دخولتسجيل الدخول

كتاب البيع 23 | فصل في التصرف في المبيع قبل قبضه 1

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وعملاً صالحاً يا كريم. أما بعد، فنحمد الله عز وجل على ما منَّ به من عودة هذا الدرس بعد انقطاع الإجازة، وأسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا.

مما يوصى به في بداية هذا الدرس أن يجاهد الإنسان نفسه على إخلاص النية لله تعالى؛ فإن الإخلاص هو إكسير الأعمال. فمن لم يخلص فلا يتعب؛ لأنك إذا أجهدت نفسك بالعمل بلا إخلاص حصل لك التعب في الدنيا، وبؤت بخسران في الآخرة والعياذ بالله. وقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه ثلاثة» -وفي الرواية الأخرى: «أول من تسعر بهم النار ثلاثة»- وذكر منهم -فيما يخص طلب العلم- رجلاً تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن، فأتي به فعرفه نعمَه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن. قال: كذبت، ولكنك تعلمت ليقال هو عالم، وقرأت ليقال هو قارئ، فقد قيل. ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار والعياذ بالله. فعملٌ إذا أخلصت فيه رفعك في أعلى عليين، وإذا فقدت الإخلاص فيه جعلك في أسفل سافلين.

هذا لا يعني أن يقول الإنسان: ما دامت العاقبة في ترك الإخلاص وخيمة فسأترك طلب العلم وتعليمه. لا نقول هذا، بل أقدم وأخلص وجاهد نفسك على الإخلاص؛ فكما جاء عن سفيان رحمه الله أنه يقول: ما جاهدت شيئاً أشد علي من نيتي، وذلك لأن الإخلاص عزيز. وجاء عن بعض السلف أنه قال: طلبنا العلم لغير الله، فأبى أن يكون إلا لله. يعني أنهم في أول طلبهم للعلم قد يحصل لهم بعض المنافسات التي تكون بين الأقران، وقد يحب أن يعلو ويرتفع قدره وذكره ويكون لقوله صيت، لكنه إذا توغل في العلم ووفقه الله عز وجل قبل كل شيء، فإنه يدله هذا الطلب للعلم على أهمية الإخلاص وأهمية العناية به، فيصحح نيته وقصده، وهذا معنى قول مجاهد وغيره: طلبنا العلم لغير الله، فأبى أن يكون إلا لله.

ومما يوصى به أيضاً مراجعة العلم، فلا يقتصر الإنسان في طلبه على الدروس التي يحضرها، سواء كان يحضرها مباشرة أو يستمع إليها استماعاً، لا يقتصر على ذلك، بل يكرر إما قراءة أو اجتماعاً، ويبحث. وإذا أشكل عليه شيء فلا يقل: هذه لفهمها سأتجاوزها. نعم، بعض المعلومات قد لا تفهمها على الوجه المطلوب إلا بفهم مقدمات قبلها، فلا بد من فهم المقدمات، وإذا لم تفهم المقدمات وجئت تحاول أن تفهم فقد يستعصي عليك الفهم. ولذلك لو قرأت في بعض كتب شيخ الإسلام رحمه الله تعالى -مثل الجواب الصحيح، أو درء التعارض، أو منهاج السنة- تجد، وخاصة كتب الاعتقاد الموسعة، تجد شيخ الإسلام رحمه الله أحياناً يذكر مسائل في علم الكلام قد لا تفهمها على الوجه المطلوب، لكن هذا لا يجعلك تنصرف عن قراءة كتب الشيخ رحمه الله، بل احرص على قراءتها، وما أشكل عليك فاحرص على أن تتفهم المقدمات؛ فمقدمات علم الكلام وعلم المنطق تفيدك في فهم كلام الشيخ رحمه الله وما يرمي إليه. وهكذا في كتب الفقه، تجد بعض المسائل قد تستغلق عليك، فحاول أن تفهمها بمراجعة بعض الشروح الأخرى التي قد يكون الكلام فيها أكثر بسطاً؛ فعندنا مثلاً "الروض" هذا شرح من الشروح المختصرة، أشكل عليك شيء في الروض بعبارة مستغلقة، ممكن أن تستوضح في إحدى الحواشي، وممكن أن تستوضح إذا رجعت إلى شروح أوسع، مثل "كشاف القناع" أو "شرح المنتهى"، فهي أوسع نوعاً ما، فتستوضح عبارة الروض.

أيضاً مما يحرص عليه الطالب تدوين الفوائد، وليجعل له كناشة خاصة، إما مكتوبة في دفتر أو مكتوبة في جهازه، لكن إذا كان يكتبه في جهازه فليحرص على حفظ أكثر من نسخة؛ لأجل لو تلف أو ضاع ونحو ذلك، إلى أن تكون هناك نسخ أخرى محفوظة. ومن هذا يذكر في حفظ أكثر من نسخة: الشيخ البيان الدبيان وفقه الله له موسوعة أحكام الطهارة، وموسوعة المعاملات المالية في تقريباً عشرين مجلداً، لما كان يكتب في موسوعة المعاملات المالية -تقريباً ما يقارب أربع أو ست مجلدات، كلام قديم قبل قرابة خمس عشرة سنة أو أكثر- كان كتبه في جهازه، وجهازه كان في استراحته، فمرة جاء إلى الاستراحة وإذا الجهاز تالف، فضاع ما احتفظ به إلا في هذا الجهاز، ولم يكتب في أوراق أخرى، فاسترجع وبدأ من جديد، ويقول: فتح علي في بعض المسائل ما لم أكن توصلت له في الكتابة الأولى، وأخذ درساً أنه يحفظ في أكثر من مكان في الجهاز. وهكذا الإنسان في تدوين الفوائد يحرص، إذا كانت كتابته يدوية فالأمر سهل، أما إذا كانت الكتابة إلكترونية فيحرص على أن لا يحتفظ به في مكان واحد، لأجل أنه قد يعطب الجهاز ونحو ذلك، فيذهب عليه ما قيده.

ويحرص على مراجعة الفوائد بين فترة وأخرى. وهذه الفوائد وهو يسجلها في دفتره، قد يقرأ عن مسألة متعلقة بهذه الفائدة التي قيدها في كتاب آخر، فيكون فيها مزيد على ما قيده، فيرجع إلى الفائدة ويشير إلى هذا النقل الذي في الكتاب الآخر. وحتى هذا النقل الذي في الكتاب الآخر يقيد عليه؛ مثلاً مرت عليه مسألة في طهارة لحم الإبل، ونقض الوضوء بأكل لحم الإبل، والخلاف فيها، وجد أن بعض العلماء ذكروا أن القول بعدم انتقاض الوضوء بلحم الإبل هو قول الخلفاء الراشدين، تقيد هذه المسألة. يجد في كتاب آخر القول بأن نسبة القول بعدم نقض الوضوء بأكل لحم الإبل لأبي الخلفاء الراشدين فيه نظر، وإنما المنقول عنهم أنه لا يتوضأ مما مسته النار، وهذه مسألة أخرى، فيقيد هذه الفائدة، ويرجع للكتاب الأول ويكتب أن هذه النسبة فيها نظر، وينظر الكتاب الفلاني. وهكذا تجتمع لديه حصيلة علمية جيدة في هذه المسائل.

وفي تقيده كذلك أحياناً في بعض الكتب أو بعض الدروس، تجد فائدة قد لا تجدها في غير هذا الكتاب، فائدة عزيزة، فائدة نادرة، أو تسمعها من الشيخ الملقي، فيقيده. فيجتمع لديك كناشة منوعة الفوائد. كان شيخنا العثيمين رحمه الله قديماً يقيد الفوائد التي تمر عليه، فيها ضوابط ويعلق على بعضها، ونشر وطبع الكتاب "المنتقى من فرائد الفوائد" رحمه الله، وفيها فوائد نفيسة جداً في مختلف الفنون، تجد فيها فوائد أصولية، فوائد عقدية، فوائد فقهية، فوائد في التفسير، فوائد في الحديث منوعة. وهكذا قبله ابن القيم رحمه الله في "بدائع الفوائد" وفي "الفوائد"، وابن الجوزي في "صيد الخاطر"، وغيرهم، هذا مسلك سلكه أهل العلم. الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله له كتاب "النظائر"، يجمع مسائل متشابهة، يجمع في النظائر مثلاً العلماء الذين لم يسبق لهم الزواج، وجمع مقالات علمية أو أمثال علمية ونحو ذلك، فيجمع النظير إلى نظيره، وهذا مسلك جيد ويفيد طالب العلم في تثقيفه وفي توسيع مجال العلم ومجال الفهم عنده. أسأل الله للجميع التوفيق والسداد.

وقفنا عند أننا أنهينا باب الخيار، وتوقفنا عند فصل في التصرف في المبيع قبل قبضه وما يحصل به القبض.

نعم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومولاه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين. قال المؤلف رحمه الله: (صح البيع ولزم بالعقد حيث لا خيار، ولم يصح تصرفه فيه ببيع أو هبة أو إجارة أو رهن أو حوالة حتى يقبضه، لقوله صلى الله عليه وسلم: «من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يستوفيه» متفق عليه. ويصح عتقه، وجعله مهراً، وعوض خلع، ووصية به. وإن اشترى المكيل ونحوه جزافاً، صح التصرف فيه قبل قبضه، لقول ابن عمر رضي الله عنهما: مضت السنة أن ما أدركته الصفقة حياً مجموعاً فهو من مال المشتري).

أحسنت. لما أنهى المؤلف رحمه الله تعالى الكلام عن الخيار، والخيار تابع للبيع لأنه يتعلق بالبيع اللازم، ذكر هنا ما يتعلق بالتصرف في المبيع قبل القبض. عندنا المشتري إذا اشترى سلعة -زيد اشترى سيارة مثلاً من عمرو- فقبضها، استلم السيارة، الآن له التصرف فيها، هذا ما في إشكال؛ لأن تصرف فيها ببيع أو هبة ونحو ذلك من آثار الملك، فملكه وقبضه، وله أن يتصرف. إذا كان قبل العقد، زيد ما اتفق مع عمرو على شراء السيارة، جاء زيد ووهب سيارة عمرو لمحمد، ما تعاقد ولا قبض، السيارة عند عمرو، فهل يصح التصرف؟ لا يصح التصرف، تصرف فضولي، حتى قال: حتى لو أجازه فيما بعد فلا يصح على المذهب. إذاً، هذا قبل العقد لا يصح بلا إشكال. بعد العقد والقبض، هذا يصح بلا إشكال.

عندنا بينهما؛ بعد العقد وقبل القبض. أولاً البيع يتم بإيجاب وقبول، إذا قال زيد لعمرو: أريد أن أشتري منك السيارة، أو قال عمرو لزيد: بعت عليك سيارتي بخمسمائة ألف ريال، قال زيد: قبلت، تم العقد بإيجاب وقبول، حتى لو لم يسلم هذا ثمنه ولم يسلم هذا السيارة. الآن العقد تم بإيجاب وقبول، فصارت السيارة ملكاً للمشتري الآن حتى لو لم يدفع ثمنها، والعقد يكون لازماً؛ بمعنى لو قال عمرو لا، أنت في خيار المجلس، فجاء زيد وقال لعمرو: أعطني السيارة، فليس له ذلك إلا إذا قال زيد، لكن لو لم يقل فليس له ذلك. قال: طيب ما كتبنا عقداً؟ نقول: الكتابة ليست شرطاً وليست واجبة، الكتابة مستحبة والإشهاد مستحب، فتم البيع بإيجاب وقبول، والقبض وتسليم الثمن هذا من تتمات البيع وليس واجباً فيه، أي ليس شرطاً في صحته.

هنا ذكر لك: من اشترى مكيلاً ونحوه، وهو الموزون والمعدود والمذروع، صح البيع، صح البيع ولزم بالعقد حيث لا خيار، هذا في كل شيء في المكيل وغير المكيل، لكن هو صح البيع في كلها ولزم بالعقد حيث لا خيار، هذا في كلها. الأمر الثالث: لم يصح تصرفه فيه حتى يقبضه، وهذا خاص بالمكيل والموزون وما عطف عليه. إذاً، الذي اشترى شيئاً، نقول: العقد يلزم ويصح بمجرد الإيجاب والقبول، فينتقل الملك للمشتري بمجرد العقد، وهذا ذكره شيخ الإسلام رحمه الله إجماعاً على أن بعضهم ذكر رواية في المذهب أنه لا ينتقل بمجرد العقد بل بالقبض، لكن الشيخ رحمه الله ذكر الإجماع على صحته وانتقال الملك، لكن لزوم العقد فيه خلاف؛ لأن بعضهم قال لا يلزم إلا بالقبض، بمعنى أنه لو لم يقبض فللبائع أو للمشتري أن يتراجع عن إتمام العقد.

قال: "حيث لا خيار"؛ فإن وجد الخيار فهل نقول لا يصح العقد أم لا يلزم العقد؟ إن وجد الخيار فالعقد غير لازم، بمعنى أن لكل من الطرفين أو لمن له الخيار التنازل أو التراجع عن العقد.

نأتي إلى الحكم الثالث وهو التصرف فيه قبل قبضه، وقال: "من اشترى مكيلاً ونحوه". ونحوه، قال لك المؤلف البهوتي: هو موزون ومعدود ومذروع، هذه أربعة: مكيل، موزون، معدود، مذروع، وسياتينا بعد قليل قسمين أيضاً: المبيع بالصفة والمبيع بالرؤية السابقة. فهذه الست فقط على المذهب التي لا يصح للمشتري التصرف فيها قبل القبض. المكيل إذا بيع بالكيل، فلو بيع بغير الكيل صح التصرف قبل قبضه. مكيل مثل الثمار، مثلاً التمر، إذا بيع بالكيل، الكيل بالصاع ونحوه لا بالوزن ولا بالعد، مثلاً يقول: كرتونين تمر، ثلاث كراتين تمر، لكن بالكيل، أي أداة تقيس الحجم لا الوزن، أي الثقل. فإذا بيع التمر كيلاً فنقول لا يصح للمشتري التصرف فيه قبل قبضه، والقبض سياتينا في كلام المؤلف أن قبض المكيل يكون بكيله. فالمكيل، الموزون مثل الحديد مثلاً، اشترى حديداً، طن حديد.

المكيل مثل التمر اشتراه بالكيل، وليس المراد الثمن مكيلاً. لا، اشتراه بموزون، اشتراه بالوزن، بمعنى الحديد اشتراه بالطن مثلاً، لكن لو قال اشتريت منك مثلاً ثلاث صفائح حديد، هذه الصفح مربعات الحديد بدون وزن، فهنا نعم هذا معدود، لكن لو اشترى حبة واحدة، حبة واحدة هذه ما صارت مكيلاً، طيب. فإذا اشترى الحديدة بغير الوزن صح التصرف فيها قبل، قبل المعدود. المعدود مثل اشترى مثلاً خمس شياه، قال اشتريت منك مثلاً، عنده مثلاً هذا قطيع مئة شاة، قال اشتريت منك هذه المئة شاة، ما قال اشتريت هذا القطيع على أنه مئة شاة، لا، هذا القطيع على أنه مئة شاة، فهنا هذا معدود، هذا معدود. المذروب اشتريت منك مثلاً هذا القماش، هذه الأرض على أن مساحتها كذا فهذا مذرع، مبيع بالصفة؛ فهذا لابد من ذرعه لكي يصح له التصرف، لكن هو متى ملكه؟ ملكه من حين العقد. طيب، ما الأثر؟ نقول ملك الحين العقد، لكن لا تصرف قبل قبضه، أحسنت. إذا ملكه، فالنماء له، ملكه فالنماء له.

بمعنى لو كان مثلاً اشترى مئة شاة، هذه معدودة، فبمجرد الشراء صارت في ملك المشتري، والبائع قال للبائع: أنا سأجهز لها حوشاً، يمكن بعد أسبوع يصير الحوش جاهزاً، فالبائع كان في هذا الأسبوع يبيع من حليبها، كان من قبل يبيع من حليبها، فقبل كان يبيع من حليبها، ثمن الحليب له، لكن بعد البيع لما كان يبيع الحليب في هذا الأسبوع، ثمن الحليب للمشتري؛ لأن الحليب نماء ملكه، فيصير الثمن للمشتري. المبيع بالصفة كما لو قال: بعت عليك مثلاً سيارة عندي أوصافها كذا وكذا وكذا، فهذا مبيع بالصفة، فمن حين التعاقد تم العقد، صارت السيارة في ملك المشتري، لكن ليس للمشتري أن يتصرف فيها حتى يقبضها. طيب، المبيع بالرؤية السابقة مثلها، لكن قال: بعت عليك سيارتي التي رأيتها قبل أسبوع، فيصح العقد، لكن لا يصح للمشتري أن يتصرف فيها حتى يقبضها.

إذاً هذه الست، ويعبر عنها الأصحاب بأنها ما يتعلق به حق توفية، ما يتعلق به حق توفية، يعني أن البائع لكي يسلمها للمشتري، يستوفيها له. يعني مثلاً المكيل قال: اشتريت منك مثلاً ثلاثة أصع من التمر، عنده مثلاً مئة صاع، فالآن سيحرز له ثلاثة أصع، فهذا هو التوفية، ومثله الموزون والمعدود والمذرع والمبيع بالصفة والمبيع بالرؤية السابقة. طبعاً الكلام طويل جداً في هذه المسألة في كتب الأصحاب الخلافية، أقصد مثل الإنصاف والمغني ونحو ذلك، الخلاف فيها طويل بين الأصحاب رحمهم الله تعالى في تحديد ما لا يجوز للمشتري التصرف فيه قبل قبضه، وأيضاً تحديد التصرفات التي لا يجوز للمشتري التصرف فيها قبل القبض، وأيضاً ذكر العلة في المنع، لأن العلة في المنع هي التي تترتب على الخلاف في ما الذي يمنع منه المشتري.

فالذي ذكر لكم المؤلف هنا هو المذهب، هو المشهور في المذهب، أن السلعة المكيل إذا بيعت بالكيل، والموزون إذا بيعت بالوزن، وهكذا، وهناك قول آخر في المذهب أن المكيل مطلقاً، سواء بيع بالكيل أو لا، والموزون مطلقاً، فالأقوال متقاربة. ومن الأصحاب رحمهم الله تعالى من قال: لا، هو الذي لا يجوز التصرف فيه قبل قبضه هو المطعوم فقط، للحديث الذي استدل به المؤلف: «من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يستوفيه»، والأقوال كثيرة كما قلنا عند الأصحاب رحمهم الله تعالى، لكن هذا الذي ذكره المؤلف هو المشهور من المذهب.

والزركشي رحمه الله في شرح الخرقي ذكر، حاول أن يضبط هذه المسألة، فذكر أن المبيع ضربان: متميز، متعين، وغير متميز، مبهم. وذكر أن كل واحد من الضربين يدخل تحته نوعان، فالمبيع كلاهما أحياناً يتعلق به حق توفية وأحياناً لا يتعلق به حق توفية، فصارت أنواعاً أربعة: مبهم يتعلق به حق توفية، ومبهم لا يتعلق به حق توفية، ومتعين يتعلق به حق توفية، ومتعين لا يتعلق به حق توفية.

فالمبهم الذي يتعلق به حق توفية، كما لو قال: اشتريت منك قفيزاً من هذه الصبرة، عنده صبرة من البر أو من التمر، قال: اشتريت منك قفيزاً، فهنا هذا مبهم غير متعين، ما قال هذا القفيز، مبهم، وأيضاً تعلق به حق توفية، يعني لابد من البائع أن يحرز، يخرج له هذا الذي اشتراه، فيقول: إن هذا لابد فيه من القبض، لا يصح للمشتري أن يتصرف فيه قبل القبض قولاً واحداً عند الأصحاب. بعضهم ذكر أنه رواية واحدة، وقال: إن في كلام الموفق رحمه الله ما يوحي بأن في المسألة رواية ثانية، قال: لكن لا يتابع عليه، لا يتابع هذا.

إذاً النوع الأول، النوع الثاني مبهم لا يتعلق به حق توفية، مثل لو قال: بعت عليك نصف هذا العبد، نصف هذا العبد مشاع، مبهم، لكن لا يتعلق به حق توفية، ما يجي ويقول: خلاص نص العبد الأعلى إذا سأسلمه لك، فيقول: هذا مبهم لكن لا يتعلق به حق توفية، هل الآن المشتري إذا أراد أن يشتري نصف العبد هل لابد من قبضه أو لا يلزم؟ يقول في قولان في المبهم. طيب، ننتقل إلى المتميز، المتعاين، يقول هناك متميز يتعلق به حق توفية، مثل لو قال: اشتريت منك هذا القطيع، كل شاة بدرهم، فهو متميز بمعنى أنه معين بالرؤية، لكن كم؟ ما يدري، قد يكون مئة رأس، قد يكون مئة وخمسين، قد يكون خمسين رأساً، ما يعلم إلا بتوفيته بعده، فهذا يقول: لابد فيه من القبض، لابد فيه من القبض لكي يتصرف فيه المشتري. ومتميز لا يتعلق به حق توفية، هذا النوع الثاني من القسم الثاني، كالعبد قال: اشتريت منك هذا العبد، هو متعين ولا يتعلق به حق توفية، فهنا المشهور جواز التصرف فيه قبل قبضه؛ لأنه لا يلزم ولا يتعلق به حق توفية. فإذاً هذه الأقسام ذكرها الزركشي رحمه الله تعالى.

حق التوفية بمعنى أنه يميزه عن غيره، العبد إذا قال أصلاً الشخص هذا ما عنده إلا عبد واحد فهو متميز، اشتريت منك هذا العبد، فهو متميز فلا يلزم به حق توفية. طيب هنا يقول: لا يصح تصرفه فيه ببيع، مثل لو جاء وقال: اشتريت منك ثلاث أصع من التمر، قال: حسناً، قبل أن يكيل له، قال المشتري لشخص ثالث: بعت عليك هذه الأصع التي اشتريتها من البائع، فهل يصح له ذلك؟ لا يصح، لماذا؟ لابد من القبض، لم يتم القبض حتى الآن. طيب لو أن البائع كالها وأحرزها وقال: هذه تمرك، لكن ما أخذه وخرج به، قال: بعت عليك التمر الذي اشتريته من فلان، هل يصح؟ يصح قبضه بالكيل، لا يصح، لماذا؟ آه ما حاز، المذهب عندنا ما يلزم الحيازة، المذهب عندنا الذي ذكرت هو أحد الأقوال، لكن المذهب عندنا أنه لا يلزم الحيازة فيصح؛ لأنه قبضه، وقبضه بكيله.

أو هبة، طيب ببيع، قالوا حتى ولو لبائعه، قالوا حتى لو البائع، يوم اشترى منه هذه الثلاث أصع وهو لم يكلها له حتى الآن، قال: خلاص بعت عليك هذه الثلاث، فهل يصح؟ لا يصح، لماذا؟ لم يقبض، النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يستوفيه». الأصحاب رحمهم الله تعالى استدلوا بالحديث، والحديث في من ابتاع طعاماً، بماذا؟ طيب، ما قالوا أن الذي لا يصح التصرف فيه قبل قبضه هو الطعام، ماذا قالوا؟ مكيل، موزون، معدود، مذرع، مبيع بصفة، رؤية سابقة. نعم، كيف العلة؟ أحسنت، يعني يقولون إن الطعام لا يخلو، يعني نحن لماذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الطعام؟ لأنه يحتاج إلى توفية، لذلك قال: يستوفيه، والطعام لا يخلو إما أن يكون مكيلاً أو موزوناً أو معدوداً، فتعلق الحكم بذلك كتعلق ربا الفضل، ربا الفضل سيأتينا أنه في الطعام إذا كان، أو نعم، ربا الفضل أنه في المكيل والموزون، في المكيل والموزون.

قلنا إن مشهور المذهب أنه لا يصح بيعه ولو على بائعه، عندنا في مسألة كبيرة وهي علة النهي، هنا وعلة النهي هي التي ترتب عليها، علة النهي عند الأصحاب ذكر وتتابع عليها، وهي خوفاً من توالي الضمانين، حذراً من توالي الضمانين. كيف؟ الآن في مسألة شراء الشخص التمر من البائع، اشترى ثلاثة أصع من التمر لكن لم تكَل حتى الآن، طيب، جاء الآن إذا ما كِيلت حتى الآن فهي من ضمان البائع، طيب جاء هذا الشخص وباعها على غيره قبل أن يستلمها، إذا باعها على غيره، الأصل أن الضمان ينتقل إليه، طيب كيف ينتقل الضمان إليك وقد جئت بالتمر قبل أن يستلمه المشتري الجديد من البائع؟ تلف التمر، من الذي يضمن؟ هل المشتري الأول ولا البائع؟ الآن في ضمانان، فلذلك قال الأصحاب: يمنع لأجل أن نخرج من هذا المحذور، حذراً من توالي الضمانين، ولذلك الضابط عندهم أن ما كان من ضمان البائع فلا يجوز للمشتري التصرف فيه قبل القبض، وما كان من ضمان المشتري فيجوز التصرف فيه قبل القبض.

طيب، كيف يعني؟ هم عندهم هذا مرتبط، جواز التصرف مرتبط بالضمان، هذا القول الذي سار عليه المشهور أو سار عليه الأصحاب في المعتمد عندهم أن يوجد تلازم بين الضمان وجواز التصرف، فإذا كانت السلعة من ضمان البائع فلا يجوز للمشتري التصرف فيها قبل القبض، وإذا كانت من ضمان المشتري فيجوز التصرف فيه قبل القبض، فيكون الأشياء الستة هذه من ضمان البائع قبل أن يقبضها المشتري، ما تنتقل للمشتري إلا بالقبض، فلذلك لا يجوز للمشتري التصرف فيها قبل القبض، واضح؟ طيب، هذا هو المشهور من المذهب. الشيخ الإسلام، أو قبل شيخ الإسلام، ابن عقيل رحمه الله، شيخ الإسلام والزركشي وابن رجب ينازعون في التلازم، هذا يقولون لا تلازم، لا تلازم، فقد يكون الشيء من ضمان المشتري ولا يجوز له التصرف فيه، وبالعكس، قد يكون من ضمان البائع ويجوز للمشتري التصرف فيه. في مسألة يعني يسلم بها الأصحاب، المشهور عندهم، الثمر على رؤوس الشجر، ثمر على رؤوس الشجر، الآن اشترى شخص ثمراً بدا صلاحه لكنه لم يتم، لم يستوِ بعد، فيبقى إلى أن يتكامل صلاحه، الآن إذا أبقاه قبل أن يتكامل صلاحه هو من ضمان البائع حتى يسلمه للمشتري، المشتري يجوز له في هذه الحال، حتى على كلام الأصحاب، الأصحاب طبعاً يستثنون هذه المسألة، يستثنون هذه المسألة، يقولون هذه من ضمان البائع ومع ذلك يجوز للمشتري التصرف فيها، من ضمان البائع لكن يجوز للمشتري، شيخ الإسلام يقول: هذا دليل أنه لا تلازم، لا تلازم بينهما، فلا تلازم بين التصرف والضمان.

طيب الشيخ الإسلام رحمه الله يعني له عدة اختيارات في المسألة يخالف فيها مشهور المذهب مبنية على هذا الأصل، مبنية على هذا الأصل، هم يقولون العبرة بالقبض، الشيخ يقول العبرة بالتمكن من القبض، يقول ليس الفرق بين مقبوض وغير مقبوض، الفرق بين ما تمكن من قبضه وما لم يتمكن من قبضه، ولو كلام طويل الشيخ رحمه الله في المجلد العشرين من مجموع الفتاوى في مناقشة هذه المسألة وأطال فيها الكلام. ابن رجب رحمه الله في القواعد، القاعدة الحادية والأربعين فيما أذكر، أيضاً أطال في هذه المسألة وذكر مآخذ الأصحاب وذكر يعني القولين الأصليين في هذه المسألة: هل هناك تلازم بين جواز التصرف والضمان أو لا تلازم؟ فإذا فهمت هذا فهمت بعض الخلافات المترتبة على ذلك.

مثلاً المسألة، شيخ الإسلام رحمه الله يقول: لماذا طيب منع من هذا؟ يقول: لأنه العلة هي عدم التمكن من القبض، كيف؟ يقول: قد البائع يجد المشتري قد ربح في هذه السلعة في هذا البيع، فيحاول أن يفسخ عقده معه لأجل أن يحصل له الربح هو، يعني مثلاً هذه الأصع مثلاً بمئة ريال، فجاء المشتري وباعها على شخص بمئة وخمسين، البائع سيبحث عن السبب لكي يفسخ عقده مع المشتري ويعقد مع المشتري الجديد مباشرة بمئة وخمسين أوفر له، شيخ الإسلام يقول: هذا هو العلة، العلة لأجل أنه قد يفسخ العقد فلا يتمكن هذا من التسلم، يقول: إذاً العبرة هي بالتمكن من القبض وليس بحصول القبض. ويقول أيضاً: العلة أيضاً في التوفية، والعِلة الأخرى: النهي عن ربح ما لم يُضمن، والآن المشتري ربح شيئاً ولم يدخل في ضمانه حتى الآن، والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ربح ما لم يُضمن، لذلك نرجع إلى مسألة بيعه على بائعه، هل في هذا المحذور؟ يعني على كلام شيخ الإسلام، المحذور الذي ذكره في هذا المحذور لا، لذلك شيخ الإسلام أجاز بيعه على بائعه، طيب شيخ الإسلام يرى أنه أيضاً لأجل لا يربح فيما لم يدخل في ضمانه، طيب لو باعه برأس ماله؟ التي هي ذكرنا في أنواع الخيار، الخيار في تخبير الثمن، إذا باعه تولية، يعني برأس ماله، فلم يربح فيما لم يدخل في ضمانه، فيجيز شيخ الإسلام، لكن المذهب يمنع، المذهب يمنع.

طيب أيضاً شيخ الإسلام كما قلنا ما قال إن بينهما تلازم، جواز التصرف والضمان، فهو يقول لا يجوز له التصرف، لا يجوز له التصرف، الأصل يعني أنه لا يجوز له التصرف في كل مبيع حتى يقبضه، لا يجوز له التصرف في كل مبيع حتى يقبضه، عموم الحديث، عموم.

الحديث طبعًا الحديث في «مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا»، وفي بعض الروايات «مَا يَبْتَعُ شَيْئًا». إذا قلنا الضمان على من بيده، فأنت وقعت في محذور آخر، وهو أن المشتري ربح فيما لم يدخل في ضمانه. فالصريح عن الربح ما لم يُضمن، لم يصح تصرفه فيه ببيع أو هبة حتى يقبضه؛ يعني لا يجزئ أن يهب هذه التمر حتى يقبضه.

على كلام شيخ الإسلام، يرى أنه يجوز هنا؛ لأنه في الحقيقة يقول: إذا تمكن، بمعنى أن هذا سيفسح البائع لو وجد ربحًا، هنا البائع قد لا يمانع لأنه ليس فيه ربح لهذا وهذا، ولن يربح فيما لم يدخل في ضمانه، فذاك شيخ الإسلام يجيز هذا. أو إيجاره كما لو اشترى مثلا خمس سيارات، هذه معدودة، وأجر واحدة منها قبل القبض، فهنا لا يصح، أو راهن كذلك، لا يصح أن يرهن شيئًا قبل أن يقبضه، أو حوالة، طبعًا كلها مقيسة على البيع، أو حوالة يحيل عليها قبل قبضها، فهذه كلها لا تصح.

واستدل المؤلف رحمه الله تعالى بالحديث: «مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ». هنا ذكر التصرفات التي لا تجوز، ثم ذكر التصرفات التي تجوز، قال: «ويصح عتقه». اشترى عبدًا، كيف يتعلق به حق توفيته؟ مثل أن يشتري أكثر من عبد، يعني غير معينين، بمعنى أو نقول مبيع بصفة أو رؤية سابقة، اشترى هذا العبد فاعتق قبل أن يقبضه، فهنا قال يصح، وذكره الشيخ الإسلام رحمه الله إجماعًا. وإنما صح العتق لقوة العتق وسريانه.

ويصح أيضًا جعله مهرًا وعوض خلع. لماذا يصح قبل أن يقبض هذا التمر من البائع؟ قال: تعقد مع امرأة، يعني ليعقد النكاح عليها مقابل أن يعطيها تمرًا، التمر هذا الذي اشتراه من البائع لكن لم يقبضه فيصح. كيف؟ أليس المهر أو عقد النكاح عقد معاوضة؟ ما يقاس على البيع هنا، لأن المعاوضة غير محضة.

هناك سبب أقرب من هذا، يقول المهر ليس ركنًا في النكاح. الآن هو صحيح، هي ترجع لأن النكاح عقد معاوضة، لكن لو أن المهر صار فاسدًا لغرض أو نحو ذلك، هل ينفسخ النكاح؟ لا. فلو لم يتم القبض وتلف هذا التمر الذي جعله مهرًا، هل نقول خلاص ينفسخ النكاح أو خلاص ما في مهر؟ لا، يجب مهر المثل، فهنا العقد لا ينفسخ بهلاك العوض.

عقد النكاح لا ينفسخ بهلاك العوض، فكل عقد لا ينفسخ بهلاك العوض فيجوز فيه للمشتري التصرف قبل القبض. كل عقد ينفسخ بهلاك العوض فإنه لا يجوز فيه التصرف قبل القبض. هذه ذكرها الموفق رحمه الله في المغني والكافي وفي شرح المنتهى، وعلل بأن الغرر فيه مغتفر، وهذا يعود إلى العلة التي ذكرها أو الضابط الذي ذكره الموفق رحمه الله.

وأيضًا الوصية به، يقول: يصح أن يوصي به. وعوض الخلع أيضًا؛ المرأة لو كانت تشتري التمر فقالت لزوجها: خلعتك على أن أدفع لك أصع التمر التي اشتراها، لو أن هذا التمر تلف، نقول يلزمها بدله، فالخلع لا ينفسخ بتلف العوض. وكذلك الوصية، يجوز للشخص أن يوصي بهذا الذي اشتراه ولم يقبض. لماذا؟ الوصية أصلاً تصح بالمعدوم؛ الآن لو شخص كتب وصية: أوصيت عند وفاتي بأن يدفع مليون ريال لبناء مسجد، وهو ليس في حسابه ولا مائة ريال، هل نقول وصية باطلة؟ تصح الوصية، وطيب وين المليون؟ معدومة الآن، ولكن وجد يوم توفي وفي رصيده عشرة ملايين، هل نقول الوصية صحيحة فنخرج مليونًا؟ نعم. فالعبرة بإمكانية تنفيذها من عدمه عند الوفاة، فهو عند الوفاة تمكنا من تنفيذ هذه الوصية. فقالوا: لما صحت الوصية بالمعدوم، صحت بهذا الذي قد يقبض وقد لا يقبض من باب أولى.

يصح أيضًا جعله مهرًا، يعني جعلوا هذا الشيء الذي يتعلق به حق توفية ولم يقبض يجوز أن يجعل مهرًا. قال: «وإن اشترى المكيل ونحوه جزافًا». هذا الذي قلنا لكم قبل أنه إذا بيع كيلًا، لكن لو بيع بغير الكيل وجاء التمر مكيلًا، كأن يقول: سأبيع عليك التمر كل عشر حبات بريال، فعليه بالعد، والتمر أصله مكيل، فهنا قالوا: إذاً هل يدخل في المعدود؟ قال: بعت عليك عشر حبات بريال، يظهر أنه لا يدخل في المعدود لأنه أصله مكيل، فنقول إذا باعه بغير مقداره الشرعي فهنا يجوز التصرف به قبل قبضه.

واستدل المؤلف رحمه الله بأثر ابن عمر: «ما أدركته الصفقة حيا مجموعا فهو من مال المشتري». وهذا الأثر في صحيح البخاري معلقًا، لكن بدون لفظه «مضت السنة». علق البخاري على السنة، وأخرجه الطحاوي والقطني، وعلقه البخاري في صحيحه كتاب البيوع، إذا اشترى متاعًا أو دابة فوضعه عند البائع، ابن عمر موقوفًا دون قوله «مضت السنة»، وصححه ابن حزم، وشيخ الإسلام، والمجموع، وابن حجر في التغليق. وقول الصحابي «مضت السنة» ينصرف إلى سنة النبي ﷺ.

قالوا: لأن هذا المبيع معين لا يتعلق به حق توفيته، فيكون من مال المشتري ويكون من ضمان المشتري، فلما كان من ضمانه صح التصرف فيه قبل القبض، وهذا المشهور من المذهب. والقول الثاني في المذهب أنه لا يجوز له التصرف فيه حتى ينقله، لحديث ابن عمر: «كنا نشتري الطعام من الركبان جزافًا، فنهى رسول الله ﷺ أن نبيعه حتى ننقله من مكانه».

يقول وجه الدلالة من الأثر: «ما أدركته الصفقة حيا مجموعا فهو مال المشتري»، بمعنى أنه يكون من ضمانه. فهذا المبيع جاهز، يعني أنه ما احتاج إلى تدخل البائع ليوفيه، فهو موجود حيا مجموعًا، ما احتاج إلى تدخل المشتري والبائع ليوفي المشتري حقه.

فيكون من مال المشتري، أي من ضمانه، ولما كان من ضمانه صح التصرف فيه قبل قبضه.

نقف عند هنا؛ مثل ما قلت لك إن هناك استشكالاً ذكره شيخ الإسلام رحمه الله على المذهب في البيع الجزاف، فيقول: هل الجزاف يستثنى من الأصحاب أو لا؟ هما قولان في المذهب، وحتى الأصحاب في الترجيح بينهم اختلفوا. فهل الجزاف الذي أصله مكيل يعد مما يلحق بما يحتاج إلى حق توفيه أو لا؟ يعني هل ننظر إلى السلعة بأصلها؛ أنها أصلها مكيل، فلا يجوز التصرف فيها قبل قبضها سواء بيعت في الكيل أو بيعت في الجزاف ونحو ذلك؟ هذا قول المذهب.

وهو الذي عليه الخرقي رحمه الله؛ أنه نظر إلى أصله مكيل أو موزون. وذكر الشارح أنه ظاهر المذهب، وذكر الموفق أنه ظاهر كلام الإمام أحمد رحمه الله، أن العبرة بكون أصله مكيلاً أو موزوناً. لكن المشهور عند الأصحاب هو الثاني؛ أن المكيل بيع بالكي، والموزون بيع بالوزن، وهكذا؛ لأنهم يقولون إن هذا هو الذي يحتاج إلى حق توفيه. أما المكيل بيع جزافاً، مثل تمر وجد صرة تمر، قال: بعت عليك هذه الصرة كاملة، فهذا لا يحتاج إلى حق توفيه، لأن البائع يقول هذا الجزء لك وهذا الجزء لا، وكله سيأخذه المشتري، فقالوا: ما يحتاج لحق توفيه.

فالأصحاب رحمهم الله في المشهور عندهم قصروا العلة على ما يحتاج، أو قصروا الوصف على ما يحتاج إلى حق توفيه. لذلك استشف شيخ الإسلام على أحد القولين الذي ذكره، وهذا ذكره الموفق رحمه الله؛ أنه في معنى لو اشتراه، اشترى المكيل جزافاً، لكان اشتراه موزوناً. قد تقول: يحتاج حق توفيه نفسه، صحيح، لكنهم لعلهم صوّروه على ما يحتاج لحق توفيه بمكي له أو بوصفه الشرعي.

الأهم أنهم نظروا إلى ذلك، وإلا فهو صحيح يحتاج إلى حق توفيه. إذا طبقنا كلام الأصحاب أننا نحتاج لحق توفيه، نقول حتى المكيل لو بيع موزوناً، لكنهم ذكروا أن المكيل لابد أن يباع بالكي، فلو بيع بالوزن فإنه يأخذ حكم الجزاف. يعني لو بيع التمر بالوزن، فعلى المذهب يجوز التصرف فيه قبل قبضه؛ لأنه بيع بغير وزنه، أو بغير مثاله الشرعي، فلا إشكال في ذلك.

الوكيل يبيع موزوناً، لكن الكلام فيما ينشأ عن هذا البيع؛ هل للمشتري تصرف فيه قبل قبضه أو لا؟ فنقول: إذا بيع المكيل بالكي فليس للمشتري تصرف فيه قبل قبضه، أما إذا بيع بغير الكيل فيجوز للمشتري التصرف فيه قبل قبضه، وهذا هو المشهور.

لما كان مبهماً، هذا النصف مبهم، اختلف فيه الأصحاب، حتى قال: اختلف كلام صاحب التلخيص فيه، وصاحب التلخيص الذي له التلخيص والبلغة وله كتاب آخر هو من أبناء أعمام شيخ الإسلام رحمه الله. فيقول في أحد كتابيه ذكر أنه لابد من القبض، وفي الكتاب الآخر ذكر أنه لا يحتاج إليها. أي أن يكون المكيل بالتحجم لا بالثقل، والمشهور هو الكيل.

هذه المسائل ترى دقيقة جداً، والخلاف فيها كبير، لو الشخص يقرأ في كلام الأصحاب في الإنصاف أو الروض قد يتبلل ذهنه، لكن إذا عرف مأخذ الأصحاب رحمهم الله تعالى ورتب هذه المسائل، بإذن الله يتيسر له فهمها.

خارج الموضوع؛ قبل تدوين المسائل الفقهية كان العلماء السابقون ينطلقون من نصوص الكتاب والسنة، فلما جاءت هذه التفريعات كانت كأنها زادت الإشكاليات في بعض المسائل. نستطيع أن نقول إن هذه التفريعات تكون في المسائل غير المنصوص عليها، أو تكون مسائل منصوص عليها لكن العلة غير واضحة، فيجتهد العلماء رحمهم الله تعالى في تلمس العلة.

وتلمس العلة هذا من قديم، من عهد الصحابة رضي الله تعالى عنهم، بل إن النبي ﷺ علم عمر رضي الله عنه تلمس العلة؛ يعني لما جاء عمر رضي الله عنه النبي ﷺ وقال: «يا رسول الله، أأفطر؟» -يسأله هل أفطر بذلك أو لا- النبي ﷺ ماذا قال له؟ قال: «أرأيت لو تمضمضت؟»؛ يعني هل تفطر؟ قال: لا، قال: خلاص. فكأن النبي ﷺ أرشده ولم يجبه لأن القبض لا يفطر، بل أرشده إلى شيء يقيس عليه، في تلمس العلة.

فلذلك عمر رضي الله عنه عرف عن ذلك القياس، وبعده ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، وابن مسعود انتقل إلى الكوفة فاشتهر ذلك في أهل العراق رحمهم الله تعالى. والإمام أحمد رحمه الله ذكر في سيرته أنه قال: «تعلمت من كتب محمد بن الحسن لأقيس». فالإمام أحمد رحمه الله في كلامه يقيس، لا تحسب أنه إذا قيل إمام أهل السنة وأنه يحفظ ألف حديث لا يجيب إلا بنص من كتاب أو سنة أو قول الصحابة، لا، بل يقيس، وقياسه ينتزع من الوحيين.

فكون الأصحاب رحمهم الله -سواء الفقهاء عموماً سواء من الحنابلة أو الحنفية أو المالكية أو الشافعية- يقيسون على النصوص؛ تقول: طيب النص واضح، لماذا يقيسون؟ النص واضح لكن العلة غير واضحة. هل ذكر من أبعات طعاماً، هل ذكر لأنه طعام أو ذكر إشارة إلى وصف؟ اختلفوا في ذلك، لماذا؟ لأن العلة في ذلك يختلفون فيها، واختلافهم في العلة يجعلهم يختلفون فيما يقاس عليه.

فهكذا فالنصوص نعم يرجع إليها ويستدل بها، لكن إذا كانت العلة غير واضحة، أو كان النص مثلاً حديثاً ضعيفاً، أو كانت الدلالة -رغم أن الحديث صحيح- لكن الدلالة غير واضحة، فهنا لابد من تدخل الاجتهاد في ذلك.

سؤال يقول: الطعام لا يمكن أن يكون مذرعاً، نعم صحيح الطعام لا يذرع، لكنهم قاسوا الذرع عليه؛ قاسوا الذرع على المكيل والموزون لأنه يحتاج إلى حق توفيه، فقالوا: هذه الثلاث؛ المكيل والموزون والمعدود تحتاج إلى حق توفيه، فالمرذرع مثله، فقاسوا عليه. طيب يقول: ألا تتحقق العلة وهي تحتاج إلى حق توفيه في المكيل بالعدد؟ إنما يراعى المعيار الشرعي في باب الربا لأن التساوي لكي لا يتحقق الوزن، وهذا منع من البيع بغير المعيار الشرعي. نعم، هذا على قول، وإلا فالأصحاب رحمهم الله تعالى يوسعون هذا الكلام في غير باب الربا.

الربا، نسأل الله للجميع التوفيق والسداد. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.