الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين. قال المصنف رحمه الله تعالى: فصل في الكفالة، وهي التزام رشيد إحضار من عليه حق مالي لربه، وتنعقد بما ينعقد به الضمان، وإن ضمن معرفته أخذ به.
هنا قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل في الكفالة. قلنا لما أنهى المؤلف رحمه الله تعالى الكلام على الضمان، انتقل إلى الكفالة؛ جامعاً أن كلا منهما فيه توثقة، فالضمان توثقة بالمال، والكفالة توثقة بالبدن؛ لذلك الكفالة عقد يقع على البدن على إحضار البدن، لذلك قال هنا: الكفالة التزام رشيد إحضار من عليه حق مالي لربه.
ودل على صحتها القرآن، قوله تعالى: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّىٰ تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَن يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: 66]. وقلنا إنه هنا وجه الدلالة ما ذكره صاحب الفروع، قال في الفروع: فإن قيل لم يثبت على المكفول به هنا شيء؛ ما ثبت عليه شيء لأبيه. فما الجواب؟ قيل: بل عليه حق، لأنه إذا دعاه والده لزمته الإجابة. هذا من القرآن.
ومن السنة: حديث الذي لزم غريماً له في دين مقداره عشرة دنانير، وكان هذا المدين معسراً، فالنبي صلى الله عليه وسلم كلمه لأن يضع عنه أو يؤخره، فقال: «حتى تأتي بحميل»، يعني بكفيل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا أحمل». وأيضاً حديث: «الزعيم غارم». ومن المعقول: الحاجة داعية إلى الاستيثاق بالمال أو البدن؛ استيثاق بالمال بالضمان أو الرهن، واستيثاق بالبدن بالكفالة، وضمان المال يمتنع منه كثير من الناس، وإنما يقبلون على الضمان بالبدن هو الكفالة، فلو مُنع الضمان بالبدن لوقع الحرج على الناس.
قال في تعريف الكفالة: التزام رشيد. الرشيد أي أخرج الصبي والمجنون والسفيه. قالوا ولو مفلساً. هناك في الضمان ذكر أنه يصح ضمان العبد والمكاتب بإذن سيدهما. طيب في الكفالة؟ الكفالة تأخذ حكم الضمان، ولذلك قال ابن فيروز رحمه الله: ظاهره يعم القن والمكاتب؛ رشيد يعني ولو كان قناً أو مكاتباً، قال: ولعل المراد إذا أذن له السيد كما في الضمان.
التزام رشيد إحضار من عليه حق مالي لربه؛ فالعقد في الكفالة قلنا واقع على بدن المكفول به، فكان إحضاره هو الملتزم به. عندنا في الكفالة ثلاثة أركان وربما نقول أربعة: عندنا كفيل، ومكفول به وهو المدين، ومكفول له وهو صاحب الحق، وعندنا الدين المكفول الذي هو سبب الكفالة.
هنا قوله: إحضار من عليه حق مالي لربه، في الضمان قالوا يجوز ضمان ما وجب وما قد يجب مما مآله إلى الوجوب، وهنا كأنهم يشترطون في الكفالة أن يكون الدين واجباً. فهل هذا مقصود؟ أو نقول الكفالة مثل الضمان؛ يعني في الضمان لو قال: ما يشتريه منك فلان فأنا ضامن، لو قال: ما يشتريه منكم فلان فأنا كفيل بإحضاره، وهو إلى الآن ما اشترى شيئاً، فهل يصح هذا أو لا؟
إلى الآن ما وجب عليه حق، فهل يصح أو لا؟ هنا قالوا لا تنعقد؛ يقصد الصياغ، تنعقد بقول من: زعيم، كفيل، حميل، إلى آخره. المستفاد من التعريف أنه لا يثبت إلا بثبوت الدين، فإذا لم يثبت الدين لم تثبت الكفالة.
هنا قال في حاشية العنجري: كان ظاهر كلامه أن الكفالة لا تتعلق إلا بمن عليه حق في الحال، وأما من سيتعلق به حق في المستقبل فلا تصح كفالته الآن. وحينئذ فيُطلب الفرق بين الضمان والكفالة، قال: لماذا صحت في هذا ولم تصح في هذا؟ قال: طبعاً هذا كله نقله العنجري عن الخلوتي في حاشيته عن المنتهى، قال: وقد يقال لا فرق، ومراده الحق حالاً أو مآلاً، لا حالاً فقط؛ عليه حق يعني سواء حال، أو في المال، أو المراد من عليه حق مالي في حالة الإحضار ولو تأخر ثبوته وترتب بذمته عن حالة الالتزام؛ فتوافق الضمان. يعني يقول إنه لا فرق بينهما.
فنقول قولهم: التزام رشيد إحضار من عليه حق مالي، يعني حق حالاً أو مآلاً، أو نقول -هذا الاحتمال الثاني- أو نقول إحضار من عليه حق مالي، يعني في حال إحضاره يكون عليه حق مالي، لكن في حال الإلزام لا يكون عليه، مثل لو قال: ما سيشتريه منك فلان فأنا كفيل به، يعني سأحضر بدنه. فقاله مثلاً في واحد محرم، هذا فلان ما شرى إلا في 15 محرم، شُهد في 30 محرم، قال: ائتني بفلان، فهو في 30 محرم وقت المطالبة هذا عليه حق، فيقولون إذاً تصح الكفالة لأن المنظور به إلى حالة المطالبة لا حالة الالتزام.
هذا احتمال؛ إذاً أن يكون لا فرق في هذه المسألة بين الكفالة والضمان. هناك من الأصحاب -وإن كان في مسألة أخرى- قالوا لا؛ الضمان هو الذي ذكره ابن قاد في حاشية المنتهى أن الضمان أضيق من الكفالة، بدليل مثلاً في الضمان لا يبرأ الضامن بموت المضمون عنه، أما الكفيل فيبرأ بموت المكفول كما سيأتي؛ فيكونون فيه أشياء الضمان فيها أضيق من الكفالة، فهنا قد نقول إن الضمان سيصير متسعاً عن الكفالة، لكنهم كانوا يعللون بها في مسألة أخرى، وجود الفرق بين الضمان والكفالة، ولعلنا في نهاية الدرس نذكر جملة من الفروق بينهما.
قال: وتنعقد بما ينعقد به الضمان؛ يعني الألفاظ التي ينعقد بها الضمان تقدمت معنا في أول باب الضمان، تنعقد به أيضاً الكفالة، لأنها نوع من الضمان.
قال: وإن ضمن معرفته أخذ به. هذه ضمان المعرفة؛ ما المقصود بها؟ يقول مثلاً جاء شخص غريب يشتري من السوق من محل، اشترى بالأجل، فقال له البائع: أنا لا أعرفك، فكان عنده شخص، عند البائع شخص، قال: أنا أعرفه وأضمن لك، أضمن لك يعني أنا أعرفه، داينه أو بع عليه وهو تحت ضماني، يعني يضمن معرفته، ما قال: أضمن المال الذي ستدين به، قال: أضمن معرفته. فهنا يقول: أخذ به. أخذ به هنا ما معناها؟ هذه فيها بين الأصحاب، طبعاً هذه مأخوذة من رواية أبي طالب عن أحمد فيما ضمن لرجل معرفة رجل، قال: أخذ به، فإن لم يقدر ضمن. هنا اختلف الأصحاب رحمهم الله تعالى في تفسير هذه اللفظة.
طبعاً ضمان المعرفة يقول: أنا أعرفه، أعرف مكانه، أعرف اسمه، هذا ضمان المعرفة. طيب أخذ به ما معناه؟ وما معنى فإن لم يقدر ضمن؟ هنا بعض الأصحاب رحمهم الله وهو المشهور أن المراد أنه إذا لم يقدر على إحضاره أخذ به؛ مثلاً قال: داينه أنا أعرفه، طيب جاء وقت سد الدين، قال: أين فلان؟ أين فلان؟ من الأصحاب من قال إنه يكفيه أن يقول: فلان الذي اشترى منك هو فلان بن فلان الفلاني، ومكانه في المكان الفلاني، فإذا قال ذلك خلاص برئت ذمته، هذا قول. والمشهور لا، يقولون إنه إنما ضمن معرفته ليحضر له، فإذا لم يستطع إحضاره، فإذا لم يقدر -يعني لم يستطع إحضاره- ولو كان يعرف مكانه واسمه، فإنه يضمنه، وهذا هو الذي مشى عليه في المنتهى.
والفتوح في شرح المنتهى ذكر أموراً أربعة تضعف القول بأن المراد إذا لم يستطع -يعني إذا لم يقدر- على إحضاره، على تعريفه -يعني نسي مكانه ونسي اسمه- فهنا يقول لا، ليس المراد هذا، وذكر أربعة أمور على ذلك. أما صاحب الإقناع فإنه مشى على أن المراد إذا لم يقدر على تعريفه؛ إذا لم يقدر، يعني قيل له من فلان؟ فلان الذي اشترى منك، نسيته، فهنا يضمن. لكن لو قال: نعم، فلان الذي اشترى منك هو فلان ويسكن في القرية الفلانية، فهنا على كلام صاحب الإقناع لا يضمن، وهو اختيار شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وعلى كلام صاحب المنتهى أنه يضمن إذا لم يحضره، يعني لا يكفي أن يخبر بمكانه وأن يخبر عن اسمه، لا بد أن يحضرهم كفالة. على القولين كفاه معه ما يلزم، صحيح نعم.
في اسمه، على قول صاحب الإقناع وهو اختيار شيخ الإسلام أنه يضمن معرفته لا يلزم أن يحضره، وعلى قول صاحب المنتهى أنه لا بد من إحضاره، فإن لم يحضره فإنه يضمن ما عليه.
قال رحمه الله: وتصح الكفالة ببدن كل إنسان عنده عين مضمونة كعارية ليردها أو بدلها، وتصح أيضاً ببدن من عليه دين ولو جهله الكفيل؛ لأن كلاً منهما حق مالي صحت الكفالة به كالضمان.
هنا الكفالة قلنا متوجهة للبدن، والبدن إما أن يكون على صاحب البدن الذي هو الشخص المكفول، إما أن يكون عليه حق مالي دين، أو يكون عنده عين مضمونة، قال كعارية، يعني لا يلزم أن يكون عليه دين ثمن قرض، أو قرض، أو ثمن مبيع، ونحوها، لا، حتى لو عنده استعارة كتاباً، فقال: من يكفلك؟ قال: يكفلني فلان، فيصح هذا وهذا.
إذاً تصح الكفالة ببدن كل إنسان عنده عين مضمونة كعارية ليردها أو بدلها، وتصح أيضاً ببدن من عليه دين. طيب هنا في خلاف بين الأصحاب في العين المضمونة، هل الكفيل مطلوب منه إحضار الذي عنده الكتاب المستعار؟ هل المطلوب منه أن يحضر هذا الشخص أو مطلوب منه أن يحضر العين؟ مثلاً شخص استعار روضة المربع، محمد استعار الروضة المربعة من زيد، فقال له زيد: ائتني بمن يكفلك، فجاء كفله عمر. فجاء زيد يريد كتابه، فقال لعمر: أنت الذي كفلت محمداً، هنا عمر هل يحضر محمداً ولا يحضر الروضة المربعة؟ هل المطلوب منه إحضار محمد أو إحضار هذه العين؟
هي موجودة لم تتلف حتى الآن، هل يحضر؟ هل الواجب عليه، طبعاً إذا تعذر ينتقل إلى أمور، لكن لم يتعذر حتى الآن، يعني الواجب ابتداء هل يجب عليه إحضار محمد أو يجب عليه إحضار الروضة المربعة؟ يحضر محمداً، لذلك الكفالة تنتقل إلى تتوجه إلى البدن. وهذا هو الذي مشي عليه في الروض، وهو الذي ذكره في المنتهى، والظاهر الغاية في الإنصاف والتنقيح والإقناع؛ ظاهرها بل إن في الإنصاف واضحة أنه يحضر العين، وكلامه أيضاً في كلام الموفق في الكافي محتمل، لأنه قال: تصح الكفالة بالأعيان المضمونة، كلام الموفق في الكافي والشارح فهي محتملة هذا وهذا، لكن كلامه في الإنصاف كأنه أوضح كلام المرداوي في الإنصاف، وأيضاً في الإقناع كانهم كان المفهوم منهم أنهم يحضرون العين يعني ابتداءً يحضرون العين ولا يلزمهم إحضار البدن. لكن الذي مشي عليه في المنتهى وهنا في الروض أنها بالبدن، فيكفل البدن، قال: عنده عين مضمونة كعارية ليردها أو بدلها.
إذاً هذه المسألة الأولى، والمسألة الثانية من عليه دين كثمن مبيع أو قرض ونحوها، فتصح الكفالة ببدنه. فإذاً الذي تصح الكفالة البدنية من عليه عين مضمونة أو عليه دين. طيب العين غير المضمونة الأمانة؛ شخص أودع وديعة، فقال المودع: أنا أخشى أن تجحدني فائتني بكفيل، هل تصح الكفالة هنا؟ مثل الضمان ضمان ماذا؟ قلنا لا تصح في الأمانات، بل في التعدي، وهذا مثله وهذا مثله.
تصح ببدن من عليه دين، ويكون هذا المدين يلزم حضوره في مجلس الحكم إذا أُحضر، فيلزم حضوره في مجلس الحكم، كما قيده به الموفق وغيره من الأصحاب. هذا المدين ممن يلزم حضوره لمجلس الحكم، احترازاً من أيش؟ ممن لا يمكن -يعني لا يمكن شرعاً- إحضاره لمجلس الحكم، ومثلوا عليه بكفالة الأب لولده؛ كفالة الأب لولده، مثل عليه بعض الأصحاب، لأنه الأب الآن سيحضر لمجلس الحكم بسبب دين لولده، دين طبعاً المدين هو الولد، الدائن شخص أجنبي، فإذا كفل الأب ابنه فسُيحضر الأب لمجلس الحكم بسبب ابنه، فكان الابن هو الذي تسبب على والده بإحضاره لمجلس الحكم، ويعني هو دين على الأب بسبب ابنه، قالوا والأب لا يُحضر لمجلس الحكم، لا تسمع دعوى الابن عليه بغير النفقة الواجبة.
في الدعاوى، دعوى الابن على أبيه لا تُسمع، ومطالبة الابن لأبيه لا تُسمع إلا في النفقة الواجبة. نطبقها هنا في الكفالة؛ الأب هو الذي كَفَل الابن، نعم. زين، الابن مكفول، الأب كفيل. المطالبة الآن شخص آخر، لكن أحضر الأب بسبب الابن؛ فكان الابن تسبب في إحضار أبيه لمجلس الحكم. على الصورة الثانية، لو كان الابن دائناً، هذه واضحة جداً، لو كان الابن دائناً هنا مباشر، لكن لو كان الابن هو المكفول هنا فهو متسبب. وهذا من اهتمام الفقهاء رحمهم الله تعالى بمسألة البر، البر بين الابن، فيعني لا يريد أن يُحضر أباه لمجلس الحكم، ولا بسبب منه، فكيف بمن يدعي على والده بأشياء، طبعاً غير النفقة، يدعي على والده في أشياء أو غير المحاكم، يعق والده أو يسيء إليه ونحو ذلك، فهذا كله انظروا كلام الفقهاء رحمهم الله تعالى في مسائل دقيقة؛ يهتمون بدقائق البر، وانظر مسألة في الكفالة تتعلق بالبر بالأدب. لذلك جيد أن تجمع مسائل الأدب المنثورة في كتب الفقه؛ طبعاً في آداب واضحة، مثل آداب الخلاء يذكرون في الاستنجاء والاستجمار، في آداب الأكل في كتاب الأطعمة، في كتاب القضاء يكون في آداب القاضي، هذه واضحة، لكن في آداب في غيرها.
في كلام شيخ الإسلام رحمه الله ما يُفهم منه، وهو في الفتاوى، ما يُفهم منه أنه طبعاً في الضمان كان يتكلم في الضمان، أنه للمضمون له مطالبة الأب بدين للولد، والضمان مثل الكفالة. وهم في الضمان يذكرون هذا، طبعاً ما يذكرونه في الضمان، الشيخ البابطين ذكره، في حاشية البابطين يقول: ذكروا مسألة ضمان الأب لابنه في باب الإقرار، في باب الإقرار يمكن، وفي الشهادات؛ لأنه ذكر النص في حاشية البابطين يقول: يصح ضمان الابن على أبيه وعكسه سواء كان حياً أو ميتاً. وفي الإقرار ما يشير إلى ذلك بقولهم: تجوز شهادة الأخ على أخيه ما لم يجر إلى نفسه نفعاً، ككونه ضامناً على أبيه. طبعاً قال في الإقرار، يبدو أنها في الشهادات: شهادة الأخ على أخيه ما لم يجر إلى نفسه نفعاً ككونه ضامناً على أبيه، يعني هنا الابن يضمن ديناً على أبيه؛ لأنه قال: يجوز هذا وهذا.
نرجع إلى مسألتنا هنا، قلنا الشيخين ذكرا أنهم نصوا عليها في الشهادات. قال: ولو جَهِلَ الكثير، يعني أنه لو قال: أنا كفيل بأن أحضر لك فلان الذي استدان منك أو الذي رَهَن منك، هنا يكفي، ما يشترط أن يعلم أنه مدين بعشرة آلاف أو مئة ألف، يكفي أنه يُعين المكفول به. أما الحق المكفول فلو كان مجهولاً فلا إشكال، لماذا؟ الكفالة متعلقة بماذا؟ بالبدن، فالبدن معلوم، ولا تتعلق بالدين أيضاً، في الضمان حتى الضمان متوجه إلى المال، فإنه صح ضمان المجهول إذا آل إلى العلم. قال: لأن كلاً منهما حق مالي فصحت الكفالة به كالضمان، يقصد العين المضمونة والدين، كلاهما حق مالي فصحت الكفالة به كالضمان. طبعاً الدين استُثني في الإقناع: فغير الجزية ودين السلم، وهذه أيضاً الجزية ودين السلم أيضاً في الضمان لا يصح الضمان بها ولا الكفالة بها، لماذا؟ لأن الجزية هنا يفوت الصغار على دافع الجزية، ودين السلم مرت علينا في السلم، في نهاية باب السلم: ولا يصح أخذ رهن وكفيل به، تكلمنا عليها هناك؛ لأنهم قالوا: إنه لا يثبت، لأنه يصرفه إلى غيره، سيكون الدين مترتباً في ذمة المكفول به، تكلمنا عليها هناك.
قال رحمه الله: ولا تصح ببدن من عليه حد لله تعالى، كالزنا، أو لآدم، كالقذف، بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه مرفوعاً: «لا كفالة في حد»، ولا ببدن من عليه قصاص؛ لأنه لا يمكن استيفاؤه من غير الجاني، ولا بزوجة وشاهد، ولا بمجهول، أو إلى أجل مجهول، ويصح: إذا قَدِم الحاج فأنا كفيل بزيد شهراً.
هنا ذكر المسائل التي لا تصح فيها الكفالة؛ لما ذكر أن الكفالة تصح ببدن من عليه عين مضمونة أو دين، قال: لا تصح الكفالة ببدن من عليه حد، حد سواء كان الحد لله تعالى كالزنا، أو لآدم كالقذف، والقذف فيه حق لله تعالى وحق للمخلوق، لكن هم ينظرون إلى المُغلَّب، المُغلَّب في حد القذف حق الآدمي، ولذلك يجوز في القذف أن يقول: خلاص أنا تنازلت ولا أطالب بالحد، يجوز، المقذوف شخص قذف بما يستوجب الحد، فقال: أنا لن أطالب بالحد، أنا متنازل، يصح عفو. لكن في الزنا، رحمك الله، في الزنا لو أن امرأة زُني بها والعياذ بالله ثم رُفع إلى الإمام وحُكم بحد على الزاني سواء كان محصناً أو غير محصن، فقالت المزني بها: عفوت عنه لوجه الله تعالى، هل يسقط الحد؟ لا، يسقط؛ الحق لله فيه أغلب، نعم في حق لآدمي، لكن الحق فيه لله. فهنا نرجع إلى هذه المسألة: إذا كان الشخص عليه حد فإنه لا تصح الكفالة، لا يقول مثلاً شخص شرب الخمر أو سرق فقبض عليه، قال شخص: أطلقه وأنا كفيل به، فهنا يقول: لا تصح الكفالة ببدن من عليه حد لله كالزنا، أو لآدم كالقذف؛ لأن الحدود مبناها على الإسقاط والدرء بالشبهات، فلا يدخل فيها الاستيثاق، ينافي الدرء بالشبهات فلا يجتمع.
قال: ولأنه حق لا يجوز استيفاؤه من الكفيل إذا تعذر إحضار المكفول به، فلم تصح الكفالة بمن هو عليه؛ يعني الآن لو أن شخصاً سرق سيقام عليه حد السرقة، فأُخذ، فقال شخص: أطلقه وأنا كفيل به، طيب ما أحضره، هل نقطع يد الكفيل؟ لا، أصلاً إذا لم يتحقق مقصود الكفالة، مقصود الكفالة أنه إذا لم يُحضر المكفول به انتقل الحق إلى الكفيل، هنا ما أحضر المكفول فلن ينتقل الحق إلى الكفيل، فلذلك قالوا: لا تصح الكفالة بمن عليه حد لله أو لآدم. وكذلك من عليه قصاص ببدن من عليه قصاص، قالوا: لأنه لا يمكن استيفاؤه من غير الجاني، إلا فيما إذا كان المقصود مالاً، قالوا: كما لو سقط القصاص وطولب بالدية، فهنا تصح الكفالة؛ لأن الآن صار حقاً مالياً، وكذلك في السرقة لو لم تثبت السرقة بحدود، لو لم يثبت الحد لكن سيثبت الغُرْم اللي هو ضمان المسروق، فالكفيل قال: أنا كفيل به، فتصح الكفالة هنا؛ لأنها بأمر مالي وليست مقابل حد.
قال: ولا بزوجة، لا تصح الكفالة ببدن الزوجة، يعني يكفلها في حقوق الزوجية، من حقوق الزوجية للزوجة ألا تخرج من البيت بإذن الزوج، امرأة خرّاجة ولَّاجة فاشتكى عليها زوجها، فوصلوا إلى صلح أنها لا تخرج إلا بإذن زوجها، فقال: ائتني بكفيل، أنا كفيل، سيكفل الزوجة في هذا، هل يصح؟ لا يصح؛ لأن الحق هنا ليس مالياً، ولا يمكن استيفاؤه من الكفيل، ما يقال: خلاص هي طلعت، خلاص اجلس أنت في البيت! ما يصير، فإذا ما دام هذا الأمر فلا يصح الكفالة. أيضاً شاهد، قال: ولا بشاهد، شخص عنده شهادة في قضية مثلاً، فقيل له: تأتي، فخاف المشهود له أن يتخلف هذا الشاهد، فقال: ائتني بكفيل، ائتني بكفيل يضمن أنك تحضر في المحكمة لأداء الشهادة، هنا هل تصح الكفالة؟ لا، لا تصح، لماذا؟ لأن الشهادة هنا لا يمكن استيفاؤها إلا من الشاهد، الكفيل لا يستطيع أن يدلي بالشهادة وهو لا يعلم بها. طبعاً هذا في الحقوق، يعني لا تصح الكفالة بالزوجة في الحقوق الزوجية، لكن في الحقوق المالية، زوجة عليها دين لزوجها، فهل تصح الكفالة هنا؟ تصح؛ لأنه حق مالي ويمكن استيفاؤه من الكفيل، كذلك شخص شاهد عليه دين فيصح.
قال: ولا بمجهول، لا تصح الكفالة بمجهول، قال: أنا كفيل، جاء ثلاثة أشخاص يشترون من محل، وصاحب المحل يخشى ألا يسددوا، فقال صديق صاحب المحل: أنا كفيل بأحدهم، هل تصح هنا؟ كفل شخصاً مجهولاً، لا تصح؛ لأن هذا الشخص المجهول غير معلوم في الحال، ولا المال معلوم في الحال، قال: أو إلى أجل مجهول، كما لو قال: أنا أكفل هذا الرجل إلى أجل غير مسمى، هنا هل تصح؟ أكفله بشرط أن يكون إلى أجل غير مسمى، فهنا لا يصح، قالوا: لأنه ليس له وقت يستحق مطالبته فيه، فهو كفله إلى أجل، فهنا ما في وقت محدد، فقالوا: لا يصح.
فإن جعله إلى الحصاد، قال أو إلى العطاء، العطاء هو عطاء بيت المال مثل في زمن هذا في وقت نزول الرواتب، فهل يصح أو لا يصح؟ هنا تنبني على مسألة مرت علينا في البيع، لو أجله إلى الحصاد، وكذلك في السلم، إذا أجله إلى الحصاد أو إلى الجداد فهل يصح أو لا يصح؟ المذهب أنه لا يصح؛ لأنهم يقولون مجهول، هناك قول بالصحة هناك، فيكون هذه المسألة مبنية على تلك المسألة، مع أن الموفق والحجاوي في الإقناع والشارح مالوا إلى الصحة هنا، وإن لم يصح هناك. قالوا: لأن الكفالة تبرع من غير عوض، جعل له أجلاً لا يمنع من حصول المقصود فيه فصح، يعني هذا الأجل غير مؤثر، كون تقدم أسبوع أو تأخر أسبوع أو أسبوعين غير مؤثر على الكفالة، مو مثل البيع؛ البيع قد يكون شخص اشترى شيئاً ويعلم أنه بعد أسبوعين سيرتفع سعره فهنا سيتضرر بالتأخر أو بالجهالة، الجهالة هذه غير مؤثرة فلا تمنع، لا سيما أنها في التبرعات، إلا هي في أصل المسألة قولان في المذهب: هل يصح للحصاد أو الجداد أو لا يصح؟ والظاهر أن في أصل المسألة الظاهر أن المرداوي رحمه الله يصحح: إلى الحصاد أو الجداد، ما كنت واهماً، لا، هناك إذا صحح هناك فأصل أن يصحح هنا.
قال: وتصح إذا قدم الحاج فأنا كفيل بزيد شهراً. هنا هذه الصيغة جمعت أمرين: جمعت تعليقاً وتأقيتاً؛ يعني الكفالة معلقة بحالة، متى؟ إذا قَدِم الحاج، هذا تعليق، والتقيت قال: أنا كفيل بزيد شهراً، يعني أنا ما عندي مانع أكفل لك، أحضر زيداً إلى شهر، بعد شهر أنا ما مسؤول عنه، أنا لست مسؤولاً عنه. فهنا يقول: يصح، تصح إذا قَدِم الحاج فأنا كفيل بزيد شهراً، فيصح فيها التعليق والتأقيت، وهذا أحد الوجهين في المذهب وهو الصحيح، مشى عليه الأصحاب المتأخرون.
تصح إذا قَدِم الحاج فأنا كفيل بزيد شهراً، على المذهب أنه يصح. هذه اللي قلنا في أول الباب أن بعض الأصحاب رحمه الله تعالى قالوا: إنها تصح في الكفالة ولا تصح في الضمان، اللي هو التأقيت؛ يقولون الضمان أضيق من الكفالة فتصح في الكفالة ولا تصح في الضمان، وبعضهم قال: لا، هما يصحان فيها، يصحان فيها. وعلى كلٍ المرداوي رحمه الله في الإنصاف ذَكَر أن البابين واحد، فالتأقيت والتعليق يعني المسألتين، إما أن نقول يصحان (كلاهما في قولان في المذهب)، إما أن نقول يصحان كلاهما في الضمان والكفالة، أو نقول لا يصحان في الضمان ولا في الكفالة.
قال رحمه الله: ويعتبر رضا الكفيل، لأنه لا يلزمه الحق ابتداءً إلا برضاه، لا رضا مكفول به، كضمان. هنا ذكر اشترط للضمان، إذا ذكرنا شرطاً سابقاً للكفالة، الشرط السابق للكفالة أن يكون المكفول به عليه دين مالي أو عين مضمونة، هذا شرط آخر: أن يرضى الكفيل، طبعاً شرط أيضاً مر معنا محترز قال: ولا بمجهول، هذا فيه أنه شرط تعيين المكفول به، إذاً هذا شرط ثالث: رضا الكفيل. رضا الكفيل لماذا يشترط الرضا؟ قال: لأنه لا يلزم الحق ابتداءً إلا برضاه، فهو سيترتب عليه حق، إما بإحضار المكفول به أو ضمان ما.
عليه إذا تعذر إحضاره، فلما كان سيترتب عليه حق لا بد فيه من رضاه.
أما المكفول به أو المكفول له؛ المكفول به هو المدين والمكفول له هو صاحب الحق، فلا يشترط رضاهما كما مر معنا في الضمان، لا يشترط رضاه. قالوا: كضمان، أما المكفول له فلا يشترط رضاه، قالوا لأن الكفالة وثيقة له لا قبض فيها، فصحت من غير رضا. قالوا: الكفالة من صالحه وما فيها قبض فما وقفت على الرضا، ولأنها التزام حق له من غير عوض فلم يعتبر رضاه فيها. يعني هي الآن الكفيل سيلتزم بحق للمكفول له، لا نحتاج إلى رضاه، لا نحتاج إلى رضاه.
طبعا قد تقول: هو لن يرضى، فما الفائدة نذكر هذه المسألة؟ نقول: قد يكون غير موافق على الكفالة، لكن يأتي فيطالب المكفول به فيسدد، فقال ما دام سدد فطالب الكفيل، فلو قال الكفيل: أنت أصلا ما وافقت على كفالتي، أنا كتبت الكفالة وأنت ما وافقت عليها؛ فنقول: لا يشترط رضاه، فله مطالبته حتى لو لم يوافق على كفالته في بداية العقد. والمكفول به أيضاً لا يشترط رضاه، هل المكفول له يشترطون رضاه؟ لم يذكر فيها خلاف في المذهب، المكفول به فيها خلاف في المذهب، اللي هو المدين، هل يشترط رضاه أو لا؟ والمذهب أنه لا يشترط رضاه، قالوا: كضمان، كما أننا لا نشترط رضاه في الضمان، فإننا لا نشترط رضاه هنا.
نعم، الآن طلب هذا المكفول له قال: أحضر لي كفيلاً، فما أحضر لكن هو قال: يكفلني مثلاً فلان من الناس، الآن ما طلب رضا وتم العقد على ذلك، بعدين لما استشير فلان من الناس قال: خلاص أنا رضيت؛ هل يتم العقد؟ يقول: لو أن شخصاً أراد أن يشتري سلعة من آخر، فقال البائع: لا أقبل حتى تحضر لي كفيلاً، فقال: يكفلني فلان ولم يأخذ إذنه، فتعاقد على ذلك، ثم إنه ذهب إلى فلان الذي قال له: إنك ستكفلني، وقال له: إنني قلت للبائع ستكفلني فهل تكفلني؟ قال: نعم، فهل تصح الكفالة؟ قل: نعم تصح الكفالة، وتكون الكفالة هنا نشأت متى؟ من موافقته، فيكون كأنه التزم بالكفالة بعد نشوء الحق بعد أن نشأ العقد فلا إشكال فيه فتصح.
قال رحمه الله: فإن مات المكفول برئ الكفيل؛ لأن الحضور سقط عنه، أو تلفت العين بفعل الله تعالى قبل المطالبة برئ الكفيل؛ لأن تلفها بمنزلة موت المكفول به، فإن تلفت بفعل آدمي فعل المتلف بدلها ولم يبرأ الكفيل، أو سلم المكفول نفسه برئ الكفيل؛ لأن الأصيل أدى ما على الكفيل، أشبه ما لو قضى المضمون عنه الدين، وكذا يبرأ الكفيل إذا سلم المكفول بمحل العقد، فقد حل الأجل أو لا بلا ضرر في قبضه وليس ثم يد حائلة ظالمة.
هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى متى يبرأ الكفيل. طبعاً ذكرنا في الضمان متى يبرأ الضامن ومتى يبرأ المضمون عنه، هنا ذكر متى يبرأ الكفيل. عندنا مسائل يبرأ فيها الكفيل: المسألة الأولى إذا مات المكفول، قال مثلاً: جاء وقال زيد اشترى من محمد سيارة، قال من يكفلك؟ قال صالح، صالح قال: ما دام الدين يحضر بعد ستة أشهر خلاص، بعد ستة أشهر سأحضر لك، بعد أربعة أشهر توفي المشتري، هنا هل الدين ينتقل إلى ذمة الكفيل؟ لا، خلاص يسقط، قال: فإن مات المكفول برئ الكفيل، لماذا؟ قال: لأن الحضور سقط عنه.
والأصل سيحضر المكفول به، المكفول به مات خلاص ما يمكن إحضاره، الحضور سقط عنه؛ يعني يحتمل يعود إلى ماذا؟ يعود إلى من؟ يحتمل هذا وهذا، إما أن نقول لأن الحضور سقط عن الكفيل، يعني سقط عنه إحضار المكفول به، وإما أن نقول سقط عنه أي عن المكفول به، فبموت المكفول به سقط عنه فبرئ الكفيل. هذا هو الذي عبر به في المغني قال: لأن الحضور سقط عن المكفول به، فبرئ الكفيل كما لو برئ من الدين، يعني الآن الدين في الضمان متعلق بالمال، فلو سدد المضمون عنه الدين برئ الضامن، هنا لأنه خلاص المال وصل، هنا مات المكفول به فبرئ الكفيل؛ لأن المطلوب منه إحضاره وقد تعذر إحضاره. قال: ولأن ما التزمه من أجله سقط عن الأصل فبرئ الفرع اللي هو الحضور، كضامن إذا قضى المضمون عنه الدين أو أبرئ منه.
طيب في مسألة وهي: لو اشترط الكفيل على نفسه أني إن عجزت عن إحضاره فأنا ضامن لهذا الدين، فهل يبرأ بموت المكفول أو لا؟ المسألة السابقة قال: اشترى سيارة سيسدد بعد ستة أشهر، جاء الكفيل وقال: أنا سأكفله وأحضره لك، وإذا عجزت عن إحضاره فأنا ضامن لهذا المال الذي في ذمته، فبعد خمسة أشهر توفي المكفول به، فهل ينتقل الضمان إلى الكفيل؟ لا ينتقل؛ لماذا؟ ما حل التزام بالإحضار، ضمان تابع للإحضار، طيب هو يقول: عجزت عن إحضاره ضمنت، وهنا عجز عن إحضاره؛ هو عقد الإحضار يبدأ بستة أشهر، بعد ستة أشهر عجز، فهل هذا مات؟ مات قبل؛ لا، ما في إشكال، لكن مات بعد خمسة أشهر، جاء صاحب الحق بعد ستة أشهر للكفيل وقال: أنت كفلت فلاناً بإحضار فلان، وفلان الآن ما تستطيع تحضره، تحقق فيك أنك عجزت عن إحضاره؛ بطل العقد قبل الاستحقاق؟ نفس كلام الشيخ، ما دام الموت خلاص يبطل، كان الكلام على أنه يلزمه، ظاهر اللفظ أنه يلزمه لو توفي بعد المدة، يلزمه، لو توفي قبل المدة قال في الكشاف: إلا لو اشترط أني إن عجزت عن إحضاره كان علي القيام بما أقر به، فقال ابن نصر الله: لم يبرأ بموت المكفول ولزمه ما عليه، قال: يعني ابن نصر الله وقد وقعت هذه المسألة وأفتى فيها بلزوم المال، فأفتيت فيها بلزوم المال، فيعني نص عليها ابن نصر الله رحمه الله تعالى، ويعني أخذها استنباطاً من كلام الأصحاب رحمه الله تعالى، يعني تمسك باللفظ وإلا فالقول الثاني محتمل أن نقول إنه يقصد عجزت عن إحضاره وهو حي، يعني أنا أقصد وهو حي.
المسألة الثانية التي يبرأ فيها الكفيل: إذا تلفت العين بفعل الله تعالى، تلفت العين يعني المضونة هذه مثل العارية ونحوها، تلفت بفعل الله تعالى قبل المطالبة. فإذا عندنا تلف العين لا بد من قيدين: تكون بفعل الله تعالى؛ يعني أخرج إذا تلفت بفعل الآدمي، وهذه ستأتينا كالعمد، وأن تكون قبل المطالبة، أما إذا تلفت بعد المطالبة فإنه لا يبرأ. يعني مثلاً المثال السابق: الذي عنده الروض المربع، استعار الروض المربع، فجاء المعير إلى الكفيل وقال: أحضر فلاناً الذي استعار الروض المربع، قال: إن شاء الله، جاء بعد أسبوع، الآن طالب، جاء بعد أسبوع وإذا حصل حريق في بيت هذا المكفول وتلفت هذه بفعل الله تعالى، فهنا هل يبرأ الكفيل؟ لا يبرأ لأنه بعد المطالبة.
إذا تلفت بفعل آدمي؛ هنا ماذا قال المؤلف؟ إن تلفت بفعل آدمي فعلى المتلف بدلها ولم يبرأ الكفيل؛ يعني مثلاً صحيح، عندنا مثلاً محمد هو صاحب الروض المربع وجاء زيد استعاره منه، وصالح كفل زيداً، طبعاً إلى الآن محمد ما طالب، فجاء لو جاء سارق وسرق هذا الكتاب، فهنا نقول على المتلف بدلها، المتلف اللي هو السارق، هذا لا بد أن يأتي بنسخة أخرى بدل هذه النسخة، والكفيل لا يبرأ، يستمر على كفالته، ما يقول خلاص تلفت العين أنا كنت كفالتي متعلقة بالعين المسروقة تلفت؛ لا، هنا نقول الكفيل لا يبرأ، الكفيل لا يبرأ، لأن هذا جاء بدلها، يدفع بدلها، إذا كانت العارية ما زالت قائمة فيدفع للمستعير إلى أن يعيدها إلى صاحبها. هنا في حاشية ابن قاسم قال: ولم يبرأ الكفيل، وظاهره مطلقاً، وقيل إذا ضاعت بلا تقصير لم يضمن، يعني مثل هنا لو أنها سرقت هذه ولم يكن مقصراً هذا المستعير فإن الكفيل لا يضمن، الكفيل يبرأ، وهذا القول الثاني عزاه ابن فيروز للغايه.
شيخنا، لا خلاص ضمن، خلاص تنتهي الكفالة هنا؛ الكلام عن الكفيل، أما المستعير فعند الأصحاب يضمن قول واحد، ليس قول واحد، يضمن على المشهور، المذهب أنه يضمن سواء فرط أو لم يفرط، الكلام على الكفيل يضمن أو لا يضمن.
المسألة الثالثة: إذا سلم المكفول نفسه، إذا سلم المكفول نفسه فإنه يبرأ الكفيل؛ لأن أصلاً الكفالة متعلقة بالبدن وقد حصل تسليم البدن من قبل المكفول.
المسألة الرابعة التي يبرأ بها الكفيل: إذا سلم المكفول بمحل العقد وقد حل الأجل، يعني تحقق وصفان: بمحل العقد في المكان الذي تعاقد فيه، وقد حل الأجل. إذا سلمه في غيره لم يبرأ، لو مثلاً كان العقد في المدينة هو سلمه في مكة، سلم الكفيلُ المكفولَ إلى المكفول له في مكة فهنا لا يبرأ، قالوا: لا بد أن يسلمه بمحل العقد، ولا بد أن يكون قد حل الأجل. طيب إذا لم يحل الأجل؟ انظر اللي بعدها، قال: أو لا بلا ضرر في قبضه وليس ثم يد حائلة ظالمة. يعني إذا سلمه قبل حلول الأجل، يعني مثلاً الأجل بعد ستة أشهر سلمه بعد ثلاثة؛ هل يبرأ الكفيل؟ هنا يقول يبرأ بشرط ألا يكون هناك ضرر على المكفول له في قبضه قبل الكفيل. مثال الضرر أن يكون مثلاً سلمه في يوم إجازة ويقول: لازم أنا ما رافع لمحكمة إلا بعد أسبوع، فوين أضع هذا المكفول؟ فهنا ليس عندي مكان أضع فيه هذا المكفول، فهنا تضرر في قبضه قبل المحل، فهنا يقولون لا يبرأ إذا كان ليس عليه ضرر في قبضه وليس ثم يد حائلة ظالمة.
هل القيد هذا راجع للمسألة إذا سلمه في الأجل أو قبله، أو راجع للمسألة الثانية فقط إذا سلمه قبل الأجل؟ نعم، إذا سلمه قبل الأجل؛ هنا في المغني والشرح وأيضاً صاحب المستوعب يذكرون أن هذا القيد راجع للمسألة، لو أنه سلمته فيه مثلاً كانت الأمور مثلاً في بلد غير مستتب فيخشى أنه إذا قبضه يأتي أناس يطلقونه، فهنا هل يبرأ الكفيل بذلك أو لا؟ إذا كان تسليمه قبل الأجل فالقيد ما فيه إشكال أنه لا بد أن يكون ليس ثم يد حائلة ظالمة، لكن إذا كان تسلمه في الأجل فهل أيضاً نشترط هذا الشرط أو لا؟ صاحب المغني والشرح وصاحب المستوعب ذكروا هذا وأنه راجع للمسألة، وهو ظاهر الإقناع، وظاهر المنتهى.
صاحب الإنصاف لما ذكر كلام صاحب المغني والشرح المستوعب قال: والظاهر أن هذا مراد غيرهم، يعني أنهم يشترطون هذا وإن كانوا قد أطلقوا الكلام ولم يجرد، قال: الظاهر أنه مراد، ظاهر عبارة المنتهى أن هذا القيد عائد للأخيرة فقط، اللي هو إذا سلمه قبل حلول الأجل، أما إذا سلمه بعد حلول الأجل فإنه يبرأ ولو كان هناك يد حائلة ظالمة.
وفي بعض النسخ الخطية لشرح المنتهى ذكروا فوق هذه العبارة أن هذا القيد راجع للصورتين. شيخنا ابن عثيمين رحمه الله في حاشيته على الروض كأنه لم يرتضِ كلام صاحب الإنصاف في قوله الظاهر أن هذا مراد غيره، وذكر أن هذا غير مسلم، قال: بل الظاهر أنه إذا سلمه بعد حلول الأجل برئ مطلقاً كما هو ظاهر كلام من لم يقيده من الأصحاب، وذلك أن الكفيل قد أدى ما عليه، وقال أحضره لك في اليوم الفلاني، أحضر له في اليوم الفلاني؛ انتهى دوره، قد أدى ما عليه، ووجود اليد الحائلة الظالمة ليس من جهته ولا يتعلق بتفريط أو تقصير منه، بل هو بأمر خارج. أما لو سلمه قبل الأجل هذا صحيح نقول: أنت هنا أضررت بالمكفول له، أما إذا سلمته في الأجل فليس فيه إضرار في ذلك.
وهذه تدلك حاشية الشيخ ابن عثيمين رحمه الله على الروض فيها استدراكات نفيسة وفيها فوائد لا تجدها عند غيره في تقرير المذهب، في تقرير ترجيح في شرح.
البلوغ ونحوه، لكن في تقرير المذهب في مسائل ما أجد عند غيره رحمه الله. قال رحمه الله: وإن تعذر إحضار المكفول مع حياته أو غاب زمن يمكن إحضاره فيه ضمن ما إن لم يشترط البراءة. ومن كفله اثنان فسلمه أحدهما لم يبرأ الآخر، وإن سلم نفسه برئ.
هنا ذكر إذا حصلت الكفالة وجاء الزمن الذي يطالب به صاحب الحق بحقه، فإن أحضر الكفيل المكفول إلى صاحب الحق هنا برئ، وإن لم يحضره قال المؤلف هنا: إذا تعذر إحضار المكفول مع حياته، فإنه كما قلنا يبرأ. لكن إذا تعذر إحضاره مع حياته أو غاب ومضى زمن يمكن إحضاره فيه، ضامناً؛ يعني تضمن إحضار المكفول مع حياته وهو حاضر في البلد، أو غاب عن البلد ومضى زمن يمكن إحضاره فيه فلم يحضر؛ فإنه يضمن ما عليه، يعني تنقلب هذه الكفالة الحضوريه إلى كفالة مالية إلى ضمان. وهذا انقلاب الكفالة الحضوريه إلى الكفالة المالية من مفردات الحنابلة رحمهم الله تعالى.
قال: إن لم يشترط البراءة منه، فإن اشترط البراءة فإنه لا يضمن. إذا قال: أنا سأكفل بإحضاره، لكن إذا تعذر أن أحضره فأنا لن أضمن شيئاً؛ فهنا نقول: لا يضمن إذا تعذر عليه إحضاره، المسلمون على شروطهم. فإذن تنقلب الكفالة الحضوريه إلى كفالة مالية؛ يعني إلى ضمان إذا لم يشترط البراءة، لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «الزعيم غارم».
قال ختم باب الكفالة بقوله: ومن كفله اثنان فسلمه أحدهما لم يبرأ الآخر. هذا زيد كفله عمرو وصالح، فجاء عمرو وسلم زيداً إلى صاحب الحق، هنا برئ زيد، أو عمرو الذي برئ؟ المهم الذي سلمه برئ، طيب الثاني الذي كفله الثاني يقول: لا يبرأ. ما الذي يترتب على أنه لم يبرأ؟ لو هرب المكفول من صاحب الحق، فهنا الكفيل الأول الذي سلمه المكفول لا يضرب، الكفيل الثاني يضرب، فنقول: لا بد أن تحضره وتسلمه.
لماذا لم يبرأ؟ قالوا: لماذا لم يبرأ أحدهما ببراءة الآخر؟ قالوا: لأن إحدى الوثيقتين انحلت من غير استيفاء، فلم تنحل الأخرى، كما لو أبرأ أحدهما. لو أبرأ أحدهما، كانوا الكفلاء اثنين، قال المكفول له للكفيل الأول: زيد خلاص أنا أبرأت، أنا سأطالب الكفيل الثاني، هنا إبراء الأول لا يقتضي إلزام إبراء الثاني، لأن الدين لم يسدد حتى الآن، وأيضاً لأن الثاني هل هو فرع للأول في الضمان؟ قلنا: إذا سدد المضمون عنه برئ الضامن؛ لأن الضامن فرع عن المضمون عنه. هنا الكفيل هل أحدهما فرع للثاني؟ لا، فلا يبرأ أحدهما ببراءة الآخر، لكن يبرأ ببراءة الأصيل. ولذلك قال: وإن سلم نفسه برئ. إذا سلم المكفول نفسه يبرأ الكفيل، كلاهما يبرأ الكفيل؛ لأنه برئ الأصل فبرئ الفرع.
طيب، نقف على هذا، ونسأل الله للجميع التوفيق والسداد، وهذا آخر درس إن شاء الله قبل رمضان، توقف الدرس إن شاء الله إلى بعد العيد. نسأل الله أن يسلمنا لرمضان، وأن يسلم لنا رمضان، وتسلمه منا متقبلاً، وأن يوفقنا للعلم النافع والعمل الصالح، وأن يوفقنا لاستغلال الأوقات في الباقيات الصالحات. والوصية لي أولاً ولكم ثانياً: أن نتقي الله عز وجل، وأن نستغل بقية هذا الشهر في الاستعداد لرمضان، فالسلف رحمهم الله تعالى كانوا يسمون شعبان شهر القراء، كانوا يستغلونه بعبادات تسهل عليهم الصيام، نعم تسهل عليهم استغلال رمضان بالأعمال الصالحة، ولذلك قيل إن هذا من أسباب إكثار النبي صلى الله عليه وسلم للصيام في شعبان، أنه كالتهيئة لرمضان، وكان السلف أيضاً يكثرون من قيام الليل وقراءة القرآن والصدقة في هذه الأيام، نسأل الله للجميع التوفيق والسداد.
في سؤال يقول: في درس في رمضان؟ أنا من يمكن من سنتين أفكر في درس للتفسير يبدأ في رمضان ويستمر، لكن الآن لم أستقر على شيخ، فهل عندكم مقترح كتاب معين؟ يقول: يكون درس تفسير. نعم هو في البال درس تفسير، لكن يا شيخ هو قد يكون مكثف، يعني إما يومي، أو لا يكون درساً بالأسبوع، يكون أربع دروس رمضانية؟ لا، في رمضان أقول يعني تكون البدء في رمضان ويستمر عليه بعد رمضان. إن طلعت في ترتيب الشيخ فيصل مبارك جيد، تفسير الشيخ فيصل المبارك، يعني جمع فيه بين الطبري وابن كثير والبغوي رحمهم الله تعالى، وجعله مقسماً على دروس تقريباً 360 مجلساً، ممكن. أنا في بالي أن يكون الكتاب نفسه مختصراً والتعليق متوسطاً، لا يكون التعليق فقط تعليقاً خفيفاً. لا، أنا كيف يفكروا فيها، وجزاكم الله خيراً. أنا في بالي ترى ابن جزي هذا الذي في بالي، لكن أنا ما التزمت بشيء. الله ييسر، الله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان