بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما وعملا صالحا يا كريم.
أما بعد، فقد كنا قد توقفنا في التعليق على الروض المربع عند فصل التصرف في المبيع قبل قبضه. ونلخص ما تقدم الكلام فيه في الدرس الماضي لتشعب مسائله، فنلخصه على ما هو المشهور من مذهب الحنابلة رحمهم الله تعالى.
الأشياء التي لا يصح التصرف فيها قبل القبض هي: المكيل، والموزون، والمذروع، والمعدود، والمبيع برؤية سابقة أو بالصفة؛ هذه ستة أشياء لا يصح التصرف فيها قبل القبض. ويصح التصرف فيها قبل القبض، وهي التي يقول عنها الفقهاء ما يتعلق بها حق توفيه.
والتصرفات التي لا تصح ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى منها: البيع، والهبة، والرهن، والإجارة، والحوالة. وذكر تصرفات تصح قبل القبض كالعتق؛ لا ليس أن يعتقه، بل يجعله مهراً أو عوض خلع أو يوصي به، فهذه تصح.
وقلنا إن المكيل والموزون والمعدود والمذروع إذا بيع بغير ذلك، يصح التصرف فيه قبل قبضه. فالمكيل إذا بيع كيلاً مثل التمر إذا بيع بالكيل كالصاع أو المد ونحوه، والموزون إذا بيع وزنا كالحديد إذا بيع بالوزن. ولو بيع بالعدد، فإنه يصح التصرف فيه قبل قبضه. كذلك المعدود إذا بيع عدًا، والمذروع إذا بيع ذرعًا. فإذا بيع بغير ذلك، كالمكيل إذا بيع وزنًا أو عدًا، مثل أن يقول: أبيع عليك سبع تمرات بكذا، فهنا يصح التصرف فيه قبل قبضه.
هذا ملخص ما تقدم في الروض في الدرس الماضي، لأننا ذكرنا مسائل كثيرة، فنلخص ما يتعلق بما ذكره البهوتي رحمه الله في الروض. الآن سيتكلم عن التلف قبل القبض.
التصرف قبل القبض الذي لا يجوز هو الستة، فإذا بيع المكيل بغير المقدار الشرعي، كأن بيع المكيل وزناً أو جزافاً أو عدداً، فإنه يصح التصرف فيه قبل قبضه.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: «وإن تلف المبيع بكيل ونحوه أو بعضه قبل قبضه فمن ضمان البائع، وكذا لو تعيب قبل قبضه».
إذا تلف المبيع بكيل ونحوه قبل قبضه، فسيأتينا في نهاية الباب أن القبض في هذه الأشياء بحسبه؛ فقبض المكيل بكيله، وقبض الموزون بوزنه وهكذا. فلو تلف المكيل قبل أن يكال فإنه من ضمان البائع وليس من ضمان المشتري. وكذا لو تعيب قبل قبضه فهو من ضمان البائع.
والأصحاب رحمهم الله تعالى كما ذكرنا في الدرس الماضي يقولون إن المنع من البيع قبل القبض ومسألة الضمان متلازمتان؛ فكل ما منع فيه المشتري من التصرف قبل القبض فالأصل أنه من ضمان البائع، والعكس، وهذا هو الأصل وهناك استثناءات وذكرنا الخلاف فيها في الدرس الماضي.
لو تعيب المبيع قبل قبضه فإنه يكون من ضمان البائع، فيكون المشتري بالخيار. لو مثلاً اشترى عشرة أصواع من التمر، وقبل أن يكيلها انسكب عليها ماء ففسد بعضه، فهنا تعيبت قبل القبض فهي من ضمان البائع، وإذا كانت من ضمان البائع فما الذي يترتب عليه للمشتري؟ المشتري بالخيار كما تقدم لنا في خيار العيب؛ بين قبوله ناقصاً، وبين قبوله تاماً، وبين فسخ العقد والرجوع بالثمن.
وهل له الأرش إذا قبله ناقصاً؟ في العيب نعم، وسيكون له الأرش. هذه المسألة مما وقع فيه الخلاف بين الأصحاب رحمهم الله تعالى هل له الأرش هنا أو لا؟ فالموفق والشارح كذلك ذكروا أنه لا أرش له، واختلف كلام الفتوحي رحمه الله في المنتهى في موضعين؛ ففي خيار العيب نص على هذه المسألة وأن له الأرش، وهنا أوهم كلامه أنه لا أرش له. واختلف الأصحاب في حاشية المنتهى في توجيه كلامه، فيراجع كلام البهوتي في حاشية المنتهى والخلوتي وبن قائد رحمهم الله تعالى. أما الحجاوي فلم ينص على هذه المسألة هنا، لكن نص عليها في خيار العيب، ونص على أنه حتى لو تعيب قبل قبضه ما اشترط له القبض فإنه مخير بين الأمرين، فأقصد كلامه في خيار العيب أن له الأرش ها هنا.
السلام عليكم. قال رحمه الله: «وإن تلف المبيع المذكور بآفة سماوية لا صنع لآدمي فيها بطل أي فسخ البيع، وإن بقي البعض خير المشتري في أخذه بقسطه من الثمن، وإن أتلفه المبيع بكيل أو نحوه آدمي سواء كان هو البائع أو أجنبياً خير المشتري بين فسخ البيع ويرجع على بائع بما أخذ من ثمنه، وبين إلزام ومطالبة متلفه ببدله أي بمثله إن كان مثلياً أو قيمته إن كان متقوماً، وإن تلف بفعل مشتري فلا خيار له لأن إتلافه كقبضه».
هنا يتكلم المؤلف رحمه الله تعالى عن تلف المبيع، وأحوال تلف المبيع قبل القبض ثلاثة أحوال: إما أن يتلف بآفة سماوية، أو يتلف بفعل البائع أو أجنبي وحكمهما واحد، والحالة الثالثة أن يتلف بفعل المشتري، وكل واحد له حكم.
فإن تلف بآفة سماوية -وقد فسر الآفة السماوية بأنها لا صنع لآدمي فيها- قال الموفق رحمه الله في المغني: «والآفة السماوية كل آفة لا صنع للآدمي فيها كالريح والبرد أو البرد والجراد والعطش». فإذا تلف المبيع قبل القبض بآفة سماوية فالحكم أنه كما قال المؤلف: «بطل»، وفسرها الشارح بقوله: «فسخ».
وهنا فرق؛ فالبطلان يكون العقد من أصله غير صحيح، والانفساخ يكون العقد من أصله صحيحاً ثم عرض له ما يفسخه. وهنا ما الأدق أن نعبر بـ"بطل" أم "منفسخة"؟ منفسخة. بذلك يعني لا نقول عبارة الحجاوي خاطئة لكن نقول فيها تجاوز، وإلا فهو يريد الانفساخ. ونلاحظ هنا أدب البهوتي رحمه الله.
من يتعقب العلماء تجده يحرر أو يحبر الأسطر والصفحات في تنبيه على خطأ، قد نقول إنه خطأ، وقد نقول له وجهًا، لكن البعض يصب جام غضبه على المؤلف الذي يشرح كلامه أو يحشي على كلامه أو يحقق كتابه، وهذا حقيقة ليس من الأدب.
فانظروا لسلامة لسان البهوتي رحمه الله، ما قال باطل، وما قاله الحجاوي فيه نظر إذ كذا وكذا، فقط؛ يفهمها الشخص المنتبه، وبعض من لم ينتبه ما يدري أن البهوتي يتعقب الحجاوي هنا. فلذلك ينبغي لطالب العلم أن يستفيد من تصرف العلماء في تعبيراتهم.
ولا يوصى طالب العلم في بداية طلبه أن يقرأ كتب الردود التي فيها فجاجة في اللفظ، لئلا يعتاد لسانه على ذلك، لكن لو ترقى ونضج لا بأس أن يقرأ ليستفيد، وأقصد بكتب الردود الخلافات العلمية، وليست الردود مثل الواقع في عصرنا هذا؛ حيث يرد الشخص على آخر، والأصل أنه يرد على فكرته فيتجاوز ويتكلم في منهجه كاملاً، وليس من الحكمة ولا من الأدب إذا أراد الشخص أن يرد على عالم أن يتلطف.
النبي ﷺ يقول: «ما بال أقوام»، وما أحرى طلبة العلم بالاقتداء بهذا النبي ﷺ في مثل ذلك، فيقال: «ما بال أقوام». ولذلك لو قرأتم في رسائل شيخنا ابن عثيمين رحمه الله وفتاويه، لا تجده يصرح بالعلماء المعاصرين الذين يرد عليهم، تجده يقول: وما قاله بعض الناس كذا وكذا، وما اشتهر عن بعض الناس كذا وكذا، ما يقول فلان بن فلان.
ولذلك أذكر أنه في أحد الدروس، كان الشيخ رحمه الله في بداية كل درس يطرح ثلاثة أسئلة كتابة، يكتب الطلاب ويعطون المسؤول عن عرض الأسئلة للشيخ، ولا بد لمن يكتب السؤال أن يكتب اسمه، إن لم تكتب اسمك لن يعرض سؤالك، وإذا عرض سؤالك ولم تكن موجودًا خلاص. وإذا كتب الطالب سؤالاً ولم يعرض في هذا اليوم ولا غدًا ولا بعد أسبوع، يقول الشيخ: فلان بن فلان موجود، نتجاوز.
فأحدهم كتب سؤالًا في كفر تارك الصلاة، وقال في سؤاله: إنكم يا علماء السعودية تقولون بكفر تارك الصلاة وهذا غير صحيح، وحديث عبادة بن الصامت... والشيخ رحمه الله مكتوب اسم السائل، فقال له: لا بد أن تتعلم الأدب قبل أن تتعلم أدب السؤال أو الأدب مع العلماء. ثم قال له: ما هو حديث عبادة بن الصامت؟
تفاجأ الطالب بارتجاعه وعجز عن أن يجيب، فقال: لكن يا شيخ، الشيخ الألباني... فأوقفه الشيخ، زجره أن يذكر اسم أي عالم؛ لأن الشخص إذا تكلم في العالم، لو رد مثلاً فلان على العالم الفلاني وقال قال العالم الفلاني كذا وكذا، قد تأتي هذه للعالم الفلاني بما يستجيب له، قد يحس أن فيها نقصًا أو نحو ذلك، لكن لو تكلم على هذه المسألة بدون ذكر اسمه، أو أنك أفتيت بكذا، ممكن يكون أقرب للاستجابة.
فالشيخ زجر هذا الطالب زجرًا شديدًا وكاد أن يطرده من الحلقة، فشفعه له أحد كبار الطلاب وقال: يا شيخ إن هذا لعله جديد ولا يعرف منهجكم، فقال الشيخ: مرة نسمح لك، لكن ارجع في آخر الحلقة؛ زجرًا له ولأجل ألا يتكلم مثله. نستفيد من جهود الشيخ رحمه الله في أدبه، أن الشخص يكون مؤدبًا في تعقبه للعلماء والفضلاء.
إذًا إذا تلف بآفة سماوية فإنه ينفسخ البيع، ويرجع المشتري على البائع بالثمن. وإن بقي البعض، جاء الجراد وأكل جزءًا من الثمر أو التمر الذي اشتراه، فهنا تلف البعض، فهل ينفسخ أيضًا؟ يقول هنا خير المشتري في أخذه بقسط من الثمن، خير بين أمرين: بين أن يفسخ، وهذا الخيار الأول، وبين أن يأخذ المتبقي بقسطه من الثمن.
فالتالف إذًا انفسخ، وبقينا في المتبقي، المتبقي إما أن يكون لك الخيار إما أن تقول لا أريده وتسترجع المبلغ كاملًا، أو تقول أريده وتسترجع ما يقابل الجزء التالف. هذا الحال الأول، إذا تلف بآفة سماوية فإنه ينفسخ البيع، وإذا تلف البعض فينفسخ التالف ويخير المشتري في الباقي بين أن يفسخه أو يبقيه.
لماذا نقول له لك الخيار في المتبقي وهذا جزء من العقد اللازم؟ يقول: عقد وقع على مثلاً ٢٠ صاعًا من التمر، تلف عشرة أصواع وبقي عشرة أصواع، العقد لازم ليس كذلك؟ العشرة التالفة واضحة انفسخ لعدم وجودها، لكن الباقية لماذا نقول يلزم فيها الخيار؟ صحيح، ففي العيب له الخيار للمشتري في ذلك.
الحالة الثانية، إذا تلف المبيع بفعل آدمي غير المشتري، سواء كان المتلف البائع أو أجنبيًا؛ يعني مثلاً باع عليه ١٠ أصواع من التمر ثم جاء البائع وأتلفها، جاء بسطل ورماها في البحر، أو أتلفها كلها، فهنا نقول: هل ينفسخ البيع مثل التلف بآفة سماوية بلا خيار؟ لا، هنا للمشتري الخيار.
إذا تلف بآفة سماوية ما نقول للمشتري الخيار، ينفسخ البيع، الخيار لو تلف جزء منه، لكن إذا أتلفه آدمي سواء كان المتلف هو البائع أو أجنبيًا، فنقول المشتري مخير بين الفسخ وبين الإمضاء، إذا فسخ البيع فإنه يرجع على البائع بالثمن.
يرجع عليه بالثمن، نفس الثمن الذي اتفق عليه في العقد، سواء كان المتلف هو البائع أو أتلفه شخص أجنبي. فإذا كان شخصًا أجنبيًا وقال: «هذا لن أكمل العقد»، فهنا يرجع المشتري على البائع بالثمن، والبائع عاد هو الذي يطالب الأجنبي.
والخيار الثاني أن يمضي العقد ويطالب المتلف بالبدل، ولم يقل بالثمن. وفسر البهوتي البدل بأنه: «أي بمثله إن كان مثليًا، أو قيمته إن كان متقومًا». فإذا أتلف مثلًا عشرة أصواع من التمر، والتمر مثلي مكيل، فيطالبه بمثله؛ يقول: «أحضر لي عشرة أصواع من التمر»، سواء كان المتلف هو البائع أو شخصًا أجنبيًا.
أو يطالب بالقيمة إن كان متقومًا، أي ليس مثليًا. وضابط المثلي على المذهب هو المكيل أو الموزون الذي لا صناعة فيه مباحة ويجري فيه السلم. أما المتقوم فيطالب بقيمته، مثل لو أنه باع عليه شاة صفتها كذا وكذا، ثم تلفت هذه الشاة، أتلفها البائع أو أتلفها أجنبي، فهنا يطالب بقيمتها.
وطبعًا إذا قالوا قيمتها، فهل هو بمعنى ثمنها؟ ما الفرق بين القيمة والثمن؟ قد تكون القيمة أعلى وقد تكون أنزل، لكن الثمن هو الذي اتفق عليه في العقد. مثلاً شاة اتفق على أني اشتريتها بـ 600 ريال، لأن صديقه أعطاه إياها بـ 600 ريال، لكن قيمتها في السوق 800. فلو أتلفها أجنبي، فخلاص أنا سأمضي العقد وسأطالب الأجنبي هذا المتلف بقيمتها، وقيمتها 800.
لو كان أجنبيًا، أنت لم تشترها بـ 600، نقول هو مخير بين أن يفسخ ويرجع على البائع بـ 600، أو يمضي ويرجع على الأجنبي بـ 800. وكذلك لو كان المتلف هو البائع، فاختار المضي فيرجع له بـ 800. فالتخيير هنا بين أن يفسخ ويرجع بالثمن، أو يمضي ويرجع بالقيمة (إذا كان متقومًا) أو بالمثل (إذا كان مثليًا).
وطبعًا هناك في التلف بآفة سماوية قالوا: يرجع بالثمن، ولم يقولوا يرجع بالقيمة، وهنا لا يوجد تخيير، لأن الإتلاف حصل لآفة سماوية، فكأنها ألغت العقد فقط. أما هنا، فقد حصل الإتلاف بتعدٍ، فعندنا عقد وإتلاف؛ فالعقد يقتضي الثمن، والإتلاف يقتضي التعويض بالقيمة، فصارت الخيرة للمشتري.
ذكر موفق في المغني قال: «خير المشتري بين الأمرين؛ لأن المطالبة بالمثل سببها الإتلاف، والمطالبة بالثمن سببها العقد، فكانت الخيرة للمشتري في التضمين بأيهما شاء».
هذه هي الحالة الثانية، أما الحالة الثالثة فهي أن يتلفه المشتري؛ جاء المشتري واشترى مثلاً صاعًا من التمر ثم أتلفه، إما بأن يحرقوه أو يغرقوه ونحو ذلك. فهنا ماذا يترتب عليه؟ قال المؤلف: إن تلف بفعل المشتري فلا خيار، لأن ضمانه انتقل إلى ضمانه. فلا خيار له لأن إتلافه كقبضه، لأنه بمثابة القبض، وإذا قبضه انتقل من ضمان البائع إلى ضمانه.
وفائدة وهي أننا نسمع كثيرًا كلمة الضمان، والضمان يطلق في الفقه على ثلاثة مصطلحات: عندنا باب من أبواب المعاملات المالية اسمه باب الضمان، وهو كفيل الغارم. وعندنا هنا الضمان من ضمان البائع ومن ضمان المشتري، ومعناه أن المبيع قبل القبض من ضمان البائع، وبعد القبض من ضمان المشتري. ومعنى الضمان أيضًا هو تحمل التبعة. ويأتي الضمان بمعنى التغريم، كقولنا: «عليه ضمانه»، أي غرم إتلافه، فمن أتلف شيئًا فعليه ضمانه، أي أنه يغرمه. فهذه الإطلاقات الثلاث للضمان.
قال: «لأن إتلافه كقبضه، فاستقر الثمن على المشتري، ويكون إتلافه كالقبض لأنه تصرف فيه». الآن لما ذكر المبيع بالكيل والوزن وأنه لا يجوز التصرف فيها قبل قبضها، يذكر لك ما سواه. قلنا لك هذا فرق الضمان في المصطلحين: البائع هو الضامن يعني يتحمل التبعة، والأجنبي هنا ضمن، يعني غرم بالمعنى الثالث، فهو الذي غرم.
يعني لم يكله البائع، إذا تلف بفعل المشتري، أي إلى الآن لم يقبضه المشتري، لم يكله البائع أو لم يزنه ونحو ذلك، فأخذ المشتري منه شيئًا وأتلفه.
قال رحمه الله: «وما عداه، أي ما عدا المشتري بكيل أو وزن أو عد أو ذرع كالعبد والدار، يجوز تصرف المشتري فيه قبل قبضه»، لقول ابن عمر رضي الله عنهما: «كنا نبيع الإبل بالنقيع بالدراهم، فنأخذ عنها الدنانير» -أشار إلى نسخة بالبقيح عندنا بالبقيح، أحسنتم- «كنا نبيع الإبل بالنقيع بالدراهم فنأخذها عنها الدنانير وبالعكس، فسألنا رسول الله ﷺ فقال: «لا بأس أن تأخذ بسعر يومها»» رواه الخمسة.
إلا المبيع بصفة أو رؤية متقدمة فلا يصح التصرف فيه قبل قبضه. هنا ذكر القسم الثاني، طبعًا المبيع ذكر أربعة أقسام: المكيل، والموزون، والمعدود، والمذروع، ثم ذكر المبيع بصفة والرؤية المتقدمة هنا ولم يذكرها هناك، فتتمة الستة هي المبيع بصفة والرؤية المتقدمة، فهو في حكم المبيع بالكيل والوزن والعد والذرع، فهي ستة أشياء.
أما ما عدا هذه الستة، فيجوز تصرف المشتري فيها قبل القبض، مثل العبد والدار؛ اشترى عبداً أو اشترى داراً، فهنا يجوز أن يتصرف فيها المشتري قبل قبضها. الدار ليست من المذروعات، فكيف قال لا يجوز التصرف فيها قبل القبض؟ الجمال هنا أن القبض كان لدار معينة، هذا البيت، البيت الذي أمامه، فهو معين، وليس كالـ«مذروع» الذي تعاجل لكي توفيه إياه، كأن يشتري منك أرضًا مساحتها 20 في 30 فتزرعها له لكي تحدده. أما الدار فهي معينة، فيجوز التصرف فيها قبل القبض. استدل المؤلف رحمه الله تعالى بقول ابن عمر رضي الله تعالى عنهما كنا...
نبيع الإبل بالبقيع، والخطابي يقول رحمه الله: صوابه "النقيع" بالنون، وأخطأ من رواه بالباء. كانوا يبيعون الإبل بالدراهم إلى أجل، فإذا جاء الأجل استوفوا عنها الدنانير، وبالعكس؛ يعني نبيع الإبل بدنانير ونستوفي عنها دراهم. فسألنا رسول الله ﷺ عنه، فقال: «لا بأس أن تؤخذ بسعر يومها ما لم يتفرقا وبينهما شيء».
أين الدلالة من الحديث؟ أين الشاهد؟ الإبل المقبوضة لا يتكلمون عنها، بل في بيع الإبل بمائة درهم ثم شراء دنانير بما في الذمة. الآن الدراهم والدنانير، أليست تحتاج إلى توفية؟ وإذا كانت في يده؟ الدراهم والدنانير إما معدودة أو موزونة، وكلاهما يحتاج حق توفية، وهم يقولون ما يحتاج حق توفية لا يجوز التصرف فيه قبل قبضه.
إذا كان في مصارفة، كأن يكون حاضراً بحاضر، فهذا ممتاز، لكن كما ذكرت كان في الذمة. وعندنا الدراهم، وهنا أشار ابن قاسم وقال: إن قيل مقتضى الحديث صحة التصرف فيما يحتاج لحق توفية قبل قبضه، فهذا إشكال؛ لأن الدراهم إما معدودة أو موزونة وكلاهما يحتاج حق توفية، فيكون الحديث فيه صحة تصرف فيما يحتاج لحق توفية قبل قبضه في الأشياء الستة. هم الآن يستدلون بها على ما عدا الستة.
الجواب عن هذا الإشكال أنها في الذمة فليست كمبيع، فالتي تحتاج إلى حق توفية هي المعينة وليست التي في الذمة، فالتي في الذمة كأنها مقبوضة فيستوفى عنها، كأنه قبض الدراهم حين باع الإبل بالدراهم، فقد قبضها حكماً فيستوفي عنها الدنانير وبالعكس، فلا يكون هذا من الممنوع.
وكتب في حل هذا الإشكال الشيخ تركي المري، وهو طالب علم في قطر، كتب في حل هذا الإشكال الذي جاء في استدلال الحنابلة رحمهم الله تعالى بهذا الحديث على هذه المسألة. قال في "المبدع" و"التنقيح" وغيرهم: "وثمن ليس في الذمة كمثمن"، يعني أن الأشياء الستة هذه لا يصح التصرف فيها قبل قبضها سواء كانت ثمناً أو مثمناً؛ لو باع مثلاً تمراً ببر، فكلاهما المتعاقدين لا يصح له التصرف في المبيع قبل قبضه، لا في الثمن ولا في المثمن.
"وثمن ليس في الذمة كمثمن"، يعني إذا كان معيناً وليس في ذمة، وما في الذمة له أخذ بدله لاستقراره كما في هذا الحديث. الآن استقرت الدراهم أو الدنانير في الذمة، فله أن يأخذ بدلها قبل أن توجد حقيقة القبض؛ لأن كونه في الذمة كأنها مقبوضة. إلا المبيع بصفة أو رؤية متقدمة، وهذا كما قدّمنا أنه مما يحتاج إلى قبض توفية، فتجري مجرى المكيل والموزون فلا يصح التصرف فيها قبل قبضها.
هذه الست لا يصح التصرف فيها قبل قبضها، ويزاد عليها أيضاً ما ذكره صاحب "المنتهى" و"الإقناع" وهو: ما قبضه شرط لصحة عقده، كالصرف والسلم. الآن القبض فيها إذا لم يوجد لا يصح العقد؛ فلو قلت سأصارفك ذهباً بفضة وسلمت الذهب، فقلت الفضة سأحضرها لك غداً، فهنا يبطل العقد. فلذلك لو قلت تحضرها لي غداً فأنا كأني قبضتها وسأبيعها على غيري، لا يجوز؛ لأنك أصلاً العقد باطل فلا تملك. ومثله السلم، اشترط له قبض رأس المال في مجلس العقد، فالقبض شرط لصحتة، فلو لم يقبض صار العقد باطلاً. فهذه التي قبضها شرط لصحة عقدها تلحق بهذه الست في أنه لا يصح التصرف فيها قبل القبض.
نعم، أحسن الله إليكم. قال رحمه الله: «وإن تلف ما عدا المبيعة بكيل ونحوه، فمن ضمانه»، أي ضمان المشتري؛ لقول النبي ﷺ: «الخراج بالضمان». وهذا المبيع للمشتري فضمانه عليه، ما لم يمنعه البائع من قبضه، فإن منعه حتى تلف ضمنه ضمان غصب. والثمر على الشجر، والمبيع بصفة أو رؤية سابقة من ضمان البائع.
هذه -ما عدا الست- المكيل والموزون إلى آخره، إذا تلفت قبل القبض فمن ضمان المشتري، فبعد القبض من باب أولى؛ فهي من ضمان المشتري بمجرد العقد. واستدل المؤلف رحمه الله تعالى بقوله ﷺ: «الخراج بالضمان»، يعني أن من يستحق ربح شيء ونماءه فإن عليه ضمانه، والمشتري يستحق ربح هذه السلعة التي اشتراها ونماءها بمجرد العقد فيكون عليه ضمانها. وأيضاً يستدل له بأثر ابن عمر السابق: «مضت السنة أنما تركته الصفقة حياً مجموعاً فهو من مال المشتري». وقالوا: لأنه لا يتعلق به حق توفية، وهو من ضمانه بعد القبض فيكون من ضمانه قبله.
استثنى المؤلف رحمه الله تعالى قائلاً: "هذا ما لم يمنعه بائع من قبضه". فلو اشترى سيارة مثلاً، هل هي مما يحتاج إلى حق توفية أو لا؟ المذهب أنها لا تحتاج إلى حق توفية، فعلى المذهب أن شراء السيارة لا يحتاج إلى قبض، لو اشترى سيارة ثم باعها مباشرة لا يحتاج إلى قبض وصح البيع، ولا يشترط النقل أصلاً، لكنهم يشترطون القبض في الأشياء الستة.
وما عداه لا يشترطون فيها القبض؛ فالسيارة لا يشترط فيها القبض. كما ذكرنا لكم في الدرس الماضي أن القول الثاني في المذهب أنه لا يجوز بيع شيء من الأشياء كلها قبل قبضها، وأنه لا تلازم بين الضمان وعدم جواز التصرف.
إذا قلنا على القول الثاني أنه لابد من القبض في السيارة، فقد اختلف المعاصرون في ما يحصل به القبض؛ فقيل بتسليم المفتاح لأنه خلا بينه وبينها، وقيل بتسليم البطاقة الجمركية، ولعل هذا أقرب على القول الثاني. لماذا؟ لأن البطاقة الجمركية الأصلية كان في بعض المصارف سابقًا في مرابحة السيارات، الذي يأخذ تمويلًا من البنك لشراء السيارة، يبيعون له السيارة بصورة البطاقة الجمركية، والبطاقة مصورينها مئة صورة فيما يخص بيعها؛ لأنهم يعدون هذا بيعًا صوريًا فيجرون التورق. طبعًا هذا التصرف خاطئ، أقصد البيع هذا خاطئ لأنه بيعت السيارة أكثر من مرة. والشيء الثاني هذا التورق الذي يسميه المعاصرون "التورق المنظم"، وهو حيلة واضحة على الربا، لكن البطاقة الجمركية الأصلية ما في إلا واحدة، فهنا لو سلم البطاقة الجمركية الأصلية سلمنا من هذا المحذور، فيكون قد قبضها.
الحيازة ليست شرطًا، والنقل كذلك ليس شرطًا في هذا. قال: «ما لم يمنعه بائع من قبضه»، فإن منعه -مثل السيارة هنا- منعه صاحب المعرض، فمنع المشتري من استلام السيارة، ثم جاء حريق أو جاء لص سرق السيارة، فجاء المشتري قال: أين سيارتي؟ قال: سرقت، عوضك الله خيرًا. فهنا الضمان على من؟ على البائع؛ لأنه منع المشتري من قبضه فهو بمثابة الغاصب، لذلك قال: ضمنه ضمان غصب.
هنا في حاشية ابن قاسم تعليقًا على "ضمه ضمان غصب" صفحة 483، قال: «وهو أن يسلم المبيع للمشتري»، ترى سقطت كلمة "قيمة المبيع"؛ هو أن يسلم قيمة المبيع للمشتري؛ المبيع أصلاً تلف، كيف يسلمه؟ هو أن يسلم قيمة المبيع للمشتري بنمائه المتصل والمنفصل، هذا ضمان الغصب. وأيضًا لو كانت السيارة مثلاً، لو منعها أسبوعًا أو شهرًا، فللمشتري الأجرة، أجرة مدة بقائها في يده، فهذا من ضمان الغاصب، له القيمة وليست ثمنها، والقيمة والنماء أيضًا.
قال: «والثمر على الشجر والمبيع بصفة ورؤية سابقة من ضمان البائع». هذه الأشياء التي من ضمان البائع هي الستة التي تحتاج إلى حق توفية، يضاف إليها الثمر على الشجر. هذه مسألة مستثناة، يعني الفقهاء يقولون: كل ما لا يجوز تصرف المشتري فيه قبل قبضه فهو من ضمان البائع؛ هذه القاعدة، ولكن استثنوا الثمر على الشجر، فالثمر على الشجر من ضمان البائع، لكن يجوز للمشتري التصرف فيه. يعني شخص اشترى تمرًا على النخل، والتمر بدأ صلاحه لكن لم يتكامل صلاحه، فلو تلف -طبعًا سيبقيه حتى يتم صلاحه- لو تلف قبل أن يتم صلاحه، من ضمان من؟ من ضمان البائع؛ لأن في الحديث: «لو بعت من أخيك تمرًا فأصابته جائحة، استحمل أخيك بما تأخذ»؛ أي أخذ مال أخيك بغير حق، فهذا يعني النبي ﷺ نص عليه، لكن المشتري يجوز له التصرف في هذا الثمر قبل قبضه، فهذه مستثناة.
ومن تعين ملكه في موروث أو وصية أو غنيمة فله التصرف فيه قبل قبضه. قلنا سابقًا أن المنع من التصرف قبل القبض ذكره الفقهاء لأجل أن لا يتوالى الضمانان، هنا تستنتفي هذه العلة في تعين ملكه في الموروث. الآن مثلاً هو الوارث الوحيد لوالده، ووالده مات رحمه الله وترك له قطيعًا من الغنم مئة رأس، الآن تعين ملكه فيه، يعني لم يشاركه فيه غيره، كيف يقبضها؟ يقبضها بعده، هو لم يعدها، جاء اتصل عليه مثلاً صديقه وقال: سمعت أن أباك قد توفي وأن يوجد لديه قطيع من الغنم، سأشتريها منك، فقال: نعم بعتها عليك، وهو لم يقبضها حتى الآن، لم يعدها؛ فهنا يصح هذا التصرف.
تعين ملكه في موروث يعني لا يشركه أحد في هذا الموروث، سواء كان لا يشركه أحد أو عنده أحد، فكل يعني مثلاً هو وأخوه وكلاهما باع، فملكهما متعين في هذا الشيء، فله التصرف فيه قبل قبضه؛ قالوا لأنه غير مضمون عليه بعقد معاوضة. الآن هل يمكن أن يحيا الأب بعد وفاته ويقول أريد أن أرجع هذه الأغنام؟ لا، خلاص هذا منتفي، فلذلك قالوا ما فيه ضمان أن ينتقل، يعني يتوالى الضمان، ما فيه، فلذلك قالوا يجوز فيه التصرف قبل القبض.
وكذلك في الوصية، لو أوصى شخص لآخر مثلاً قال له: عشرة أصواع من التمر الذي عندي، فلم يقبضها، جاء باعها على غيره، هذا الموصى إليه، لما استحق الوصية -بمعنى مات هذا الموصي فاستحق هذه الوصية- فباعها على غيره قبل أن يقبضها، فيجوز له ذلك؛ لأنه لم يستحقها بعقد معاوضة، ولا يمكن أن يفسخ العقد الأول، فنقول يتوالى الضمانان، فانتقلت هذه العلة فجاز ذلك، وهكذا الغنيمة، وهذا قال الموفق بغير خلاف، وكذلك شيخ الإسلام رحمه الله ذكر أنه لا خلاف فيها.
قال المصنف رحمه الله: «ويحصل قبض المبيع بالكيل أو بالوزن أو بالعد أو بذراع بذلك الذراع»، لحديث عثمان يرفعه: «إذا بعت فكل وإذا ابتعت فاكتل» رواه الإمام. «وشرطه حضور مستحق أو نائبه، ويصح استنابة من عليه الحق للمستحق، ومؤونة الكيال والوزان والعداد ونحوه على البائع، ولا يضمن الناقد الحاذق الأمين خطأ».
«ويحصل القبض في صبرة وما ينقل كالثياب وحيوان بنقله، ويحصل القبض فيما يتناول كالجواهر والأثمان بتناوله، إذ العرف فيه ذلك. وغيره غير ما ذكر كالعقار والثمرة على الشجرة، قبضه بتخليته بلا حائل بأن يفتح له باب الدار أو يسلمه مفتاحها ونحوه، وإن كان فيها متاع للبائع قاله الزركشي. ويعتبر لجواز قبض مشاع ينقل إذن شريكه».
هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى ما يحصل به القبض لما ذكر؛ أن الأشياء الستة لا يجوز التصرف فيها قبل القبض وما عداه يجوز. ذكر ما يحصل به القبض فقال: المبيع بالكيل يحصل قبضه بكيله، جاء واشترى تمرًا عشرة صاع من التمر، فكالها له البائع، خلاص بمجرد كيل البائع لها قبضها، حتى لو ما جاء شالها إلى سيارته.
حتى لو لم يحملها إلى سيارته فإنه يعتبر قد قبضها، فإذا قبضها جاز له التصرف فيها. وكذلك الذي يباع بالوزن بوزنه كالحديد مثلا، والذي يباع بالعد كالشياه مثلا، أو الذي يباع بالذراع كالقماش ونحوه.
قال في حديث عثمان يرفعه: «إذا بعت فكن كائلاً، وإذا ابتعت فكن مكيلاً». قاله ابن فيروز رحمه الله تعالى. ولأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان؛ صاع البائع وصاع المشتري، فالبائع يكيله ثم إذا جاء المشتري أيضاً يبيعه بالكيل فإنه يكيله، فدل على أن هذا هو القبض.
قال: وشرط هذا في الكيل، ويقاس عليه الوزن والعد والذراع. وشرط الكيل هو القبض، أي القبض بالكيل ونحوه، وشرطه حضور مستحق أو نائبه، أي يحضر هذا الكيل ويترتب عليه. ولو كان البائع قبل أن يأتي المشتري لا يصح الكيل، ولا يصح البيع، ولا يصح القبض.
ما الممنوع هنا؟ الممنوع التصرف قبل القبض. جاء في المثال: قال البائع: هذه عشرة أصواع من التمر، فجاء المشتري وأخذها ولم يكلها، فقال البائع: أنا كيلتها قبل، هنا البيع صحيح ولا إشكال فيه، لكن الممنوع هو أن المشتري لا يجوز له أن يتصرف قبل القبض، فإذا أراد أن يبيع هذا التمر فإنه يكيله، المشتري يكيله ولا يكتفي بكيل البائع.
وعندهم تفصيل في المنتهى والإقناع فيما إذا صدقه أو لم يصدقه إذا بان ناقصاً نقصاً كبيراً أو نقصاً قليلاً، هذا التفصيل يرجع إليه هناك، لكن المقصود هنا أنه لابد إذا أراد أن يبيعه فإنه يكيله، حضور البائع والمشتري أثناء الكيل. ومن الذي يستحق الكيل؟ المشتري أو نائبه. طيب لو أناب المشتري البائع، قال: كِل لي هذا، صح ذلك؛ لأنه قال: ويصح استنابة من عليه الحق للمستحق.
جاء الآن المشتري وقال للبائع: خذ هذا المكيال وكِل لي به مثلاً ثلاث أصواع، هنا أناب المشتري البائع في الكيل، أي أنابه في القبض، فيصح ذلك، لأن الحق للبائع والمشتري. والعكس، أعطى البائع المشتري المكيال وقال: اكتل من هذه الصبرة قدر حقك ثلاث أصواع مثلاً أو خمس أصواع، ففعل فإنه يصح.
قالوا: ووعاؤه كيده، الوعاء للمشتري كيده؛ فلو أن المشتري هو الذي أعطى البائع وقال: كِل لي بهذا المكيال ثلاثة أصواع فكال له به، فقالوا إن هذا بمثابة القبض للمشتري لأن الوعاء للمشتري، فلو كان الوعاء للبائع فإنه لا يعد قبضاً.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى مؤنة الكيال والوزان والعداد على الباذل. وهو الآن في الكيل والوزن، من الذي يعطي السلعة لتكال؟ البائع فهو الباذل. ولو كان المشتري يشتري مثلاً بدنانير توزن، المشتري الآن سيدفع الدنانير وهي توزن، فمن الذي يدفع أجرة الوزان؟ المشتري، فكل يدفع، فهذا معنى قوله: «مؤنة الكيال والوزان والعداد ونحوه على الباذل»، فمن وجب عليه بذل شيء يتحمل تبعته، فمن تبعته وزنه أو كيله أو عده ونحو ذلك فيتحمل ذلك.
قالوا: لأن أجرة الكيال على البائع؛ لأن عليه تقبيض المبيع للمشتري، ولا يحصل التقبيض إلا بذلك، يعني هذا وسيلة لأمر واجب عليه، هو من يلزمه أن يقبض هذه السلعة للمشتري، ولا يمكن إلا عن طريق الكيل، والكيال يريد أجرة، فكانت على البائع لأنها وسيلة لأمر لازم له.
قال: ولا يضمن ناقدٌ حاذقٌ أمينٌ خطأ. طبعاً عندنا القاعدة أن الأمين لا يضمن إلا إذا تعدى أو فرط، فهنا يقول لا يضمن الناقد الحاذق الماهر الأمين الذي ائتمنه البائع أو المشتري، فإنه لا يضمن إذا أخطأ سواء كان متبرعاً أو بأجرة إذا لم يقصر لأنه أمين، فإن لم يكن أميناً أو لم يكن حاذقاً فإنه يضمن لأنه متعدٍ.
الناقد يبدو أنه الذي يميز الثمن، سواء كان الذهب أو الفضة مغشوشاً أو غير مغشوش، فلو قال إنه غير مغشوش ثم تبين أنه مغشوش، هل يضمن؟ هو طبعاً بذل ما عليه، فهنا لا يضمن. لكن لو كان الشخص ليس حاذقاً فصار فيه تقصير، أو ليس أميناً، معروف عنه أنه يميل مع أحد الطرفين، فإنه لا يعد أميناً فيضمن هنا.
ثم ذكر المؤلف قبض المكيل والموزون والمعدود والمذروع بكيله أو وزنه أو عده أو ذرعه، وقال: ويحصل القبض في صبرة وما ينقل بنقله. هذه الأشياء كلها يرجع فيها إلى العرف، والعرف في زمنهم أن الصبرة والأشياء المنقولة كالثياب والحيوان يحصل قبضها بالنقل.
قال ابن عمر: «كانوا يضربون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اشتروا طعاماً جزافاً أن يبيعوه في مكانه حتى يحولوه»، وهذا يبين لنا أن الكيل إنما وجب فيما بيع بالكيل، أما لو بيعت الصبرة بغير الكيل فإن قبضها يعتبر بنقلها.
هل نقول إن هذا يدل على أن الأصحاب يشترطون النقل للقبض؟ وما فائدة القبض في الصبرة وهم يقولون إنه إذا بيعت الصبرة فإنه لا يلزم القبض؟ الإشكال هنا في النص؛ هم الآن لا يرون وجوب النقل، فلما جاءوا إلى الصبرة قالوا يحصل القبض فيها بنقلها، بينما قبل قالوا إذا بيع الشيء جزافاً فإنه لا يشترط نقله.
إذا بيعت الصبرة بالكيل، فقبضها بالكيل وليس بالنقل، قبضها بالكيل. لكن هنا بيعت الصبرة جزافًا، وقالوا إن المبيع إذا كان جزافًا لا يجوز التصرف فيه قبل قبضه، وهنا قالوا لا بد فيها من قبضها بنقلها. فكيف التوفيق بين الكلام؟
يجوز له التصرف فيها قبل قبضها، وحقيقة أن القبض هنا غير مؤثر. لماذا ضبطوا القبض هنا ما دام أنه غير مؤثر؟ ولماذا يضبطونه ما دام يجوز للمشتري التصرف فيها قبل القبض وبعد القبض؟
الضمان يا شيخ؛ فالتصرف مرتبط بالضمان، ما دام أنه يجوز له التصرف قبل القبض فهي من ضمانه. والقبض ليس في البيع فقط، فعندنا في الرهن قبض، وفي السلم قبض، وفي القرض قبض، وفي الهبة قبض. لذلك قال في الغاية: «وتتجه فائدة هذا في رهن وقرض وهبة».
يعني أنها في البيع لا تستفيد منها، ويمكن أن يقال إن هذا مبني على القول الثاني بأنه لا يجوز بيع الأشياء كلها قبل القبض، لكن إذا قلنا لا، فهم لا يريدون القول الثاني، فترى فائدتها في غيرها، كالهبة مثلًا. الهبة تلزم بالقبض؛ بمعنى لو أن شخصًا وهب آخر شيئًا فلم يقبض، فيجوز للواهب أن يرجع.
وهبه حيوانًا، وهنا قال: «أو ما ينقل كالثياب وحيوان بنقله». فكيف نقول إنه قبض الحيوان؟ بنقله. أما في البيع، فأقول أصلًا لا يشترط أن يكون القبض الآن، وأقصد حيوانًا واحدًا معينًا لا يشترط القبض، فهنا ذكر لك ضابط القبض في الصبرة وما ينقل إلى آخره للإشارة إلى الأبواب الأخرى.
قال: «ويحصل القبض فيما يتناول كالجواهر والأثمان بتناوله»، إذ العرف فيه ذلك. قلنا لكم إن هذه كلها على العرف، فالقبض مطلق في الشرع فرجع فيه إلى العرف، كالإحراز في السرقة، والتفرق في خيار المجلس، فهذه كلها يرجع فيها إلى العرف.
قال شيخنا رحمه الله في منظومته: «وكل ما أتى ولم يحدد *** في الشرع كالحرز فبالعرف يحدد»
قال: «وغيره -أي ما غير ما ذكر كالعقار والثمرة على الشجر- قبضه بتخليته بلا حائل». فقبض العقار يكون بتخليته، ثم ذكر مثالًا لتخلية العقار، قال: بأن يفتح له باب الدار، فباع عليه بيتًا وفتح له الباب، يقول هذا قبض، أو سلمه مفتاحها، فهذا قبض، حتى وإن كان فيها متاع للبائع، فيعتبر هنا المشتري قد قبضه.
وهنا في حاشية ابن فيروز رحمه الله يقول: استشكل ذلك بعض المحققين في قوله «أو يسلمه مفتاحها»، محصل استشكاله أن ظاهره أنه لا يحصل القبض إلا بالفتح مع تسليمه المفتاح، وقد ذكروا أن المفتاح غير داخل في البيع إلا إذا نص عليه، إذ ذكروا في باب بيع أصول الثمار أن المفتاح غير داخل إلا إذا نص عليه، فكيف يقول هنا إن القبض بتسليم المفتاح؟
فأجاب عنه بأن الواو بمعنى «أو»، والمراد إما أن يفتحها، أو يسلم له المفتاح ليفتح بابه ويرجعه إليه، أو يتركه هبةً، فالمفتاح لا يدخل. طبعًا المفتاح لا يدخل في بيع أصول الثمار، وكل ما ذكر أنه يدخل ولا يدخل فراجع للعرف؛ ففي زمنهم المفتاح لا يدخل، وفي زمننا المفتاح ظرفي.
قال: «ويعتبر أن يشترط لجواز قبل قبض مشاع ينقل إذن شريكه». يعني مثلاً اثنان شريكان في ملكية سيارة، فجاء أحدهما ووهب نصيبه لثالث، الآن الثالث سيقبل هذه السيارة بأن ينقلها من مكان لآخر حتى يتحقق له القبض في الهبة، فلا بد من إذن الشريك؛ لأنه لا يمكن قبض البعض، فلا يمكن أن يقول أنا سأقبض النصف في هذه السيارة، فالسيارة واحدة ولا يمكن قبض البعض إلا بقبض الكل.
وذكر الأصحاب أنه لو أبى الشريك أن يأذن، فإنه يوكله المشتري في قبضه، أي يقول المشتري خلاص يقبض عنه، فإذا أبى المشتري أن يوكله أو أبى الشريك التوكل، نصب حاكم من يقبض العين لهما أمانة أو بأجرة، أو أجره عليهما مراعاة لحقهما.
طبعًا هذا المشاع الذي ينقل، أما المشاع الذي لا ينقل كالعقار، فإنه لا يشترط له إذن الشريك. ممكن لك عقار كالغراس مثلًا، لو أنهما كانا شريكين في مزرعة، فكل منهما له نصفها، هذا الغراس لا ينقل، فلا يشترط لقبضه إذن الشريك؛ لأنه يمكن قبضه بدون قبض جزئي لأن كل وحدة مستقلة عن الأخرى.
في القبض لا بد أن يأذن الشريك لهذا المشتري في القبض. قلنا لكم إن البيع ما يشترط له القبض، أما في المنقولات وفي الهبة مثلاً، فالهبة تلزم بالقبض، وكيف يقبضها الموهوب له؟ يقبضها بنقلها. لو جاب لي سائق باص، ورفض صاحبه -أي شريكه الذي لم يبع- أن يقود الباص، فلا بد من إذن. وهنا لا نتكلم عن الشفعة، فالشفعة في المذهب لا تجري هنا لأنه منقول، والمذهب في الشفعة في غير المنقول.
يسأل عن التصنيع، يقول: لو كان هناك شخص اتفق مع مصنع خارجي في أن يصنع له علب ماء أو كرتونًا بـ 10 ريالات، ويطلع له بـ 12 ريالًا، ففي أثناء التصنيع والعلب في المصنع، طرحها لمجموعة من التجار، قال: من يريد أن يشتري الآن سيكون بـ 5 ريالات، فهو يستفيد من المبلغ الذي سيدفعونه ويدفعه للمصنع هناك، فهل يجوز هذا أو لا؟
حقيقةً العقد الذي بينه وبين المصنع هو عقد تصنيع، والتصنيع يأخذ حكم السلم. وطبعًا الاستصناع فعل المذهب أنه لا بد أن تتوفر فيه شروط السلم، ومن شروط السلم قبض الثمن في مجلس العقد، فبناءً عليه فإن الاستصناع هذا لا يجيزه على الوضع الحالي إلا الحنفية، الذي نفعله نحن؛ حيث إن الشخص يفصل مطبخًا ويدفع عربونًا، والباقي عند التركيب.
أترانا المذهب ما يجوز، أنه استثنى ومن شروط الاستثناء؛ الاستثناء يأخذ حكم السلم، فمن شروطه قبض الثمن في المجلس قبل التفرق، لكن على المذهب الحنفي يجوز، فهذا يجوز على مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى.
هذا الجزء الأول من السؤال: هنا هل يجوز له أن يبيع هذه السلع من صوف الدين؟ هل يكون ملكها بموجب العقد؟ لا أدري، استثناء قبضها لما ملكها، قبضها ملكها هذا في الميت يجب الملك، ثبت في ذمته.
هنا إذا أجلت هذه السلع، فهي أقرب لباب السلم. يبدو والله أعلم أنه إذا جاءنا نخرجها على المذهب، فإذا باعها على غيره وهو لم يستلمها حتى الآن، يكون بيع السلم على غير من هو عليه؛ أن يبيعها على غير من هو عليه، أنا كنت أتأمله فيها، ويبدو والله أعلم أنها تدخل في بيع السلع على غير من هو عليه.
يقول: هل يوجد قول في المذهب بأن كل سلعة لا يصح بيعها قبل قبضها، أو هو قول خاص بالمذهب؟ بل هو قول في المذهب وذكرناه في الدرس الماضي، هو رواية عن الإمام أحمد رحمه الله، واختيار شيخ الإسلام رحمه الله تعالى. وعلى هذا القول، يقول في عسل حاضر إذا اشترى سيارة ثم باعها قبل أن ينقل ملكيتها باسمه لا يصح بيعه، مع كونه يأخذ المفتاح وينقل السيارة.
هذه تكلمنا عنها، والسائل كتب السؤال قبل أن نتكلم عنه، وقلنا إن من المعاصرين من قال إن القبض يكون بنقل... بتسليم المفتاح، ومنهم من يقول إنها باستلام البطاقة الجمركية، ومنهم من يقول بتحريكها من مكان لمكان آخر؛ يعني في المعرض لو حركها يكون قد قبضها.
هذه المسألة مشكلة فعلًا، وفيه نص حتى يحوزها التجار، فلماذا يقولون بأن القبض يكفي فيه الكيل والوزن دون النقل؟ أخذوا عدة أحاديث، منها هذا الحديث: «إذا اشتريت فكل ولا تبع حتى تكتال». وأيضًا حديث جابر في بيع البعير، وابن عمر في بيع... لما أهداه عندما كان ابن عمر راكبًا على بكرٍ لعمر رضي الله عنه، فكان يسبق النبي صلى الله عليه وسلم، فالنبي صلى الله عليه وسلم يزجر ابنه عن ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: «لعلك تبيعني هذا البكر؟»، فقال: «لا، هو لك يا رسول الله هبة»، فالنبي صلى الله عليه وسلم وهبه لابن عمر، قال: «هو لك يا عبد الله فاصنع به ما شئت»، فوهبه له قبل القبض، فهذا مما استدل به الأصحاب رحمهم الله تعالى على ذلك.
ما توجه الأصحاب في الروايات التي فيها إما التصريح بأن جميع السلع لا تباع قبل القبض، كقول ابن عباس عند البخاري: «لا أحسب كل شيء إلا مثله»، أو أن القبض لا بد فيه النقل؟ هذه ذكرنا في السؤال الذي قبله جواب ذلك، وأن الأصحاب أخذوا ببعض الروايات التي فيها. طبعًا قول العباس «لا أحسب كل شيء إلا مثله» وهذا تفقه منه رضي الله تعالى عنه، وإلا في الحديث «من ابتاع طعامًا»، وقلنا في الدرس الماضي إن الأصحاب رحمهم الله تعالى حملوه على المكيل والموزون؛ لأن غالب الطعام إما مكيل أو موزون، فحملوه على ذلك، قالوا إنه نظروا إلى العلة وأنه يحتاج إلى توفية، فعدوا الحكم إلى كل ما يحتاج إلى توفية.
ذكرنا في الدرس الماضي مثل العبد الكثير، يعني بيع العبد بالعد؛ إن قال اشتريت منك عشرة عبيد، أو بيع العبد بصفة، يعني بعبد غائب، البيع بالصفة أو بالرؤية السابقة، فكله يصلح مثلاً، ثم أعتق فيصلح مثالاً على هذا. أما قوله كعبد إذا باعه وحده، ليس معدودًا، وكان معينًا ليس أيضًا غائبًا بالصفة أو بالرؤية السابقة.
طبعًا نسينا أن نذكر في زمننا الآن في نظام المعاملات المدنية؛ اشترط في بيع العقار توثيق كتابة، فلا يتم، وحتى الهبة لا تتم إلا بالكتابة. سابقًا كان يقول: أنا وهبت ولدي أو وهبت زوجتي هذا العقار ولا يكتب، فتأتي ترفع دعواها وينكر أحيانًا أو يكون متوفى والورثة فلا يعلمون، فأصل النظام أقفل هذا وقال لابد من كتابة، ما في كتابة لا يصلح قضاءً، أما ديانةً عنده فهذا أمر آخر.
في القضاء قد يقول قائل: كيف وهب والمرأة مثلاً قبضت؟ طبعًا هذا في العقار فقط. كما قال عمر بن عبد العزيز: «تحدث الناس من الأقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور». من رأى كثرة مثل هذه القضايا حتمًا أن الناس يحتاجون إلى سن أنظمة تمنعهم من التحايل.
الهبة في هذا، أن تقصد أنه لا يكون فيه ضريبة؛ لعلهم لأجل الضريبة، لأن الهبة ليس فيها ضريبة فيتحايل بعض الناس، فيقولون هذه هبة لأجل أن يهربوا من الضريبة، لعلهم لأجل ذلك، ولا هو في نظام المعاملات المدنية ما اشترط هذا، لكن هذا يمكن في نظام الضرائب، هم اشترطوا التوثيق نظامًا، لا تقبل، لابد أن يوثقها نظامًا.
أنا هذا كله طرحت فيه مشاكل كثيرة لا عد لها ولا حصر، وبيع العقار، وعقارات المنح قبل التخصيص، هذه لا عد ولا حرج في القضايا التي نشأت منها.
من ضمن الحفظ: ضابط المثلي؛ المكيل أو الموزون الذي لا صناعة فيه، مباحة، ما يجري فيه السلم. المثلي تقصد؟ أيوه، طبعًا هذا التعريف هو المشهور في المذهب، وفي تعريف آخر للمثلي وهو ما يوجد مثله أو ما يقاربه، وهو الذي أخذ فيه نظام المعاملات المدنية، هذا الثاني.
يعني مثلا لو أردنا أن نطبق ضابط المذهب، طبعًا الضابط كان على ما كان معروفًا في عصرهم، فالمصنوعات الآن كلها ليست مثلية، لكن في عصرنا المصنوعات الآن أدق من المكيل والموزون؛ يصنعون لك مثلاً فناجين قهوة، لو أتلفها على المذهب أنك تلتزم قيمتها، لكن إذا قلنا ما يوجد مثلها أو ما يقاربه، يوجد مثلها كثير، فيلزمكم مثله. والله أعلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. السلام عليكم.
ورحمة الله وبركاته.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان