفه وانقطاعه، لكن لو كانت القرية كبيرة، سلمت إليك مثلاً 100 صاع من التمر تحضر لي من مزارع الرياض، صح، بلد أي بلد كبير مزارع فيه كثيرة فيصح، لكن لو كانت القرية صغيرة، مزرعة ومزرعتين، فهنا لا يصح، لأنه لا يؤمن تلفه، لا يؤمن انقطاعه. قال: أو في نتاج من فحل بني فلان أو غنمه أو مثل هذا الثوب، فهذا كله لا يصح، والتعليل لأنه لا يؤمن تلفه وانقطاعه.
قال: ولا يعتبر وجود المسلم فيه وقت العقد، فالذي يشترط أن يوجد فيه أن يشترط المسلم فيه أن يوجد المسلم فيه وقت الوفاء، لكن وقت العقد لا يشترط، فلو جاء في الشتاء يعني مثلوا هناك على رطب أو العنب في الشتاء لو جاء في الشتاء وقال أسلمت إليك هذا المبلغ في رطب تسلمني إياه بعد ستة أشهر في الصيف والآن ما في رطب في المزرعة، صحيح، لا يشترط أن يوجد المسلم فيه وقت العقد، وقلنا لكم غالباً الأصحاب إذا قالوا لا يشترط كذا، فإنه إشارة إلى خلاف، هنا خالف فيه الحنفية رحمهم الله تعالى، قال: لأنه ليس وقت وجوب التسليم، أنه لن يسلمه الآن، سيسلمه في وقت قادم.
قال: فإن أسلم إلى محل يوجد فيه غالباً، هنا الآن يتكلم عن تعذر المسلم فيه أو تعذر بعضه، الآن قال: أسلمت إليك في 100 صاع من البر تسلمني إياها بعد ستة أشهر، طيب جينا بعد ستة أشهر تعذر تسليم البر مثلاً تلف، يعني مثلاً نزل مطر غزير على هذه الدولة في سنة من السنوات وتلف محصول البر، لا يقدر يسلمه، فهنا نقول، هنا يقول تعذر المسلم فيه بأن لم تحمل ثمار تلك السنة، طبعاً تعذر مقابل، ضده يعني تحقق، فإذا تحقق وجود المسلم فيه فإنه يجب عليه التسليم، يجب على المسلم إليه التسليم، يعني مثلاً لو كان مثلاً البر مثلاً تلف في مثلاً المنطقة الوسطى لكن المنطقة الغربية أو الجنوبية فيها بر يستطيع استيراده، فهنا نقول يلزمه ذلك، يلزمه ذلك، لكن لو تعذر، فهنا نقول المسلم اللي هو اللي هو عبر عنه برب السلم مخير. سواء تعذر المسلم فيه كله أو تعذر بعضه فالمسلم مخير بين أن يصبر إلى أن يوجد فيطالب به، ما السنة تلف سأصبر إلى السنة الأخرى القادمة، الموسم القادم فله ذلك، أو يفسخ العقد، يفسخ العقد في الكل أو البعض إن تعذر البعض ويأخذ الثمن الموجود أو عوضه أي عوض الثمن التالف، فالخيار للمسلم بين أن يصبر إلى أن يوجد المسلم فيه فيطالب به، وبين أن يفسخ العقد ويرجع بالثمن إذا كان موجوداً، كان موجوداً ما زال عند المسلم إليه فيرجع به، أو يرجع بمثله إذا كان مثلياً، أو قيمته إذا كان قيمياً. فإن تعذر البعض، إن تعذر البعض يعني مثلاً قال له 100 صاع فوفر له 50 صاع وقال 50 صاع ما عندي، فله للمسلم الخيار بين الفسخ في الكل والرجوع بالثمن وبين الصبر إلى حين الإمكان ويطالب بحقه، وله الفسخ في المفقود الموجود لأن الفساد طرأ بعد صحة العقد فلا يوجب الفساد في الكل.
طبعاً فيه اختلاف عبارة بين الإقناع والمنتهى في ما إذا تعذر البعض، فهل للمسلم هل للمسلم الفسخ في الكل؟ يعني لو وفر له 50 صاعاً، خلاص خذ 50 صاعاً ما وفرت لي 100 صاعاً، خلاص أنا بفسخ في الكل، فهل له ذلك أو لا؟ عبارة المنتهى أنه ليس له الفسخ إلا في البعض، عبارة الإقناع ظاهرها أن له الفسخ في الكل، له الفسخ في الكل، لكن البهوتي في الكشاف حمل عبارة الإقناع على ما يوافق المنتهى، مخير على ها مخير ولا ما أثر الخلاف؟ أثر الخلاف فيما إذا وفر له البعض يعني تعذر البعض فقط، فهل له أن يفسخ في الموجود أو لا؟ يعني 50 صاعاً هل نقول هو ملزم بأخذها كما هو الظاهر كما هو عبارة المنتهى، أو نقول هو مخير له أن يكون مادامك ما وفرت لي 100 خلاص فسخها كما هي ظاهر عبارة الإقناع؟ طبعاً عبارة المغني أن له الفسخ، كما يظهر عبارة الإقناع.
شيخ، له له أن يصبر. أيوه، وإذا كان الذي تعذر الكل فله أن يفسخ في الكل، إذا تعذر البعض فله أن يفسخ في البعض، هذا ما في إشكال.
الإشكال الذي بين عبارة الإقناع والمنتهى: هل إذا تعذر الكل، أو هل إذا تعذر البعض، فهل يفسخ في الكل أو لا؟ مثال ذلك: أعطاه 50 كيلو أو 50 صاعاً، فهل له أن يقول ما دمت ما وفرت لي 100 صاع خلاص يفسخ أو لا؟ هذا الذي وقع فيه الخلاف بين الكتابين.
فإذا فسخ، قال: يأخذ الثمن الموجود أو عوضه؛ أي عوض الثمن التالف، لأن العقد إذا زال وجب رد الثمن. يأخذ الثمن الموجود أو عوضه، هذا الذي قلنا لكم؛ الثمن الموجود إذا كان موجوداً، وإذا لم يكن موجوداً عند المسلم إليه فيأخذ عوضه، وهو مثله إذا كان مثلياً، أو قيمته إذا كان قيمياً، لأن العقد إذا زال وجب رد الثمن. خلاص، انفسخ العقد، فيرد المسلم إليه الثمن، ويجب رد عينه؛ رد عين رأس مال السلم إذا كان باقياً، أو عوضه إذا كان تالفاً، أي مثله إن كان مثلياً، أو قيمته إن كان متقوماً.
قال: هذا إذا فسخ في الكل، فإن فسخ في البعض، فبقصة؛ يعني لو فسخ، قلنا مثلاً: وفر له 50 صاعاً من التمر، وهو قد سلم مثلاً 1000 ريال، يرجع له 500 ريال. فإذا فسخ البعض، فبقصة.
نأخذ الشرط السادس، نقف. طيب، هذا يقول: ما حكم ما يحصل كثيراً في المحلات بين التجار، بحيث يأتي الزبون فيطلب سلعة فلا يجد التاجر عنده لكنها توجد عند جاري، فيذهب إلى جاري ويأخذ من تلك السلعة فيبيعها على الزبون، هل هذا من باب بيع الموصوف في الذمة أو من باب بيع ما لا يملك؟ تقدمت معنا في الشرط السادس من شروط البيع، تكلمنا عنها هناك. ما الذي تذكرونه؟ ولا الصورة غير واضحة عندكم؟
في البيع؛ أن يكون العلم بالمبيع برؤيتنا أو بالصفة، يكون المبيع معلوماً برؤيتنا أو بالصفة. مثلاً يبيعون المتاجر الإلكترونية، أو هنا شخص مثلاً محل قطع غيار سيارات، فيجي يقول: عندك القطعة الفلانية؟ قال: لا، لكن بوفرها لك. فهنا اتفقوا على البيع وسلمه الثمن، فوفرها له وأتى بها، قال: راجعني بكرة، أو العصر، أو انتظرني نص ساعة، فوفرها له، فهل هذا من باب بيع الموصوف في الذمة أو من باب بيع ما لا يملك؟
إذا كانت السلعة معينة، مثل سيارة أو جهاز، مثلاً يعرض جهازاً في تطبيق، وموجود رقم اسمه القطعة، رقم القطعة التي لا تتغير، فهنا إذا أوقع العقد صح، لكن إذا ما عين القطعة، مثل قال: قطعة كذا، نجيب، أحياناً يقول بجيب لك من جاري، وأحياناً يقول بجيب لك، يروح يشتريها، فهذا من باب بيع العين القائمة بالصفة، فليست من باب بيع ما لا يملك. لكن اختلف الأصحاب رحمهم الله تعالى، هل يلزمه التسليم؛ تسليم رأس المال في المجلس، فتكون صورة صورة السلم، فيسلم رأس المال في المجلس ولا لا؟ واضح، هذا اختلفوا فيه، لكن هم ليسوا متفقين. المشهور في المذهب جواز ذلك، الشيخ ابن العثيمين رحمه الله له كلام يفهم منه تحريم هذه الصورة.
طيب، هذا يقول عبارة الوجيز نفس عبارة الزاد، التي هي ومكان الوفاء. أحسنت. طيب، يقول: لا يمكن تخريج هذه الصورة التي ذكرناها سابقاً على أنها من السلم الحال بلفظ البيع، إذا كانت السلم لا يجوز السلم فيها، تقصر عليه. نعم، بعض الأصحاب حملوها على السلم، ولذلك قالوا: تجوز إذا أجزنا السلم الحال، بعض الأصحاب قالوا ذلك.
طيب، الأسبوع القادم والذي بعده لا يوجد درس إن شاء الله، سيتوقف الدرس أسبوعين إن شاء الله تعالى. إذا صارت الصورة التي نقول لا يجوز، بمعنى باعه سلعة معينة، فهنا نقول يفسد العقد، لا بد إذا تملكها أن يعيد العقد من جديد. لكن في الصورة التي نقول تجوز، هل الأجل هذا في المعتاد له وقع في الثمن ولا لا؟ حتى لو مثلاً شخص أصلاً أسعاره غالية، الشخص صاحب المزرعة، مثلاً الناس يبيعون التمر حالاً، الكيلو مثلاً بعشرة، وهو يسلم أو يسلم إليه الكيلو بعشرة، فتقول سعره نفس سعر الناس حالاً، فلا نقول يبطل السلم. نحن ننظر الأجل؛ الأجل مثلاً شهر، ستة أشهر، ثلاث أشهر، هذا له وقع في الثمن في العادة، هذا هو المشروع.
هذا والله أعلم، وسلم على نبينا محمد وصحبه أجمعين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان