الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم اغفر لشيخنا وللحاضرين ولجميع المسلمين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: والإقالة مستحبة؛ لما روى ابن ماجه عن أبي هريرة مرفوعًا: «من أقال مسلمًا، أقال الله عثرته يوم القيامة». وهي فسخ؛ لأنها عبارة عن الرفع والإزالة، يقال: أقال الله عثرتك أي أزالها، فكانت فسخًا للبيع لا بيعًا، فتجوز قبل قبض المبيع، ولو نحو مكيل، ولا تجوز إلا بمثل الثمن الأول قدرًا ونوعًا؛ لأن العقد إذا ارتفع رجع كل منهما بما كان له.
وتجوز بعد نداء الجمعة، ولا يلزم إعادة كيل أو وزن. تصح من مضارب وشريك، وبلفظ صالح، وصح بلفظ صلح وبيع ومعاطاة، ولا يحنث بها من حلف لا يبيع، ولا خيار فيها، أي لا يثبت في الإقالة خيار مجلس ولا خيار شرط ونحوه، ولا شفعة فيها؛ لأنها ليست مبيعًا. ولا تصح مع تلف مثمن، أو موت عاقد، ولا بزيادة على ثمن أو نقصه أو غير جنسه، ومؤونة رد مبيع قائلة على بائع.
هنا ختم المؤلف رحمه الله تعالى هذا الفصل بذكر شيء من أحكام الإقالة، والإقالة نحتاج إليها في العقود اللازمة؛ لأنها هي التي تلزم بمجرد حصولها، فلا تفسخ إلا إذا وجد مقتض للفسخ. فإذا كانت لازمة ولم يوجد مقتضى للفسخ، مثل الخيار كخيار المجلس وخيار الشرط ونحو ذلك، فهل له الفسخ أو لا؟ نقول: الأصل في العقد اللازم أنه ليس له الفسخ بإرادته، لكن للطرفين أن يتفقا على الفسخ، وهذه هي الإقالة.
فالإقالة هي رفع العقد اللازم الذي لم يوجد فيه مقتض للفسخ. وحكمها ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أنها مستحبة، واستدل المؤلف لاستحبابها بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعًا عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من أقال مسلمًا أقال الله عثرته يوم القيامة»، وعزاه المؤلف لابن ماجه، وهو عند أبي داود بنحوه، ولم يذكر فيه يوم القيامة.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى تكييفها الفقهي، وهل هي فسخ للبيع السابق أو العقد السابق، أو هي عقد جديد يعني بيع جديد؟ هذه مسألة خلافية، وترتب على الخلاف فيها خلاف في عدة مسائل، ذكرها المؤلف بعدها. وهذه من المسائل التي ختم بها ابن رجب رحمه الله تعالى كتابه القواعد؛ حيث ذكر في خاتمته مسائل ترتب على الخلاف فيها خلاف في عدة مسائل متفرع عنها، وذكر من هذه المسائل: هل الإقالة فسخ أو بيع جديد؟
والمذهب -طوهما روايتان عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى- والمذهب الذي عليه جماهير الأصحاب أنها فسخ. قال المؤلف في الاستدلال على أنها فسخ: «لأنها عبارة عن الرفع والإزالة»، استنبط ذلك من أصل معناها اللغوي؛ فهي رفع وإزالة وليست إثبات عقد جديد، يقال: أقال الله عثرتك أي أزالها، فكانت فسخًا للبيع لا بيعًا؛ لأنه لو قلنا: بيعًا، ما كانت إزالة، كانت إثبات عقد جديد. فكانت فسخًا للبيع لا بيعًا.
ويدل على ذلك إحدى المسائل المترتبة عليها، نقل الموفق رحمه الله عن ابن المنذر إجماع العلماء على مسألتين يستفاد منهما أن الإقالة فسخ. قال: أجمع العلماء على أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الطعام قبل قبضه، وأجمعوا على أن للمسلم إليه أن يقيل المسلم جميع المسلم فيه.
الآن في السلم، لو أسلم شخص لآخر 10000 ريال وقال: أسلمت إليك 10000 ريال لكي تسلمني بعد سنة مثلًا 100 صاع من التمر أو من البر. بعد ستة أشهر اتفقوا على أن يتقالا في هذا العقد. العلماء مجمعون على جواز الإقالة في السلم. فلو قلنا: إن الإقالة بيع، لما جازت الإقالة في السلم في الطعام قبل قبضه؛ لأنه يكون هنا كأنه باع البر قبل قبضه. لكن إذا قلنا: إن الإقالة فسخ، ما صار باع البر أو التمر قبل قبضه. إذا يقول ابن المنذر رحمه الله: وفي إجماعهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الطعام قبل قبضه مع إجماعهم على أن للمسلم إليه أن يقيل المسلم جميع المسلم فيه دليل على أن الإقالة ليست بيعًا. أخذ من المسألة من الإجماع استنبط منهما هذا الحكم أن الإقالة فسخ وليست بيعًا.
طبعًا هذه الرواية المشهورة عن الإمام أحمد رحمه الله، هناك رواية أخرى في المذهب وهي أن الإقالة بيع جديد. قالوا: لأن المبيع عاد إلى البائع على الجهة التي خرج عليها فكانت بيعًا كالبيع الأول، هذا ذكره الموفق، وذكر ابن المنجد في الممتع أيضًا قال: ولأنه نقل للملك بعوض على وجه التراضي؛ أنه صار توفرت فيه صورة البيع. لكن المشهور كما قلنا أنه فسخ، وبدليل أصل المعنى اللغوي، وأيضًا الإجماع الذي ذكرهما ابن المنذر رحمه الله تعالى.
ترتب على القول بأنها فسخ وليست بيعًا عدة أحكام ذكرها المؤلف رحمه الله هنا. الحكم الأول: أن الإقالة تجوز قبل قبض المبيع، ولو نحو مكيل. تقدم معنا في أول الباب أن المكيل ونحوه، اللي هو الموزون، والمعدود، والمذروع، ومبيع بالصفة أو برؤية سابقة، هذه الأشياء الستة لا يجوز بيعها قبل قبضها، لكن لما قلنا: إن الإقالة فسخ وليست بيعًا، جازت الإقالة فيها قبل قبضها.
فلو اشترى مثلًا زيد من عمر عشرة أصع من البر بـ 100 ريال، وقبل أن يقبض البر -وقبضه بكيله- قبل أن يكيل له البائع قال: لا خلاص، أنا هونت، أنا هونت، ارجع لي الـ 100 ريال. فهل يصح له ذلك؟ أو نقول: لا، لابد أن تقبضه ثم تتقالا فيه؟ يصح له ذلك، لماذا؟ لأننا قلنا إن الإقالة فسخ. ولو قلنا إنها بيع، نقول: لا يصح له ذلك. إذا فتجوز قبل قبض المبيع، ولو نحو مكيل، لأنه فسخ للبيع فجاز قبل القبض. قالوا: كالرد بالعيب والتدليس، والفسخ بالخيار، أو اختلاف المتبايعين، فهذه كلها تجوز قبل القبض.
المسألة الثانية: أنها لا تجوز إلا بمثل الثمن الأول قدرًا ونوعًا. فلو اشترى سيارة بـ 500 ألف، أراد أن يردها بـ 50 ألف. طيب لو قال البائع: لا، ما يخالف، أقبل منك أن ترد، لكن أنا بخصم مثلًا 1000 ريال، 2000 ريال، 5000 ريال، فهل يصح له ذلك؟ نقول نرجع إلى المسألة، هل هي فسخ ولا بيع؟ فإذا قلنا إنه فسخ، المذهب لا تجوز إلا بمثل الثمن، وعلل المؤلف بقوله: «لأن العقد إذا ارتفع رجع كل منهما بما كان له». العقد الآن فسخ، خلاص يرجعون إلى حالهم قبل العقد. مثلاً سيارة بـ 500 ألف، قبل العقد 500 ألف أنت كم تملك يا المشتري؟ تملك 500 ألف، إذا ترجع لك 500 ألف كاملة. والبائع ماذا يملك العقد؟ يملك السيارة، إذا ترجع له السيارة كاملة، فالعقد إذا ارتفع رجع كل منهما بما كان له. وعلى القول بأنها بيع، فإنه يجوز بمثل الثمن أو أقل أو أكثر، على القول بأنها بيع؛ لأنه يبيعها، فهو مخير بين أن يبيعها بمثل الثمن أو أقل أو أكثر. على أن بعض الأصحاب رحم الله تعالى قالوا: إنها تتقيد، نعم، على أن بعض الأصحاب قالوا إنها لا تجوز إلا بمثل الثمن مطلقًا، سواء قلنا إنها بيع أو فسخ، وهذا ذكره الموفق والشارح.
المسألة الثالثة: أنها تجوز بعد نداء الجمعة. ها، الأذانين، الأول ولا الثاني؟ الثاني؛ لأن هو الذي يتعلق به الأحكام، حكم المنع من البيع وتحريم البيع. فلو قلنا إنها بيع، فلا تجوز بعد نداء الجمعة، لكن إذا قلنا إنها فسخ، فتجوز بعد نداء الجمعة كسائر الفسوخ. طبعًا وهذا نقيده أيضًا بمن تلزمه الجمعة، لكن لو كانت امرأة، امرأة تبيع على امرأة، فهنا نقول تجوز بعد نداء الجمعة سواء قلنا فسخ أو بيع. لكن إذا كان هذا الشخص ممن تلزمه الجمعة، فنقول: ينبني على الخلاف هل الإقالة فسخ أو بيع؟ فإذا كانت فسخًا، جازت بعد نداء الجمعة الثاني. بمعنى لو كان شخص اشترى سيارة من آخر يوم الخميس، وندم، ثم وهو ذاهب لصلاة الجمعة تأخر، وهو ماشي في الطريق أذن المؤذن الأذان الثاني والخطيب سيبدأ الخطبة، فرأى صاحبه البائع، وقال: أنا اشتريت منك السيارة أمس وأنا ندمت، لعلك تقيلني، فأقاله الآن، إقالة بعد نداء الجمعة الثانية، فيصح على القول بأنها فسخ وليست بيعًا.
المسألة الرابعة: لا يلزم إعادة كيل أو وزن. الآن قبض المكيل بكيله، وقبض الموزون بوزنه. طيب، جاء اشترى تمراً فكال له البائع وأخذه، ثم بعد يوم قال: إني ندمت، أريدك أن تقيلني، فقال: لا مانع. الآن لو قلنا إنه فسخ، نقول لا يلزم إعادة الكيل والوزن؛ لأن هذا فسخ للبيع. لو قلنا إنه بيع جديد، فيلزم إعادة الكيل والوزن لأجل أن يتحقق أيضاً الاستيفاء الكامل؛ لأنه يحتاج إلى حق توفية.
الخامس: أنها تصح من مضارب وشريك. تصح من المضارب؛ المضاربة ليست نوعاً من أنواع الشركات. طيب، تصح من المضارب، يعني أن صاحب المال، مثلاً الشريكين، الشريك الأول اشترى فجاء الشريك الثاني وطلب الإقالة، فيصح، ولا يلزم أن يستأذن شريكه أو يفوضه شريكه في هذا التصرف؛ فهذا فسخ.
بخلاف الوكيل، الوكيل لو أن شخصاً مثلاً زيد وكيل عن عمرو، وعمرو اشترى سيارة من صاحب المعرض، جاء زيد في الغد قال: أريدك أن تقيل موكلي عمرو، وعمرو ما وكله في ذلك، ما وكله في فسخ العقد، فهل له ذلك؟ نقول: لا، لابد أن يحتاج إلى إذن موكله، بخلاف الشراكة والمضاربة، فإنها لا تحتاج إلى ذلك. الفرق بينه طيب، ما الفرق بين الشريك وبين الوكيل؟ الوكيل يتصرف في مال موكله بالإذن فقط، بالإذن، الشريك ماله مندمج يعني مشاع مع مال موكله، فهو عنده أمران؛ يتصرف في ماله، يعني هو الآن مشاع فهو أقوى من الوكيل، فيتصرف في ماله بحكم الملك، ويتصرف في مال شريكه بحكم الوكالة التي تضمنتها الشراكة، فصار عنده أمران، أقوى من الوكيل المجرد، فلذلك جاز له ذلك. الشراكة مشاعة، يعني اشتركوا مثلاً في 500 ألف يضاربون بها، فالشريك ما يقول الـ 50 ألف هذه، هذه من الـ 250 ألف التي دفعتها أنا، لا، هما دمج يعني خلط أموالهما، فصارت مشاعة.
عند التصرف الشريك فيما يضر الشراكة، سواء فرض أو تعدى، فهذا يضمن فيه كما سيأتينا إن شاء الله في باب الشركة. الأمر الخامس: الظاهر أنها تصح بلفظ صلح وبيع ومعاطاة، وهذه بناها بعضهم على الخلاف في الإقالة: هل هي فسخ أو بيع؟ طبعاً تصح بلفظ بيع؛ هذه التي ذكر بعضهم أنها لا تصح، وكذلك لفظ صلح ذكروا أنها لا تصح إذا كانت الإقالة فسخاً، وإنما تصح إذا كانت بيعاً، وهذا ذكره القاضي أبو يعلى، لكن أكثر الأصحاب رحمهم الله تعالى أجازوها سواء كانت بيعاً أو فسخاً، وتكون معاطاة، ولذلك قال المرداوي في الإنصاف: وظاهر كلام كثير من الأصحاب انعقادها بذلك، وتكون معاطاة.
الأمر السابع: لا يحنث بها من حلف لا يبيع، إذا قال: والله لا أبيع تمراً، ثم اشترى تمراً، ثم ندم بعد ذلك ثم طلب الإقالة؛ فهل يحنث؟ إذا قلنا إن الإقالة بيع فيحنث، وإذا قلنا إنها فسخ فلا يحنث، على أن بعض الأصحاب -وذكره ابن رجب رحمه الله- أنه قد يقال إنه لا يحنث على القولين؛ لماذا؟ لأن الأيمان ستأتينا إن شاء الله، والأيمان تبنى على العرف، والمعروف أن الشخص إذا قال: والله لا أبيع، يعني بيعاً مبتدئاً، والإقالة ليست بيعاً مبتدئاً.
المسألة التي تليها: لا خيار فيها، أي لا يثبت في الإقالة خيار مجلس ولا خيار شرط ونحوه، يعني أنه في مسألة التمر، رد التمر اتفقوا على الإقالة، فجاء رد التمر، قال البائع: لا، خلاص أنا لن أقيل لك، فنقول: لا خيار فيها، هي تثبت بمجرد الاتفاق. هذا خيار المجلس؛ لو قال البائع: أمهلني أسبوعاً أفكر، ثم قال: أقلتك، لكن لي الخيار لمدة أسبوع، يعني يمكن بعد أسبوع أقول لك: لا خلاص هو أنت، فهنا نقول: لا خيار فيه، لا خيار مجلس ولا شرط ولا عيب ولا نحوه.
يقول: إذا ردها معيبة أليس له الخيار؟ قلنا: إذا قلنا إنها فسخ فليس له الخيار، وإذا قلنا إنها بيع فله الخيار، على أن ابن رجب رحمه الله ذكر احتمالين في المسألة حتى على القول بأنها فسخ؛ تقصد أنه اشترط شرطاً في الإقالة، هل تثبت الإقالة بالشرط؟ يعني هل يدخل الشرط في الإقالة أو لابد أن تكون ناجزة؟ محتمل. وإذا قلنا إنها بيع ما في إشكال، وإذا قلنا إنها بيع فله الرد بالعيب وله الرد بالعيب؛ الفسخ رجع له ماله السابق، هل نقول له خيار العيب؟ الكلام فيما إذا اشترط؛ فإذا لم يشترط فقالوا: ليس له خيار العيب، لكن إذا اشترط قال: لا مانع لدي من إقالتك بشرط أن تحضر السلعة كما استلمتها، فأحضرها ووجد أن فيها عيباً، فهل له الحق في فسخ الإقالة؟ لا أعلم.
لا بمثل الثمن الأول، يقصد الثمن الذي دفع المشتري، ما تكلموا عن هذا الأصل. لكن لو قال: أرجعها سليمة، ولم ترجع سليمة، وقبضه بعد يوم انتبه أنها فيها عيب، فهل له ذلك؟ تبحث.
والتي بعدها: ولا شفعة فيها لأنها ليست بيعاً، يعني لو زيد وعمرو شريكان في أرض، فاشترى محمد نصيب زيد، في الغد قال له: أقلني. الآن عمرو هو الذي لم يبع، لكن عمرو لم يشفع على محمد، فجاء محمد إلى زيد في الغد وقال: أقلني، فأقاله، هنا هل لعمر أن يشفع في النصيب الذي رجع لزيد فيرفض الإقالة فينتزع نصيب زيد؟ خلاص أنا سأشفع. أحسنت، إذا قلنا إن الإقالة فسخ فلا شفعة فيها، فليس لعمر أن يشفع على زيد، وإذا قلنا إنها بيع فله أن يشفع عليه؛ لماذا؟ لأن الإقالة رفع للعقد وإزالة له وليست معاوضة، وستأتينا في الشفعة أن الشفعة استحقاق الشريك انتزاع حصة من انتقلت إليه حصة الشريك بعوض مالي، والانتقال يكون بعوض مالي، وهذه قالوا ليست معاوضة، هذه فسخ وليست عقداً، وإنما هي فسخ، وعلى القول بأنها بيع يستحق بها الشفعة.
المسألة الأخرى: أنها لا تصح مع تلف مثمن، لا تصح مع التلف، العيب ما ذكرنا، التلف لو جاء قال: أقلني، قال: أقلتك، أراد أن يرجع التمر وإذا هو قد تلف كله، فلا تصح الإقالة لفوات محل الفسخ؛ محل الفسخ هو التمر، فالتمر فات، ما فيه تمر عشان يفسخ عقده.
التي بعدها: أنها لا تصح مع موت عاقد، طبعاً في حاشية ابن فيروز تعليقاً على قوله تصح مع تلف مثمن، قال: لا، ثمن، يعني إذا تلف الثمن فإنها تصح، لا نقول لا تصح، لا تصح مع تلف مثمن، لكن مع تلف الثمن تصح، قال: لتعذر الرد فيه، يعني إذا تلف المثمن، قال ابن فيروز تعليقاً عليها: أقول لم يظهر لي فرق جلي بينه وبين الثمن؛ إذ الثمن إذا تلف تعذر الرد فيه، فما يقال فيه يقال في المثمن، ولذا قدم في القواعد الصحة، يعني ابن رجب قدم في القواعد صحة الإقالة مع تلف المثمن، وهذا لعله مبني -طبعاً إذا قلنا إن الثمن هو نقد- لعله مبني على مسألة أن النقود تتعين بالتعيين في العقد. قال: أو موت عاقد، أي لا تصح مع موت عاقد، فإذا اشترى زيد من عمر ثم أراد بعد أسبوع أن يقيل، فتبين أن عمراً قد توفي هذا الأسبوع، لكن فيه ورثته، أو أن زيداً توفي فأراد ورثته أن يقيلوا في العقد الذي وقع من والدهم، فكلتا المسألتين لا يصح فيهما الإقالة لأنها فسخ، ولو كانت بيعاً جديداً لصحت؛ فيقوم الوارث مقام المورث.
قال: ولا بزيادة على ثمن أو نقصه، وهذه تقدمت، أو غير جنسه، كما لو اشترى سيارة بسيارة ثم بعد ذلك أقاله، وقال: ادفع لي مثلاً بدل السيارة جهازاً أو نحو ذلك، فهنا لا يصح، لابد أن يكون بمثل الثمن وبجنسه؛ لأنها فسخ، ففي الفسخ يعود الأمر إلى ما كان عليه قبل، لكن لو قلنا إنها بيع فعلى ما اتفق عليه.
قال: ومؤونة رد مبيع تقايلا على بائع، الآن رد المبيع في الإقالة، جاء وقال مثلاً: اشترى منه هذه السيارة، سيارة اشتراها من الدمام وهو من أهل الرياض، فاتصل عليه في الرياض وقال: إنني أريد أن تقيلني في البيع، قال: ما عندي الآن تكلفة شحن السيارة، إعادة السيارة إلى الدمام على من؟ هنا قال: على البائع، طيب لماذا؟ أيوه هو فسخ، فإذا فسخ البيع كانت يد المشتري في أثناء الأسبوع مثلاً يد مالك، ففسخ البيع فصارت يد المشتري يد أمانة، وهو قد رضي ببقاء السلعة تحت يد المشتري، فلا يلزم المشتري مؤونة رده، قالوا: كالوديعة، السلعة مثلاً شخص أراد أن يسافر خارج المملكة، عنده سيارة خائف عليها، فقال: سأجعلها مثلاً عند صاحبي في منطقة أخرى، سافر خارج المملكة جلس ستة أشهر، رجع، اتصل على صاحبه وقال: خلاص أنا رجعت، أعد لي السيارة، من الذي يتحمل تكاليف الشحن؟ المودع صاحب السيارة، قالوا: هذا مثله، الآن المودع يده يد أمانة وهذا مثله، قالوا: بخلاف مؤونة رد المبيع بعيب فهي على المشتري.
ما الفرق؟ الآن في المثال السابق اشترى سيارة وبعد أسبوع قال: وجدت بها عيباً وهو كذا وكذا، خلاص رجع، مادام فيها عيب، رجع، الآن الذي يتحمل تكلفة إرجاعها المشتري ولا البائع؟ هم قالوا: بخلاف الرد بالعيب على المشتري، طيب ما الفرق هنا قال المشتري وهنا قال البائع مع أن كلتا المسألتين تكون يد المشتري بعد الفسخ يد أمانة؟ يقول في الكشاف: بخلاف فسخ لبيع فعلى مشتر؛ لأنه فسخ بالبيع قهراً على البائع، فسخ بالبيع ليس باختيار البائع، لكن الإقالة باختيار البائع، الإقالة باختيار البائع؛ في الكشاف يقول: بأن الفسخ بالبيع قهر عن البائع بخلاف الإقالة، فالفسخ منهما لترضيه فكان على البائع. قال الشيخ بابطين رحمه الله تعليقاً على ما نقله عن البهوتي في الكشاف: وهو مقيد بما إذا لم يدلس البائع كما بحثه في الغاية، وهو ظاهر؛ قال: والأول المذهب؛ فيقول إذا دلس البائع العيب فهنا تكون المؤونة على البائع وليست على المشتري، يقولون: الأول المذهب، يعني كلام الأصحاب، مطلق التقييد هذا لبعض الأصحاب.
هل هي مترتبة المسألة الأخيرة على كون الإقالة بيعاً أو فسخاً ولا مالها علاقة مؤونة رد المبيع على البائع؟ هذه إذا قلنا إنها فسخ، هذه مبنية على أنها فسخ، لكن حتى إذا قلنا إنها بيع فتكون مؤونة رد المبيع على البائع، كيف صح؟ هي صورة بيع، لكن هي إقالة، فهل نقول هنا يلزم البائع؟ طبعاً البائع في الصورة في العقد الأول؛ فهل تلزمه المؤونة حتى لو قلنا إن الإقالة بيع أو لا؟ هذه ذكرها صاحب الفروع قال: وإن قيل الإقالة بيع توجه على مشتر توجه أن تكون مؤونة رده على المشتري.
مسألة ذكرها في التنقيح وذكرها ابن قاسم في أول الكلام على الفسخ، أول الكلام على الإقالة، وهي: هل الفسخ رفع للعقد من حين الفسخ أو من حين العقد؟ الآن لو قلنا إن شخصاً اشترى شاة ومكثت عنده سنة، وفي أثناء هذه السنة ولدت، بعد سنة جاء البائع وقال: لعلك تقيلني، فأقاله، فهنا هل نقول الفسخ تثبت أحكامه من حين الفسخ أو تثبت أحكامه من حين العقد؟ ويترتب عليه النماء، النماء هل هو للمشتري؟ هنا قال في التنقيح: والفسخ مطلقاً رفع العقد من حين الفسخ، يعني يقول إن العقد من بدايته هو للطرف الثاني المشتري مثلاً، فإذا فسخ خلاص نعد انتقاله للبائع من حين الفسخ، سواء فسخ بخيار عيب أو خيار شرط أو خيار إقالة ونحوه، ولذلك قال الحجاوي في حاشية التنقيح تعليقاً على قوله مطلقاً -لأن التنقيح أكثر من لفظة مطلقاً في كتاب التنقيح- هذا نبه عليه الحجاوي في مقدمة حاشيته، وأن الحجاوي أكثر من هذه، وأن المرداوي أكثر من هذه اللفظة؛ ومطلقاً لابد أن تعرف مطلقاً إيش يقصد بها؛ فقال في تفسير قوله مطلقاً: أي سواء وقع الفسخ بإقالة أو خيار شرط أو خيار عيب، وهذا ذكره في المنتهى، قال البهوتي في شرحه: لا من أصله، يعني فسخ للعقد من حين الفسخ لا من أصل العقد، قال: فما حصل من كسب ونماء منفصل فهو للمشتري بحديث الخراج بالضمان. يعني لو أنه مثلاً شرى عمارة فيها شقق يؤجرها، بعد سنة قال: أقلني، أو تبين العمارة فيها عيب، وفسخ العقد لهذا العيب، فهل يأتي البائع ويقول: الأجرة التي قبضتها خلال السنة أعطيني إياها، خلاص فسخ العقد؟ نقول: لا لا يعطيك إياها؛ لأن الفسخ صار من حين الفسخ لا من حين العقد، فما حصل من نماء أو كسب قبل الفسخ فهو للمشتري.
واستثنى في الإقناع مسألة يكون فيها الفسخ من حين العقد، قال في الإقناع: وفي إجارة غبن فيها من أصله، يكون الفسخ نسخاً للعقد من أصله لا من حين، لماذا قالوا من أصله؟ لأنهم أوجبوا بالفسخ أجرة المثل، فدل على أنه فسخ من أصله، لو قلنا فسخ من حينه لقلنا الواجب قبل الفسخ الأجرة المسماة لا أجرة المثل، فلما أوجبوا أجرة المثل، فلما أوجبوا أجرة المثل مقابل الانتفاع؛ فلما أوجبوا أجرة المثل تبين أنه فسخ للعقد من أصله، على أن البهوتي رحمه الله أجاب عن ذلك قال: يمكن أن يجاب عن ذلك، يجاب بأن ذلك لاستدراك الظلام لا لكون الفسخ رفعاً لها من أصلها، يعني أنها كأنها استثناء لأجل أمر معين، لا يعني نقول هي مثله مثل غيره، أن الفسخ رفع للعقد من حينه من حين الفسخ، وليس من أصل العقد، وإنما وجبت أجرة المثل لاستدراك الظلام، لأنه مغبون في هذا العقد.
نعم لو أنه استأجر محلاً بـ 20 ألفاً أجرته مثلاً بـ 40، فتبين لهذا أنه مغبون، فرفع دعوى وفسخ العقد، الفسخ قالوا: هل يكون الفسخ من أصله ولا من حينه؟ في الإقناع قال: من أصل العقد، فإذا فسخ من أصل العقد، يجب عليه أجرة المثل، مقابل الانتفاع.
هذا انتفع بالعقار انتفع مجانا يقولون لا نوجب أجرة المثل. فلو قلنا إنه فسخ للعقد من حينه لقلنا من بداية العقد إلى حين الفسخ ارجع إلى الأجرة المسماة في العقد، نرجع إلى الأجرة المسماة في العقد التي هي أربعون.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى بعدها باب الربا، وسنذكر مقدمة ثم نقرأ ما ذكر المؤلف في درس قادم إن شاء الله. فنقول وبالله التوفيق: تقدم لنا في أول باب المعاملات المالية أن من أسباب تحريم العقود، والربا من أكبر أسباب التحريم في العقود. والربا محرم بالكتاب والسنة والإجماع. المؤلف هنا قال: "والإجماع على تحريمه" ولم يذكر الكتاب والسنة، وتقدم لنا نظيرها سابقًا، وقلنا لكم إنهم يقولون الإجماع، والإجماع طبعًا لابد أن يكون مستندًا على نص، لكن أحيانًا يقولونها اختصارًا وأيضًا لأن الكتاب والسنة أحيانًا ينازع بعضهم في الدلالة: هل هذا يدل على تحريم أو لا يدل؟ أو نحو ذلك؛ الحديث هل هو صحيح أو ضعيف؟ لكن الإجماع إذا ثبت فلا ينازع فيه. وأجمع العلماء رحمهم الله تعالى على تحريمه وعلى أنه من الكبائر.
وجاءت أدلة كثيرة في الكتاب والسنة على تحريمه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: 278-279]. هذا تهديد عظيم لم يرد نظيره في كبيرة من الكبائر سوى ما ورد في معاداة أولياء الله، كما في الحديث القدسي: «من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب». هذا جاء في الكتاب وهذا جاء في السنة، فهو تهديد شديد ووعيد عظيم على من أكل الربا.
وفي السنة أيضًا جاء في أحاديث كثيرة، ومنها لعن النبي صلى الله عليه وسلم: «آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه»، وقال: «هم سواء». يعني شخص فقط يكتب، شخص آخر يشهد، لن يستفيدوا شيئاً من مال الربا، مع ذلك هم سواء في نزول لعنة الله بهم. ولعن طرد من رحمة الله، يعني هذا وعيد شديد، طرد من رحمة الله، إيذان بالحرب، الربا من السبع الموبقات، من أسباب دخول النار: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: 130-131]. يعني في تهديد ووعيد شديد جدًا على أكل الربا.
ويقع من بعض الناس تساهل في المال الحرام وفي الربا، ويدخل في بعض المعاملات المشبوهة، ويتساهلون، وبعضهم يقدم ولا يسأل؛ ما دام أن هذه ستكسبه هذا التعامل أو التعاقد سيكسبه مالاً فإنه يقدم عليه ولا يسأل عن شرعيته من عدمه. وهذا تقصير وتفريط عظيم، ولا يعذر في عدم سؤاله، فطرق السؤال يا أهل العلم تيسرت كثيرًا في هذا الوقت. ونقل بعض أهل العلم الإجماع على أنه لا يجوز لشخص أن يدخل في عقد وهو لا يعلم حكم الله تعالى فيه، ولا يقدم على عبادة إلا وهو يعلم حكمها كي يعبد الله على بصيرة؛ فالأمر عظيم وينبغي للإنسان أن يحرص على أن يكون ماله حلالاً، ويبتعد عن المال الحرام، ويبتعد عن المال المشتبه. «إن الحلال بين وإن الحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات». فيعلم أن كثيراً من الناس من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه. فمن دخل في هذه العقود المشتبهة فيوشك أن تزل قدمه إلى العقود المحرمة.
والنفس تتطلع إلى حب المال وحب الثراء، لكن ينبغي للإنسان أن يحرص على تطهير ماله من مثل ذلك؛ لأن إطابة المطعم من أسباب إجابة الدعاء. ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، أشعث أغبر مثل العبادة، يطيل السفر؛ السفر من أسباب إجابة الدعاء، يمد يده للسماء؛ رفع اليدين من أسباب إجابة الدعاء، يكرر يا رب يا رب، يتوسل إلى الله عز وجل باسمه الأعظم وباسمه العظيم، يعني هذا كله من أسباب إجابة الدعاء، مع ذلك استبعد النبي صلى الله عليه وسلم إجابة دعوته لأن مطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام، قال: «فأنّى يستجاب له». فليحرص المسلم على إطابة مطعمه، وطالب العلم من باب أولى أن يحرص على إطابة مطعمه وأن يبتعد عن العقود المشتبهة والمحرمة من باب أولى.
العلماء يتكلمون عن الربا في هذا الباب، والربا من المعاملات أو البيوع المحرمة، وقد عقدوا فصلاً للبيوع المحرمة في أثناء كتاب البيع، لكن لما كانت مسائل الربا وتفصيلاته كثيرة أفردوه بباب مستقل. والربا نوعان: ربا بيوع ويتكلمون عليه في هذا الباب، وربا ديون ويتكلمون عليه في باب القرض، هذا أصالة، وإلا يذكرون بعض مسائله في أبواب أخرى، مثل لما تكلموا في باب الخيار أنه يجوز أن يكون خيار الشرط مدة طويلة، قالوا: إلا في عقد حيلة ليربح في قرض، فهذا إشارة إلى ربا الديون، ربا الديون الذي هو القرض الذي جر نفعاً سواء بشرط أو بمواطأة.
والفرق بين ربا البيوع وربا الديون، هناك فرق جوهري لم ينتبه له بعض من تكلم في الربا في عصرنا من غير الفقهاء، يعني بعض المعاصرين من الاقتصاديين ونحوهم، الذين تكلموا في الربا في العصر الحاضر لم ينتبهوا للفرق بين ربا الديون وربا البيوع. ربا البيوع الذي هو ربا الفضل وربا النسيئة يتكلم عنه هنا، ربا الديون الذي هو القرض الذي جر نفعاً هذا يجري في جميع الأموال، وليس خاصاً بالأموال الربوية. ولذلك الآن ربا البنوك؛ الربا الذي في البنوك يقرضونك مالاً ويستردونه أكثر منه، هذا من ربا الديون. بعض من تكلم على ربا البنوك قال: لا، ليس ربا، لماذا؟ يقول هذا ربا في الأموال النقدية، والأموال النقدية ليست من الأموال الربوية، الأموال الربوية هي المكيلات والموزونات، طيب الأموال النقدية ليست مكيلاً ولا موزوناً، إذاً تجوز!
نقول هنا هذا المتحدث خلط بين ربا البيوع وربا الديون، الذي يتكلم عنه الفقهاء في علة الربا الكيل والوزن على المذهب هذه تتعلق بربا البيوع، أما ربا الديون فهي في كل الأموال، ولذلك ابن حزم رحمه الله وهو من الظاهرية الذين يرون أن ربا البيوع خاص بالأصناف الستة فقط (الذهب، الفضة، البر، الشعير، التمر، الملح)، لما جاء ربا القروض الذي هو ربا الديون ذكر أنه يجري فيه، وكأني أذكر أنه ذكر أنه بالإجماع لهم، فذكر أنه يجري في غير الأموال الستة، فهذا يدل على أن مسألة ربا الديون هذه لا خلاف فيها، وأنها تجري في جميع الأموال وليست خاصة بالأصناف الستة وما يقاس عليها.
نرجع إلى ربا البيوع؛ ربا البيوع ربا فضل وربا نسيئة، والفضل هو الزيادة، والنسيئة هو التأجيل، الأصناف الربوية كلاهما الربا محرم سواء كان ربا فضل أو ربا نسيئة. وربا النسيئة مجمع على تحريمه، وربا الفضل انعقد الإجماع أخيراً على تحريمه وإلا كان فيه خلاف في الزمن الأول، قال به ابن عباس وغيره لكن انقرض الخلاف واستقر الإجماع على تحريمه. هذا ربا الفضل، أما ربا النسيئة فهو حرام بالإجماع.
الأصناف الربوية التي يجري فيها الربا التي جاءت في حديث عبادة بن الصامت ستة: الذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح. هذه ستة أصناف اتفق أهل العلم رحمهم الله تعالى على أنها من الأصناف الربوية، وسنذكر الضوابط في المبادلة بينها، والجمهور على أنه يقاس عليها غيرها، وهناك قلة من أهل العلم يرون أنه لا يقاس عليها غيرها، لكن الجمهور على القياس. اختلفوا في العلة التي يقاس عليها غيرها، لكنهم اتفقوا على أمرين؛ اتفقوا على جزئيتين، وهي أن العلة في الذهب والفضة مستقلة، والعلة في الأصناف الأربعة مستقلة، هذا متفقون عليه، أن علة الذهب والفضة غير العلة في الأصناف الأربعة، ووقع فيها في كلتا المسألتين (أي العلة في الذهب والفضة والعلة في الأصناف الأربعة) خلاف كبير بين أهل العلم رحمهم الله تعالى. لكن الذي عليه المذهب عندنا -ولن نطيل في هذا- أن العلة في الذهب والفضة كونهما موزونين، والعلة في الأصناف الأربعة كونها مكيلة. إذاً الكيل في الأصناف الأربعة، والوزن في الذهب والفضة، فكل موزون فيقاس على الذهب والفضة، وكل مكيل فيقاس على الأصناف الأربعة.
سنذكر ضوابط في مبادلة هذه الربويات. الضابط الأول: عند مبادلة الربويين المتفقين في الجنس والعلة فيشترط شرطان: التماثل والتقابض والحلول. فلو أبدل ذهباً بذهب نقول اشترط لك شرطان: تماثل، أن يكون كل منهما وزنهما واحد، كلما وزنهما عشرة جرام، مئة جرام، ونحو ذلك، وأيضاً الحلول، التقابض، يتقابضان في مجلس العقد. هذا إذا كانا متفقين في الجنس والعلة؛ الاتفاق في الجنس يؤدي أو يشترط فيه التماثل، والاتفاق في العلة يشترط فيها التقابض، كما سيأتينا. إذاً عند مبادلة ربويين متفقين في الجنس والعلة يشترط شرطان: التقابض والتماثل، حتى لو كانا يسيرين، العوضان يسير كتمري بتمرة كما مثل عليك في الإقناع والمنتهى، كتمر بتمرة أو تمرتين بتمرين، فيشترط هذا التماثل والتقابض.
الثاني: عند مبادلة الربويين المتفقين في العلة دون الجنس فيشترط شرط واحد وهو التقابض. أبدلت ذهباً بفضة، شرط التقابض؛ معناه جئت أعطيت بائع الذهب أعطيته فضة وأعطاك بدلها ذهباً، هل نقول لابد عشر جرام بعشر جرام؟ لا، هنا لا يشترط التماثل لاختلاف الجنس، لكن لابد من التقابض في مجلس العقد، لابد من التقابض في مجلس العقد.
الضابط الثالث وهو استثناء من الثاني: عند مبادلة الربويين المتفقين في العلة دون الجنس وكان أحدهما نقداً، فلا يشترط شيئاً، وهذا استثناء من الثاني. يعني لو أبدل حديداً بذهب، الآن كلها موزونة، الحديد موزون والذهب موزون، فعلى الضابط الثاني يشترط أيش؟ تقابض، لكن هنا قالوا ما دام أن أحدهما نقد فإنه لا يشترط شيء، لا تماثل ولا تقابض، تماثل واضح لأنه الجنس مختلف، لكن لا يشترط التقابض؛ لماذا؟ نرجئ إلى أن يأتينا في كلام المؤلف.
الضابط الرابع: عند مبادلة الربويين المختلفين في العلة، وكذا مبادلة ربوي بغير ربوي، وكذا مبادلة غير ربوي بغير ربوي؛ عندنا ثلاث صور هذه لا يشترط فيها شيء، لا تماثل ولا تقابض. ربويين مختلفين في العلة مثل أيش؟ ذهب بتمر، نقول لا يشترط تماثل ولا تقابض. لو جاء يشتري تمراً وقال البائع عندي جنيهات ذهب، قال بكم؟ قال مثلاً بعشر جنيهات ذهب، قال خلاص بجيب لك الجنيهات الذهب من الغد، فأخذ التمر قال بجيب لك الذهب من الغد، فهل يجوز؟ نعم يجوز، لا يشترط التقابض ولا يشترط التماثل. وكذلك لو كان ربوي بغير ربوي مثل سيارة ببر، السيارة غير ربوي والبر ربوي، فهنا لا يشترط تماثل ولا تقابض. وكذلك لو كانت غير ربوي، سيارة بسيارة أو سيارة بثوب، فهنا لا يشترط شيء، لا تماثل ولا تقابض.
الضابط الخامس: لا أثر لاختلاف النوع أو الجودة والرداءة عند مبادلة الجنس، يعني عند اتحاد الجنس الربوي يشترط التماثل والتقابض. لا أثر لاختلاف النوع، لو أراد أن يبدل تمراً سكرياً بتمر خلاص، مثلاً تمر سكري بتمر خلاص، قال ببدل مثلاً تمر سكري مثلاً صاعين تمر سكري بأربعة أصواع تمر خلاص، فهل يجوز؟ لا يجوز، لابد صاعين بصاعين، صاعين بصاعين، هذا اختلاف النوع، الجودة والرداءة لو كان مثلاً كله سكري بس هذا سكري السنة جيد وذاك سكري العام يعني أقل جودة، فقال مد من هذا سكري العام سأجعله صاعين بصاع، فهل يجوز؟ لا لا يجوز، لابد من التماثل والتقابض حتى لو اختلف النوع أو اختلفت الجودة والرداءة.
الضابط السادس: أن ما اشترط فيه التماثل -طبعاً اشترط تماثل متى؟ يكون عند مبادلة الربوي بالربوي المتحد الجنس- يشترط فيه التماثل، فلا بد أن يكون بمعياره الشرعي، كيلاً في المكيلات، ووزناً في الموزونات. التمر مكيل ولا موزون؟ مكيل، فإذا أراد أن يبدل تمراً بتمر يكون بالكيل، نبدل مثلاً صاعين تمر بصاعين تمر، لو أبدل كيلو تمر بكيلو تمر، ها كيلو بكيلو صح ولا مش صحيح؟ يختلف المعيار، الكيلو وزن والصاع كيل، فلا بد أن يكون التمر بالكيل لا بالوزن. الضابط طبعاً قالوا إلا إن علم تساويهما في المعيار الشرعي، لو كان سواء جئت بالكيل ولا بالوزن هما متحدان فيجوز ذلك.
الضابط السابع: لا يشترط المعيار الشرعي عند المبادلة مع اختلاف الجنس، فالآن الذهب موزون والتمر مكيل، لو أردنا أن نبدل ذهباً بتمر فجعلنا التمر موزوناً، قال جعلنا مثلاً عشرة كيلو تمر بالوزن مقابل جرامين من الذهب، فهنا يقولون يجوز، فيكون التمر ليس بغير معياره الشرعي، لماذا؟ لماذا يجوز؟ اختلاف الجنسين، فإذا اختلف الجنسان لا يشترط التماثل، فنحن نشترط المعيار الشرعي إذا اشترطنا التماثل، فما دام هنا لا يشترط التماثل إذاً لا يشترط المعيار الشرعي.
الضابط الثامن: الجهل، هذه تراها قاعدة يترتب.
عليه مسائل كثيرة ستمر عليهم: الجهل بالتماثل كالعلم بالتفاضل.
الجهل بالتماثل كالعلم بالتفاضل، تبدل تمراً بتمر. شفت صبرة هنا من التمر وصبرة أخرى من التمر، تبيع هذه الصبرة بهذه الصبرة ما قسموها، تجهلون التماثل، إذا كنتم تعلمون أن هذه كيلو وهذه كيلو؛ وين هذه؟ ما في إشكال، لا تجوز. إذا كنتم لا تعلمون، قال: الجهل بالتماثل كالعلم بالتفاضل؛ فمثلها لا تجوز، فلا بد إذاً من تحقق العلم بالتماثل. طبعاً هذا خاص في مبادلة الجنس بمثله، لكن إذا بادل الجنس بغير جنسه فإنه لا يشترط ذلك؛ لأنه لا يشترط التماثل.
الضابط التاسع: أن ما أخرجته الصناعة عن الوزن فلا يجري فيه الربا، سوى المصنوع من النقدين. عندنا مثلاً الحديد، الحديد موزون إذاً هو مال ربوي، صنعت من الحديد سيفاً، فهنا خرج السيف عن الوزن بالصنع فلا يكون مالاً ربوياً، فلو أبدلت سيفاً بسيفين جاز ذلك. فيقولون: إذاً ما أخرجته الصناعة عن الوزن فلا يجري فيه الربا، يستثنى المصنوع من النقدين من الذهب والفضة، فالحلي الذي تلبسه النساء مصنوع من الذهب أو مصنوع من الفضة، فهذا وإن خرج عن الوزن بالصنعة فإنه لا يزال ربوياً في قول أكثر أهل العلم رحمهم الله تعالى، فيترتب عليه أنه إذا أراد أن يبدل حلياً مثلاً بدنانير ذهب لابد أن يكون متساوياً في الوزن.
الضابط العاشر: عندنا أجناس وعندنا أنواع. الجنس اسم خاص يشمل أنواعاً، يعني عندنا التمر جنس، البر جنس، الجنس يشمل أنواعاً؛ التمر من أنواعه: تمر سكري، خلاص، صقعي، إلى آخره. فعندنا جنس وعندنا أنواع، قلنا لكم لا أثر لاختلاف النوع، لكن عندنا فروع الأجناس، الأشياء التي تنشأ من هذا الجنس؛ فيقولون: فروع الأجناس أجناس. الحنطة فيها دقيق، فيها خبز مثلاً، فالدقيق الحنطة جنس وخبز الحنطة جنس. أيضاً عندنا دقيق الحنطة وعندنا دقيق الشعير، كلاهما اسمه دقيق، لكن هل كلاهما جنس واحد أو هما جنسان؟ جنسان باعتبار أصلهما. أيضاً اللحم أجناس باختلاف أصوله، فلحم الغنم جنس ولحم البقر جنس، وهكذا أيضاً اللبن أجناس باختلاف أصوله، وهكذا.
الضابط الحادي عشر: لا يجوز بيع فرع بأصله كالأقط، لا يجوز بيعه باللبن، الأقط الآن مأخوذ من اللبن فلا يجوز بيع الأقط باللبن، والدبس بالتمر؛ لعدم تحقق التماثل، ولأن الفرع مشتق من الأصل فكان جنساً واحداً، فاشترط فيه التماثل.
الضابط الثاني عشر والأخير: ما كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم مكيلاً عند أهل المدينة فهو مكيل، وما كان موزوناً عند أهل مكة فهو موزون، هذا هو الضابط. وما لم يكن في عهدهم لا مكيلاً ولا موزوناً فينظر إلى عرف أهل البلد، ولهم تفاصيل تأتينا إن شاء الله في موضعها.
نقف على هذا، نسأل الله للجميع التوفيق، وهذه الضوابط تفيد كثيراً، تضبط لك جزءاً كبيراً من مسائل الربا، لا أقول تضبط كل الباب، لكن جزءاً كبيراً من مسائل الربا تضبطه لك.
يقول: إذا كان العقد تابعاً للبنك والبنك فيه هيئة شرعية، فهل لو أقدم العميل على هذا العقد بناءً على فتوى الهيئة الشرعية فهل تبرأ ذمته بذلك أم لا بد أن يسأل؟ أقول: البنوك هناك بنوك عندهم هيئة شرعية وعندهم لجنة رقابة على المعاملات، لجنة رقابة شرعية يطبقون قرارات الهيئة على التعاملات التجارية في البنوك، فهذه إن شاء الله تبرأ الذمة. طبعاً إذا كان الشخص مقتنعاً بفتوى تبرأ الذمة بالإقدام على العقد، عنده إلا إذا كان هو طالب علم ولديه وجهة نظر في هذا العقد ويرى أنه محرم، فهنا لا يقدم عليه، لكن إذا كان هو أصلاً مقلداً ووثق بهم فلا بأس من الدخول في عقده. أما البنوك هناك بنوك أخرى عندهم هيئة شرعية لكن ليس عندهم رقابة، فصحيح مثلاً الهيئة تقول لهم العقد هذا جائز بالشروط كذا وكذا وكذا، يأتون في الواقع العملي البنك لا يطبق هذه الشروط، فبعض الشروط تخل بالعقد، فهنا أقول لا بد أن يسأل، لا يكتفي بهذه الفتوى التي من الهيئة الشرعية.
بعد القبض ما في إشكال، كلامهم على قبل القبض، أما بعد القبض ما نص عليها لأنها ما في إشكال، ما يختلف سواء قلنا فسخاً أو بيعاً، ويقول كلام المؤلف رحمه الله تعالى لما قال الإقالة فسخ، قال: فتجوز قبل قبض المبيع، يقول: طيب بعد القبض؟ نقول بعد القبض ما في إشكال، سواء قلنا إن الإقالة فسخ أو بيع فلا يختلف الحكم فيها، وذكر المسائل التي يختلف فيها الحكم.
السيارة ليست ربوية لأنها خرجت من الوزن بالصناعة، فالحديد الذي فيها صنع على شكل سيارة.
بالنسبة لكيلو لحم بكيلوين لحم، هذه قلنا لكم قبل قليل إن اللحم أجناس باختلاف أصوله، فإذا كان كيلو لحم غنم بكيلوين لحم بقر مثلاً فهذا يجوز؛ لأن هذا جنس وهذا جنس فلا يشترط فيه التماثل، لكن يشترط التقابض. لكن إذا كان كلاهما من الغنم، كيلو لحم غنم بكيلو لحم غنم، فهنا يشترط التماثل والتقابض.
المسألة التي ذكرت قبل قليل، إذا أقال البائع والمشتري بشرط أن يعيد السلعة سليمة فتبين أنها معيبة، فهل له فسخها أو لا؟ أقول: هي تحتاج إلى تأمل، طبعاً إذا قلنا إنها بيع فما في إشكال، أما إذا قلنا إنها فسخ فهل له ذلك أو ليس له ذلك؟ محتمل أن نقول: إن القاعدة العامة المسلمون على شروطهم، وهو إنما قبل بالإقالة بناءً على هذا الشرط، فلم يتحقق هذا الشرط فلا تصح الإقالة أو له فسخ الإقالة، هذا المحتمل والله أعلم.
هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان