توقفنا في التعليق على "الروض المربع" أثناء باب السلم، قد ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أنه يشترط لصحة السلم سبعة شروط زائدة على شروط البيع، وتكلمنا في الدروس الماضية عن الشروط الخمسة الأولى، وهي: انضباط صفاته أي أن يكون مما يمكن ضبطه بالصفة، وذكر الجنس والنوع والصفات التي يختلف بها الثمن اختلافاً ظاهراً، وذكر القدر بالكيل أو الوزن أو الذرع، وأن يكون مؤجلاً إلى أجل معلوم له وقع في الثمن، وأن يوجد غالباً في محله؛ والمقصود بـ"محلّه" بكسر الحاء أي وقت حلوله. وقفنا على الشرط السادس.
الشرط السادس: أن يقبض الثمن تاماً؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «من أسلف في شيء فليسلف» الحديث، أي فليعطِ. قال الشافعي: لأنه لا يقع اسم السلف فيه حتى يعطيه ما أسلفه قبل أن يفارق من أسلفه. ويشترط أن يكون رأس مال السلم معلوماً قدره ووصفه كالمسلم فيه، فلا يصح بصبرة لا يعلمان قدرها، ولا بجوهر ونحوه مما لا ينضبط بالصفة، ويكون القبض قبل التفرق من المجلس.
وكل مالين حَرُم النِّساء فيهما لا يجوز إسلام أحدهما في الآخر؛ لأن السلم من شرطه التأجيل. وإن قبض البعض من الثمن في المجلس ثم افترق قبل قبض الباقي، بطل فيما عداه أي ما عدا المقبوض، وصح في المقبوض. ولو جعل ديناً سلماً لم يصح، وأمانة أو عيناً مغصوبةً أو عاريةً يصح؛ لأنه في معنى القبض.
هنا تحدث المؤلف رحمه الله تعالى في الشرط السادس فقال: أن يقبض الثمن تاماً، ونكمل كلام الحجاوي: معلوماً قدره ووصفه قبل التفرق. هذا شرط؛ إذاً أن يقبض الثمن كله، وأن تعلم أوصاف الثمن؛ يعني الذي قبل في الشرط الثاني تعلم أوصاف المسلم فيه الذي سيستلم لاحقاً، وهنا العلم بأوصاف الثمن. إذاً هذا الشرط يتضمن عدة أمور: أن يكون ثمناً مقبوضاً، وأن يقبض كله، وأن يعلم قدره ووصفه، وأن يكون قبضه قبل التفرق.
هنا استدل المؤلف رحمه الله تعالى على وجوب أو على اشتراط القبض بقوله صلى الله عليه وسلم: «من أسلف في شيء فليسلف» الحديث، قال: أي فليعطِ. ما وجه الدلالة؟ ذكر وجه الدلالة من كلام الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، قال الشافعي: هذه يتناقلها الأصحاب رحمهم الله تعالى، كلام الإمام الشافعي وهو في "الأم"، قال: لأنه لا يقع اسم السلف فيه حتى يعطي ما أسلفه قبل أن يفارق من أسلفه. يعني لا يتحقق هذا الوصف "فليسلف" إلا بتقديم الثمن قبل التفرق، فهذا هو وجه الدلالة من الحديث.
إذاً وجه الدلالة من الحديث هي دلالة مأخوذة من المعنى اللغوي لقوله "فليسلف"، والإمام الشافعي رحمه الله تعالى حجة في اللغة، لذلك يستدل العلماء بفصاحة كلمة ولفظها وورودها في كلام الشافعي رحمه الله تعالى، فهو حجة في اللغة، ونفعه تعلمه الشعر والأدب في أول أمره، وبلغ مبلغاً كبيراً في ذلك. وألف كتابه "الرسالة" وهي في أصول الفقه، والحقيقة أنه استنبط من نصوص الكتاب والسنة أساليب وسياقات لغوية؛ تأليفه في الرسالة قد لا يقوى على دراسته بعض المهتمين بعلم الأصول؛ لأنهم درسوا الأصول على المتون المعروفة. هذا لا يُشكل فيه كون الإنسان يدرس الفن على المتون المعروفة، لا يُشكل فيه، لكن هذه المتون ليست هي المنتهى.
بعضهم مثلاً يدرس "زاد المستقنع" أو "دليل الطالب" أو بعض المختصرات، هذا صحيح، هذا هو الطريق الصحيح للتدرج، لكن لا يعني هذا أنها النهاية. كذلك في أصول الفقه مثلاً يدرس "الورقات" أو "الروضة" أو "مختصر التحرير" أو "مختصر الروضة"، ما في إشكال، هذا صحيح أنه يبدأ بالمختصرات، لكن لا يقتصر عليها، إنما يجعلها وسيلة للترقي إلى ما بعدها، فأقول كلام الإمام الشافعي رحمه الله في الرسالة كلام قوي، ويحتاج إليه كل متعلم سواء في علم الأصول أو في علم الفقه، وجلب دلالات من الكتاب والسنة والرد على المخالفين بما لا تجده في كتب كثير من المتأخرين رحمهم الله تعالى.
قال الشافعي: لأنه لا يقع اسم السلف فيه حتى يعطيه ما أسلفه قبل أن يفارق من أسلفه. قال: ويشترط أن يكون رأس مال السلم معلوماً قدره ووصفه كالمسلم فيه. فالمسلم فيه تقدم معنا أنه لابد أن يعلم قدره ووصفه، وكذلك رأس مال السلم لابد أن يكون معلوماً قدره ووصفه، وذكر الموفق رحمه الله أنه لا خلاف في اشتراط معرفة صفته إذا كان في الذمة؛ يعني دين غير معين، ولا يعني أنه لن يقبض الآن، لا، سيقبض، مثلاً يقول: "أسلمت إليك 10 كيلو تمر بـ20 صاعاً من البر تسلمني إياها بعد ستة أشهر"، وعنده المستودع مليان من التمر، فهنا هذا سَلَمٌ في الذمة. هل هو صحيح؟ لا نقول غير صحيح؛ إذا توفرت فيه الشروط صح، بمعنى قال: ما عندي مانع، أحضر هذه العشرة أواع في مجلس العقد، وتُعقد رأس مال السلم، فالعقد صحيح. فالموفق رحمه الله يقول: لا خلاف في اشتراط معرفة صفته إذا كان في الذمة.
أما إذا كان معيناً، فهل لابد من معرفة وصفه؟ أخفَى ما في داخل أو سوى ظاهرة أو مخفية؟ هنا في خلاف. أما الأولى فلا خلاف فيها إذا كان رأس مال السلم غير معين، فلا خلاف أنه لابد من معرفة وصفه، أما إذا كان معيناً فاختلف الأصحاب هل لابد من معرفة وصفه أو لا؟ تذكرون في شروط البيع الشرط السادس العلم بالمبيع، نعم، أو الثمن يكون الثمن معلوماً، والعلم بالثمن وكذلك المبيع، علم بالثمن بالرؤية أو بالصفة. حتى الثمن لو قال: اشتريت منك هذه السيارة بهذه النقود، 500 كم غير معلومة، لكنها أمامه، يكون يصح، المذهب يصح لأنه معلوم بالرؤية، معلوم بالرؤية لأنها معينة.
لكن هنا في السلم لو قال: أسلمت إليك هذه النقود أو قال هذه الصبرة من التمر، كم مقدارها؟ كومة من التمر ما كالها، كم مقدارها؟ فهنا هل يصح العقد أو لا؟ على المشهور من المذهب أنه لا يصح؛ لا يُكتفى بالرؤية، لابد فيه من معرفة القدر والوصف؛ لماذا؟ لأن المسلم فيه، قال: بعد ستة أشهر تعطيني بر، بعد ستة أشهر حصلت جائحة ما نبت بر في هذه المدينة أبداً، فسيختلفون؛ 10 أواع، 20 صاع ما يدرى! فهنا يحصل النزاع، فلذلك قالوا هنا لا يصح؛ لأنه قد ينفسخ العقد فنحتاج إلى معرفة مقدار رأس مال السلم لكي يرد إلى المسلم ما دفعه، فإذا لم نكن نعرفه فسيحصل نزاع بين الطرفين.
قال: فلا يصح بصبرة لا يعلمان قدرها، ولا بجوهر ونحوه مما لا ينضبط بالصفة. طيب الجوهر ونحوه مما لا ينضبط ما مر علينا قبل أنه لا يصح، هل هذا تكرار؟ هل كلاهما ينصبان على شيء واحد؟ لا، هنا أجابوا بعضهم في تعليقات قالوا: هنا يراد به الثمن اللي هو رأس المال، وهناك المسلم فيه، هناك يتكلم عن المسلم فيه، يكون لا يصح أن يكون المسلم فيه جوهرة ونحو ما تنضبط، وهنا تتكلمون عن رأس مال السلم، لا يصح أن يكون مما لا ينضبط بالصفة.
قال: ويكون القبض قبل التفرق من المجلس بما تقدم من قوله "فليسلف". قال: وكل مالين حَرُم النساء فيهما لا يجوز إسلام أحدهما في الآخر؛ لأن السلم من شرطه التأجيل. هذا ضابط لما لا يجوز الإسلام بينهما من الأموال، فنقول تقدم معنا في أبواب الربا ضابط ما لا يجوز أو ما يجب فيه التقابض قبل التفرق، وهو إذا أبدل شيء ربوي بربوي متحدين في الجنس؛ طبعاً يشترط التقابض والتماثل، لكن متى يشترط التقابض فقط؟ إذا اتحد في العلة، فهنا وذكرنا لكم سابقاً أن العلة في المذهب هي الكيل أو الوزن، فإذا كان يريد أن يُسْلِم مكيلاً في مكيل، فنقول لا يجوز. بتمر قال: ساعطيك براً، تعطيني بدله، يعني المثال السابق الذي مثلنا به، إذاً لا يصح، لماذا؟ لأن إبدال التمر بالبر لابد فيه من التقابض قبل التفرق، فما دام أنه لابد فيه من التقابض قبل التفرق، والسلم من شرطه التأجيل، يشترط فيه التأجيل، لو كان حالاً ما صح. فتضاد باب الإبدال في الربويات مع السلم، فلذلك كل ما... الضابط أن كل مالين حَرُم النساء فيهما فإنه لا يجوز إسلام أحدهما في الآخر؛ العلة لأن السلم من شرطه التأجيل.
طبعاً قلنا لكم سابقاً أن في مسألة مستثناة، وهي مستثناة لأجل السلم. نعم، من الضوابط ذكرنا لكم طيب، أحسنت، هنا الشيخ حمزة أجاب يقول: النقد مع الموزونات؛ إذا أبدل موزوناً بموزون وكان أحدهما نقداً، فهنا اتفقوا في العلة، فالأصل أنه لابد من التقابض قبل التفرق، لكن هنا قالوا لا يلزم؛ أبدل حديداً بذهب أو بفضة، قالوا لا يلزم التقابض قبل التفرق؛ لماذا؟ لأننا لو ألزمنا بالتقابض قبل التفرق لسددنا باب السلم في الموزونات غالباً، فلذلك لأجل أن يُفتح المجال في السلم في الموزونات استثنوا هذه المسألة، هذه تقدمت معنا في الضوابط في الربا.
قال: وإن قبض البعض من الثمن في المجلس ثم افترق قبل قبض الباقي بطل فيما عداه أي ما عدا المقبوض، وصح في المقبوض. عندنا أنه لابد أن يقبض الثمن إذاً تاماً قبل التفرق، لو قبض بعضه؛ جاء مثلاً عمر إلى أحمد وقال عمر: أريد أن أعطيك يا أحمد 10 آلاف ريال وتعطيني بعد ستة أشهر 100 صاع من التمر، قال: لكن الآن معي 5 آلاف ريال، فسأعطيك إياها، ومن الغد سأعطيك الـ5 آلاف الثانية. فهنا حصل التفرق قبل قبض البعض؛ يعني قبض نصفه، والنصف الآخر أحضره بعد التفرق، فهنا هل يصح العقد أو يبطل أو يصح جزءه؟ يصح جزءه؛ لذلك قال: إن قبض البعض من الثمن في المجلس ثم افترق قبل قبض الباقي بطل فيما عداه أي ما عدا المقبوض، وصح في المقبوض. وهذا مبني على مسألة مرت معنا في أول البيع، ذكرناها الدرس الماضي أو اللي قبله، إذا اشتمل العقد على... أحسنت: تفريق الصفقة، وقلنا لكم هناك أن في المذهب قولين في تفريق الصفقة، والمشهور أنها تفرق الصفقة فيصح في الصحيح ويبطل فيما عداه، ولذلك في هذه المسألة فيها قولان، والقولان مبنيان على القولين في تفريق الصفقة، والمشهور في المذهب هنا أنه يصح في المقبوض ويبطل فيما عداه.
قال: ولو جعل ديناً سلماً لم يصح. المثال السابق، لو أن عمر قال: أنا سبق أن سلفتك يا أحمد 10 آلاف ريال، خلاص، اللي سلفتك اجعلها مثلاً بعد سنة أو بعد ستة أشهر سلمني 100 صاع من التمر. فهنا ماذا يقول المؤلف؟ هل يصح العقد أو لا؟ لا يصح؛ لماذا؟ مرت معنا في نهاية باب الربا: "بدين بدين"، هذا بيع دين بدين، لابد من أن يكون أحدهما عيناً، فهنا باع ديناً بدين. لو جعل ديناً سلماً لم يصح، وذكر ابن المنذر رحمه الله تعالى إجماع أهل العلم على عدم جواز ذلك؛ لأنه بيع الدين بالدين.
قال: وأمانة أو عيناً مغصوبةً أو عاريةً يصح؛ لأنه في معنى القبض. في المثال السابق لو أن عمر قال لأحمد: أنا قبل أن أسافر أعطيتك 5 آلاف ريال وديعة، الوديعة الأصل أنها عند أحمد، ما زالت.
قال: خلاص، 5000 ريال، اجعل رأس مالي بعد سنة تسلمني كذا وكذا من التمر. فهنا يصح، ليس بدين؛ هنا هذه الوديعة في معنى المقبوض، فليست مثل الدين السابق الذي هو قال: تصرف فيه؛ لا، لم يتصرف فيه؛ فهو عنده لا يزال أمانة عنده، أو عين مغصوبة، أو عارية، هذا كله في مثال، يعني كله في حكم الأمانة، وفي حكم الأمانة في أنه في معنى القبض، سار مجرى القبض. فيكون القبض إما أن يكون حقيقة يسلمه في المجلس، أو يكون حكماً في مثل الأمانة أو العين المغصوبة أو العارية.
قال رحمه الله: وإن أسلم ثمناً واحداً في جنس واحد كبر إلى أجلين كرجب وشعبان مثلاً، أو عكسه بأن أسلم في جنسين كبر وشعير إلى أجل كرجب مثلاً، صح السلم إن بين قدر كل جنس وثمنه. في المسألة الثانية بأن يقول: أسلمت ك دينارين، أحدهما في أردب قمح صفته كذا وأجله كذا، والثاني في أردبين شعيراً صفته كذا والأجل كذا، وصح أيضاً إن بين قسط كل أجل في المسألة الأولى بأن يقول: أسلمت ك دينارين أحدهما في أردب قمح إلى رجب والآخر في أردب وربع مثلاً إلى شعبان. فإن لم يبين ما ذكر فيهما لم يصحا؛ لأن مقابل كل من الجنسين أو الأجلين مجهول.
هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى صورة، يعني إما أن يكون فيهما أجلان أو يكون فيهما جنسان إلى أجل واحد، هو يذكر لك صورة تطبيقية، فيقول لك سواء كان السلم سلم عين واحدة إلى أجل واحد، هذا هو المعتاد، فيصح. يقول لك مثله لو كان أسلم في جنسين إلى أجل واحد فيصح، أو أسلم في جنس إلى أجلين فيصح بشرطه الذي سيذكره. هنا ذكر إذا أسلم ثمناً واحداً في جنس واحد كبر إلى أجلين كرجب وشعبان مثلاً، هذه المسألة الأولى، طبعاً ذكر المسألة الأولى ثم ذكر المسألة الثانية، ثم ذكر الحكم صح، ثم بين شرط المسألة الثانية، ثم بين شرط المسألة الأولى؛ فعكس لما جاء الشروط قدم شرط الثاني على شرط الأولى.
نأتي للمسألة الأولى ونأتي إلى شرطها: أن أسلم ثمناً واحداً في جنس كبر إلى أجلين كرجب وشعبان مثلاً، يعني جاء مثلاً محمد إلى خالد، وقال محمد لخالد: أنا سأعطيك مثلاً 10000 ريال تسلمني بر بعد ستة أشهر مثلاً في ذي القعدة. قال: ما عندي مانع، بس أنا أخشى أن يكون الطلب عندي كثيراً فأسلمك جزءاً منه في ذي القعدة وجزءاً منه في ذي الحجة، فهنا يقول المؤلف رحمه الله تعالى: هذا صحيح بشرط. في المسألة الأولى قال: وصح أيضاً إن بين قسط كل أجل في المسألة الأولى بأن يقول: أسلمت ك دينارين أحدهما في أردب قمح إلى رجب، والآخر في أردب وربع مثلاً إلى شعبان؛ يعني يقول مثلاً هذه الـ 5000 مثلاً، 3000 مقابل كذا وكذا صاعاً تسلمون إياها في ذي القعدة، و2000 مقابل كذا وكذا صاع تسلمون إياها في ذي الحجة، فهنا بين كل أجل ما يقابله من الأقساط فهنا يقول يصح.
لكن لو أنه لم يبين، أعطيت 5000 ريال سلمني مثلاً 100 صاع من التمر، قال: خلاص بأسلمك بعضها في ذي القعدة وبعضها في ذي الحجة؛ فهنا صار في جهالة، صار في جهالة. طيب تقول ايش الجهالة؟ ما في جهالة، لو سلمه صاعاً في ذي القعدة و99 صاعاً في ذي الحجة ما في جهالة. النزاع في هذا أنه يتنازعان في ما الذي يسلمه في الشهر الأول، أيضاً كل ما تقدم الأجل، كل ما تقدم الأجل يزيد السعر، يعني لو قال مثلاً سلمني إياه بعد شهر، لو قال سلمني إياه بعد سنة، متى أخر الأجل ينقص السعر؛ فهو الآن لو سلمه صاعاً في ذي الحجة أو في ذي القعدة، سلم 99 صاعاً في ذي الحجة غير ما لو سلمه 50 و50 أو 80 و20، فيختلف السعر فيفضي هذا إلى النزاع، فيفضي هذا إلى النزاع.
المسألة الثانية قال: أو عكسه بأن أسلم في جنسين كبر وشعير إلى أجل كرجب مثلاً، قال: هذه 5000 ريال أريدك أن تعطيني منها 50 صاعاً من التمر و50 صاعاً من البر، يقول يصح بشرط يبين قدر كل جنس وثمنه، قدر كل جنس يعني هنا 50 و50، وثمنه هذا 50 صاع مقابل 3000 ريال، وهذا 50 صاع مقابل 2000 ريال، فيبين إذاً مقدار كل جنس وثمنه فهنا يصح. يقول: فإن لم يبين لما ذكر في المسألتين والشرط في كل منهما، قال: فإن لم يبين ما ذكر فيهما لم يصح؛ لأن مقابل كل من الجنسين أو الأجلين مجهول، فذكرنا لكم أنه إذا كان مجهولاً فإنه يفضي إلى النزاع.
قال رحمه الله: الشرط السابع أن يسلم في الذمة، فلا يصح السلم في عين كدار وشجرة؛ لأنها ربما تلفت قبل أوان تسليمها. هذا الشرط السابع يقول: أن يسلم في الذمة، فلا يصح السلم في عين، هذا الشرط بعض الأصحاب أغفله اكتفاءً بذكر الأجل؛ إذا قلنا مؤجل يعني أنه في الذمة، لكن بعضهم نص عليه؛ لأنه يوجد فرق بين ذكر الأجل وذكر أن يكون في الذمة؛ لأنه قد يكون مؤجلاً وهو في عين، مثل هنا قال: فلا يصح السلم في عين كدار وشجرة؛ قال: أسلمت إليك في ثمر هذا الشجر، هذه الشجرة التمر اللي الآن موجود فيها أسلمت إليك بسنة تعطيني إياها بعد شهرين مثلاً؛ فهنا هو في عين ومؤجل، ففيه فرق بسيط بينهما يسير، لكن بعض الأصحاب اكتفى بذكر الأجل.
قال يسلم في الذمة فلا يصح السلم في كدار وشجرة؛ لأنها ربما تلفت قبل أوان تسليمها، لو قال أسلمت إليك في ثمر هذه الشجرة، ربما تلفت ما جاء منها شيء، لكن لو قال أسلمت إليك في تمر، اتلفت هذه الشجرة، في تمر من لفت شجر بستانه كله، في تمر في السوق، يعني لن يعجز عن الإتيان به، لكن لو حصره في شيء معين فهنا لا يصح، لماذا؟ لأن هذا عرضة للتلف، فينفسخ العقد لذلك. والسلم كما ذكرنا في أول شرح أول الباب أنه من الأصل أنه لما شرع للحاجة، فالأصحاب رحمهم الله تعالى ضيقوا فيه؛ لأنهم يعبرون بأنه ثبت على خلاف القياس، وإن كان شيخ الإسلام رحمه الله ينازع في هذه العبارة.
قال: لأنها ربما تلفت قبل أوان تسليمها، وقال البهوتي في الكشاف أيضاً أن المعين يمكن بيعه في الحال، فلا حاجة إلى السلم فيه، وهذا الذي قلنا لكم أنهم قيدوا بالحاجة، السلم أنه بيع معدوم ومؤجل فقيد بالحاجة، ما دام أنه موجود خلاص، إذا ما في حاجة إلى السلم تعاقد عقد بيع، عقد البيع العادي ما في حاجة إلى السلم، ما دام أن العين موجودة حالياً فلا حاجة فيه إلى السلم.
قال رحمه الله: ولا يشترط ذكر مكان الوفاء؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يذكره، بل يجب الوفاء موضع العقد؛ لأن العقد يقتضي التسليم في مكانه، وله أخذه في غيره إن رضيا، ولو قال خذه وأجره حمله إلى موضع الوفاء لم يجز، ويصح شرطه أي الوفاء في غيره أي غير مكان العقد؛ لأنه بيع فصح شرط الإيفاء في غير مكانه كبيوع الأعيان، وإن شرط الوفاء موضع العقد كان تأكيداً، وإن عقد السلم ببرية أو بحر شرطه أي مكان الوفاء لزوماً وإلا فسد السلم لتعذر الوفاء موضع العقد، وليس بعض الأماكن سواه أولى من بعض فاشترط تعيينه بالقول كالكيل، ويقبل قول المسلم إليه في تعيينه مع يمينه.
هنا المؤلف رحمه الله تعالى ذكر أنه لا يشترط ذكر مكان الوفاء، قلنا لكم مراراً أن الفقهاء إذا قالوا لا يشترط أو لا يجب فإن هذا إشارة إلى خلاف؛ لأن بعض الفقهاء رحمهم الله تعالى ذكروا أنه يشترط ذكر مكان الوفاء، فأصحابنا رحمهم الله تعالى ذكروا أنه لا يشترط ذكر مكان الوفاء؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لم يذكر في الحديث: من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم، ولم يذكر المكان. قالوا: ولأنه عقد معاوضة فلا يشترط فيه ذكر مكان الإيفاء كبيوع الأعيان كالبيع العادي، لو باعه سيارة بثمن مؤجل هل يشترط أن يقول الثمن المؤجل بشرط أن توفيني المبلغ في المكان الفلاني؟ ما يشترط، قالوا السلم مثله.
قال: طيب إذا لم يشترط وين يوفي؟ قال: بل يجب الوفاء موضع العقد، هذا هو الأصل، أن الوفاء يجب موضع العقد؛ لأن العقد يقتضي التسليم في مكان، الأصل أنهم إذا تعاقدوا في مكان فإن هذا هو مكان التسليم؛ فلذلك اكتفي بذلك عن تعيين مكان الوفاء. قال: وله أخذه في غيره إن رضيا، الأصل أنه في مكان العقد، لو تعاقدوا مثلاً في مكة فيأخذ المسلم فيه في مكة، تعاقدوا في الرياض فيأخذ المسلم فيه في الرياض، لو تراضوا على أن يأخذه في غيره فلهما ذلك، أخذه في غيره إن رضيا؛ لأن الحق لهما لا لعدوهما.
ولو قال خذه وأجره حمله إلى موضع الوفاء لم يجز، يعني مثلاً تعاقدوا في مكة عقد سلم، قال: سلمت إليك 10 آلاف ريال لأجل تشتري لي تمراً مقداره كذا وكذا بعد ستة أشهر، بعد ستة أشهر تلاقوا في الرياض، فقال: هذا تلاقينا خلاص، خذ التمر من هنا، قال: لا، تعاقدنا في مكة، سأستلم في مكة، قال: خذه وخذ أجرة شحنه إلى مكة، هل يصح؟ لم يجز، ولو تراضيا؛ لأنه بمثابة الاعتياض عن بعض السلم، سياتينا أنه لا يجوز بيع المسلم فيه قبل قبضه، فكأنه باع جزءاً منه، هذه النقل، أجرة النقل كأنه باع جزءاً منه قبل قبضه.
قال: ويصح شرطه الإيفاء في غيره غير مكان العقد، لو قال لو تعاقدوا في مكة، قال: بشرط أن توفيني في الرياض، اتفقوا على ذلك، فيصح؛ لأنه بيع فصح شرط الإيفاء في غير مكانه كسائر أنواع البيوع. طيب وإن شرط الوفاء موضع العقد في مكة، قال: بشرط أن توفيني في مكة، هل يصح هذا الشرط؟ قال يصح، يكون تأكيداً، مثل لو قال في البيع العادي: بعت عليك سيارة كذا بشرط أن تسلمني ثمنها حالاً، الأصل الحلول، الأصل حلول الثمن؛ فذكر الحلول في الشرط هذا تأكيد.
قال: وإن عقد السلم ببرية أو بحر شرطه أي مكان الوفاء لزوماً وإلا فسد السلم لتعذر الوفاء موضع العقد، هذا استثناء من أصل المسألة، الأصل أنه لا يشترط ذكر مكان الإيفاء إلا في هذه المسألة فيما لو عقد العقد في مكان غير مهيأ للسكن أو الاستقرار، مثلاً كانا راحلين في سفر في الطائرة وتعاقدوا، تجاوروا مع بعض سوالف عقدوا عقد سلم، الآن مكان العقد في الطائرة، نقول يوفون بالطائرة؟ لا، فلذلك هنا لا بد أن يذكر مكان الإيفاء. الأصل أنه لا يشترط ذكر مكان الإيفاء لأن مكان الإيفاء هو مكان العقد، لكن إذا كان مكان العقد غير مهيأ لهما للاستقرار فهنا نقول يشترط ذكر مكان الإيفاء.
ولذلك قال: وإن عقد السلم ببرية أو بحر شرطه أي مكان الوفاء لزوماً، يلزم أن يشترط أن يذكر مكان الإيفاء، لماذا؟ قال: وإلا فسد السلم لتعذر الوفاء موضع العقد، يتعذر أن يوفون موضع العقد. قال: وليس بعض الأماكن سواه أولى من بعض، لو قالوا خلاص تعذر، إذا احنا رايحين أصلاً من الرياض إلى جدة خلاص إذا سنوفي في جدة، أنا سأقول بالطائرة كنا كنا رايحين جدة فنوفي في جدة، يقول الثاني لا نوفي بالرياض، إحنا طائرين من الرياض، ما في ميزة لهذا على هذا؛ فلذلك قالوا: ما دام ما في ميزة ويفضي التنازع فلا بد من ذكر مكان الإيفاء. قال: وليس بعض الأماكن سواه أولى من بعض، فاشترط تعيينه بالقول كالكيل؛ لأن الكيل لا بد من تعيينه، فإذا لم يعين يصير مجهولاً، هذا قالوا مثله لا بد من تعيينه؛ لأنه إذا لم يتعين يصير مجهولاً فيفضي إلى النزاع.
قال: ويقبل قول المسلم إليه في تعيينه مع يمينه؛ يعني لو اختلفوا هل عينوا مكاناً؛ في غير هذه المسألة التي شرط فيها ذكر مكان الوفاء، مثلاً تعاقدوا في الطائف، قال المسلم مثلاً: نحن اشترطنا أن يكون الوفاء في الرياض، قال المسلم إليه: لا بل اشترطنا أن يكون الوفاء في جدة، فهنا الأصل مع من؟ ولا ما في أصل هنا حقيقة، ما في أصل، الأصل يعني مثل المنكر، الأصل قول المنكر، لكن كلاهما يدعي شيئاً؛ هذا يدعي الرياض وينكر جدة، وهذا يدعي جدة وينكر الرياض، فما عندنا أصل. ننتقل طبعاً إذا عند الاختلاف فيه أشياء نبني عليه هنا، لماذا قدم الأصحاب قول المسلم إليه؟ قالوا: لأنه بمثابة الغارم؛ لأن لو قلنا لو صدقنا المسلم، لو صدقنا المسلم إليه إذا...
انتقل إلى الرياض وسلمه في الرياض، فنتكلف مؤونة أخرى لحمل هذه العين المسلم فيها؛ فلذلك قالوا: يقبل قول المسلم إليه في تعيين محله، لأن الأصل براءة ذمته من مؤونة نقله إلى موضع ادعى المسلم شرط التسليم فيه.
قال رحمه الله: ولا يصح بيع المسلم فيه لمن هو عليه أو غيره قبل قبضه؛ لنهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام قبل قبضه، ولا تصح أيضاً هبته لغير من هو عليه لعدم القدرة على تسليمه، ولا الحوالة به لأنها لا تصح إلا على دين مستقر والسلم عرضة للفسخ، ولا الحوالة عليه أي على المسلم فيه أو رأس ماله بعد فسخ، ولا أخذ عوضه لقوله صلى الله عليه وسلم: «من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره»، وسواء فيما ذكر إذا كان المسلم فيه موجوداً أو معدوماً، والعوض مثله في القيمة أو أقل أو أكثر، وتصح الإقالة بالسلم، ولا يصح أخذ الرهن والكفيل به أي بدين السلم، رويت كراهيته عن علي وابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم؛ إذ وضع الرهن للاستيفاء من ثمنه عند تعذر الاستيفاء من الغريم، ولا يمكن استيفاء المسلم فيه من عين الرهن ولا من ذمة الضامن.
حذار من أن يصرفه إلى غيره، ويصح بيع دين مستقر كقرض وثمن مبيع لمن هو عليه بشرط قبض عوضه في المجلس، ويصح هبة كل دين لمن هو عليه ولا يجوز لغيره، ويصح استنابة من عليه الحق.
أحسن الله إليك. هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى صوراً من التصرفات في دين السلم قبل قبضه، قال: ولا يصح بيع المسلم فيه لمن هو عليه أو غيره قبل قبضه، لنهيه عليه الصلاة والسلام عن بيع الطعام قبل قبضه.
بيع المسلم فيه، عندنا أطراف السلم قلنا لكم في أول الباب: مسلم، ومسلم إليه، والعوض رأس مال السلم، ومسلم فيه. طيب المسلم فيه يعني مثلاً لو أن زيداً ذهب إلى عمرو وقال له هذه عشرة آلاف ريال تعطيني بدلها مئة صاع من التمر بعد ستة أشهر، المسلم الآن زيد الدافع، والمسلم إليه عمرو، ورأس مال السلم عشرة آلاف ريال، والمسلم فيه مئة صاع من التمر.
طيب هنا يقول: لا يصح بيع المسلم فيه. من اللي يبيع المسلم فيه؟ هل هو المسلم ولا المسلم إليه؟ المسلم الذي دفع المال؛ لأنه هو الذي سيتسلم هذا التمر في نهاية الأجل، فلا يصح له أن يبيعه لمن؟ يقول: لا يصح مطلقاً لا لمن هو عليه اللي هو للمسلم إليه، ولا لغيره. لا يصح أن يقول للمسلم إليه: خلاص بدلاً من التمر أبيعك هذا التمر بكذا؛ هو لم يقبض بعد. وكذا لا يصح أن يبيعه على غيره، مثلاً جاء محمد إلى زيد قال: يا زيد أنا ترى أسلمت مبلغاً كذا إلى عمرو يعطيني تمراً بعد ستة أشهر، اشتر التمر مني. فهنا هذا بيعه على غيره، فلا يصح بيع المسلم فيه لمن هو عليه أو غيره قبل قبضه، قال: لنهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام قبل قبضه.
وذكر الموفق رحمه الله تعالى الإجماع على تحريم بيع السلم على غير من هو عليه، أما على من هو عليه ففي خلاف، على غير من هو عليه قبل قبضه واستدل بحديث النهي عن بيع الطعام قبل قبضه، وعن ربح ما لم يضمن، قال: ولأنه مبيع لم يدخل في ضمانه فلم يجز بيعه كالطعام قبل قبضه. شيخ الإسلام رحمه الله انتقد هذا الإجماع الذي ذكره الموفق رحمه الله، وذكر أنه نقل ما علمه، لذلك قال الشيخ رحمه الله لما ذكر كلام الموفق في المغني: قال رحمه الله بحسب ما علمه، وإلا فمذهب مالك أنه يجوز بيعه من غير المسلم إليه كما يجوز عنده بيع سائر الديون من غير من هو عليه، وهذا أيضاً إحدى الروايتين عن أحمد، نص عليه في مواضع بيع الدين من غير من هو عليه كما نص على بيع دين السلم ممن هو عليه، وكلاهما منصوص عن أحمد في أجوبة كثيرة من أجوبته، وإن كان ذلك ليس في كتب كثير من متأخر أصحابه، إلى آخر كلام الشيخ رحمه الله وهو في مجموع الفتاوى المجلد التاسع صفحة 506 وما بعدها.
فإذاً حكاية الإجماع هنا في بيع المسلم فيه على غير من هو عليه هنا غير دقيقة كما ذكره الشيخ رحمه الله تعالى، وذكر أن هذا أيضاً إحدى الروايتين عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وذكر أنه نص عليه في كتب في مسائل كثيرة، هو أنها هذه المسائل ليست في كتب كثير من متأخر الأصحاب؛ لأن متأخر الأصحاب لا يستوعبون الروايات، فتجدهم ينقلون عمن تقدم، لا يوجد أحد استوعب روايات الإمام أحمد رحمه الله كلها، وإن كان بعضهم حاول الجمع كـ الخلال رحمه الله في الجامع أو تلميذه في زاد المسافر، لكن لا توجد كل الروايات مجموعة.
لذلك من المشاريع الجيدة المعاصرة مشروع جمع روايات الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وقد بذل الباحثون جهداً كبيراً، وطبعت في بضعة وعشرين جزءاً رواية الإمام أحمد رحمه الله في مختلف الفنون، ومع ذلك عليها استدراكات، يعني زاد المسافر طبع بعدها وفيه مسائل لم تذكر؛ لأن المسائل مثل مسائل عبد الله ومسائل صالح وغيرها روايات رواها عن عبد الله بعض طلابه، رواها عن صالح بعض طلابه، وتجدون في بعض كتب شيخ الإسلام أو ابن القيم أو ابن رجب ينقلون مثلاً عن مسائل عبد الله ما ليس موجوداً في المطبوع، وكذا وجد في مثلاً كتب القاضي أبي يعلى أو هذا زاد المسافر شيئاً من مسائل عبد الله ليس موجوداً في المطبوع، فإذاً عليها استدراكات، وإن كانت ليست كثيرة. وبدأ أحد الباحثين المشايخ الشيخ عبد الرحمن آل الشيخ جمع رواية الإمام أحمد رحمه الله تعالى في مسائل الفقه لكن لم يطبع إلا الطهارة، طبع الطهارة في مجلد، والذي بلغني أنه أتم العبادات وبدأ في المعاملات، أتم الله له على خير، لكن الإشكالية أنه لم يذكر منهجه في المقدمة، في ذلك لا نعلم ما مزيته على المجموع الذي جمع في دار الفلاح، ما مزيته عليهم؟ واضح أنهم ذكروا منهجهم وذكروا الكتب التي أخذوا منها، لكن هو ذكر كلاماً يسيراً غير واضح في مقدمته، ولعله يذكرها في طبعات لاحقة إن شاء الله.
طيب قال: لا يصح بيع المسلم فيه، نعم لا يصح بيع المسلم فيه لمن هو عليه أو غيره قبل قبضه، يعني النهي صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام قبل قبضه، ولا تصح أيضاً هبته لغير من هو عليه، هنا البيع قال لمن هو عليه أو غيره، لكن الهبة قال لغير من هو عليه؛ أما لمن هو عليه فتصح. ما صورتها في دين السلم؟ الآن المسلم زيد أسلم إلى عمرو عشرة آلاف ريال لأجل يعطيه عمرو مئة صاع من التمر بعد ستة أشهر، مثلاً بعد خمسة أشهر قال زيد لعمرو: التمر الذي ستعطيني إياه هبة لك، هذا هبة الدين لمن هو عليه فهذا يصح. هنا يقول ولا تصح هبته لغير من هو عليه، أما لمن هو عليه فتصح وسيذكر ذلك بعد قليل. إذاً لا تصح هبته لغير من هو عليه لعدم القدرة على تسليمه، لو وهبه لمحمد قال: وهبتك يا محمد مئة صاع التمر الذي سيعطيني إياه عمر بعد ستة أشهر، فهنا لا يصح لعدم القدرة على التسليم، فهي مقيسة على البيع.
قال: ولا الحوالة به، لأنها لا تصح إلا على دين مستقر والسلم عرضة للفسخ. الحوالة به، من الذي يحيل الثاني المسلم ولا المسلم إليه؟
طبعاً هذه العبارة به أو عليه، هذه الحوالة به أو عليه لا تصح. صورتها: الحوالة به من يحيل الثاني؟ المسلم إليه يحيل المسلم إلى غيره. المسلم إليه الآن عمر في المثال السابق، مثلاً له دين على محمد مئة صاع تمر، قال المسلم إليه للمسلم لزيد: خلاص سأحيلك بالمئة صاع التي تطلبني إياها على محمد. هذه حوالة به. والحوالة عليه؟ لا، زيد الذي سيأخذ التمر سيأخذ التمر، كان محمد يطالب بدين، خلاص أنا عندي دين على عمرو سأحيلك عليه تأخذه، صحت هذه، هذه الحوالة عليه هذه صورتها.
الإشكال هنا في التعليل، قال: والحوالة به لأنها لا تصح إلا على دين مستقر والسلم عرضة للفسخ، هذا التعليل ينطبق على أي الصورتين؟ ينطبق على الثانية، ينطبق على الحوالة عليه، والحقيقة أن هذا التعليل هذا ورد في المغني والشرح الكبير والكافي والممتع والمبدع أيضاً، فذكر أصحاب المغني وتتابع بعض الأصحاب على ذكره، ومن ذكرها هنا البهوتي في الروض، لكن البهوتي في الكشاف ذكر التعليل الصحيح، ذكر هذه على الحوالة عليه. ولذلك نقرأ كلام الموفق في المغني، ذكر أن هذا التعليل ذكر مثل هذا التعليل هذا لكن ذكر صورة الحوالة به صورة على أنه حوالة عليه، سنقرأ كلامه قال: أما الحوالة به فغير جائزة، الحوالة به اللي هي الصورة الأولى، قال: لأن الحوالة إنما تجوز على دين مستقر والسلم عرضة للفسخ فليس بمستقر، ولأنه نقل للملك المسلم فيه على غير وجه الفسخ فلم يجز كالبيع. قال: ومعنى الحوالة به، سيذكر معنى الحوالة به، صورها على صورة الحوالة عليه، قال: معنى الحوالة به أن يكون لرجل طعام من سلم وعليه مثله من قرض أو سلم آخر أو بيع فيحيل بما عليه من الطعام على الذي عنده السلم، فيحيل على المسلم إليه، فهي حوالة عليه وليست حوالة به، فيحيل بما عليه من الطعام على الذي عنده السلم فلا يجوز.
قال: وإن أحال المسلم إليه المسلم بالطعام الذي عليه، هذه الحوالة به، لم يصح أيضاً لأنه معاوضة بالمسلم فيه قبل قبضه فلم يجز كالبيع. فإذاً الحوالة به لا تصح، لكن ليس بهذا التعليل. إذاً التعليل الصحيح أنها لا تصح لأنها معاوضة بالمسلم فيه قبل قبضه، وقلنا قبلك إنه لا يجوز بيع السلم فيه قبل قبضه لا لمن هو عليه ولا لغير من هو عليه، فهذا هو التعليل الصحيح، أما التعليل بأنها لا تصح على دين مستقر هذا ينطبق على الحوالة عليه. جاء في بالي قلت لعلها ليس خطأ من الموفق وإنما هو اختلاف اصطلاحات، يعني كانوا يطلقون مثلاً هذا يطلق عليه حوالة به ونحن نطلق عليه حوالة عليه، ولا مشاحة في الاصطلاح، لكن لما قرأت في باب الحوالة ذكر الموفق الحوالة به وعليه وعللها بالتعليل السليم، يعني كلامه تعليله في باب الحوالة هو التعليل السليم الموافق لما قلناه عليه، عندنا الحوالة به وعليه، لكن تعليله في باب السلم كأنه حصل سهو في نقل تعليل إحدى المسألتين للأخرى، هذا الذي يظهر، ولذلك تتابع الأصحاب الشارح الموفق في الكافي ابن المنجا، الممتع صاحب المبدع، الإشكال في ذكر التعليل، ذكر التعليل مثل ما ذكر، ثم لما ذكر صورة الحوالة به جاب صورة الحوالة الصحيحة، ولو جاب صورة الحوالة عليه قلنا إنها قد يكون اختلاف اصطلاحات لكن جاب حوالة به الصورة الصحيحة والله أعلم.
طيب، إذاً الحوالة به لا تصح، لماذا؟ ولا تصح الحوالة عليه لماذا؟ لا تصح إلا على دين مستقر ولذلك هنا في حاشية ابن قاسم قال تعليقاً على التعليل المسطور قال: وتعليله يعني قول لا تصح على دين مستقر ينبغي أن يكون تعليلاً لقوله لا عليه، وتعليل الحوالة به بأنها معاوضة بالمسلم فيه قبل قبضه فلم تجز كالبيع.
طيب، قال: ولا الحوالة عليه أي على المسلم فيه أو رأس ماله بعد الفسخ، يعني حتى لا يجوز أن يحال على رأس مال السلم بعد الفسخ. كيف يعني الآن زيد دفع عشرة آلاف إلى عمرو، لما جاء الموعد عمرو قال ما استطعت، جت جائحة وأتلفت زرعي كله ولا أستطيع أعطيك تمراً، خلاص سأرجع لك العشرة آلاف ريال، الآن اتفقوا على فسخ السلم. طيب عشرة آلاف ريال الآن في ذمة عمرو، إذا ما سلمها لزيد، زيد كان في محمد يطالب بعشرة آلاف ريال، قال: خلاص أحيلك على عمرو العشرة آلاف ريال التي عند عمرو. فهنا على المذهب أنه لا تصح الحوالة ولا على رأس المال، رأس مال السلم بعد الفسخ إلحاقاً له بدين السلم. قالوا: لأنه مضمون على المسلم إليه بعقد السلم فأشبه المسلم فيه، فكما لا تصح الحوالة على المسلم فيه فكذا لا تصح الحوالة على رأس مال السلم بعد الفسخ. قال: ولا أخذ عوضه، بقوله عليه السلام: «من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره». طيب أخذ عوضه هو البيع، قال قبلها لا يصح بيع المسلم فيه، هنا قال ولا أخذ عوضه، أليس أخذ عوضه يعتبر بيعاً ولا بينهم فرق؟ عوضاً عنه يعني بدل لما قال تعاقدوا عقد سلم على تمر قال ما عندي.
تمر، بعطيك بدلاً عنه. فيعد هذا من البيع؛ كأنه باع عليه التمر بالبر. فما الفرق بينها وبين البيع الذي في بداية المسائل هذه؟ هنا بعضهم فرّق، يقول: البيع يكون بنقد ويكون بغيره (بعرض)، أما أخذ عوضه فيكون بعرض، يعني مثل الذي قلنا قبل قليل بدل التمر بر، فهنا يصدق عليه أنه أخذ عوض ويصدق عليه أنه بيع. لكن إذا قلنا: بيع، فإنه يكون بنقد. هذا فرق، ابن قايد قال لعل الفرق قاد في حاشية المنتهى، قال على الفرق من هذا، وإلا ففي الحقيقة أخذ العوض داخل في البيع؛ لأن البيع يكون نقداً بنقد، ويكون عرضاً بعرض، ويكون عرضاً بنقد كذلك.
والدليل ذكره المؤلف رحمه الله تعالى، قال: «من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره». وهذا الحديث يستدل به الأصحاب رحمهم الله تعالى، وهذا الحديث في إسناده ضعف، وابن القيم رحمه الله تعالى ذكر أنه ضعيف. وعلى فرض صحته، فيحمل على أنه لا يصرف إلى سلم آخر؛ بأن يجعل هذا رأس مال سلم آخر، أنه إذا صرفه إلى سلم آخر يكون من باب بيع الدين بالدين. قال: وسواء فيما ذكر في المسائل السابقة إذا كان المسلم فيه موجوداً أو معدوماً، والعوض مثله في القيمة أو أقل أو أكثر، فكله لا يجوز ما تقدم.
وتصح الإقالة في السلم؛ لأنها فسخ. وذكر المنذر رحمه الله تعالى إجماع من يحفظ عنه من أهل العلم على أن الإقالة في جميع ما أسلم فيه جائزة؛ لأن الإقالة فسخ ورفع للعقد وليست بيعاً. الإقالة في جميع السلم هي التي أُجمع عليها، أما الإقالة في بعضه، يعني لو أنه مثلاً في المثال السابق قال: أسلمت إليك 100 ريال على أن يعطيك 100 صاع من التمر، فسلمه 50 صاعاً، ثم قال: ما أستطيع أن أسلمك الباقي فأقلني، فأقاله، فهنا على المذهب أنها تصح، لكنها ليست إجماعاً؛ في قول في المذهب أنها لا تصح الإقالة في بعض السلم، لكن المشهور أنها تصح الإقالة في السلم وفي بعضه.
ولا يصح أخذ الرهن والكفيل به، يعني به أي بدين السلم. يعني زيد اليوم دفع لعمرو 1000 ريال على أن يعطيه 100 صاع من التمر بعد ستة أشهر، قال: خاف ما تعطيني 100 صاع ارهن لي شيئاً، فاتفقوا على أن يرهنه مثلاً سيارته، فهل يصح ذلك؟ أو قال: أنا أخاف ما تظنني، أحضر لي كفيلاً يضمنه، كفيل غارم يضمنه، فأحضر له كفيلاً يضمنه. فهنا هل يصح؟ المؤلف رحمه الله يقول: لا يصح، وهذا من مفردات الحنابلة، والجمهور على صحته، وهو قول في المذهب. قال: رويت كراهته عن علي وابن عباس وابن عمر.
الكراهة إذا أطلقت في لسان المتقدمين فالأصل أنها للتحريم، وإلا فقد تطلق للتنزيه، لكن الأصل أنها للتحريم؛ لهذا كثيراً ما يقول الإمام أحمد رحمه الله: أكره، أو الشافعي يقول: أكرهه، ويراد به التحريم، كراهة تنزيه. لماذا يقول ذلك؟ وضع الرهن للاستيفاء من ثمنه عند تعذر الاستيفاء من الغريم، ولا يمكن الاستيفاء المسلم فيه من عين الرهن ولا من ذمة الضامن؛ حذراً أن يصرفه إلى غيره. يعني يقول الآن لو في المثال السابق جبنا السيارة، السيارة إيش الفائدة منها؟ الرهن يضمن الحق، بمعنى أنه إذا لم يسدد المدين فإننا نستوفي من هذه العين المرهونة. فيقول: إذا استوفينا من هذه العين المرهونة فإننا صرفنا دين السلم إلى غيره. وفي الحديث: «من أسلم في شيء لا يصرفه إلى غيره». وكذا لو أننا أحضرنا ضامناً؛ إيش فائدة الضامن؟ إنه يسدد، فإذا سدد فقد صرفنا الدين إلى غيره، صرفنا السلم من ذمة المسلم إليه إلى ذمة الضامن. هكذا يستدل الأصحاب رحمهم الله تعالى.
وقلنا لكم القول الثاني في المذهب، وهو رواية عن أحمد وهو قول الجمهور: جواز ذلك وصحته. ويدل عليه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: 282]، إلى أن قال في الآية التي تليها: ﴿فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283]. وذكر عن ابن عباس أن الدين الذي إلى أجل مسمى هو السلم. وفي المبدع لما ذكر استدلال الأصحاب بحديث: «من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره»، قالوا فيه نظر، استدلال بهذا الحديث على المنع فيه نظر؛ لماذا؟ يقول: لأن الضمير في «لا يصرفه» راجع إلى المسلم فيه، والحقيقة أنه في الرهن يقول: لكن يُشترى ذلك من ثمن الرهن ويسلمه. يعني يقول: نحن في مسألة زيد وعمرو، هنا الذي أُسلم إليه 100 ريال لأجل في 100 صاع من التمر ورهن سيارة، يقول: نحن إذا بعنا السيارة سنشتري بها التمر فما صرفناه إلى غيره. وكذلك في ذمة الضامن سيسدد تمراً، فما صرفنا الدين إلى غيره؛ ولهذا اختار الموفق وجمع الصحة.
ويصح بيع دين مستقر، لما تكلم عن بيع دين السلم على من هو عليه وعلى غير من هو عليه، دين السلم غير مستقر، إيش معنى غير مستقر؟ قد يسقط؛ بمعنى لو جاء مثلاً بعد سنة أو بعد ستة أشهر أجل السلم وتعذر المسلم فيه، اجتاحت أو لم يستطع توفير هذا المسلم فيه لسبب أو لآخر، فهنا قد يتعذر، فدين السلم إذن غير مستقر؛ ولذلك لا يصح. الدين المستقر هل يصح بيعه؟ يقول لك: يصح بيع دين مستقر كقرض أو ثمن مبيع لمن هو عليه، بشرط قبض عوضه في المجلس. هذا بيع الدين لمن هو عليه، إذاً دين السلم لا يجوز بيعه لمن هو عليه وعلى غير من هو عليه. بيع الدين المستقر، إذاً الدين المستقر لإخراج غير المستقر كدين السلم.
بيع الدين المستقر كالقرض، في ذمته 10000 ريال قرض، فهنا هل يجوز بيعه؟ يقول: بيع كقرض أو ثمن مبيع لمن هو عليه يجوز بيعه على من هو عليه بشرط قبض عوضه في المجلس. يستدل الأصحاب رحمهم الله تعالى بحديث ابن عمر: كنا نبيع الإبل بالبقيع بالدراهم ونأخذ عنها دنانير، ونبيعها بالدنانير ونأخذ عنها الدراهم، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «لا بأس أن تؤخذ بسعر يومها ما لم تتفرقا وبينكما شيء». فهنا إذا أجاز النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤخذ عن الدين غيره، يعني يباع الدين على من هو عليه بشرط قبض عوضه في المجلس، لأنه قال: ما لم يتفرقا وبينهما شيء. فقد دل الحديث على جواز بيع ما في الذمة من أحد النقدين بالآخر. هذا الحديث في بيع أحد النقدين بالآخر وغيره مقاس عليه، ودل على اشتراط القبض في المجلس بقوله: إذا تفرقتم وليس بينكما شيء.
عندنا ثلاث صور في هذه المسألة: إما أن يشتريه منه بموصوف في الذمة من غير جنسه، مثلاً عليه تمر فقال: سأبيعك هذا التمر بحديد، حديد صفته كذا وكذا. فهنا يجوز، لكن لا يتفرق قبل القبض؛ بيع دين بدين. هذه الصورة الأولى إذا باعه بموصوف في الذمة من غير جنسه. إذا باعه بمعين، لكن هذا المعين مما يشترط فيه التقابض، كأن يقول: يكون في ذمته تمر، سأبيعك هذا التمر بهذا الشعير، هذا الشعير، فيجوز، لكن لابد من التقابض قبل التفرق، لأنه كأنه باع تمراً بشعير؛ فلا بد من التقابض قبل التفرق. أما إذا باعه بمعين لا يشترط فيه التقابض، مثل الحديد بالبر، الحديد موزون والبر مكيل، فهنا لا يشترط التقابض قبل التفرق. إذاً يشترط التقابض فيما إذا باعه بموصوفات من جنس الربا، أما إذا باعه بمعين لا يشترك معه في علة الربا، فإنه لا يشترط فيه التقابض.
هنا بيع الدين لمن هو عليه يصح، استثنى في الإنصاف وكذا في الإقناع مسألتين: الأولى: إذا كان عليه دراهم من ثمن مكيل أو موزون باعه منه بالنسيئة، فلا يجوز؛ أني أبدل عما في الذمة بما يشاركه في علة ربا الفضل حسماً لمادة ربا النسيئة، وهذه تقدمت معنا في البيوع الفاسدة. إذا اشترى منه مثلاً، اشترى منه مؤجلاً بمؤجل، مثلاً تمر بعد شهر أو شهرين يسلمه، أو شراء مؤجل، فلما جاء الأجل قال: ما عندي تمر، ما عندي إلا بر، أعطيك بدله براً، فهنا مرت المسألة هناك، ذكر الأصحاب أنه لا يجوز؛ لماذا قالوا؟ حسماً لمادة ربا النسيئة، مبادلة البر بالتمر؛ لأنه الآن أخذ تمراً وأعطاه بدل النقد براً، فمبادلة التمر بالبر الأصل فيه التقابض قبل التفرق، فهنا لم يحصل التقابض قبل التفرق، فالأصحاب رحمهم الله تعالى يرون تحريم ذلك حسماً لمادة ربا النسيئة، والموفق رحمه الله يرى الجواز لأن محذور الربا بعيد، وشيخ الإسلام رحمه الله توسط وقال: يجوز للحاجة لو وجدت حاجة فيجوز. هذه المسألة الاستثناء الأول. الاستثناء الثاني: إذا كان ما في الذمة نعم إذا كان رأس مال السلم بعد الفسخ، فإنه لا يصح بيعه، هم يجرون رأس مال السلم مجرى المسلم فيه، وإن كان رأس مال السلم استقر دين مستقر، لكن يجرونه مجرى المسلم فيه.
وتصح هبة كل دين لمن هو عليه، هذا الذي قلنا لكم قبل قليل؛ هبة كل دين سواء كان دين سلم أو دين قرض أو نحوه، تصح هبته لمن هو عليه. وإنما صحت لأن حقيقتها ليست حقيقية، وإنما هي إسقاط، ولا يجوز لغيره، ولا يجوز لغيره؛ طبعاً ولا يجوز لغيره سواء كان بيعاً أو هبة. لا يجوز بيع الدين المستقر على غير من هو عليه، وكذلك لا يجوز هبة الدين على غير من هو عليه. لماذا لا يجوز؟ طبعاً في البيع لا يجوز بيع الدين لغير من هو عليه، قالوا: لأنه قد يتعذر تسليمه فأشبه بيع الآبق، وكذا الهبة قالوا: لا تصح هبة الدين لغير من هو عليه، قالوا: لأن الهبة تقتضي تسليماً لمعين، ولا نستطيع التسليم.
ويصح استنابة من عليه الحق للمستحق، وهذه الجملة مرت معنا سابقاً في باب التصرف في المبيع قبل قبضه، وحقيقة في المقنع وفي الإقناع والمنتهى يذكرون مسائل متشابهة، تدخل تحت هذه أو تحت بعضها؛ يجوزون وبعضها لا يجوزون، عندهم تفصيل في ذلك، لكن هي الجملة مرت معنا: تصح استنابة من عليه الحق للمستحق، مثل أن يقول الدائن لغريمه، طبعاً يكون اثنان كل منهما يطلب الآخر ديناً، فيقول لغريمه: اقبض لي ثم اقبض لنفسك، اقبضه لي ثم اقبض لنفسك. فهنا أناب من عليه الحق للمستحق فيصح. وهذه المسألة فيها تفصيل طويل، يراجع في الكتب المطولة. وبهذا نكون أنهينا باب السلم، أسأل الله للجميع التوفيق والسداد. نعم في سؤال؟
لو قال، صحيح في زكاة الفطر، لو قال الغني للفقير: عندي لك زكاة، فقال: وكلتك في قبضها لي، فيصح، فاستناب، لا تصح استنابة هنا، هنا المستحق استناب من عليه الحق، المستحق استناب من عليه الحق، تولي طرفي العقد، نعم هنا استناب أحدهم الآخر، لكن قد يكون مستحقاً والذين أنا أبغي وقد يكون العكس، طيب.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان