بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم اغفر لشيخنا وللحاضرين وجميع المسلمين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: باب الربا والصرف. الربا مقصور لغة؛ قوله تعالى: ﴿أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ رَبَتْ﴾ أي علت، زيادة في شيء مخصوص، والإجماع على تحريمه لقوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾. والصرف بيع نقد بنقد، قيل: سمي به لصريفهما وهو تصويتهما في الميزان، وقيل: لانصرافهما عن مقتضى البياعات من عدم جواز التفرق قبل القبض ونحوه.
ذكر المؤلف رحمه الله تعالى باب الربا والصرف، وهذا الباب سيذكر فيه أحكام الربا، وهو قسمه في أول الباب إلى قسمين: ربا فضل وربا نسيئة. فربا الفضل سيذكره في هذا الفصل، وربا النسيئة سيذكره في الفصل الذي يليه، ثم في الفصل الثالث سيتكلم فيه عن أحكام الصرف.
قال: الربا مقصور؛ يعني أنه ليس ممدوداً، ليس ممدوداً يعني لم ينتهِ بهمزة، لا يقال الرباء وإنما الربا بدون همز. قال: وهو لغة زيادة، هذا معناه اللغوي، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ أي علت وارتفعت. وشرعاً: زيادة في شيء مخصوص، وهو المكيل والموزون كما سيأتي. قال: والإجماع على تحريمه، وذكرنا في الدرس الماضي أن الذي دل على تحريمه الكتاب والسنة والإجماع.
فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ وقد ذكره هنا. ومن السنة أحاديث كثيرة، ومنها لعن النبي صلى الله عليه وسلم لآكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه، وقال: «هم سواء». وأجمع أهل العلم رحمهم الله تعالى على تحريم الربا في الجملة، وإنما قلنا في الجملة لوجود الخلاف في بعض التفاصيل وإلا ففي الأصل أن الربا محرم.
لماذا قال: هو الإجماع على تحريمه ولم يذكر الكتاب والسنة أو لم يقدم الكتاب؟ قلنا في الدرس الماضي: نعم، دليل الكتاب أو دليل السنة قد ينازع بعضهم في دلالته على التحريم، لكن دليل الإجماع هذا إذا ثبت الإجماع فهو قطعي، فلذلك يقدم بعضهم الإجماع على الكتاب والسنة، وإلا فلا شك أن الاستفادة من الكتاب والسنة أقوى، لا سيما وأن الإجماع لا يمكن أن يستند إلا إلى نص من الكتاب أو من السنة.
قال: الصرف بيع نقد بنقد. طبعاً الصرف ليس قسيماً للربا، لكن لما كان الصرف قد يقع فيه ربا إذا لم يتحقق التقابض، ذكروا أحكام الصرف ملحقة بباب الربا. قال: الصرف بيع نقد بنقد، فهو بيع صحيح، فينطبق عليه أحكام البيع، لكن لما كان الربا قد يدخل فيه ألحقه بباب الربا. قال: سمي هذا التعامل صرفاً لصريفهما، صريف النقدين، لأنهم كانوا في السابق يتعاملون بصرف النقدين في الميزان، فيضعون هذه الدراهم في الميزان فيكون لها صوت، وهذا الصوت يسمى الصريف، فسموا التعامل هذا صرفاً، هذا السبب. وقيل التسمية بالصرف لانصرافهما عن مقتضى البياعات من عدم جواز التفرق قبل القبض.
يعني الأصل في البيع لما جئت تشتري مثلاً سيارة أو تشتري مواد غذائية لك أن تدفع الآن وتأخذ هذه السلعة، ولك أن تأخذ السلعة وتدفع لاحقاً، تشتريها بالأجل. لكن في الصرف لا يمكن أو لا يجوز أن تدفع النقد الآن وتأخذ مقابله لاحقاً، لابد من التقابض قبل التفرق. فلما اشترط هذا الشرط، وهذا الشرط فارق فيه الصرف أنواع البيع الأخرى، سمي صرفاً لكونه انصرف عن أي اختص واستقل بهذا القيد.
قال المصنف رحمه الله تعالى: والربا نوعان: ربا فضل وربا نسيئة. ويحرم ربا فضل في كل مكيل بيع بجنسه مطعوماً كان كالبر أو غيره كالأشنان، وفي كل موزون بيع بجنسه مطعوماً كان كالسكر أو لا كالكتان، لحديث عبادة بن الصامت مرفوعاً: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثل، يداً بيد» رواه أحمد ومسلم.
يقول الربا نوعان: ربا فضل وربا نسيئة. قدمنا في الدرس الماضي أن هذين النوعين يدخلان في ربا البيوع، وهناك نوع ثانٍ وهو ربا الديون، وذكرنا أنه يخطئ بعض من يتكلم في الربا في الخلط بين النوعين. فربا الديون هذا يجري في جميع الأموال وليس خاصاً بالأموال الستة وما قيس عليها، أما ربا البيوع فهو خاص بالأموال الستة وما قيس عليها على اختلاف بين أهل العلم فيما يقاس عليها.
يقول الربا نوعان: ربا فضل وربا نسيئة. ربا الفضل هو الزيادة عند مبادلة الربوي بجنسه. فمثلاً الربوي تمر، فبادل تمراً مثلاً تمر سكري مثلاً من نتاج هذه السنة مثلاً خمسة أصواع من التمر السكري نتاج هذه السنة بعشرة أصواع من نتاج السنة الماضية، هنا نقول وقع في ربا الفضل؛ لماذا؟ لأنه زاد في مبادلة الربوي بجنسه. أما ربا النسيئة، النسيئة هي التأخير والتأجيل، فلا يلزم في النسيئة أن يكون فيه زيادة، إذا كان فيه زيادة يتحقق النوعان، لكن قد يكون نسيئة بدون زيادة. والنسيئة يكون في مبادلة الربوي بما اتفق معه في العلة سواء كان من جنسه أو لا، فمثلاً يبادل ذهباً بفضة مع تأخر القبض، أو يبادل براً بتمر مع تأخر القبض، فهنا نقول وقعوا في ربا النسيئة. لكن إذا بادل في المثال الأول بادل عشرة أصواع من التمر بخمسة أصواع من التمر مع تأخر القبض، هنا حصل فيه نوعان: ربا فضل وربا نسيئة.
قال: يحرم ربا الفضل في كل مكيل بيع بجنسه مطعوماً كان كالبر أو غيره كالأشنان، وفي كل موزون بيع بجنسه مطعوماً كان كالسكر أو لا كالكتان. ذكرنا في الدرس الماضي أنه وقع خلاف كبير بين أهل العلم رحمهم الله تعالى في علة الربا وما الأموال التي يجري فيها الربا، وذكرنا لكم أن الأموال الستة المذكورة في حديث عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه الذي ذكره المؤلف رحمه الله هنا، هذه يجري فيها الربا بالإجماع، يعني هي أموال ربوية بالإجماع. يجري فيها الربا كما تقدم ربا الفضل في مبادلة الربوي بمثله، وربا النسيئة في مبادلة الربوي بما اتفق معه في العلة.
فالأموال الستة إذاً يجري فيها الربا بالإجماع، هل يقاس عليها غيرها أو لا؟ ذكرنا أن هناك من أهل العلم من قال لا يقاس عليها غيرها، وهم الظاهرية وبعض الحنابلة، مثل ابن عقيل رحمه الله تعالى في كتبه المتأخرة مال إلى أنه لا يقاس عليها غيرها، طيب عقيل من القياسيين، لكن لما وجد التضارب في كلام أهل العلم فيما يقاس عليها غيرها من غير أن يوجد مرجح، قال نقتصر على الستة، وإلا فهو من القياسيين. وقلنا لكم إن عامة أهل العلم رحمهم الله تعالى على أنه يقاس عليها غيرها.
أيضاً هناك اتفاق آخر بين القائلين بالقياس أن علة الذهب والفضة غير علة الأصناف الأربعة، هذا متفق عليه. كل من قال بأنه يقاس عليها غيرها ذكروا أن علة الذهب والفضة غير علة الأصناف الأربعة. نأتي إلى علة الأصناف الأربعة، المؤلف رحمه الله تعالى ذكر أن علة الأصناف الأربعة هي الكيل، لذلك قال: في كل مكيل بيع بجنسه، فهذه علة الأصناف الأربعة: البر والشعير والتمر والملح. طيب علة الذهب والفضة الوزن، إذاً قال كل موزون بيع بجنسه، فهنا يحرم ربا الفضل في المكيل الذي بيع بجنسه والموزون الذي بيع بجنسه. فلو باع براً ببر أو شعيراً بشعير أو ذهباً بذهب أو فضة بفضة، فهنا لابد فيه من التماثل لأجل ألا يقعوا في ربا الفضل، ولا بد فيه من التقابض لأجل ألا يقعوا في ربا النسيئة، وهذا سيأتينا بعد قليل.
إذاً يحرم ربا الفضل في كل مكيل بيع بجنسه وكل موزون بيع بجنسه. هنا قوله: مطعوماً كان كالبر أو غيره، يعني غير مطعوم كالأشنان، والموزون كذلك قال مطعوماً كان كالسكر أو لا كالكتان. هنا ترى هذه إشارة إلى خلاف، لأن من أهل العلم من ذكر أن العلة في الأصناف الأربعة الطعم، الطعم علة الأصناف الأربعة، ومنهم من قال اجتماع الطعم مع الكيل أو الوزن، والمذهب لا، أنها العلة في الأصناف الأربعة الكيل، ولذلك قالوا لا ربا في المطعوم غير المكيل أو المطعوم غير الموزون، فهم يقولون العلة إذاً هي الكيل أو الوزن. فقوله مطعوماً كان أو غيرها يشير إلى خلاف، وهو رواية عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى.
قلنا لكم إن المشهور التعليل بالكيل والوزن، واستدل الأصحاب رحمهم الله تعالى على التعليل بالكيل أو الوزن بحديث أنس مرفوعاً: «ما وزن مثلاً بمثل إذا كان نوعاً واحداً، وما كيل مثلاً بمثل إذا كان نوعاً واحداً» فقيده بالوزن والكيل. وأيضاً جاء في حديث: «الذهب بالذهب وزناً بوزن، والفضة بالفضة وزناً بوزن، والتمر بالتمر...» جاء في الرواية: «مدياً بمدي»، والمدي نوع من أنواع المكيل يعني نوع من أنواع المقادير التي يحصل بها الكيل.
قال حديث عبادة بن الصامت مرفوعاً: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثل»، هذا مثلاً بمثل هذا اشتراط التماثل لأجل ألا يقعوا في ربا الفضل، و«يداً بيد» اشتراط التقابض لأجل ألا يقعوا في ربا النسيئة، رواه أحمد ومسلم. ماذا قال؟ رواه أحمد ومسلم، لا يكتفي برواه مسلم.
إشارة لأن قوله رواه أحمد ومسلم، لماذا لم يقل رواه مسلم فقط؟ والعزو لمسلم أو البخاري مؤذن بالتصحيح. الأصحاب رحمهم الله تعالى يحرصون على النسبة والعزو للإمام أحمد رحمه الله تعالى لأن ما رواه الإمام أحمد رحمه الله تعالى في مسنده ولم يوجد عنه قول بغيره، فإنه يعتبر مذهباً له على إحدى الروايتين، وهذا ذكره ابن مفلح رحمه الله تعالى في مقدمة الفروع وغيره.
قال المصنف رحمه الله تعالى: ولا ربا في ماء، ولا فيما لا يوزن عرفاً لصناعته كفلوس غير ذهب وفضة، ولا في مطعوم لا يكال ولا يوزن كبيض وجوز.
قال: ولا ربا في ماء. طيب الماء، هل هو مكيل ولا موزون ولا لا مكيل ولا موزون؟ هذا يقول الماء مكيل، القاعدة عندهم ضابط عندهم كل مائع فهو مكيل. ضابط عندهم كل مائع فهو مكيل، فالماء مكيل. طبعاً هذا هو الأصل، وإلا فبعض الأصحاب ينازع في كون الماء مكيلاً، الماء مكيل ما في إشكال، لكن بعضهم ينازع في كون الماء مكيلاً، وهذا قاله بعض الأصحاب كالموفق والشارح وغيره، أنه لا ربا في الماء لأنه ليس بمكيل. قاله بعض الأصحاب، لكن بعض الأصحاب يقول لا الماء مكيل. طيب لماذا لا ربا في الماء وقد انطبق عليه وصف الكيل؟ لا يباع ولا يشترى، الناس شركاء فيه. نعم، هنا علل بعض الأصحاب قالوا لإباحتها أصلاً وعدم تمولها في العادة.
وانتقدهم صاحب المبدع هذا التعليل، وقال فيه نظر، وعله وأيضاً انتقده في الإنصاف، وقال تعليل بأن الأصل الإباحة، يعني أن الناس شركاء في ثلاث منها الماء، قال: تعليل بأن الأصل الإباحة ينتقض بلحم الطير وبالطين الأرمني. لحم الطير الأصل فيه الإباحة، يعني ليس الناس شركاء فيه، لكن من صاد طيراً صاد طيراً فهو مباح يأخذه، ومع ذلك لحم الطير موزون فيجري فيه الربا، فينتقض، يعني لو قلنا لو أخذنا بهذا التعليل لقلنا لحم الطير لا يجري فيه الربا، وهم ينصون على أن اللحم موزون يجري فيه الربا. وأيضاً الطين الأرمني وهو نوع من العلاج، يقولون إنه أيضاً مباح ومع ذلك يجري فيه الربا.
قال تعليل بأن الأصل الإباحة ينتقض بلحم الطير وبالطين الأرمني، وتعليل بأنه مما لا يتمول عادته يقول مردود بأن العلة عندنا ليست هي المالية، لو كانت العلة هي المالية كونه مالاً يباع ويشترى لقلنا الماء لا يتمول عادته. قلنا الماء لا يتمول عادة، لكن العلة ليست هي المالية، العلة هي الكيل، والكيل متحقق في الماء، فلذلك يعني الماء كأنه مستثنى، مستثنى منطبق على الوصف، واستثناه ابن قائد في حاشية المنتهى، ذكر أنه يقول إن سلمنا بذلك بالرد على هذا فنقول بأن العلة هي الكيل، وهو الذي يعللون به أن العلة هي الكيل فيقول إن.
كونه مباحاً في الأصل ولا يتمول عادة، هذا كأنه أضعف أثر هذه العلة، صحيح هو مكيل، لكن لما وجدت في هذه الأوصاف ما يضعف هذه العلة فكانت كأنها غير موجودة، فلذلك جاز فيه المبادلة؛ فلا يكون ربوياً، فيجوز مثلاً أن يبدل ماء 5 لتر بماء 10 لتر؛ فيجوز إبداله، وإن كان الماء مكيلاً، فهو مستثنى.
قال: ولا فيما لا يوزن عرفاً لصناعته كفلوس. وقلنا لكم هذا من الضوابط التي ذكرناها في الدرس الماضي: أن ما أخرجته الصنعة عن الوزن فإنه لا يعد ربوياً؛ مثل السيف، فمثلاً صنع سيفاً من حديد، فلا يباع بوزنه، يباع مثلاً بعدده، مثلاً قالوا هذه السيف مثلاً بـ 100 درهم، فأخذ 1000 درهم، فيباع بالعدد لا بالوزن، فهو أخرجته الصنعة عن الوزن، فلا يعد ربوياً.
نعم، استثنى غير ذهب وفضة. طيب سنأتي إليها. قالوا: لماذا لا يجري فيه الربا؟ قالوا: لأنه لا معنى لثبوت الحكم مع انتفاء العلة؛ يعني أننا إنما أثبتنا كون الحديد ربوياً لكونه موزوناً، فهذه الصنعة أخرجته عن هذا الوصف، فانتفت فيه العلة، وإذا انتفت العلة انتفى الحكم؛ فالحكم يدور مع علته. لا، السيف من حديد ليس من ذهب، لذلك قال غير ذهب وفضة.
طبعاً يقول وفيما لا يوزن عرفاً لصناعته، فإذا كان حتى مع الصنعة فإنه يباع بالوزن فإنه يبقى ربوياً، يعني حديد مثلاً صنع على هيئة معينة، لكن إذا بيع بيع بالوزن، ينظر كم وزنه ويقدر، فهذا يقولون يبقى ربوياً. إذاً الذي يخرج عن الربوية إذا خرج من الوزن إلى العد مثلاً، فهنا لا يجري فيه الربا. قال كفلوس، الفلوس هل هي النقود يقصدون أو غيرها؟ مرت علينا في الزكاة. الفلوس كانوا قديماً النقود من الدنانير أو الدراهم، فيأتي بعض السلاطين فيجد مثلاً حاجة بيت المال إلى الذهب والفضة، فيسك عملات من الحديد والنحاس، ويمنع التعامل بالذهب والفضة، يقول من لديه ذهب وفضة يأتي إلى بيت المال نبدلها له بهذه العملات، الفلوس هذه.
فالفلوس الآن نقود، لكنها نقود على شفا جرف هار؛ بمعنى لو أصدر السلطان مرسوماً بعدم التعامل بالفلوس، فتبقى هذه الفلوس التي في يد الناس لا تساوي شيئاً. فهنا هذه الفلوس لما صنعت، هل هي أصلها من حديد أو نحاس؟ هي موزونة، لكن هل يتعامل فيها بالوزن ولا بالعد؟ بالعد، فلذلك أخرجتها الصناعة عن الوزن، فلذلك قالوا عند مبادلة الفلوس بعضها ببعض فإنها لا يجري فيها الربا. طبعاً يستثنون إذا أبدل الفلوس بأحد النقدين كما سيأتي في ربا النسيئة.
نقودنا التي الآن هل هي تقاس على الفلوس السابقة أو لا؟ هي طبعاً أصل هذه الفلوس، أول ما نشأت كانت مغطاة بالذهب أو الفضة، ثم بعد ذلك أصبحت مستقلة. كلام المعاصرين بعضهم يحملها على أصل إنشائها، وأنها كانت مغطاة بذهب أو بفضة، فلذلك يجري الربا في التعامل بينها، لكن يحملون كل عملة على جنس مستقل، فإذا أبدل عملة بعملة فإن اختلف الجنس فيجوز التفاضل لكن لا يجوز التاخير، لا يجوز النسيئة.
إلا أننا قلنا إن أصل إنشائها كان مغطاة بالذهب أو الفضة ثم بعد ذلك صارت مستقلة ليست مغطاة بالذهب. فمن المعاصرين من ينظر إلى أصل إنشائها وأنها مغطاة، فيجعل لها حكم الذهب أو الفضة. على كل، ترى الفلوس حتى في كلام الأصحاب رحمهم الله تعالى في بعض المواضع ما يدل على أنهم ينظرون فيها إلى الثمانية ليس إلى الوزن، كما قلنا في إبدال الفلوس بالذهب أو الفضة. هذه مسألة يبت فيها أهل الاختصاص، لكن الذي أعرفه أن أصل إنشائها كان لا بد أنها مغطاة بذهب أو فضة ثم بعد ذلك استقلت، يعني لا يلزم فيها التغطية، لكن ما البديل؟ لا أعلم.
يقول غير ذهب وفضة؛ فالمصنوع من الذهب أو الفضة فإنه يبقى ربوياً، ولا تخرجه الصنعة عن كونه ربوياً. وهذا الاستثناء العجيب أن المرداوي رحمه الله في الإنصاف وتصحيح الفروع ذكر أنه حتى الذهب المعمول من الذهب والفضة مثل المعمول من غيرها فيجري فيه الخلاف، طبعاً حتى الذي لا يوزن عرفاً لصناعته فيه القولان في المذهب، لكن المشهور المذهب أنه ليس بربوي. فالمرداوي يقول حتى في الإنصاف والتصحيح ذكر أنه حتى المعمول من الذهب والفضة داخل في الخلاف. لكنه لما جاء في حاشية التنقيح، ذكر أن الذي يظهر من كلام الأصحاب رحمهم الله تعالى أن الخلاف في غير الموزون المصنوع من الذهب والفضة، يقول لأنهم في التمثيل لا يمثلون بالمصنوع من الذهب والفضة، يمثلون بالمصنوع من الحديد والنحاس وغيرها، فدل على أن المصنوع من الذهب والفضة يبقى ربوياً حتى لو أخرجته الصنعة عن الوزن. ولذلك ذكر ابن فيروز رحمه الله تعالى أن المعتمد من المذهب ما في حاشية التنقيح، خلافاً لما نص عليه في الإنصاف والتصحيح.
قال ولا في مطعوم لا يكال ولا يوزن. يعني مطعوم قلنا لكم إشارة إلى خلاف أيضاً، لأن من الأصحاب من الفقهاء، وهو قول في المذهب، أن العلة هي الطعم؛ فقال لك المطعوم الذي لا يكال ولا يوزن فإنه ليس بربوي، ومثل على البيض والجوز؛ فيجوز إبدال بيضة ببيضتين، وجوزة بجوزتين ونحو ذلك، لأن البيض والجوز ليس مكيلاً ولا موزوناً.
قال المصنف رحمه الله تعالى: ويجب في بيع مكيل أو موزون بجنسه التماثل، والحلول، والقبض من الجانبين بالمجلس، لقوله عليه السلام فيما سبق: «يداً بيد». ولا يباع مكيل... طيب، هذا الشرط الثاني في مبادلة المكيل بجنسه؛ إذاً الشرط الأول التماثل لقوله «مثلاً بمثل»، الشرط الثاني التقابض. هل الحلول والقبض بينهما فرق أو تكرار؟ لو قال الحلول فقط أو قال القبض فقط؟ الأصل تغاير، ما الفرق؟ هل يمكن أن يحل ولا يقبض؟ نعم، يحل بمعنى لا يتفقون على أجل، ما يقول سأسددك بعد شهر، هذا حال، لكن مثلاً اشترى خبزاً، يسدد، نظر ما في جيبه شيء، رجع للبيت مثلاً، وقال سأحضر لك غداً، فهو من الأصل اشتراه حالاً لكن لم يحصل التقابض. فهنا في المبادلة الربوي بجنسه يشترط أمران التماثل، والحلول، والتقابض، يعني لا بد أن يكون حالاً غير مؤجل، ومقبوضاً، يعني لا يفترقان من المجلس إلا بالقبض.
واستدل المؤلف رحمه الله تعالى بقوله صلى الله عليه وسلم فيما سبق في حديث عبادة «يداً بيد»، وجاء في بعض الأحاديث: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا هاء وهاء»، «تبيعوا الفضة بالفضة إلا هاء وهاء»، خذ وأعطِ في المجلس. وقالوا لأن تحريم النسيئة أشد؛ ولذلك جرى في الجنسين المختلفين، النساء الذي هو ربا النسيئة يجري في الجنسين المختلفين طبعاً إذا اتفق في العلة، إذا حرم التفاضل في مبادلة الجنس بجنسه، فالنساء من باب أولى.
قال رحمه الله تعالى: ولا يباع مكيل بجنسه إلا كيلاً، فلا يباع بجنسه ولو تمرة بتمرة، ولا يباع موزون بجنسه إلا وزناً، فلا يصح كيلاً؛ لقوله عليه السلام: «الذهب بالذهب وزناً بوزن، والفضة بالفضة وزناً بوزن، والبر بالبر كيلاً بكيل، والشعير بالشعير كيلاً بكيل»، رواه الأثرم من حديث عبادة بن الصامت. فإن ما فيه المعيار الشرعي لا يتحقق فيه التماثل، والجهل به كالتفاضل. ولا يباع بعضه أي بعض المكيل أو الموزون ببعض من جنسه جزافاً لما تقدم، ما لم يعلم تساويهما في المعيار الشرعي؛ فلو باعه صبرة بأخرى وعلم كيلهما وتساويهما، أو تبايعا مثلاً بمثل وكيلا فكلاهما سواء، وكذا زبرة حديد بأخرى من جنسها. فإن اختلف الجنس كبر بشعير، حديد بنحاس، جازت الثلاثة أي الكيل والوزن والجزاف؛ لقوله عليه السلام: «إذا اختلفت هذه الأشياء فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد»، رواه مسلم وأبو داود.
قال ولا يباع مكيل بجنسه إلا كيلاً، ولا موزون بجنسه إلا وزناً، وهذا ذكرناه من الضوابط في ضوابط الربا، أن التماثل يكون في المعيار الشرعي؛ فالمكيل يكون تماثله يتحقق فيه التماثل بالكيل. فمثلاً التمر مكيل، فيباع مثلاً إذا أراد أن يبيع تمراً بتمر يبيعه بالصاع أو بالمد، فيبيع مثلاً صاع تمر بصاع تمر، ولا يبيع المكيل موزوناً، فلا يبيع كيلو تمر بكيلو تمر، لماذا؟ لأن الكيلو أداة وزن وليست أداة كيل، فهو قد يكون مستوياً في الميزان لكن مختلفاً في المكيال. قد يكون هذا كيلو صحيح وهذا كيلو صحيح، لكن لو جعلتهما في الصاع صار مثلاً هذا نصف صاع وهذا أقل من النصف مثلاً أو أكثر من النصف، فلا يتحقق التماثل في المعيار الشرعي، والمطلوب التماثل أن يكون بالمعيار الشرعي للحديث «الذهب بالذهب وزناً بوزن، والفضة بالفضة وزناً بوزن، والبر بالبر كيلاً بكيل». فأمر بالمساواة في الموزونات المذكورة في الوزن، كما أمر بالمساواة في المكيلات في الكيل. وما عدا الذهب والفضة من الموزونات مقيس عليهما.
ولأنه لا يخلو؛ إذا ماثل بينهما في الوزن وهو مكيل أو بالعكس، لا يخلو إما أن يكون قد علم التفاضل بينهما فيكون لم يحقق المماثلة المطلوبة في قوله صلى الله عليه وسلم «مثلاً بمثل»، وإما أن يجهل التماثل، والقاعدة أن الجهل بالتماثل كالعلم بالتفاضل. ولذلك قال فلا يباع بجنسه وزناً ولو تمرة بتمرة حتى الشيء اليسير.
قال ولو كيل المكيل أو وزن الموزون فكان سواء صح؛ يعني أنه لو كان علمنا أن هذا التمر كيلو بكيلو، وزناه بالكيل فصار نصف صاع بنصف صاع فيصح، لأنه تحقق التماثل في المعيار الشرعي. قال ولا يباع بعضه أي بعض المكيل أو الموزون ببعض من جنسه جزافاً لما تقدم، أي من الحديث «مثلاً بمثل»، ما لم يعلم تساويهما في المعيار الشرعي. فلو عنده صبرة من التمر وصبرة أخرى من التمر والمشتري عنده صبرة، فأراد أن يتبادلا، وقد كال كل واحد منهما تمره فصار عشرة أصواع، فكال عشرة أصواع وكبها صارت صبرة، وهذا كذلك الصبرة، فتبادل الصبرتين فيصح، لماذا؟ لأنهما علما التماثل بالمقدار الشرعي. ولذلك قال فلو باعه صبرة بأخرى وعلم كيلهما وتساويهما، فإنه يجوز لوجود التماثل. أو تبايعاهما «مثلاً بمثل»، يعني قال بعتك هذه بهذه على أن تكون هذه الصبرة بهذه الصبرة على أن تكون مكيال هذه كمكيال تلك، فكلاهما فتبين أنهما متساويتان في الكيل، فإنه يصح. ويدل لذلك ما روى مسلم عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الصبرة من التمر لا يعلم مكيلها، فإنه إذا علم مكيلها صح ذلك.
طبعاً هذا قال وكذا زبرة حديد بأخرى من جنسها، وهذا كله لأن الحديد موزون، فإذا كان مجهولاً ولا يعلم وزنه والثاني مجهول أيضاً ولا يعلم وزنه فإنه لا يجوز بيع زبرة بزبرة، لكن إذا وزنتا قبل أو وزنتا بعد وتبين أنهما متساويتان جاز ذلك. قال فإن اختلف الجنس، هذا كله في ما إذا اتحد الجنس، فإن اختلف الجنس كبر بشعير وحديد بنحاس، جازت الثلاثة يعني جاز أن يباع بالكيل وبالوزن وبالجزاف. باع براً بشعير هل يشترط التماثل؟ لا يشترط، لماذا؟ لاختلاف الجنس. هو يشترط فقط التقابض. طيب، نحن قلنا لا بد من تحقق التماثل بالمعيار الشرعي هذا فيما إذا بيع الشيء بجنسه، لكن إذا بيع بغير الجنس لا يشترط التماثل، فإذا لم يشترط التماثل فإنه لا يشترط المعيار الشرعي. فإذا باع براً بشعير فيجوز أن يبيعه بالوزن كيلو بر بكيلو شعير، ويجوز أن يبيعه بالكيل صاع بر بصاع شعير، طبعاً صاع بصاع أو صاع بصاعين ما في إشكال لأنه لا يشترط التماثل، ويجوز أن يبيعه جزافاً، صبرة من بر بصبرة من شعير وهما لم...
فيجوز ذلك كله، قال: جازت الثلاثة، لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا اختلفت هذه الأشياء فبيعوا كيف شئتم، بكيل أو وزن أو جزاف، إذا كان يدا بيد». رواه مسلم. ونقل ابن المنذر الإجماع عليه؛ ولأن الله تعالى قال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: 275]، وهذا عام خص في الجنس الواحد الذي يجب التماثل فيه، ففيما عداه يبقى على العموم. ولأنه لما جاز التفاضل فيه؛ يعني في بيع البر بالشعير أو الحديد بالنحاس ونحوها من بيع الربوي بغير جنسه، لما جاز التفاضل فيه جاز أن يباع بالجزاف كالمكيل بالموزون.
وهذا هو المشهور في المذهب، وفي رواية عن الإمام أحمد رحمه الله بعدم الجواز إذا بيع المكيل؛ يعني إذا بيع مثلاً البر بالشعير بغير الكيل، في رواية عن الإمام أحمد رحمه الله منصوص بعدم الجواز، وهي من المفردات. والعجيب أن الرواية المشهورة لم تنقل عن نص الإمام أحمد الذي قال جازت الثلاثة، لم تنقل عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى والمنقول عنه الأخرى، ولذلك قال في الإنصاف المشهور: متى، لكن قال في الإنصاف: طبعاً في الإنصاف يمشي عنده قواعد نص عليها في تحرير المذهب، قال في الإنصاف: هذا المذهب لأنه المنصوص عن أحمد، والأول اختيار كثير من الأصحاب، لكن لم ينقل عن صاحب المذهب. لم ينقل عن صاحب المذهب اللي هو الإمام أحمد رحمه الله، فصار هذا مذهباً اصطلاحياً لا مذهباً شخصياً، صار هذا مذهباً اصطلاحياً.
قال المصنف رحمه الله تعالى: والجنس ما له اسم خاص يشمل أنواعاً. فالجنس شامل لأشياء مختلفة بأنواعها، وشامل لأشياء مختلفة بأشخاص، وقد يكون النوع جنساً وبالعكس، والمراد هنا الجنس الأخص النوع الأخص. وكل نوعين اجتمع في اسم خاص فهو جنس، وقد مثل بقوله: بر ونحوه من شعير وتمر وملح، وفروع الأجناس كالأدم والأخباز والأدهان أجناس؛ لأن الفرع يتبع الأصل، فلما كانت أصول هذه الأجناس تكون هذه أجناس، دقيق الحنطة جنس، ودقيق الشعير جنس، وكذا البواقي. هنا يتكلم المؤلف رحمه الله تعالى عن الجنس والنوع، عندنا جنس وعندنا نوع. النوع نوع من الجنس، الجنس يقول الشامل لأشياء مختلفة بأنواعها فهو أعلى شيء فهو تحته أنواع، والنوع تحته أشخاص. النوع يقول: هو الشامل لأشياء مختلفة بأشخاص؛ يعني عندنا مثلاً التمر هذا جنس تحته أنواع، تحته أنواع: سكري، إخلاص، برحي، إلى آخره، فهذا جنس وهذه أنواع تحته. النوع يقول: الشامل لأشياء مختلفة بأشخاص؛ فعندنا مثلاً التمر السكري هذا نوع تحته أفراد، هذه التمرات تحته أفراد، هذه التمرات تسمى أشخاصاً.
هذا الأصل هذا الجنس يقول: قد يكون النوع جنساً وبالعكس، فيقول: يعني مثلاً الجنس قد يكون نوعاً، مثل يكون التمر هذا نوع من أنواع الحلاوة، يعني الحلاوة أشياء أنواع، ومنها التمر، فهو صار نوعاً من جنس فوقه. قد يكون النوع جنساً، وقد يكون الجنس نوعاً، فالوصف وصف الشيء بكونه جنساً أو نوعاً هذا وصف نسبي. قال: والمراد هنا الجنس الأخص والنوع الأخص، فلا ننظر مثلاً جنس الحلاوة هذا جنس أعم، إنما ننظر الجنس الأخص والنوع الأخص. قال: فكل نوعين اجتمع في اسم خاص فهو جنس، فكل نوع اجتمع في اسم خاص فهو جنس، مثل لذلك قال: بر وشعير وتمر وملح، فهذه كل واحدة منها جنس، وكل واحدة منها تحته أنواع.
قال: وفروع الأجناس أجناس، فروع الأجناس أجناس، مثل عليه قال: كالأدم والأخباز والأدهان، يعني عندنا مثلاً البر والشعير، عندنا دقيق بر وعندنا دقيق شعير، كلاهما له اسم، الدقيق هل هو جنس واحد؟ لا، لماذا؟ لأن دقيق البر فرع من البر، ودقيق الشعير فرع من الشعير، فكل منهما يتبع لأصله، فلما كان هذا أصله جنس مستقل عن هذا، نجعل الفرع أيضاً جنس مستقلاً عن هذا. قال: وفروع الأجناس أجناس لأن الفرع يتبع الأصل، فلما كانت أصول هذه أجناس وجب أن تكون هذه أجناس، فدقيق الحنطة جنس ودقيق الشعير جنس، وكذا البواقي. ابن قدامة في الكافي يقول: وهذا الضابط جيد أيضاً، يقول: المتخذ من أموال الربا معتبر بأصله، فما أصله جنس واحد فهو جنس واحد وإن اختلفت أسماؤه، وما أصله أجناس فهو أجناس وإن اتفقت أسماؤه.
مثلوا على ذلك: نعم يكون كالورد والبنفسج، إذا كانت من دهن واحد فهو جنس واحد، لأنها كلها شيرج، وإنما طيبت بهذه الرياحين؛ يعني هذه كأنها نكهات، فهي كلها زيت من الشيرج، فجعلت نكهات فيكون هذا مثلاً دهن الورد، هذا دهن البنفسج، كلها أصلها واحد، لكن اختلفت أسماؤها لأنها كل واحدة صارت بنكهة، فيقولون تكون جنساً واحداً. أما قوله: ما أصله أجناس فهو أجناس وإن اتفقت أسماؤه مثل الدقيق، دقيق البر ودقيق الشعير، فهو كله اسمه دقيق، لكن لما كان أصله مختلفاً يعني كل واحد أصله من جنس مختلف، صار كل واحد منهما جنساً. المتخذ من أموال الربا معتبر بأصله، فما أصله جنس واحد فهو جنس واحد وإن اختلفت أسماؤه، وما أصله أجناس فهو أجناس وإن اتفقت أسماؤه، هذا ذكره في الكافي.
قال المصنف رحمه الله تعالى: واللحم أجناس باختلاف أصوله، لأنه فرع في أجناس فكان أجناساً، كلحم الضأن والمعز واحد، ولحم البقر والجواميس جنس، ولحم الإبل جنس، وهكذا. وكذا اللبن باختلاف أصوله بما تقدم. يقول اللحم أجناس باختلاف أصوله لأنه فروع أجناس فكان أجناساً كالأجناس؛ مثلاً الآن عندنا لحم الغنم، لحم البقر، لحم الإبل، هل نقول كلها لحم إذاً تكون جنساً واحداً؟ لا، يقول هي أجناس؛ فلحم أجناس باختلاف أصوله، لأنه جنس فالإبل غير البقر، والبقر غير الغنم، فلما كانت أصوله أجناس كانت الفروع هذه أجناس، كل واحد منها جنس مستقل. قال: كالخبز، يعني التي تقدم معنا، خبز البر غير خبز الشعير. ثم ذكر يعني تخصيصاً آخر، يقول الضأن والمعز هل هما جنسان أو جنس واحد؟ جنس واحد؛ لأن أصلهما كلاهما غنم، والبقر والجواميس جنس واحد، والإبل باختلاف أنواعها، إبل بختي أو عراق، جنس واحد. فيقولون مثل الزكاة، فالزكاة إذا أراد أن يبدل لحم ضأن بلحم معز فلا بد من التماثل؛ فلابد من التماثل، لكن إذا أراد أن يبدل لحم ضأن بلحم بقر لا يشترط التماثل لاختلاف الجنس، لكن اشترط تقابض. قال: وكذا اللبن أجناس باختلاف أصوله، فلبن الغنم غير لبن البقر غير لبن الإبل، فلو أراد أن يبدل لبن إبل بلبن بقر، جاز فيه التفاضل. طيب، وهل يجب التماثل؟ لا يجب التماثل، فلو أبدل لترين بلتر جاز ذلك، جاز ذلك لأن الجنس مختلف، لكن هل يجوز التفرق قبل التقابض؟ لا يجوز، لماذا؟ لماذا؟ التقابض، موزون ولا مكيل؟ مكيل، كل مائع مكيل، احفظها مع كل مائع مكيل.
قال رحمه الله: واللحم والشحم والكبد والقلب والطحال والكرش والرئة أجناس، لأنها مختلفة الأسماء، لأنها مختلفة الخلقة، فيجوز بيع جنس منها بآخر متفاضلاً. الآن أجزاء البهيمة الواحدة يقول كل جزء منها جنس، فاللحم جنس، والشحم جنس، والكبد جنس، فلو أراد أن يبدل لحماً بكبد، لحماً أحمر بكبد، فهل يشترط تماثل؟ لا يشترط لأنه جنس مستقل، جنس مستقل، وهكذا لو أراد أن يبدل لحماً بشحم، وهكذا لأنه جنس مستقل. لكن أراد إبدال لحم غنم بلحم غنم فهنا اشترط تماثل، ولذلك قالوا إذا أراد أن يبدل لحم غنم بلحم غنم فلا بد أن ينزع العظم، لا بد أن ينزع العظم. لماذا؟ ستأتينا مسألة مد عجوة، ستأتينا مسألة عجوة، مد عجوة، إبدال ربوي بربوي، ومعهما أو مع أحدهما من غير الجنس ربوي بربوي من جنسه، الآن لحم بلحم من جنس، ومعهما سواء مع كل واحد منهما عظم أو مع أحدهما عظم والآخر ليس معه عظم من غير الجنس، فهنا تحرم، سيأتينا التفصيل فيها، فهنا يقولون لا بد أن ينزع العظم لئلا يقع في مسألة مد عجوة.
نعم يقول لو كان كلا اللحمتين فيهما عظم، فهل أيضاً يقع في الربا؟ نقول ستأتينا إن شاء الله مسألة مد عجوة، وأن على المذهب أنه لا يجوز هذا التعامل، سواء كان الزائد مع أحد العوضين أو مع كلا العوضين، أو مع كلا العوضين.
قال رحمه الله تعالى: ولا يصح بيع لحم بحيوان من جنسه، لما روى مالك عن زيد بن أسلم عن سعيد بن المسيب أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع اللحم بالحيوان، وسعيد بن المسيب هل أدرك النبي صلى الله عليه وسلم؟ إذاً يكون هذا الحديث مرسلاً، إذاً يكون هذا الحديث مرسلاً. طيب بعض المذاهب بعض من يعني يبحث في بعض المسائل إذا وجد مرسلاً، خلاص مرسل يعني فيه انقطاع يعني ضعيف، إذا الحديث ضعيف لا يعمل به وأغلق هذا الباب، ليس بصحيح، لا بد أن تعرف طريقة تعامل العلماء رحمهم الله تعالى مع الأحاديث المرسلة؛ فأكثر العلماء رحمهم الله تعالى يحتجون في الأحاديث المرسلة إذا اعتضد بما يقويها، بما يقويها بأن تأتي من طرق أخرى قوية، أو ولو ليست قوية لكنها أيضاً جاءت مرسلة من أكثر من طريق، أو أفتى بها بعض الصحابة، أو كانت موافقة للقواعد، وهذا نص عليه الشافعي رحمه الله تعالى، ويعمل به كثير من الفقهاء رحمهم الله تعالى. ولذلك رد المرسل بإطلاقه هذا غير سديد، غير سديد؛ يعني كونه يقال لا يحتج بالمرسل أبداً هذا غير سديد، كونه صحيحاً أو ضعيفاً لا نتكلم فيه، نتكلم هل يحتج به أو لا يحتج به، فليس كل حديث ضعيف يسقط الاحتجاج به، إنما ينظر إلى ما يعضده، يعني الإمام أحمد رحمه الله وهو يعني من أئمة الحديث نقل عنه تضعيف أحاديث ومع ذلك عمل بها، فتضعيف شيء والاحتجاج شيء آخر.
طيب هنا ابن عبد البر رحمه الله ذكر أن هذا أحسن أسانيد حديث مالك عن زيد عن سعيد بن المسيب؛ يعني هذا المرسل من أقوى أسانيد التي وردت في هذا الحديث، وحملوه حمله الأصحاب على بيع لحم بحيوان من جنسه، قالوا لأن اللحم نوع فيه الربا لأنه موزون، بيع بأصله الذي فيه منه، فلم يجز كبيع السمسم بالشيرج، سمسم بالشيرج. قال: ويصح بيع اللحم بحيوان من غير جنسه، كما لو باع لحم ضأن ببقرة، لماذا؟ قال: لأنه ليس أصله ولا جنسه فجاز. هذا النوع الثاني: بيع اللحم بالحيوان من غير جنسه، ويكون الحيوان هذا مأكولاً، فيجوز لأنه ليس أصله ولا جنسه، فيجوز لأنه لا يشترط التماثل، لا يشترط التماثل فيجوز. لكن هل يشترط التقابض قبل التفرق؟ هنا إذا باع اللحم بحيوان من غير جنسه نعم يشترط؛ لذلك ذكر شيخ الإسلام رحمه الله أنه يحرم بيعه به نسيئة عند جمهور الفقهاء رحمهم الله تعالى. طيب إذا باعه بحيوان غير مأكول؟ إذا باعه بحيوان غير مأكول فكذلك، فكذلك فيصح، باع مثلاً اللحم بشاة في حمار، لحم شاة بحمار أهلي، حمار أهلي، فيجوز فيجوز ذلك لأنه ليس أصله ولا جنسه.
هنا لماذا قال: كما لو بيع بغير مأكول؟ الآن غير المأكول أليس حيواناً من غير جنسه؟ الآن ارجعوا العبارة، قال: يصح بيع اللحم بحيوان من غير جنس، كلحم ضأن ببقرة لأنه ليس أصله ولا جنسه فجاز. قال: كما لو بيع بغير مأكول. طيب لو بيع بغير مأكول أليس هو باع لحماً بحيوان غير جنسه؟ يعني ما الفرق بين الصورة الثانية والثالثة؟ الصورة الأولى: بيع اللحم بحيوان من جنسه، ضأن بلحم ضأن، هذا لا يجوز للحديث. الصورة الثانية: بيع اللحم بحيوان من غير جنس وكان مأكولاً. الصورة الثالثة: بحيوان من غير جنسه ولم يكن مأكولاً. لماذا نجعلها صورتين؟ لماذا نقول لحم بحيوان من غير جنسه فقط؟ المؤلف قال يجوز يصح، ثم قال: كما لو بيع بغير مأكول، ماذا فرق؟ طيب يقول هنا الصورة الثانية مأكول صحيح، طيب بماذا فرق؟ التماثل من الأصل حتى الثانية ما فيها تماثل، لكن حتى التقابض فيها تقابض، نعم كلاهما موزون. ما فهمت السؤال، اقرأ الكلام، المؤلف: ليس أصله ولا جنسه فجاز. طيب لماذا قال: كما لو بيع بغير مأكول؟ طيب بيع بغير مأكول ما تجي، ما تدخل في قوله: بيع اللحم بحيوان من غير جنسه؟
لماذا قاسه؟ هو يقول ليس أصلاً ولا جنسًا، والتعليل هذا ينطبق على غير المأكول، يعني يصح بيع اللحم بحيوان من غير جنسه، كلحم ضأن ببقرة، وكلحم ضأن بحمار أهلي؛ التعليل أنه ليس أصله ولا جنسه فجاز. فلماذا جاب هذه؟ بعدين قال: كما لو بيع بغير مأكول.
أنتم قربتم هذا، يقول الحيوان المأكول من غير جنسه قد يقصد لحمه بخلاف غير المأكول، هو ممكن أن يذكر هذا أو علة به، لكن المؤلف رحمه الله يقصد غير المأكول. هذا ما فيه خلاف بين الأصحاب على ما ذكره، أو نقول ممكن نقول هو قول أكثر الأصحاب؛ لأن قدامة والشارح كأنهم لم يطلعوا على خلاف، أنهم قالوا في ظاهر قول أصحابنا، وفي الإنصاف ذكر أنهم لعلهم لم يطلعوا، وذكر أن بعضهم قال إنه فيه الخلاف كسابقه كالماكول.
فهو يقول بيع اللحم بحيوان من غير جنسه ترى فيه خلاف في المذهب، يعني حتى في رواية عن الإمام أحمد رحمه الله أنه لا يصح بيع اللحم بحيوان سواء كان من جنسه أو من غير جنسه؛ استدلالًا بعموم الحديث. فهو يريد أن يقيس هذه المسألة المختلفة فيها على المسألة التي نقول قد نقول متفق عليها، أو نقول غالب الأصحاب عليها، فهو من باب قياس مختلف فيه على المتفق عليه أو المسلم به عند بعض الأصحاب، فهذا هو قصد بقوله كما لو بيع بغير مأكول.
ما معنى كلمة الجزاف؟ جزاف يعني البيع بغير تقدير، يعني يبيعه ولا يقدر، يعني ما يعلم وزنه أو كيله إذا كان مكيلًا؛ فيقول مثلًا هذه الصبرة كم مقدارها؟ ما يعلم مقدارها بالضبط، فهذا بيع للجزاف والبيع بغير التقدير، ويقال الجزاف بتثليث الجيم: جُزاف، وجِزاف، وجَزاف.
بيع اللحم بالحيوان حمله الأصحاب على بيع اللحم بحيوان من جنسه، لماذا حملوه على ذلك؟ هم نظروا إلى المعنى، بيع اللحم بالحيوان متى حرم؟ لأجل التفاضل. متى يجب التماثل؟ إذا كان اللحم من جنس الحيوان، أما إذا لم يكن من جنسه فلا يجب التماثل. هذه مبنية على مسألة أخرى وهي: هل اللحم أجناس أو جنس واحد؟ والمشهور في المذهب أنها أجناس، في خلاف، بعضهم يقول إنها جنس واحد، لكن المذهب أنها أجناس، فلذلك حملوا حديث اللحم بالحيوان إذا كان بحيوان من جنسه.
يقول من الصور الموجودة بيع 20 كرتون تمر بـ 20 كرتون تمر، هل هذا يجري فيه الربا الآن؟ بيع بالكيل أو لا؟ ما بيع بالكيل، بيع بالعدد، فهو لم يبع بمقداره الشرعي. وقلنا التمر بالتمر لا بد فيه من تماثل، والتماثل لا بد أن يكون بالكيل؛ فإذا كيلت هذه التمور ووضعت في كراتين، يعني علم كيلها فوضعت في الكراتين جاز. هذا يقول أليس الكرتون حجمًا فهو مكيال في نفسه كالصاع؟ لكن الكراتين تختلف، وأيضًا هل يملأ الكرتون أو لا يملأه؟ إذا كانت وسائل الكيل ليست محصورة، فلو اتفق أهل بلد على اعتبار شيء ما وسيلة للكيل جاز ذلك، فلو اتفقوا على اعتبار هذا الكرتون وسيلة كيل صح ذلك. فينظر هل مثلًا الكراتين كلها ممتلئة نفس الامتلاء؟ فنقول يجوز. لكن إذا كانت لا، مثلًا الكراتين مختلفة أحجامها وأيضًا لم يتحقق من امتلاء الكرتون، تعرف بعض الكراتين إذا فتحت لم يمتلئ الكرتون، فلو تحقق من الأمرين؛ هذا اتفق على أنه يكون أداة للكيل، وتحقق التماثل، يعني تحققت أحجامها كلها حجم واحد، وكلها على ملء واحد أو متقارب، فهنا يظهر الله أعلم الجواز.
يقول أليس الحيوان ليس بربوي لأنه ليس بموزون ولا مكيل؟ نعم، الحيوان ليس بربوي، لكنه يشتمل على ما كان ربويًا، اللي هو اللحم والشحم ونحو ذلك، فهو فيه أشياء ربوية، فلما كان كذلك دخل في هذه المسألة، فتأتينا مسألة التقابض لأنه يشتمل على أشياء موزونة، وتأتي مسألة التماثل إذا بيع بجنسه.
يقول تفريق الأصحاب هنا بين اللحم والشحم والكبد هل هو يقوي قولهم في لحم الجزور وأنه ينقض اللحم الأحمر فقط؟ لا، نقول يقوي، نقول هذا ماشي على قاعدته، ماشي على قاعدة أن اللحم غير الشحم غير الأشياء الأخرى، ففرقوا بينهما في الربا، فرقوا بينهما هنا وفي لحم الجزور وفي الحنث في اليمين، فقال والله لا آكل لحمًا فأكل شحمًا فإنه لا يحنث، لكن لو قال والله لا آكل من لحم هذه الشاة وهو قاصد أن لا يأكل من الشاة أبدًا، فهنا نرجع إلى القصد لا نرجع إلى اللفظ، والله أعلم.
صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان