دخولتسجيل الدخول

كتاب البيع 41 | باب الضمان

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما وعملا صالحا يا كريم. أما بعد، كنا قد توقفنا في التعليق على الروض المربع على باب الضمان، بعد أن أنهينا باب الرهن.

كل من الضمان والرهن تعد من عقود التوثيقات؛ فالراهن يوثق دينه بالرهن، والمضمون عنه يوثق دينه بالضامن؛ هذا الذي يضمن حقه لصاحب الحق. يضمن الحق الذي عليه لصاحب الحق.

الحمد لله. الصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين. قال المصنف رحمه الله تعالى: باب الضمان. الضمان مأخوذ من الضمن، فذمة الضامن في ضمن ذمة المضمون عنه، ومعناه شرعا: التزام ما وجب على غيره مع بقائه وما قد يجب. ويصح بلفظ ضمين وكفيل وقبيل وحميل وزعيم، وتحملت دينك، أو ضمنت، أو ضمنته، أو هو عندي، ونحو ذلك، وبإشارة مفهومة من أخرس.

ولا يصح الضمان إلا من جائز التصرف، لأنه إيجاب مال، فلا يصح من صغير ولا سفيه. ويصح من مفلس لأنه تصرف في ذمته، ومن قن ومكاتب بإذن سيدهما. ويؤخذ مما بيد المكاتب مما ضمنه قن لسيده.

هنا قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب الضمان. وقلنا إنه من عقود التوثيقات، والضمان المقصود به أن يضمن شخص لآخر دينه الذي على المدين. جاء مثلا محمد إلى صالح وقال: سأشتري منك هذا الجهاز، جهاز جوال، بـ 3000 ريال، أدفعها إليك إذا نزل الراتب في نهاية الشهر. قال: ما عندي مانع، أصبر عليك، لكن من يضمنك؟ أخشى أن يأتي نهاية الشهر ثم ما تستطيع السداد. قال: يضمنني فلان، وهو شخص مليء ومعروف عند البائع. فقال: ما عندي مانع. فهذا هو الضامن، الآن هذا الطرف الثالث دخل بين البائع والمشتري لكي يضمن الدين الذي على المشتري، يضمنه للبائع. فهذا هو الضمان.

يقول: مأخوذ من الضمن، فذمة الضامن في ذمة المضمون عنه، وهذه أحد الأقوال في اشتقاق الضمان، هل هو من الضمن أو من الضم؟ فذمة الضامن ضمت إلى ذمة المضمون عنه. على كل، هي اختلفت يعني مأخوذة من اللغة رحمهم الله تعالى في اشتقاق هذا اللفظ.

وليعلم أنه هذا تنبيه منهجي: بعض الباحثين مثلا تأتيه مسألة فقهية، منهم من قال بكذا ومنهم من قال بكذا، ويأتي يرجح بين الأقوال بناء على المعنى اللغوي. وهذا لا يستقيم، لماذا؟ لأن المعنى اللغوي من أين أخذه؟ سيأخذه من أهل اللغة، وكتب اللغة جزء منها ألفها فقهاء، فهم يذكرون المعنى اللغوي على حسب ما قرره إمامهم. فلا يليق أن ترجح، صحيح تستأنس، أن تذكره من ضمن المرجحات ما في إشكال، أما أن يكون هو المرجح الوحيد، تقول: لا المسألة كذا بدليل أن هذا هو معناها في اللغة، قال فلان كذا، فهذا لا يصح؛ يعني الترجيح بمقتضى المعنى اللغوي فقط هذا غير مستقيم. لأن أهل اللغة الذين كتبوا في اللغة كتبوا بناء على ما يقرر، يعني مثلا القاموس المحيط للفيروزآبادي، مذهبه شافعي، فيقرر ما يقرره الشافعي، كذلك ابن فارس مذهبه شافعي. فينبغي الانتباه إلى هذه الجزئية، وأنه لا يرجح بمقتضى اللغة في مسألة فقهية، يعني لا يكون هو المرجح الوحيد، لكن ممكن أن يستأنس به، لأن المسألة قد تكون فيها خلاف بين أهل اللغة.

يقول: معناه شرعا التزام ما وجب على غيره مع بقائه وما قد يجب. يعني عندنا شيئان: التزام ما وجب على غيره، يعني في الماضي، وما قد يجب في المستقبل. ما وجب على غيره مثل هذا الدين الذي هو ثمن مبيع وجب على المشتري فيلتزمه الضامن. قال مع بقائه، مع بقاء الدين في ذمة المضمون عنه، يعني ما نزل، حتى وإن التزم الضامن فإن المضمون عنه لم يبرأ بالتزام الضامن. هذا بخلاف عقد سيأتينا لاحقا، الحوالة. الحوالة إذا تحول الحق من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، خلاص برئت ذمة المحيل؛ يعني شخص اشترى من آخر تمرا مثلا بـ 1000 ريال، قال سددها لك بعد شهر، بعد شهر جاء قال أعطني الـ 1000 ريال، قال أنا أطالب مثلا عمر بـ 1000 ريال اذهب إلى عمر. فالآن برئت ذمة المشتري، لو قلنا مثلا هو محمد، برئت ذمة محمد وصار المطالب عمر، المحال عليه. هنا الحوالة تنقل، لكن الضمان لا ينقل، يبقى الدين في ذمة المضمون عنه. متى يسقط، سيأتينا بعد قليل متى يسقط، أو متى تبرأ ذمة المضمون عنه.

قال: وما قد يجب، يعني التزام دينا قد يجب. قد يجب إما لأنه عرضة للسقوط، أو أنه لم يأتي سببه حتى الآن. عرضة للسقوط مثل الأجرة؛ سيستأجر سنة مثلا بـ 30000، قد يأتي بعد شهرين فيأتي سبب يسوغ فسخ العقد، فهنا العشرة أشهر الأخيرة لا تثبت الأجرة في ذمة المستأجر، لماذا؟ انفسخ العقد. فهي عرضة للسقوط، لم تجب بعد. أو كذلك إذا كان سببه لم يأتي بعد، مثلا يأتي شخص إلى صاحب البقالة ويقول له: كل ما سيشتريه منك فلان وهو جاري الفقير فهو علي أنا سأسدده، فهو التزام شيء لم يجب حتى الآن. فإذا، التزام ما وجب على غيره مع بقائه أو التزام ما قد يجب.

وزاد في الإقناع والمنتهى وصفين في التعريف، وهو حقيقة شروط للضمان، وهذا مما يعده بعضهم عيبا في التعريف؛ أن تضمن الشروط والأحكام. لأنهم يقولون التعريف هو يوضح المعرف، فلا يلزم أن تضمن الشروط وبعض الأحكام المعرفة. ففي الإقناع والمنتهى زادوا وصفا أن يكون الملتزم، قالوا التزام من يصح تبرعه أو مفلس برضاهما. فلا بد إذا أن يكون الضمان ممن يصح تبرعه باستثناء المفلس، وأن يكون برضاهما، وهذه من الأحكام التي ستكون مستقرة عند الفقهاء رحمهم الله تعالى في الضمان.

هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى ألفاظ الضمان، قال يصح بلفظ ضامن وكفيل وقبيل، يعني قال أنا ضامن لفلان، أو أنا كفيل لفلان، أو أنا قبيل، أو حميل، أو زعيم، أو تحملت دينك، أو ضمنته، أو هو عندي، ونحو ذلك. فكل هذه ألفاظ تدل على الضمان، فلا يختص بلفظ واحد، بل كل ما دل على الضمان فإنه يعتبر وينعقد به الضمان. هنا بعض الأصحاب رحمهم الله تعالى، وهذا ذكره في الإقناع وغيره، إذا قال: أنا أؤدي أو أحضر ما عليه، قالوا لا يكون ضامنا. لماذا؟ قالوا لأنه وعد وليس التزاما. مر معنا أن الوعد يجب الوفاء به ديانة لا قضاء. هذا ما قرره بعض الأصحاب. شيخ الإسلام رحمه الله ذكر أن قياس المذهب أنه يصح الضمان بكل لفظ فهم منه الضمان عرفا، ومثل على ذلك مثل لو قال: زوجه وأنا أؤدي الصدق أو بعه وأنا أعطيك ثمن، نقول هو لفظه إذا أردنا أن نأخذ لفظه المجرد نقول صح هو وعد، لكن الناس صار عندهم هذا على أنه التزام بالضمان، فلذلك الشيخ رحمه الله ذكر أنه يعتبر ضمانا.

إذا الضمان يكون بصيغة، وما يقوم مقام الصيغة؟ الإشارة. الإشارة من تكون ممن؟ تكون من الأخرس وتكون مفهومة؛ قالوا بإشارة مفهومة من أخرس، لأن الإشارة تقوم مقام اللفظ عند العجز عنه. فتصح بإشارة مفهومة من أخرس، لأنه يصح بيعه وإقراره وتبرعه، فصح ضمانه كالناطق.

وهل يثبت بالكتابة؟ لو كتب ما أشار، كتب كتابة، فهل يصح الضمان بالكتابة؟ هنا قال لك بالإشارة، طيب الكتابة؟ الكتابة تلحق بالصيغة اللفظية. هم طبعا كلامهم الآن عن الأخرس. أما الناطق فيظهر والله أعلم أنه إذا لم يتلفظ بها، يبدو أنه لا ينعقد به الضمان. طيب الكتابة من أخرس بدون إشارة؟ قالوا لا ينعقد بها الضمان، يعني لا يثبت الضمان بالكتابة المنفردة عن إشارة. قالوا لأنه قد يكتب عبثا أو تجربة، فلم يثبت الضمان مع الاحتمال، نحن لا نعرف هل هو كتب يريد التزام الضمان أو لا، والأصل أن مال المسلم محترم فلا يضمن شيئا أو فلا يلزم شيئا بأمر محتمل.

هنا قبل أن نتكلم عن ما ذكره من شروط الضمان، الضمان ذكرنا أنه هو التزام ما وجب على غيره مع بقائه أو ما قد يجب. هذه ذكرناها سابقا، لكن نعيدها الآن لمناسبتها. هذا أحد الإطلاقات بلفظ الضمان، وقد يطلق ويراد به شيء آخر هنا في هذا الباب. يطلق ويراد به عهدة الشيء الذي انتقل إليه ملكه، فهو من ضمانه؛ سواء ملكه أو الانتفاع به ونحو ذلك، فهو من ضمانه، يعني أنه يضمن عهدته، بمعنى لو تلف فهو الذي سيتحمل التبعة. ويأتي من ضمان البائع أو من ضمان المشتري، هذا المقصود به تحمل التبعة. ويأتي الضمان بمعنى الغرامة، غرامة التلف، من أتلف شيئا فعليه ضمانه، يعني غرامة ما سيخسره من هذا الشيء، قيمته أو نحو ذلك أو إصلاحه. فإذا هذه المعاني الثلاثة هي أكثر ما يدور في كتب الفقهاء.

فهنا إذا الضمان المقصود به في هذا الباب هو التزام ما وجب على غيره مع بقائه أو ما قد يجب. طيب، قال هنا: لا يصح الضمان إلا من جائز التصرف. وقلنا قبل قليل في تعريف الضمان من صاحب الإقناع والمنتهى زادوا عبارة: من صح تبرعه. هنا قال جائز التصرف، في فرق، ذكرنا سابقا وجود فرق بين جواز التصرف وجواز التبرع. أيهما الأوسع؟ التصرف؛ فالتصرف قيوده قليلة، التبرع قيوده أكثر. الذي يجوز تصرفه هو الحر الرشيد، اللي هو المكلف البالغ العاقل. والذي يجوز تبرعه يزيد عليه الذي يتصرف بملكه لا بولايته، يعني مثل ناظر الوقف، ناظر الوقف هذا يجوز تصرفه لكن لا يجوز تبرعه، الولي على اليتيم يجوز تصرفه في مال اليتيم لكن لا يجوز تبرعه. طبعا قلنا لكم سابقا إن بعض الفقهاء يتسمح في إطلاق عبارة جواز التصرف ويريد بها جواز التبرع، مثل هنا، يقصدون هنا جواز التبرع. ولا يصح الضمان إلا من جائز التصرف، يقصدون بها جائز التبرع؛ لأنه لو أن ناظر الوقف ضمن مدينا في مال الوقف، فهل يصح له ذلك؟ لا يجوز، هذا تبرع. لكن ضمنه في ماله الخاص، نقول ما في إشكال، لأن هذا ملكه الخاص منفصل عن مال الوقف.

قال: لا يصح الضمان إلا من جائز التصرف، لماذا؟ قال لأنه إيجاب مال، هذا هو التعليل. هنا سيذكر محترزات، فلا يصح من صغير، لا يصح الضمان من صغير؛ سواء كان مميزا أو غير مميز، أما غير المميز فلا يصح ضمانه بغير خلاف. وأما المميز ففيه خلاف، لكن المشهور من المذهب أنه لا يصح ضمانه، لأنه التزام مال. ولا سفيه، سفيه على الصحيح من المذهب أنه لا يصح ضمانه، لأنه محجور عليه فـلم ينطبق عليه وصف الرشد.

ويصح من مفلس، هذا طبعا المفلس لا يجوز تصرفه في أعيان ماله، لكن يجوز تصرفه في ذمته، سيأتينا في الحجر. مفلس لو مثلا عنده سيارته حجر عليه في ماله، أمواله التي حجر عليه فيها لا يجوز أن يتصرف فيها، ما يشتريه لأولاده ونحو ذلك، حاجاتهم الشهرية، لكن الأموال التي.

زادت عن حاجته الشهرية فهذه لا يتصرف فيها. مثلًا عنده سيارة زائدة عن حاجته، هل له أن يتصرف فيها؟ ليس له أن يتصرف فيها. جاء صاحب المعرض قال: أنا سأشتري منك سيارة، قال: بكم تشتري؟ قال: سأبادلك بسيارتي هذه التي هي زائدة عن حاجتي. فهنا لا يجوز له أن يتصرف فيها؛ محجور عليه فيها. لكن قال له: سأشتري منك السيارة بـ 30,000، متى تسددها؟ قال: أنا محجور علي، سأسددك إذا فك الحجر.

جاء إلى صاحب المعرض وقال: سأشتري منك سيارة بـ 30,000، قال: متى تسددني؟ قال: أنا محجور علي، سأسددك إذا فك الحجر عني. صحت، لأنه هنا تصرف في ذمته. فلذلك قالوا في الضمان يصح أن يضمن المفلس؛ لماذا؟ قالوا لأن المفلس يجوز أن يتصرف في ذمته. فهنا لو لم يسدد المضمون عنه فسيسدد الضامن، الضامن ستكون هذه في ذمته.

قال أيضًا: ويصح من قن ومكاتب بإذن سيدهما. القن هو العبد، والمكاتب هو الذي اشترى نفسه من سيده. فلهم أن يضمنوا لكن بإذن السيد. طيب، لو ضمنوا بإذن السيد وما سدد المضمون عنه، ماذا نفعل؟ يقول: أما المكاتب فنأخذ من المال الذي في يده؛ لأنه هو يتكسب المال لكي يشتري نفسه. أما العبد فإنه يؤخذ من سيده، لأن العبد وما يملكه ملك لسيده.

قال رحمه الله: ولرب الحق مطالبة من شاء منهما. أي من المضمون والضامن في الحياة والموت؛ لأن الحق ثابت في ذمتهما، فملك مطالبة من شاء منهما. لحديث: «الزعيم غارم» رواه أبو داود والترمذي وحسنه. هنا قال: إذا ثبت الضمان، مثلًا زيد ضمن محمدًا، وصاحب الحق هو صالح؛ عندنا ثلاثة أطراف في الضمان: ضامن، ومضمون عنه، ومضمون له. المضمون له هو يسمى صاحب الحق أو رب الحق، وهو المضمون له، مثل البائع أو المقرض.

فيقول لرب الحق مطالبة من شاء منهما، أي من المضمون والضامن. سواء طالب المضمون، رفع الدعوى في المحكمة يطالب المضمون، أو رفعها يطالب الضامن. سواء كانا حيين أو كانا ميتين؛ فإذا كانا ميتين يطالب ورثتهما. فهو مخير بين مطالبة هذا أو هذا. قال في الحياة والموت، يعني حتى لو مات الضامن فلصاحب الحق أن يطالب ورثته، أو مات المضمون عنه فلصاحب الحق مطالبة ورثته.

قال: لأن الحق ثابت في ذمتهما، فملك مطالبة من شاء منهما؛ لحديث: «الزعيم غارم»، والزعيم والكفيل هو الضامن، غارم يغرم كما يغرم الأصيل. وهذا هو المشهور عند الأصحاب رحمهم الله تعالى. وهناك قول آخر في المذهب، وهو أنه ليس لصاحب الحق مطالبة الضامن إلا إذا تعذر السداد من المضمون عنه، كأن كان المضمون عنه مثلًا فقيرًا أو هاربًا لا يعلم أين هو، فهنا يطالب الضامن. أما إذا كان المضمون عنه موجودًا، فإنه لا بد من مطالبة المضمون عنه أولًا. قالوا لأن المضمون عنه أصل وهذا فرع، ولا يصار إلى مطالبة الفرع إلا عند تعذر الأصل، وهذا قول في المذهب واختيار ابن القيم رحمه الله تعالى، واختاره من المتأخرين الشيخ السعدي رحمه الله تعالى.

والعمل قبل نظام المعاملات المدنية كان على المذهب. ولما جاء نظام المعاملات المدنية سلك مسلكًا وسطًا بين القولين؛ فمؤدى النظام أنه إذا نص في وثيقة الضمان على أن لصاحب الحق مطالبة الضامن أو المضمون عنه، فهنا له مطالبتهما. أما إذا لم ينص فيها على ذلك، فإنه يطالب المضمون عنه أولًا ولا يطالب الضامن إلا بعد مطالبة المضمون عنه. وفي النظام أيضًا أنه لو طالب الضامن أولًا وسكت الضامن ولم يدفع بأنه لا بد أن تطالب المضمون عنه، فيسقط حقه في ذلك، فلا يأتي ويقول: خلاص طالبتني ولم تطالب المضمون عنه. وإذا كانت المطالبة أو إذا كان الضمان سابقًا للنظام وطالب الضامن مباشرة ودفع الضامن بأنه لم تطالب المضمون، وتمسك صاحب الحق بأن العمل القضائي سابقًا كان على مطالبة من شاء منهما، فله التمسك بذلك. نظمت بعض المسائل هنا، وإلا فالعمل القضائي سابقًا على أن لصاحب الحق مطالبة من شاء من الضامن والمضمون عنه.

قال رحمه الله: فإن برئت ذمة المضمون عنه من الدين المضمون بإبراء أو قضاء أو حوالة ونحوها، برئت ذمة الضامن لأنه تبع له لا عكسه؛ فلا يبرأ المضمون ببراءة الضامن، لأن الأصل لا يبرأ ببراءة التبع. فإذا تعدد الضامن لم يبرأ أحدهم بإبراء الآخر، ويبرؤون بإبراء المضمون عنه.

هنا طبعًا نشير إلى أنه اشترط للضمان كما تقدم أن يكون الضامن جائز التصرف أو جائز التبرع، ويشترط كما سيأتي الرضا من الضامن، والشرط الثالث أن يكون الدين واجبًا أو مآله إلى الوجوب. هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى متى تبرأ ذمة المضمون عنه، فقال تبرأ ذمة المضمون عنه بالإبراء، كأن أبرأه صاحب الحق؛ كان مثلا عليه 10,000 ريال، قال صاحب الحق: خلاص رأيت حالتك صعبة جدًا فتنازلت عن الدين الذي لي عليك، فهنا برئت ذمة المضمون عنه. الأمر الثاني القضاء، قضى المضمون عنه الدين فتبرأ ذمته. الثالث الحوالة؛ الحوالة هي أن يحيل المضمون عنه صاحب الحق بالدين المضمون. الحوالة تحويل ونقل للحق من ذمة إلى ذمة.

إذا برئت ذمة المضمون عنه بأحد هذه الأمور الثلاثة، فإنها تبرأ ذمة الضامن تلقائيًا؛ لأن الضامن تابع للمضمون عنه، فإذا سقط الأصل سقط التبع. أما إذا برئت ذمة الضامن، هل تبرأ ذمة المضمون عنه؟ قال لا، عكسه؛ فلا يبرأ المضمون عنه ببراءة الضامن. لو قال صاحب الحق للضامن: أنا أبرأتك ولن أطالبك سأطالب المضمون عنه، فهنا هل يبرأ المضمون عنه؟ لا يبرأ، لأن الأصل لا يبرأ ببراءة التبع. وذكر الموفق أن هذه الوثيقة التي هي وثيقة الضمان انحلت من غير استيفاء الدين منها، فلم تبرأ ذمة الأصيل منها، وقاسه على الرهن إذا انفسخ من غير استيفاء.

قال وإذا تعدد الضامن لم يبرأ أحدهم ببراءة الآخر؛ يعني مثلاً زيد هو المشتري، والبائع باع عليه سيارة وقال: ائتني بضامن، أتاه بضامن، قال: واحد ما يكفي، ائتني بضامن آخر، فأتاه بضامن ثانٍ. جاء صاحب الحق وأبرأ أحدهم، قال: أنا سأطالب فقط المضمون عنه والضامن الأول، أما أنت الضامن الثاني لن أطالبك. فهنا برئ الضامن الثاني بإبراء صاحب الحق، فهل يبرأ الضامن الأول؟ لا، هل يبرأ المضمون عنه؟ لا؛ لماذا؟ لأن هؤلاء لا يعتبرون فروعًا للضامن الذي أبرأه صاحب الحق. ولذلك قال بعده: ويبرؤون بإبراء المضمون عنه؛ لو أبرأ صاحب الحق المضمون عنه، تلقائيًا يبرأ الضامنون سواء كانوا اثنين أو ثلاثة أو أكثر؛ لأنهم فروع له، فإذا برئ الأصل برئ الفرع، ولا عكس إذا برئ الفرع لا يلزم أن يبرأ الأصل.

ولا تعتبر معرفة الضامن للمضمون عنه، ولا معرفته للمضمون له؛ لأنه لا يعتبر رضاهما فكذا معرفتهما. فيعتبر رضا الضامن لأن الضمان تبرع بالتزام الحق، فاعتبر له الرضا كتبرع بالأعيان. هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى مسألة، وهي هل يشترط أن يعرف الضامن المضمون له أو المضمون عنه؟ يقول لا يشترط، وذكرنا لكم مرارًا أن الفقهاء رحمهم الله تعالى غالباً إذا عبروا بهذا اللفظ فإنما مقصودهم الإشارة للخلاف، لأن من الأصحاب من اشترط ذلك. يقول هنا لا يعتبر، لماذا؟ يقول لا يعتبر معرفة الضامن للمضمون عنه ولا معرفته للمضمون له؛ يعني لو جاء شخص يدور في السوق، ودخل محلاً وإذا بأحد المشترين سيشتري شيئًا، سيارة مثلاً، والبائع قال: أنا بعتك، أنا أخشى أنك ما تسددني، فجاء هذا المتسوق قال: أنا أضمنه لك، وهو لا يعرف البائع ولا المشتري، لكن ضمنه باختياره، فهل يصح الضمان؟ هنا قال لا يشترط. علل بماذا؟ قال لأنه لا يعتبر رضاهما فكذا معرفتهما، وهذا ضابط، وهو معك في مجموعة من الأبواب؛ كل من لا يعتبر رضاه لا يشترط علمه، واعكسها، من اشترط رضاه اشترط علمه.

الضوابط الموجودة في الروض أخذها من التعليلات التي يعلل بها الفقهاء، ليس كل التعليلات ضوابط، لكن هناك من التعليلات ما هي ضوابط هذه تجدها معك في أكثر من باب. فهؤلاء لا يعتبر رضاهم، فلا يعتبر معرفتهم، ويدل على أنه لا يعتبر معرفتهم الحديث الذي فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصلِّ على الشخص لأن عليه دينًا، فأبو قتادة التزم أن يسدد الدين. ذكروا أنه لا يعرف لا هذا المتوفى ولا الدائن، ومع ذلك ضمنه وأقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك.

قال: بل يعتبر رضا الضامن. إذا المشترط للضامن هذا قلنا لكم من الشروط أن يكون الضامن راضيًا؛ لماذا؟ قال لأن الضمان تبرع بالتزام الحق فاعتبر له الرضا كتبرع بالأعيان، إنه تبرع بالتزام الحق. يعني هو قال: أنا سأضمن هذا الدين، فيعتبر له الرضا كتبرع بالعين؛ الآن شخص لو أراد أن يتصدق بشيء، أُكره على الصدقة به هل تصح؟ ما تصح، له أن يسترجعها، فلابد أن تخرج منه باختياره، وهكذا الضمان؛ الضمان هو تبرع، فكما اشترط في التبرع بالأعيان أن يكون عن رضا، فكذا في التبرع بالتزام يكون برضاه.

قال رحمه الله: ويصح ضمان المجهول إذا آل إلى العلم لقوله تعالى: ﴿وَلِمَن جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: 72]، وهو غير معلوم لأنه يختلف. ويصح أيضًا أن يضمن ما يؤول إلى الوجوب كالعواري والمغصوب والمقبوض بسوم، إن ساومه وقطع ثمنًا، أو ساومه فقط ليريه أهله إن رضوه وإلا رده، وإن أخذه ليريه أهله بلا مساومة ولا قطع ثمن فهو غير مضمون. ويصح ضمان عهدة المبيع، بأن يضمن الثمن إن استحق المبيع أو رد بعيب، أو الأرش إن خرج معيبًا، أو يضمن الثمن للبائع قبل تسليمه، أو إن ظهر به عيب أو استحق؛ فيصح لدعاء الحاجة إليه، وألفاظ ضمان العهدة: ضمنت عهدته أو دركه ونحوهما. ويصح أيضًا ضمان ما يجب، بأن يضمن ما يلزمه من دين، أو ما يداينه زيد لعمرو، ونحوه، وللضامن إبطاله قبل وجوبه.

قال: ويصح ضمان المجهول إذا آل إلى العلم، يعني أنه لا يشترط في المضمون عنه أن يكون معلومًا أثناء الضمان، لكن يكون معلومًا في المآل، أما إذا كان مجهولًا واستمرت جهالته فلا يصح. فمثلًا لا يصح أن يقول أنا ضامن بعض الدين، مثلًا جاء شخص اشترى بـ 30 ألف ريال، قال: ائتني بضامن بكفيل أو ضامن، فأتاه شخص قال: تضمنه بالـ 30 ألف ريال كاملة؟ قال: لا، أضمنه ببعضها، ولم يحددها، لو قال: أضمنه بـ 10 آلاف، صح، 10 من 30 صح، أو قال بـ 15، لكن قال أضمنه ببعضها مجهول، فهنا لا يصح.

لكن المجهول إذا آل إلى العلم صح؛ مثلًا لو قال: ضمنته لك الدين الذي على فلان، أو الذي ستقوم به البينة، يعني هو الآن رفع دعوى في المحكمة يطالب بـ 50 ألف، هذا الطرف الثالث سمع بهذه الدعوى قال: أبد أنا ضامن لهذا الدين الذي سيقر به، أو قال: ستأتي به البينة، فالذي سيحكم لك به أنا ضامن، فهنا يصح؛ لأن هذا مجهول لكنه سيؤول إلى العلم. قال لقوله تعالى: ﴿وَلِمَن جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ فهذا ضمان مجهول؛ لأن حمل البعير قالوا يختلف، الجمال تختلف في تحملها أيضًا لما تحمله، وهكذا.

قالوا ويصح أيضًا ضمان ما يؤول إلى الوجوب، ما يؤول إلى الوجوب يعني أنها غير مستحقة الآن لكن قد تستحق لاحقًا، قال كالعواري، العواري هي تستحق ردها، سيعيدها، لكن متى تترتب في ذمة الضامن؟ إذا لم يعدها وتلفت ونحو ذلك، فهي تترتب في ذمة الضامن لكن قد يعيدها ولا يترتب في ذمة الضامن شيء، فلذلك هذا ضمان ما يؤول إلى الوجوب. والمغصوب كذلك إذا تلف ونحوه، والمقبوض بسوم ذكر لك ثلاث صور، في صورتين يصح ضمانه والصورة الثالثة لا يصح ضمانه. مقبوض بسوم يعني قبضه وإلى الآن ما اتفقوا على سعر معين، نضرب له مثالًا: شخص ذهب إلى محل الجوالات وأخذ جوالًا وسيشتريه مثلًا لأخيه ولا لزوجته أو لابنه، فجلس يتفاوض معه على السعر: 2000، لا أبي 1800 ونحو ذلك، فأخذه ليريه أهله، هنا الآن يوم أخذه ليريه أهله، يوم أخذه خرج من المحل هل هو من ضمانه لو تلف أو لا؟ هذه ذكروا لها ثلاث صور.

نرجع إلى كلام المؤلف قال: إن ساومه وقطع ثمنه، يعني خلاص اتفقوا على سعر معين أو اتفقوا على 2000 ريال، فقبضه الآن على وجه السوم ثم أخذه ليريه أهله، خرج به من المحل ليريه أهله، هذه الصورة الأولى واضحة. طيب الصورة الثانية: ما اتفقوا على السعر يعني 2000، 1800، 2000، ما اتفقوا قال: اصبر أنا أذهب به لأهلي إذا أعجبهم أكملت التفاوض، وإذا ما أعجبهم خلاص رددته لك، هنا هذه الصورة الثانية، قال: ساومه فقط ليريه أهله إن رضوه وإلا رده، فهنا لم يقطع الثمن. في الصورة الأولى والثانية، يد طالب الشراء هنا يد ضمان، فهذه العين مضمونة بمعنى لو خرج من المحل وسقط الجوال وانكسر، فمن ضمانه هو، ليس من ضمان البائع، فكل ما كان من ضمانه يجوز أن يضمن.

شلون يضمن؟ يعني يأتي شخص وهذه اللي أقول لكم الضمان سيأتي على معنيين في هذا الباب، يأتي شخص ويقول: ما دام أن القابض هنا على وجه السوم هذا قد يضمن، قد ينكسر الجوال ويضمن، خلاص أنا سأضمنه لكم. نظرا أنهم متفاوضون، قال: بأوديه لأهلي، قال: وش ضمني أن أنا أخاف ما ترجع؟ جاء شخص وقال: أنا أضمنه، أنا أضمنه، يذهب به لأهلي ويرجع، لو ذهب به لأهلي ولا رجع أو ذهب به إلى أهله وانكسر الجوال خلاص، أنا أسددك، فهنا يصح.

في الصورة الأولى والثانية يصح، الصورة الثالثة ما هي؟ قال: إن أخذه ليريه أهله بلا مساومة ولا قطع ثمن، يعني من يوم جاء قال: كم هذا؟ قال: بـ 2000، ما اتفقوا على ثمن، ولا ساوموا إلى الآن، قال: بوريه لأهلي فقط، بشوف يجوز لهم ولا لا، هنا ما في مساومة ولا في قطع ثمن، ما اتفقوا على ثمن قاطع بينهم، فهنا يوم خرج انكسر الجوال، الصورة الثالثة طبعًا فيه خلاف في المذهب هل هي من ضمان القابض أو من ضمان المالك، لكن المشهور أنها من ضمان المالك ليست من ضمان القابض، قالوا يد القابض هنا في الصورة الثالثة يد أمانة ليست يد ضمان، فهنا الأمانة لا تضمن كما سيأتي معنا بعد قليل، فهنا ما يصح أن يأتي شخص ويقول: أنا أضمنه لك، لكن لو قال: أنا أضمنه لك نقول: يحمل هذا على ضمان التعدي والتفريط، لا على ضمان مطلق.

بمعنى لو أخذ شخص هذا الجوال ولم يحصل قطع ثمن ولا مساومة ويوم خرج انكسر الجوال، وهو لم يكن هذا بتقصير منه أو تعدٍّ، فإنه لا ليس من ضمانه، من ضمان المالك، من ضمان المالك. فهنا إذا يصح ضمان ما يؤول إلى الوجوب، قال كالعواري والمغصوب والمقبوض بسوم، نقول في الصورتين الأولتين اللي هي الصورة الأولى: إن ساومه وقطع الثمن، والثانية: ساومه لكن لم يقطع الثمن، يعني حصلت مساومة فقط من دون قطع الثمن، ثم ذهب به إلى أهله ينظر يقبلونه وإلا لا، فهنا في هاتين الصورتين يجوز أن يأتي شخص ويضمن هذا القابض، في الصورة الثالثة لم تحصل مساومة ولا قطع ثمن، فهنا لا يصح الضمان فيها، لكن لو حصل الضمان فإنه يحمل على ضمان التعدي والتفريط.

يصح ضمان عهدة المبيع، ضمان العهدة ذكرنا لكم هم يقصدون بالعهدة أنك تضمن أن هذا المبيع هو لفلان، مثل لو هذا يكثر ترى في سوق الغنم، أنت تذهب ما تدري هذا سارق الغنم ولا لا، كثيرًا يأتون من اللصوص ويسطون على أحواشهم ويأخذونها ويحملونها ويذهبون لسوق الغنم ويبيعون، فقد تشك هل الغنم التي مع صاحبها ولا لا، لو جاء شخص وقال: ولا شك أنه جاء شخص وقال: أنا أضمن لك أن هذه غنم فلان، هذه ضمان العهدة. فيقول يصح ضمان عهدة المبيع، يصح الضمان في الطرفين.

قال: بأن يضمن الثمن إذا استحق المبيع، هذا إذا استحق المبيع يعني تبين أنه يوم اشتريت 100 رأس من الغنم وجلبتها إلى حوشك، بعد يومين جاك اتصال من الشرطة تعال راجعنا، راجعتهم قالوا: تقدم فلان وقال أنه سرق من حوشي 100 رأس من الغنم، وبالتبين تبين أنها هي الرؤوس التي عندك، وشلون أثبتوا هذا؟ جابوا اللي باع لك قال: والله اعترف أنه هو اللي سرقها، فهنا ترجع إلى صاحبها، الضامن هذا اللي قال أنا أضمن لك أن هذه غنم فلان، هو اللي يضمن لك المبلغ، الثمن الذي دفعته، ثم يضمن ويرجع به على صاحب البائع، فهنا الضامن يضمن. يقول يضمن بمعنى أنه يعطيك الثمن الذي دفعته، قال: إذا استحق المبيع أو رد بعيب، رد المبيع على البائع بعيب، طبعًا هذه ليست في السابقة، يعني يوم أنت خشيت أن لما أعطيت البائع الثمن يتصرف فيه، فإذا حصل فيه عيب في الغنم أرجعته قال لك: اصبر شهر أو شهرين أنا ما عندي سيولة، هنا يأتي شخص يقول: أنا أضمن لك هذا، فإذا رددت المبيع لوجود العيب ترجع للضامن مباشرة: يلا أنا رددته هذا ما عنده نقود أعطني.

قال: أو رد المبيع بعيب أو الأرش إن خرج معيبًا، يعني تأتي إلى من قال لك الضامن: أنا أضمن لك لو في عيب في الغنم أدفع لك أرشه، فهنا هذا من ضمان العهدة هذا من جانب البائع، من جانب المشتري يعني هذا يضمن البائع، هناك ضمان العهدة يضمن المشتري، فيقول أو يضمن الثمن للبائع قبل تسليمه، يعني يأتي شخص يشتري الغنم وقال: خلاص أنا سأعطيك ثمنها العصر، ما يضمن لي، فأتى فلان قال: أنا أضمن لك، فهنا ضمن الضامن الثمن للبائع قبل تسليمه، أو إن ظهر به عيب أو استحق، طبعًا يضمن الثمن للبائع يعني يضمن أن البائع أن المشتري هو الذي يملك الثمن، أو إن ظهر به عيب أو استحق؛ لا، يضمن ثمن البائع مثل ما قلنا أنه يضمن تسليم المشتري للثمن للبائع، أو إن ظهر به عيب لو كان مثلًا الثمن الذي سيدفعه المشتري ليس نقودًا، سيدفع مثلًا جمال مقابل غنم، قد تكون الجمال فيها عيب، فيقول البائع: أعطني ضامنًا يضمن أنك سترد علي قيمتها لو كانت فيها عيب، أو استحق تبين أن هذه الجمال ليست لك لغيرك، فيحضرون ضامنًا، فكل هذه من ضمان العهدة، فكل هذه تصح لماذا؟ قال: يصح لدعاء الحاجة إليه، فيها حاجة قد تكون الحاجة في بعض الأزمان أو بعض الأماكن يسيرة، لكن قد تكون في أماكن أخرى الحاجة كثيرة إليها.

ألفاظ ضمان العهدة: ضمنته عهدته أو دركه ونحوهما، فهذه كلها من ضمان العهدة. قال: يصح أيضًا ضمان ما يجب، يعني ما لم يجب حتى الآن وسيجلب في المستقبل، ومثل على ذلك بأن يضمن ما يلزمه من دين، قال: كل ما يقترضه فلان فأنا ضامن له، أو كل ما يشتريه فلان فأنا ضامن له، فهذا كله جائز، وهذا من يدخل في ضمان المجهول ويدخل في ضمان ما قد يجب، قال: وللضامن إبطاله قبل وجوبه، يعني لو قال شخص لصاحب البقالة...

كل ما يشتريه منك جاري الفقير خلال الشهر فأنا ضامن له. كانت الأمور مستقيمة بينهما، وبعد أسبوع حصلت بينهما مشكلة بين هذا الضامن وجاره، فذهب الضامن إلى صاحب البقالة قال: اشترى منك جاري شيئاً؟ قال: لا، حتى الآن لم يشتر مني شيئاً خلال هذا الشهر. قال: خلاص أنا تنازلت عن الضمان. فهنا له ذلك؛ قال للضامن إبطاله قبل وجوبه، لأنه هنا إلى الآن ما اشترى شيئاً فله أن يبطله.

لماذا له أن يبطله؟ نقول: لأن ذمته لم تشتغل به حتى الآن. لكن لو وجب، جاء هذا اشترى مثلاً بألف ريال، وحصلت مشكلة وجاء وقال: لا خلاص أنا تنازلت عن الضمان، لن أسدد عنه شيئاً. فهل يملك ذلك؟ لا ما يملك ذلك، لا يملك ذلك؛ التزام. إلا إذا أبرأ صاحب الحق قال: خلاص أنا ما عندي مانع، فالحق لصاحب الحق، لكن إذا تمسك صاحب الحق بحقه فإنه لا يملك ذلك.

قال رحمه الله: لا ضمان الأمانات كوديعة ومال شركة وعين مؤجرة؛ لأنها غير مضمونة على صاحب اليد، فكذا ضمانه. بل يصح ضمان التعدي فيها، أي في الأمانات؛ لأنها حينئذ تكون مضمونة على من هي بيده كالمغصوب. فإن قضى الضامن الدين بنية الرجوع رجع، وإلا فلا، وكذا الكفيل، وكل مؤدٍ عن غيره ديناً واجباً غير نحو الزكاة.

قال لا ضمان الأمانات، يعني الأمانات لا تضمن؛ لأنها ليست مضمونة على من بيده العين، فكذا الضامن. يعني الآن الوديعة، جاء شخص سيسافر وقال: أنا سأسافر فسأودع عندك غنمي التي أرعاها، اجعلها مع غنمك، هنا وديعة. لكن أخشى أن يموت الغنم، فأحضر لي ضامناً؛ هنا هل يصح هذا؟ نقول أصلاً هذا من شروط صحة الضمان أن يكون الدين واجباً أو مآله إلى الوجوب. نقول أصلاً لو ماتت عند المودع هنا بغير تعدٍ ولا تفريط فإنه لا يضمن، فكذلك الضامن لا يضمن؛ لأن الضامن فرع عن الأصل الذي هو المودع، فلا يصح هنا. لكن لو اتفق على ضامن في عقد أمانة فإنه يضمن التعدي أو التفريط؛ بمعنى لو أنه ضمنه ثم ماتت الغنم بغير تعدٍ ولا تفريط من الراعي أو من المودع فإنه لا يضمن لا المودع ولا الضامن. أما المودع فإن يده يد أمانة فلا يضمن، قلنا لكم الأمين لا يضمن إلا إذا تعدى أو فرط، أما الضامن فإنه فرع عن المودع الذي هو الأصل، وإذا لم يضمن الأصل فإنه لا يضمن التبع.

قال: بل يصح ضمان التعدي فيها؛ لأنها حينئذ تكون مضمونة على من بيده كالمغصوب. قال الموفق: وهو ظاهر كلام الإمام أحمد رحمه الله. قال في رواية الأثرم في رجل يتقبل من الناس الثياب، فقال له رجل: ادفع إلي ثيابك وأنا ضامن، فقال: هو ضامن لما دفعه إليه؛ يعني إذا تعدى أو تلف بفعله. فعلى هذا إن تلف بغير تفريط منه ولا فعله لم يلزم الضامن شيء. طبعاً هذا الذي يتقبل من الناس الثياب يمكن أنه يخيطها أو يغسلها، فهذا يسميه الفقهاء أجيراً مشتركاً، والأجير المشترك يقولون يضمن ما تلف بفعله أو تفريطه، لكن لو تلف هذه العين بغير فعله ولا تفريطه فإنه لا يضمن. فيقول هذا مثله، الإمام أحمد رحمه الله يقول: هو ضامن لما دفعه إليه، فسره الموفق يعني يقول إذا تعدى أو تلف بفعله.

ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى مسألة ما إذا سدد الضامن الدين عن المضمون عنه، فهل يرجع أو لا يرجع؟ يعني الآن مثلاً اشترى زيد من صالح جوالاً بثلاثة آلاف ريال وضمنه عمرو، جاء عمرو سدد الثلاثة آلاف ريال لصالح. الآن عمرو هل يرجع على زيد أو لا يرجع؟ نقول لا يخلو من ثلاث حالات: الحالة الأولى أن ينوي الرجوع عليه فإنه يرجع. الحالة الثانية أن ينوي التبرع؛ يقول هذا صاحبي وحالته صعبة جداً، خلاص أنا سأسدد عنه ولن أطالبه، سأسدد عنه لوجه الله تعالى، هنا نوى التبرع فهنا لا يرجع؛ لأنه تطوع بذلك أشبه الصدقة. وفيه قاعدة عند الفقهاء يقولون: الساقط لا يعود، فهو أسقط حقه من المطالبة فلا يعود فيه. يعني بعض الناس يتبرع يقضي الدين عنه تبرعاً، ثم بعد أشهر أو سنوات لتسوء الحال بينهما يجي يطالبه بأشياء ماضية، هذا ما يجوز؛ لأنك أنت نويته لله تعالى، فلا يجوز أن ترجع فيما أخرجته لله. الحالة الثالثة أن يطلق فلا ينوي تبرعاً ولا رجوعاً، فهذه اختلف فيها الأصحاب رحمهم الله تعالى، والمشهور من المذهب أنه لا يرجع في هذه الحال.

فإذاً يرجع في حالة واحدة وهي إذا نوى الرجوع. أما إذا أطلق أو نوى التبرع فإنه لا يرجع. قال: وكذا الكفيل، يعني الكفيل مثله؛ فلو أدى الدين الكفيل سيأتينا في الفصل القادم هو الذي يلتزم بإحضار بدن المدين أو من عليه الحق، فالكفيل مثله لو سدد بنية الرجوع فإنه يرجع، لو سدد بنية التبرع فإنه لا يرجع. قال: وأيضاً كل مؤدٍ عن غيره ديناً واجباً، كل مؤدٍ عن غيره ديناً واجباً فعلى الحالات الثلاث؛ نوى الرجوع يرجع، نوى التبرع أو أطلق فإنه لا يرجع. طبعاً إذا أطلق على القولين في المذهب، لكن المشهور أنه لا يرجع. مثل نفقة غير لازمة على من سدد. مثلاً الزوجة أنفقت على أولادها بنية الرجوع على زوجها، النفقة واجبة على الأب، فأنفقت على أولادها بنية الرجوع على زوجها، فهنا لها أن ترجع بما أنفقت بشرط أن تنوي الرجوع لا التبرع.

ومثله ظاهر كلام الأصحاب، مثله لو سدد شخص ثمن مبيع، جاء لصاحب المحل قال: كم على فلان؟ كان عليه ثلاثمئة ريال، أعطاه ثلاثمئة ريال، ثم رجع لفلان وقال: سددت عنك ثلاثمئة ريال أعطني إياها، قال: لا، أنا ما طلبت منك أن تسدد. فقال في الروض: وكل مؤدٍ عن غيره ديناً واجباً، يعني له أن يرجع إذا نوى الرجوع؛ أنا دفعت ونويت الرجوع، فهنا على كلام الأصحاب رحمهم الله تعالى له أن يطالب. قال: غير نحو زكاة. الزكاة هذه وغيرها مما يشابهها في الحكم مما يفتقر إلى النية، الزكاة جئت تخرجها لابد من أن تنوي قبلها أنها زكاة، فهنا لو شخص دفع عن غيره زكاة، علم أن صاحبه عنده مئة ألف ريال زكاتها ألفان وخمسمئة، جاء وشاف الفقير محتاج جداً ودفع له ألفين وخمسمئة ريال زكاة عن فلان، فلان موكله ولا شيء، جاء العصر اتصل عليه: يا أبو سلمان، ترى لقيت فقيراً محتاجاً ودفعت له ألفين وخمسمئة زكاة عنك، قال: جزاك الله خير، أنا والله أدور محتاج، فجزاك الله خير. هل تجزئ؟ ما تجزئ؛ تفتقر إلى نية.

ولذلك ينبغي للشخص أن يخرج زكاة الفطر مثلاً، بعضهم ما اجتهد يجي يخرجها عن والده، والده لا يعيش في البيت ووالده مقتدر، فهنا لابد من أن يوكل لك الوالد في إخراج الزكاة. صحيح لو اشتريت الزكاة ما دفعتها للفقير، اشتريت الرز مثلاً وما دفعتها للفقير وقلت له: ترى بأخرج زكاة عنك، أنت بعد ما اشتريتها لكن ما دفعتها ما في إشكال، لكن ليس أن تدفعها للفقير ثم تقول للوالد: والله أنا دفعت عنك زكاة الفطر، هنا لا يجوز؛ لأنها ليست واجبة عليك.

لكن بالعكس لو كان الأب هو الذي دفع عن ابنه الذي يعيش معه في البيت، فهنا نقول ما في إشكال، هنا صارت واجبة على الأب؛ هل هي واجبة أصالة أو تبعاً؟ هذه مسألة خلافية، لكن هي واجبة على الأب، فهنا ما في إشكال، لا يلزم أن يستأذن ابنه. لكن الابن الذي لا يعول والديه، هنا لابد أن يستأذنهما في إخراج الزكاة عنهما. الزكاة واجبة لكنها صدقة تطوع، أو جاء وشاف مشروعاً خيرياً مثل المشاعر مكتوب سهم الوالدين، تبرع عن الوالدين، ما في إشكال، لا يلزم أن يخبرهم، قد يكونا ميتين فيريد أن يلحقهم الأجر بعد وفاتهم، ما في إشكال. لكن الكلام في الشيء الواجب، الزكاة والكفارة لابد فيها من نية.

هنا لابد فيها من نية، لا يرجع عليهم إذا سدد عنهم شيئاً واجباً ويقول: أنا سددت عنكم وأريد أن أرجع إليكم بما سددت. نقول: لا، هذه تحتاج إلى نية. فهنا لابد فيها من النية السابقة من المؤدى عنه. يعني في الزكاة لو قال لك: ادفع أنا عندي مئة ألف، ادفع عني ألفين وخمسمئة للفقير لمن شئت، حدد له فقيراً أو قال: لمن شئت، فدفعت عنه ألفين وخمسمئة من مالك الخاص، هنا صحيح لك أن ترجع، وجدت النية. لكن دفعت عنه قبل أن يوكل لك، فهنا ليس لك أن ترجع لعدم وجود النية. نقف على هذا ونسأل الله للجميع التوفيق والسداد.

هذا يقول: هو حقيقة لا يدخل في هذا الدرس، يقول: الضمان الممتد عند شراء بعض السلع بدفع مبلغ زائد على ثمن السلعة، ويكون الضمان على التلف أو الضرر لمدة محددة ولو مع التعدي والتفريط، ما حكمه؟ هذا حقيقة ليس من الضمان الذي هو موضوعنا هذا اليوم، هذا التزام من الشركة المصنعة أو المحل الذي باع بأن يقوم بصيانة هذه القطعة لمدة محددة، سواء سيارات أو أجهزة كهربائية ونحو ذلك لمدة محددة، وتدفع أنت زيادة عليها؛ يعني تدفع زيادة لأجل الضمان. هنا هل يجوز هذا أو لا يجوز؟

يعني مثلاً جئت تشتري جهاز جوال من محل إلكترونيات، فقال لك الجهاز بألفي ريال، وعندنا ضمان سنة، هذا ضمان الشركة، لكن تريد أن نزيد لك في الضمان، زد في المبلغ، ادفع ألفين وثلاثمئة ونضع ضمان سنتين، وضمان حتى نغير لك الشاشة لو تكسرت، يعني هو الضمان الأصلي لا يضمن الشاشة إذا تكسرت، يقول: ادفع ثلاثمئة ريال أو خمسمئة ريال ويكون الضمان سنتين مثلاً، ونغير لك مثلاً الشاشة إذا تكسرت، هل فيها غرر؟

هنا هذه الزيادة التي دفعتها مقابلها مالاً، هذا ما وقع فيه الخلاف بين المعاصرين، طبعاً هي غرر، لكن هل هو غرر معتبر لأنه تابع للعقد أو لا؟ هذا وقع فيه خلاف بين المعاصرين، فمنهم من قال: إنه غرر معتبر لأنه تابع، هو تابع لهذا العقد الذي اشتريت به الجوال مثلاً. يقول: لو أنك لما اشتريت الجوال جئت بعد ستة أشهر قلت: فيه خلل، قال: ترى فيه عندنا خدمة أنك تزيد سنة مقابل كذا، فحتى على قول هذا المفتي يقول: لا، إذا كان مستقلاً ما كان في نفس العقد فإنه لا يجوز؛ لأنه ليس تابعاً، لكن إذا كان في نفس العقد فإنه يغتفر لأنه تابع.

ومنهم من المعاصرين قال: لا يجوز مطلقاً سواء كان تابعاً أو لا؛ لأنه هنا أنت دفعت ثلاثمئة ريال أو أربعمئة أو خمسمئة، قد يخرب الجوال مرتين أو ثلاث مرات خلال ثلاث سنوات أو خلال سنتين، وتصير مثلاً كسبت ألف ريال، كنت يعني لو لم تدفع هذه ستدفع ألفاً وخمسمئة، لكن دفعت خمسمئة ريال، خلاص صلحوه لك بألف وخمسمئة، يعني كسبت ألف ريال. وقد تمر السنتان ولم تصلح هذا الجهاز أبداً، فقد دفعت خمسمئة ريال مقابل لا شيء، فيقول هنا غرر مجهول العاقبة.

نعم، وهذا الضمان قد ذكر شيخنا سعد الخثلان وفقه الله، نعم، هذه مرت علينا، هم ما ذكروها في الضمان، ذكروها في الغرر؛ لو قال: اضمن لي وادفع عني بعشرة أو نحو ذلك، وهذه مرت معنا وقلنا أنها لا تجوز لأنها تؤول إلى كونها قرضاً جر نفعاً، وهناك من هذا قول عامة المذهب، بحث هل فيها إجماع أو لا، وقيل: إنه هو قول جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى أنه لا يجوز أخذ الأجرة على الضمان؛ لأنه عقد تبرع، عقد تبرع يعني من الضامن للمضمون عنه، فلا يجوز أن يتربح فيه.

هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.