دخولتسجيل الدخول

كتاب البيع 39 | باب الرهن 4

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما وعملا صالحا يا كريم. أما بعد، فكنا قد توقفنا في التعليق على الروض المربع عند الكلام على الرهن، وكان تقدم لنا في آخر درس الكلام على مسائل تتعلق بالأمين. وذكرنا لكم أنه توجد قواعد ستتكرر علينا تطبيقاتها في هذا الباب وفي الأبواب القادمة إن شاء الله تعالى، كلها تتعلق بالأمين، لذلك نريد أن نبدأ درسنا هذا في الكلام على بعض المسائل المتعلقة بالأمين، ومتى يضمن ومتى لا يضمن. فأقول وبالله التوفيق:

الأمين هو من قبض من غيره عينا لا يختص بنفعها، وكان قبضه بإذن من الشارع أو إذن من المالك. إذن من الشارع مثل من يقبض ماله الزكاة، من يجبي الزكاة، فهو يقبض ما لغيره ويستحق المال الزكوي أهل الزكاة الثمانية، فهو قبضها لإيصالها لهم فيعتبر أمينا. وأيضا الولي على اليتيم القاصر أو الصغير أو المجنون، قبض مال القاصر بإذن من الشارع. والذي يقبض بإذن من المالك مثل الوكيل، وعندنا هنا المرتهن قبض العين المرهونة بإذن المالك. وهم ذكروا هذا القيد «لا يختص بنفعها» لإخراج المستعير؛ فالمستعير قبض العين بإذن من المالك لكنه سيختص بمنفعته، لأنه لن يدفع مقابل هذا الانتفاع للمعير شيئا؛ مثلا استعار سيارته أو استعار كتابه سيرجعه ولن يدفع له مقابل هذه الاستعارة شيئا، فنفعه متمحض للمستعير. لذلك هذا القيد لإخراج المستعير، وستأتينا في باب العارية أن العارية مضمونة، وأن يد المستعير يد ضمان ليست يد أمانة، طبعا على المذهب.

الأمين لا يضمن إلا إذا تعدى أو فرط. التعدي هو فعل ما لا يجوز، والتفريط هو ترك ما يجب. فإذا تعدى الأمين بأن فعل ما لا يجوز، مثل أن يستأجر سيارة ويقطع الإشارة فتسبب بحادث فتلفت السيارة المستأجرة، فهنا نقول المستأجر ضامن. وفرط أي ترك ما يجب، مثل لو أنه استأجر سيارة وذهب للبقال ونزل ليشتري شيئا وترك السيارة مشتغلة فجاء شخص وسرقها، فهنا يضمن لأنه فرط.

يقبل قول الأمين في نفي التعدي والتفريط. هذه على القاعدة في نفي التعدي والتفريط، لأن الأصل أن الذي يقبل قوله هو المنكر، فلو استأجر سيارة فسرقت فقال: سرقت وأنا كنت مقفلها عند الباب، وقال المالك: بل أنت تركت السيارة مفتوحة فسرقت، فهنا يقبل قول الأمين لأنه ينكر التعدي أو التفريط، والمالك يثبت التعدي أو يثبت التفريط.

إذا ادعى الأمين التلف، فهل يقبل قوله أو لا؟ هذه هي التي على خلاف الأصل. نقول: في دعوى التلف لا يخلو سبب التلف من حالين. الحالة الأولى: أن يستند التلف إلى أمر ظاهر كالحريق، فيأتي ويقول: تلفت باحتراقها، فهنا الحريق أمر ظاهر يعلم به الجيران وأهل الحي. فإذا استند التلف إلى أمر ظاهر، فلا بد من أن يقيم الأمين البينة على الأمر الظاهر، يقيم بينة على وجود حريق؛ فإذا أقام البينة على وجود حريق نقبل قوله في أن العين المرهونة تلفت في الحريق، أي لا نطالبه ببينة على أن السيارة تلفت في الحريق، فقط نطالب ببينة على وجود الأمر الظاهر الذي تسبب بالتلف. الحالة الثانية: أن يستند التلف إلى أمر خفي كالسرقة، فهنا يقبل قوله، ولا نكلفه البينة على السرقة لتعذر إقامة البينة عليها.

دعوى الرد: هل يقبل قول الأمين إذا ادعى الرد أو لا؟ الأمين لا يخلو من ثلاث أحوال: الحالة الأولى: أن يقبض العين لمصلحة مالكه كالمودع؛ أنت أودعت شيئا عند آخر لمصلحة لك أنت، وهو ليس له مصلحة دنيوية. فهنا قبض العين لمصلحة مالكه، فإذا ادعى الرد يقبل قوله، لأننا قلنا يقبل قول الأمين. الحالة الثانية: أن يقبض العين لمصلحة نفسه كالمرتهن، مصلحة له في ذلك. الحالة الثالثة: أن يقبض العين لمصلحتهما معا كالمستأجر، مستأجر سينتفع بالعين المؤجرة وهذا مصلحته، ومصلحة المالك أنه سيأخذ أجرة مقابل ذلك. ففي الحالة الثانية والثالثة إذا قبض العين لمصلحة نفسه أو لمصلحتهما معا، فإنه لا يقبل قوله في الرد، وإذا قلنا لا يقبل قوله أي لا يقبل قوله المجرد، فإذا أقام البينة فيقبل قوله.

كل من قلنا القول قوله فالمراد مع عدم البينة. فإذا قلنا القول قول الأمين، فجاء الطرف الآخر ببينة فالقول ما قالته البينة. كل من قلنا القول قوله فلا بد من يمينه، هذا هو الأصل في استثناءات يسيرة، لكن الأصل أن كل من قلنا القول قوله فلا بد من يمينه.

قال المصنف رحمه الله تعالى: «وإن رهن واحد عند اثنين شيئا على دين لهما فوفى أحدهما انفك في نصيبه؛ لأن عقد الواحد مع اثنين بمنزلة عقدين، فكأنه رهن كل واحد منهما النصف منفردا. ثم إن طلب المقاسمة أجيب إليها إن كان الرهن مكيلا أو موزونا، أو رهن شيئا فاستوفى من أحدهما انفك في نصيبه؛ لأن الراهن متعدد. فلو رهن اثنان عبدا لهما عند اثنين بألف، فهذه أربعة عقود، ويصير كل ربع منه رهنا بمائتين وخمسين».

هنا قال: وإن رهن واحد عند اثنين شيئا على دين لهما فوفى أحدهما انفك في نصيبه. مر معنا في الدرس الماضي أن الرهن متعلق بجميع الدين الذي في العقد، فإذا سدد بعض الدين فإنه لا يحق له أن يفك بعض الرهن، إلا إذا اتفقوا أن السيارة الأولى مرهونة بالخمسين الأولى والسيارة الثانية مرهونة بالخمسين الثانية. لكن هنا دينان، يقول: إن رهن واحد عند اثنين شيئا على دين لهما فوفى أحدهما انفك في نصيبه؛ لأن العقد الواحد مع الاثنين بمنزلة عقدين، فكأنه رهن كل واحد منهما النصف منفردا. فمثلا اقترض من هذا خمسين ألفا ومن هذا خمسين ألفا، وجعلهما برهن واحد، فسدد الخمسين التي للمقرض الأول، فهنا ينفك الرهن الذي يقابل نصيبه. فلو كانت السيارتان متساويتين في الثمن فإنه ينفك الرهن في إحدى السيارتين. قال: ثم إن طلب المقاسمة أجيب إليها إن كان الرهن مكيلا أو موزونا، مثل لو رهنه مائة صاع من التمر فسدد أحد الدينين، فقال: أعد لي خمسين صاعا من التمر، فهنا إن طلب المقاسمة أجيب إليها. أما إن لم تكن المقاسمة ممكنة، كان الرهن سيارة واحدة وسدد نصف الدين، فلا يمكن المقاسمة، ما يقول آخذ نصف السيارة.

العمل قالوا إذا كان لا يمكن المقاسمة فإنها تجعل في يد المرتهن. الحالة الثانية يكون بعضها رهناً وبعضها وديعة، كأن جزءاً منها رهن وجزءاً منها وديعة.

المسألة الثانية قال: لو رهن شيئاً فاستوفى من أحدهما انفك في نصيبه؛ بالعكس، عكس المسألة السابقة التي اشترى اثنان أو الذين اقترضوا اثنان من واحد، أو اشتروا من واحد ورهنوا شيئاً واحداً فاستوفى من أحدهما، أحد الدائنين أو أحد المدينين سدد، فينفك في نصيبه؛ قال: لأن الراهن متعدد. سواء كان الراهن متعدداً أو المرتهن متعدداً، فإذا تعدد الراهن أو المرتهن فيجعل العقد الواحد بمنزلة عقدين أو أكثر على حسب رؤوسهم.

ثم ذكر مثالاً لتعدد الراهن والمرتهن، قال: فلو رهن اثنان عبداً لهما عند اثنين بألف، فهذه أربعة عقود، ويصير كل ربع منه رهناً بمئتين وخمسين. الراهن اثنان والمرتهن اثنان، لكن نفس الاثنين ارتهن منهما زيد وعمرو؛ زيد ارتهن مثلاً عند محمد وصالح، اشترى من هذا شيئاً واقترض من هذا شيئاً، وعمر كذلك ارتهن عند محمد وصالح بعقدين منفصلين، فهذه أربعة عقود ورهن شيئاً واحداً مثل السيارة، فكأن السيارة كل عقد منها مرتهن مقابله ربع السيارة. فإذا سدد الدين الأول انفك الرهن في الربع، ثم سدد الدين الثاني فانفك الرهن في الربع الثاني، وهكذا.

قال رحمه الله: ومتى قضى بعض دينه أو أبرئ منه، وببعض رهن أو كفيل، فعما نواه، فإن أطلق صرفه إلى أيهما شاء. هنا هذه مسائل أيضاً الاختلاف بين المتعاقدين؛ قضى بعض دينه. هذه مسألتنا، هنا مثلاً محمد اقترض من عمر مرتين، مرة اقترض منه خمسين ألفاً ومرة اقترض منه مئتي ألف، المجموع سبعمئة ألف، ورهنه مثلاً سيارة. رهن سيارة، جاء سدد المئتين ألف ثم قال له: خلاص سددت، أعطني السيارة. قال لا، السيارة رهن بالخمسين ألفاً، فقال محمد: لا، السيارة رهن بالعشرين ألفاً. الآن اختلف الراهن والمرتهن؛ السيارة هذه رهن بالدين الأول أو الدين الثاني؟ فمن يقبل قوله؟

قال المؤلف: ومتى قضى بعض دينه وببعض رهن أو كفيل فعما نواه. فإذا اختلفوا فالقول قول الراهن. نقول لو أقرضه مثلاً مرتين، اقترض على عشرة آلاف ريال، وفي إحداهما رهن مقابل سيارة والأخرى بدون رهن، فلما سدد العشرة آلاف ريال قال: خلاص أعطني السيارة، قال لا، أنت سددت العشرة التي ليس بها رهن، وقال الراهن: لا، بل سددت العشرة التي مقابلها رهن. فهنا يقبل قول الراهن؛ لأنه التعيين إليه، وهو أعلم بنيته، والقول قوله في النية، ولا يعلم النية إلا من قبله، فيقبل قوله في ذلك، سواء كان الدين فيه رهن أو فيه كفيل.

المسألة الثانية: إذا أبرئ منه، يعني عندنا الآن هو لم يقضِ الدين إنما أبرأه المرتهن. يعني في المثال السابق هو اقترض مرتين، مرة مقابل رهن ومرة بدون رهن عشرة آلاف. فقال المرتهن: أبرأتك من عشرة آلاف. قال: خلاص ارجع لي السيارة، قال لا، أنا أبرأتك من الدين الذي ليس فيه رهن، أما الدين الذي فيه رهن فلم أبرئك. فهنا يقبل قول المرتهن. لذلك قال هنا: فعما نواه؛ يرجع في المسألة الأولى إلى الراهن وفي المسألة الثانية إلى المرتهن. فإن أطلق، إن كان يوم يقضي الدين الراهن أو يوم يبرئ المرتهن ما صار بباله تعيين شيء، فإنه له أن يصرف إلى أيهما شاء، له أن يعين ولو بعد القضاء أو الإبراء. قياس على ما لو كان له مال حاضر وغائب، فأدى قدر زكاة أحدهما، كان له أن يعين عن أي المالين شاء، أو كان له مثلاً مئة ألف ريال بيده، ومئة ألف ريال دين على شخص، فأدى زكاة المئة ألف ولم يستحضر هل هي عن هذه أو عن تلك، فنقول له أن يصرفها ولو بعد إخراج الزكاة؛ له أن يعين النية. قال البهوتي في الكشاف: ولأن له ذلك في الابتداء، فكان له بعده.

قال رحمه الله: متى حل الدين لزم الراهن الإيفاء كالدين الذي لا رهن به. وإن امتنع من وفائه فإن كان الراهن أذن للعدل الذي تحت يده الرهن في بيعه، باعه لأنه مأذون له فيه فلا يحتاج لتجديد إذن من الراهن. وإن كان الرهن عند العدل اعتبر إذن المرتهن أيضاً ووفى دينه، لأنه المقصود بالبيع، وإن فضل من ثمنه شيء فله، أي للمالك، وإن بقي منه شيء فعلى الراهن. وإلا يأذن في البيع ولم يوفِ، أجبره الحاكم على وفائه أو بيع الرهن، لأن هذا شأن الحاكم. فإن امتنع حبسه أو عزره حتى يفعله، فإن لم يفعل أي أصر على الامتناع أو كان غائباً أو تغيب، باعه الحاكم ووفى دينه لأنه حق تعين عليه فقام الحاكم مقامه فيه. وليس للمرتهن بيعه إلا بإذن ربه أو الحاكم.

هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى ماذا يفعل بالرهن عند حلول وقت سداد الدين. فالآن لما اشترى مثلاً محمد من صالح سيارة، ورهنه مثلاً بخمسة آلاف ريال، ورهنه ليسددها بعد سنة، ورهن سيارة أخرى. جاء بعد سنة وإذا محمد لم يسدد إلا ألفين وبقي ثلاثة، ما العمل؟ قال المؤلف: متى حل الدين لزم الراهن الإيفاء كالدين الذي لا رهن به. إذاً عند الحلول يلزمه الوفاء، خلاص نقول الآن سدد الثلاثة آلاف وخذ سيارتك التي رهنها.

قال: إن امتنع من وفائه فهنا فيها تفصيل، فيقول: إذا كان الراهن أذن للمرتهن أو العدل الذي تحت يده الرهن في بيعه، باعه لأنه مأذون له فيه، فلا يحتاج لتجديد إذن من الراهن؛ لأن الراهن إذا رهن العين المرهونة، فأحياناً في العقد بينهما ينص فيه على أنني إذا لم أسدد فلك حق بيع هذه العين واستيفاء دينك من ثمنها، فهنا خلاص، أذن، ما يحتاج نستأذن مرة أخرى.

وأحياناً لا يأذن؛ طبعاً سبق في الدرس الماضي أن العين المرهونة تكون في يد المرتهن، ولهما أن يتفقا على أن تجعل في يد شخص آخر ويسمى العدل. فلو كان أذن لهما في بيعه عند حلول الدين فإنهم يبيعونه؛ قال لأنه مأذون له فيه، فلا يحتاج إلى إذن من الراهن، لأن الإذن موجود سابقاً والأصل بقاء الإذن، ما يحتاج نرجع للراهن نقول هل تأذن في البيع أو لا؟ وقد وجد الإذن السابق. قال: وإن كان البائع العدل، اعتبر إذن المرتهن أيضاً؛ عندنا إذا كان البائع المرتهن فنحتاج إذن الراهن موجود سابقاً ما يحتاج نستأذن مرة أخرى، لكن إذا كان البائع العدل، فنحتاج إذن المرتهن؛ لأن الحق له، فلم يجز حتى يأذن، ولا يحتاج إلى أن نستأذن الراهن. قال: ووفى الدين، أنه إذا باعه فإنه يوفي الدين من ثمنه. قال: وإن فضل من ثمنه شيء فله، أي للمالك؛ في المثال السابق الذي قلنا إن المشتري -الراهن- سدد ألفين وبقي ثلاثة وعنده سيارة رهنها، فلو بيعت السيارة بخمسة وثلاثين ألفاً، فيعطى الثلاثة آلاف للمرتهن -اللي هو المالك- والخمسة آلاف ترجع للراهن.

قال: وإن بقي منه شيء فعلى الراهن، لو بعت السيارة بخمسة وعشرين ألفاً، خلاص بقي خمسة آلاف، لا تسقط الخمسة آلاف عن الراهن، بل تبقى في ذمته.

وإلا يأذن في البيع ولم يوفِ، أي عندنا الأصل أنه يوفّي، ما وفّى، استأذن في البيع فلم يأذن، فهنا ما العمل؟ يقول: أجبره الحاكم على وفائه أو بيع الرهن؛ فننتقل إلى الحاكم، الحاكم يأتيه ويجبره على إما الوفاء أو البيع، يقول له: وفِّ هذا أو بع الرهن. قال: لأن هذا شأن الحاكم، فإن امتنع ما قال لن أوفي ولن أبيع، فيحبسه الحاكم يعزره حتى يفعل حتى يبيع أو يوفي. فإن لم يفعل مع الحبس والتعزير، لم يوفِ ولم يبع العين المرهونة، قال: فإن لم يفعل أي أصر على الامتناع أو كان غائباً؛ يعني غير موجود، الراهن تغيب ما يعرفوا مكانه، أو كان غائباً فوق مسافة قصر وتتعذر مراسلته.

وتغيب، ما الفرق بين غائب وتغيب؟ قصد التغيب؛ غائباً يعني من الأقصد تغيب، موجود لكنه تهرب؛ فلا يؤمر بالبيع أو الوفاء أو يحبس ونحو ذلك. فإن هنا يقوم الحاكم مقامه؛ باعه الحاكم ووفى دينه، لأنه إن وفاء الدين حق تعين عليه -على الراهن- فقام الحاكم مقامه فيه. والحاكم يقوم مقام الممتنع والغائب. فهذه بالترتيب، إذا لا يسدد، فإن لم يسدد فينظر هل أذن أو يستأذن؟ لم يسدد ولم يوفِ ولم يأذن، فهنا يرفع للحاكم، والحاكم يأمره أو يجبره على الوفاء أو البيع. فإن لم يفعل، فإن الحاكم يحبسه يعزره حتى يفعل، فإن لم يفعل فإن الحاكم يقوم مقامه في ذلك ويبيعه مباشرة.

هذا الذي ذهب إليه الأصحاب هنا؛ الموفق رحمه الله ذكر أنه إذا امتنع فإنه الحاكم مخير، يعني بدل ما يحبسه ثم ينتظر إلى أن يمتنع بعد الحبس فيبيعه، يقول الحاكم من الأصل مخير، إن شاء أجبره على البيع وإن شاء باعه عليه، وإن شاء باعه مباشرة. وباعه عليه، يعني باعه لوفاء دينه، مثل عندنا الآن قاضي التنفيذ يبيعه بالمزاد العلني. هذا المقصود ببيعه عليه، والآن في القضاء لو لم يسدد وكان مرهوناً، فيرفع للقضاء للأمر ببيعه؛ لتسد أو بيعه، فإن لم يسدد فيحكم ببيعه، ويتولى الحاكم -اللي هو قاضي التنفيذ- بيعه. قال: وليس للمرتهن بيعه إلا بإذن ربه -اللي هو الراهن- أو الحاكم، فلا يبيعه المرتهن مباشرة، لابد فيه من إذن، سواء من الراهن، أو الحاكم؛ فإذا تعذر الإذن من الراهن، بأنه كان غائباً أو امتنع، فإنه لابد من إذن الحاكم.

قال رحمه الله: فصل، ويكون الرهن عند من اتفق عليه؛ فإذا اتفق أن يكون تحت يدي جائز التصرف صح، وقام قبضه مقام قبض المرتهن. ولا يجوز تحت يد صبي، أو عبد بغير إذن سيده، أو مكاتب بغير جعل إلا بإذن سيده. فإن شرط جعله بيد اثنين لم ينفرد أحدهما بحفظه، وليس للراهن ولا للمرتهن إذا لم يتفقا، ولا للحاكم نقله عن يد العدل إلا أن تتغير حاله. وللوكيل رده عليهما لا على أحدهما.

هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى هذا الفصل في مسائل تتعلق بمن يكون الرهن عنده، ومسائل باختلاف المتراهنين في بعض المسائل. يقول: يكون الرهن عند من اتفق عليه، فإذا اتفق أن يكون بيد المرتهن فيكون عنده، وإذا اتفق أن يكون بيد طرف ثالث فيكون عنده. الطرف الثالث يسمى العدل، سمي العدل، لذلك هذه من لفظ العدل من الألفاظ التي يختلف إطلاقها في كلام الفقهاء، فالعدل يطلق هنا في باب الرهن على الشخص الأجنبي عن المتراهنين، لكن في باب الشهادات، في الصيام برؤية عدل، فالمراد الصالح. والعدالة يفسرها الفقهاء بأنها استقامة الدين والمروءة. استقامة الدين بفعل الواجبات وترك المحرمات، استقامة المروءة بأن يفعل ما يجمله ويزينه ويترك ما يدنسه ويشينه، ولها تفصيلات كثيرة. والعدل عند المحدثين وصف للثقة والضبط.

فقال بين يدي عدل، هذه العبارة أشكلت على بعض المحدثين المتأخرين، حتى إن العراقي رحمه الله -وهو شيخ للحافظ ابن حجر- ظنها تعديلاً لجبار المغلس؛ كان ينطقها بين يدي عدل. يعني في وجهة نظري أنه عدل. ابن حجر رحمه الله استشكل هذا اللفظ من ابن أبي حاتم رحمه الله تعالى؛ مع ما عُرف من تشدده في الجرح والتعديل، فبحث في كتب اللغة فوجد أن هذه اللفظة تطلق على الهالكين. ابن قتيبة في المعارف وفي أدب الكاتب ذكر أن أحد الولاة كان له رئيس شرطة عندهم اسمه العدل بن جزء، فكان إذا عُرض عليه شخص خلاص، هذا سيقتل، ودّاه وأرسل به إلى العدل، فيقول الناس: ذهب بين يدي عدل، خلاص انتهى أمره.

فأبو حاتم رحمه الله أطلقها على جبار وعلى غيره، فاستفاد منها ابن حجر رحمه الله أن هذه اللفظة تطلق على الهالكين، وكلام أبي حاتم رحمه الله متماشٍ مع كلام جمهور المحدثين في تضعيف هذا. هذه القصة ذكرها الشيخ عبد الكريم الخضير وفقه الله تعالى في بعض دروسه، وهو تكلم عليها في سياق أن طالب العلم يستفيد من كتب الأدب واللغة في مسائل قد لا يفهم أحياناً كلام الفقهاء وكلام المحدثين إلا إذا عرف شيئاً من اللغة والأدب.

لذلك الواحدي رحمه الله في مقدمة تفسيره -في مقدمة التفسير البسيط- ذكر أنه تعلم شيئاً كثيراً من اللغة قبل أن يبدأ في التفسير؛ لأن فهم كلام الله عز وجل وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم ينبني على فهمك لأساليب العرب في لغاتها. ولذلك ينبغي لطالب العلم أن يقبل على مثل هذه الكتب التي تكون مساندة له في فهم النصوص الشرعية من الكتاب أو السنة.

فإذا اتفق أن يكون تحت يد جائز التصرف صح، وجائز التصرف هو الحر البالغ الرشيد. العدل هنا، هل يشترط في العدل هنا عدالته؟ لا، لا يشترط في العدل في باب الرهن أن يكون عدلاً، يعني غير فاسق؛ لذلك قالوا: لو اتفق على أن يكون في يد كافر صح، واتفق على أن يكون في يد فاسق صح؛ لأن الحق لهما وما اتفقا عليه. فإذا اتفق أن يكون تحت يد جائز التصرف صح، وقام قبضه مقام قبض المرتهن.

وقام قبضه مقام قبض المرتهن؛ أنه يكون وكيلاً عنه نائباً عنه في القبض. طبعاً قلنا في الدرس الماضي إنه إذا اتفق أن يكون في يد المرتهن صح وكان قبضاً؛ إذا اتفق أن يكون في يد وكيل عن المرتهن الذي هو العدل صح؛ إذا اتفق أن يكون في يد الراهن، فهل يصح ويكون قبضاً للمرتهن؟ لا يكون قبضاً، فلا يكون لازماً؛ لما ذكر أن الرهن يلزم بالقبض. فإذا قال المرتهن للراهن: أوكلك في قبض العين المرهونة، فلا يكون الراهن قابضاً عن المرتهن، فلا يكون الرهن لازماً؛ لابد أن يكون القبض من المرتهن أو من يقوم مقامه من العدل.

قال: ولا يجوز تحت يد صبي؛ هنا ذكر المحترز من قول جائز التصرف، فجائز التصرف قلنا: الحر البالغ الرشيد، فالصبي إذاً لا يكون قبضه قبضا للعين المرهونة، فإنه غير جائز التصرف مطلقاً، فإن فعل كان قبضه وعدمه واحداً، كأن العين لم تقبض. قال: أو عبد بغير إذن سيده؛ فإنه لا يصح؛ لماذا؟ قالوا لأن منافع العبد لسيده فلا يجوز تضييعها في الحفظ بغير إذنه. وقوله بغير إذن سيده، فإن أذن له سيده جاز.

المكاتب، قال: المكاتب بغير جعل إلا بإذن سيده. المكاتب هو الذي يشتري نفسه من سيده بأقساط، فإذا اتفق على أن تكون العين المرهونة بيد المكاتب، فنقول لا يخلو: إما أن يكون هذا مقابل جعل؛ يعني يقول أنا سأحفظ لكم مقابل مبلغ تعطيني إياه، فهنا لا يصح، أما إذا كان ذلك تبرعاً فإنه لا يصح إلا إذا أذن سيده. فإذا كان بجعل فإنه يجوز ولا يحتاج إذن سيده؛ لأن له الكسب وبذل منافعه بدون إذن سيده، وإن كان بغير جعل فإنه لا يجوز؛ لأنه ليس له التبرع بمنافعه.

قال: وإن شرط جعله بيد اثنين لم ينفرد أحدهما بحفظه؛ قالوا اتفقوا على أن يكون الرهن بيد محمد وخالد اثنين، فيصح، لكن لا ينفرد أحدهما بحفظه، لابد أن يكون تحت حفظ الاثنين. كيف؟ لازم يراقبون؟ حط بالصندوق قفلين؟ نعم، هنا الفقهاء، ممكن أن يوضع لهذا الصندوق مثلاً قفل ومع كل واحد منهما مفتاح، ما ينفتح إلا بهذين المفتاحين، ما ينفتح بمفتاح واحد، مثل لو جعل على الباب قفلان، فلو فتح أحدهما لا ينفتح الباب، فممكن أن يُلجأ إلى ذلك.

وليس للراهن ولا للمرتهن إذا لم يتفقا، ولا للحاكم، نقله عن يد العدل؛ لأن تتغير حاله. عندنا اتفق على عدل وجعله بيده، هل لهما أن يستردّاه أو لأحدهما أو للحاكم أن يستردّه من يد العدل أن ينقله من يد العدل إلى غيره؟ هنا ذكروا لها أحوالاً؛ الحالة الأولى: إذا اتفق الراهن والمرتهن على نقله عن يد العدل، سواء نقله إلى يد المرتهن أو نقله إلى يد عدل آخر، فهنا يصح؛ لأن الحق لهما.

الحالة الثانية: إذا تغيرت حال العدل، كان مثلاً قوياً ويحفظ، بعدين أتته أمراض ونحو ذلك ما يستطيع أن يحفظها، أو كان متفقاً عليه لأنه رجل أمين معروف بالأمانة ثم اختلت أمانته، فهنا لهم أن ينقلوه. وهناك حالة ثالثة ما ذكرها هنا وهي إذا حصل عداوة بين أحد المتراهنين وبين العدل، حصل عداوة، فهنا لهم نقله، طبعاً سواء كان الذي ينقله هو أحد المتراهنين أو الذي ينقله هو الحاكم. إذا لم توجد إحدى هذه الأمور الثلاثة: لم يتفق المتراهنان على نقله، ولم تتغير حال العدل، ولم توجد عداوة بين العدل وبين أحد المتراهنين، فإنه لا ينقل، لا تُنقل العين عن يده.

قال: وللوكيل رده عليهما، يعني لو أن العدل قال: خلاص أنا مليت، أنا تعبت من هذا، خلاص سأرده، أنا أحس أنها أمانة كبيرة في عنقي وكنت أظن أنه سيتم السداد قريباً وتأخر السداد، خلاص أنا سأرجع، فهنا قال الوكيل رده عليهما، وإذا رد عليهما للوكيل، يعني ليس عليه، إذا قالوا للوكيل يعني يجوز له ليس واجباً، وإذا رده عليهما فيلزمهما قبوله، ما يقولون لا احنا متفقين عليك خلاص استمر، يلزمهما قبوله؛ لأنه أمين متطوع بالحفظ فلا يلزمه المقام عليه، فإن امتنعا المتراهنان فإن الحاكم يجبرهما.

قال: لا على أحدهما، يعني يرد عليهما لا على أحدهما؛ لماذا؟ هو الآن أمسكه عنهما وكيلاً عنهما، أما هما الراهن والمرتهن فكل واحد يمسكه لنفسه، فليس أحدهما وكيلاً عن الآخر، فمتى دفعه إلى أحدهما فإنه يلزمه أن يسترده منه، فإن لم يفعل فعليه ضمان حق الآخر، لو لم يسترده منه فتلف العين المرهونة، فإنه يضمن هذا العدل يضمن حق الطرف الذي لم يسلمه العين المرهونة.

قال رحمه الله: وإن أذنا له في البيع، أي بيع الرهن، لم يبع إلا بنقد البلد؛ لأن الحظ فيه رواجه، فإن تعدد، باعه بجنس الدين؛ فإن عُدم، فبما ظنه أصلح؛ فإن تساويا تعين حاكم؛ وإن عيَّنا نقداً تعيَّن ولم تجز مخالفتهما؛ فإن اختلفا لم يُقبل قول واحد منهما ويرفع الأمر إلى الحاكم ويأمر ببيعه بنقد البلد سواء كان من جنس الحق أو لم يكن، وافق قول أحدهما أو لا.

هنا ذكر لك إذا أذنا الراهن والمرتهن للعدل في البيع، فبما يبيع؟ عندنا عدة نقود، يعني مثلاً عندنا في السعودية هناك عدة عملات، هل يبيع بالدولار؟ يبيع بالجنيه؟ يبيع بالدينار؟ يبيع بالريال؟ هنا قال لك إذا أذنا في البيع لم يبع إلا بنقد البلد، طبعاً قبل ذلك نقول وذكرها لاحقاً إذا عيَّنا له نقداً فيتعين، إذا قال له بع بالدولارات، دولارات ليست نقد البلد، فهنا يتعين، يلزمه أن يبيع بالدولار. إذا لم يُعيِّنا فنأتي إلى هنا: فإذا لم يعيِّنا له وأطلقا فنقول: إذا لم يكن في البلد إلا نقد واحد مثل عندنا هنا ما فيه إلا ريالات، فيبيع بالريالات.

أما إذا كان في البلد أكثر من نقد، مثلاً بلد فيه دولار وفيه يورو، فهنا نقول ما الأحظ؟ ما الذي يتعامل به أكثر؟ إذا قالوا يتعامل بالدولار أكثر، فنقول إذا يبيع بالدولار، فإذا كانت متساوية، يباع بالدولار وباليورو متساوية، فهنا ذكر المؤلف رحمه الله أنه إذا تعدد باعه بجنس الدين؛ بجنس الدين يعني عندنا مثلاً في البلد دولار ويورو وكلها متساوية، لكن هو اشترى بالدولار، فنقول إذاً يا العدل بع بالدولار، اشترى باليورو نقول يبيع باليورو.

فإذا عُدم جنس الدين، مثلاً هو اشترى بالريال والنقود التي في البلد دولار ويورو، فبما يبيع وهما لم يعيِّنا له نقداً؟ فقال: باع بما ظنه أصلح، فيقدِّم البيع بجنس الدين على البيع بما ظنه أصلح، ومن الأصحاب من قدم البيع بما ظنه أصلح، وهذا قول القاضي واقتصر عليه الموفق في المغني، مع أنه في المقنع ذكر البيع بجنس الدين قبل، وصوَّبه المرداوي في الإنصاف. قال: فإن تساوت كلها، متساوية في الرواج وفي الصلاح وليست هي جنس الدين، فهنا يقول يعينه الحاكم، الحاكم يقول له بع بكذا أو بع بكذا لأنه أعرف بالأحظ.

قال: وإن عيَّنا نقداً تعيَّن، لا تجوز مخالفتهما، وهذا ذكرناه في البداية. قال: فإن اختلفا لم يُقبل قول واحد منهما، إذا قال له الراهن بع بالريالات والمرتهن قال بع بالدولارات، فهنا عيَّنا له نقداً لكنه اختلف، فهنا من يُقدَّم قول الراهن أو قول المرتهن؟ لم يُقبل، لماذا لم يُقبل؟ أيوه هنا ما عندنا أصل، ما في أصل متفقين عليه، وأحدهما زاد على الآخر شيئاً، فإذا لم يكن هناك أصل خلاص لا نقبل، تعارضت، ليس أحدهما بأولى من الآخر، ندخل مرجحاً من الخارج، والمرجح هو الحاكم.

قال: فإن اختلفا لم يقبل قول واحد منهما ويرفع الأمر إلى الحاكم ويأمر ببيعه بنقد البلد، سواء كان من جنس الحق أو لم يكن، حتى لو كان مثلاً باع بريالات وكان مثلاً في دولة أوروبية تتعامل بالدولار، فهنا العملة هناك هي الدولار فيبيع بالدولار، قال: وافق قول أحدهما أو لا، يعني لو كان أحدهما قال بع بالريال والآخر قال بع باليورو، واليورو والريال ليست من نقود البلد الذي اختلف فيه، فهنا لا ينظر الحاكم إلى موافقة قول أحدهما، فقط يأمره ببيعه بنقد البلد. والموفق رحمه الله ذكر أن الأولى أن يبيعه بالأحظ، طبعاً إنما يأمره ببيعه بنقد البلد لأنه في الغالب هو الأحظ، لكن لو كان بيعه بغير نقد البلد أحظ، فهنا هل يُقدَّم نقد البلد أو لا؟ على كلام الأصحاب أن يُقدَّم نقد البلد على الأحظ، وعلى قول الموفق رحمه الله وصوَّبه المرداوي في الإنصاف أنه يبيعه بالأحظ، أحظ من نقد البلد.

وإن باع بإذنه وقبض الثمن فتلف في يده من غير تفريط فمن ضمان الراهن؛ لأن الثمن في يد العدل أمانة فهو كالوكيل. وإن ادعى العدل دفع الثمن للمرتهن فأنكر، ولا بينة للعدل بدفعه للمرتهن ولم يكن الدفع بحضور الراهن، ضمن العدل؛ لأنه فرَّط حيث لم يُشهد؛ ولأنه إنما أذن له في قضاء مبرئ ولم يحصل، فيرجع المرتهن على راهنه ثم هو على العدل. وإن كان القضاء ببينة لم يضمن لعدم تفريطه، سواء كانت البينة قائمة أو معدومة كما لو كان بحضرة الراهن، لأنه لا يُعد مفرطاً كوكيل في قضاء الدين فحكمه حكم العدل فيما تقدم لأنه في معناه.

الآن سيذكر لنا مسائل من مسائل الاختلاف بين العدل والمرتهن. قال: وإن باع بإذنه وقبض الثمن فتلف في يده هذه مسائل الضمان التي بعد مسائل الاختلاف. فتلف في يده من غير تفريط فمن ضمان الراهن.

لأن الثمن في يد العدل أمانة، فهو كوكيل. الآن العين المرهونة مثلاً سيارة، والسيارة في يد العدل، والدين مثلاً 550 ألفاً، ذهب العدل إلى معرض السيارات وباع هذه السيارة بـ 550 ألفاً وقبض الثمن، الأصل أنه سيوصله إلى المرتهن. الطريق، المرتهن سرقت منه 550 ألفاً، سرقت منه 500 ألف من غير تعد ولا تفريط، هل يضمن العدل؟ هنا لا يضمن. لماذا؟ تطلق القواعد: أمين، بماذا هو أمين؟

هو أولاً شيء أمين لأنه قبض عين غيره بإذن من المالك، فهو وليست لمصلحته؛ يعني ليست لا يختص بمنفعة هذه العين المقبوضة، فهو أمين. إذاً، والأمين لا يضمن إلا إذا تعدى أو فرط، فهو الآن لا يضمن تلف، طبعاً قوله «إني لم أتعد ولم أفرط» يقبل قوله في ذلك طبعاً مع يمينه.

طيب هنا إذا لم يضمن هل ينتفي الضمان عن الراهن؟ يعني خلاص نقول للمرتهن راحت عليك 500 ألف؟ لا، هنا قال: فمن ضمان الراهن، العدل وكيل عن الراهن، العدل وكيل عن الراهن، ولا هو وكيل عن المرتهن. ما قلنا قبل إنه كأنه مرتهن في حفظ العين؟ الرهن فيه جانبان: جانب حفظ العين المرهونة وجانب التوفية لبيعها وسداد الدين. في الحفظ هو وكيل عنهما، وكيل عنهما، وفي التوفية هو وكيل عن الراهن. فلما ذهب هو كان راهناً فقط فينتفي الضمان عنه للراهن. طيب هل الراهن لا يضمن للمرتهن؟ لا، فستكون الـ 500 ألف تبقى في ذمة الراهن، إذاً ينتفي الضمان فقط عن العدل، ينتفي يعني مثل الآن شخص اقترض، يعني ما في رهن ولا شيء، ولا اشترى مثلاً سيارة بـ 500 ألف، جاء يسدد، جمع 500 ألف، ذهب يسدد وسرقها شخص أو غصبها غصباً عنه، فهنا هل يقول للبائع خلاص أنا جمعت 500، خلاص سرقت مني، خلاص ما لك شيء؟ أقول: لا، 500 ألف ما زالت في ذمتك، أنت يرجع للغاصب أو السارق، لكن البائع إلى ما وصل حقه لا بد أن توصل إليه حقه، فهذه مثلها المرتهن ما وصله حقه، العدل تلفت في يده، خلاص هو لا يضمن لك الراهن، لكن أنت ما زالت هذه في ذمتك.

هنا فقط في حاشية ابن قاسم رحمه الله في حاشية أربعة يقول: لأنه لما قال فمن ضمان الراهن لأن الثمن في يد العدل أمانة فهو كوكيل، يقول قال الموفق وغيره: لا نعلم فيه خلافاً. هذه لا نعلم فيه خلافاً يعني في عدم تضمين العدل، في عدم تضمين العدل، وليس في أن الضمان على الراهن؛ لأنه في خلاف بين الفقهاء حتى خلاف في المذهب هل هي من ضمان الراهن ولا من ضمان المرتهن؟ هل هي من ضمان الراهن أو من ضمان المرتهن؟ لأن الأصحاب المشهور عندنا من ضمان الراهن، لأن العدل إنما هو وكيل عن الراهن فقط، والثمن في يده أمانة فهو لا يضمن في مقابلته، لكن أنت يا الراهن أنت لست وكيلاً عن المرتهن، الراهن لست وكيلاً عن المرتهن عشان نقول إنك لا تضمن لأجله. ومن الأصحاب من قال إنه من ضمان المرتهن، يعني خلاص 500 ألف تذهب للمرتهن، لماذا؟ لأن البيع كان لأجله، إن البيع كان لأجله، لكن المشهور كما قلنا إنه من ضمان الراهن، فإذاً قول ابن قاسم رحمه الله هنا وقال الموفق وغيره: لا نعلم فيه خلافاً، يعني في عدم تضمين العدل، أن العدل لا يضمن، لكن مسألة هل هو من ضمان الراهن أو من ضمان المرتهن هذه فيها الخلاف.

المسألة الثانية: إذا ادعى العدل، يعني الآن ما تلف، العدل باع السيارة بـ 500 ألف وذهب للمرتهن وسلمه الـ 500 ألف، وثم بعد شهر جاء المرتهن قال: ما سددت 500 ألف قيمة السيارة، قال: باع العدل هذه السيارة وسلمك، قال: ما سلم شيئاً، العدل يدعي دفع الثمن إلى المرتهن والمرتهن ينكر. طيب فهنا ماذا قال؟ طبعاً هنا لو نأتي بها بالتسلسل، فنقول لا يخلو العدل في الدفع للمرتهن من ثلاثة أحوال:

الحال الأولى: أن يدفع الثمن إلى المرتهن بالبينة، الثمن المرتهن ويحضر شاهدين ويشهدون على أنه دفع الثمن إلى المرتهن، فهنا لا يضمن، المرتهن لا يضمن، العدل لا يضمن العدل.

الحالة الثانية: أن يدفع العدل إلى المرتهن الثمن بحضور الراهن، فلا يضمن العدل.

الحالة الثالثة: أن يدفعه لا بحضور الراهن ولا ببينة، فهنا يضمن، فهنا يضمن. نرجع إلى كلام المؤلف قال: إن ادعى العدل دفع الثمن للمرتهن فأنكر المرتهن ولا بينة للعدل بدفعه للمرتهن، ولم يكن الدفع بحضور الراهن، هذه في يعني الآن انتفى الأمر الأول، انتفى الأمر الثاني، قلنا لكم إنها ثلاث حالات، الحالة الثالثة أن يكون الدفع بغير بينة بغير حضور الراهن فإنه يضمن، قال: ضمن العدل، لماذا؟ لأنه فرط، هنا أمين وضمن، لماذا؟ لوجود التفريط، فقلنا لكم الأمين لا يضمن إلا إذا تعدى وفرط، هنا في تفريط، قال: لأنه فرط حيث لم يشهد. والعله الثانية أنه إنما أذن له في قضاء مبرئ، ولم يحصل، أذن له في قضاء مبرئ يبرئ ذمته يبرئ ذمة الراهن، ولم يحصل حيث قبضه العدل بغير بينة ولا حضور الراهن، فهنا لم يحصل.

إذا كان الضمان على العدل فهنا المرتهن مخير بين أنه يرجع على العدل أو يرجع على الراهن. نضرب المثال السابق، ادعى نعم كان المثال السابق، اشترى محمد سيارة من عمر مثلاً بـ 500 ألف، ورهنه سيارة، السيارة المرهونة عند العدل صالح، حل الدين ما سدد إلا 200 ألف محمد، بقي 300 ألف، جاء صالح وقد أذن الراهن للعدل في البيع، جاء صالح وباع السيارة بـ 300 ألف، وأحضر 300 ألف إلى المرتهن عمرو وسلمها له بدون حضور الراهن وبدون البينة، طيب المرتهن عمرو أنكر، قال العدل دفعت القيمة إلى عمرو المرتهن، وأنكر عمرو، هنا هل يضمن العدل أو لا؟ نقول يضمن. الآن المرتهن ما وصله 300 ألف وهو ينكر وصول 300 ألف، طيب يطالب العدل ولا يطالب الراهن؟ الروح، هنا ذكر لك أحد الخيارين، قال: فيرجع المرتهن على الراهن ثم الراهن على العدل، هو له أحد خيارين، الخيار الأول: يرجع على الراهن، يقول للراهن سلم لي 300، فيسلم الـ 300، الراهن يرجع على العدل، يقول: أنت بعت السيارة ولا سلمتها، إذاً أعطنا 300 ألف أو أعطنا قيمة السيارة لو كانت السيارة بيعت بـ 350، يرجع هو على العدل، هذا الخيار الأول. الخيار الثاني: الخيار الأول أن يرجع المرتهن على الراهن ثم الراهن على العدل، الخيار الثاني أن يرجع المرتهن على العدل، مرتهن نقول العدل بعت السلعة ولا أطعت قيمتها، أعطني قيمتها، كان أنا بعتها بـ 300 ألف وسلمتك ما سلمتني، أعطني، فيرجع المرتهن على العدل يأخذ 300 ألف، العدل، هل يرجع العدل للراهن ولا لا؟

لا يرجع العدل في هذه المسألة للراهن، لأنه يعتقد في قرارة نفسه أن الراهن ما يلزمه الشيء وأن المرتهن هو الذي ظلمه، يقول أنا سددت لك 300، وسددتك ثاني، فيعتقد في قرارة نفسه أن المرتهن هو الذي ظلمه، أن الراهن ما عليه شيء، أن الراهن ليس عليه شيء. ولذلك قالوا المرتهن له الرجوع على العدل أو الراهن، فإن رجع على العدل لم يرجع العدل على الراهن؛ لأن العدل مقر ببراءة ذمة الراهن ويدعي أن المرتهن ظلمه، وإن رجع على الراهن فهنا الراهن يرجع على العدل لماذا؟ لأنه مفرط، العدل مفرط. وهناك رواية أخرى في المذهب أن الراهن لا يرجع على العدل؛ يعني إذا رجع المرتهن على الراهن لا يرجع الراهن على العدل، لماذا؟ لأن العدل أمين، أمين في حق المرتهن في حق الراهن سواء صدقه أو كذبه، إلا أنه إن كذبه فعليه اليمين، هنا قال: فيرجع المرتهن ثم له العدل، وإن كان القضاء ببينة لم يضمن لم يضمن العدل للراهن لعدم تفريطه، سواء كانت البينة قائمة موجودة أو معدومة، لو كان استشهد شهوداً وماتوا، ماتوا فلا يشد، فهنا هل يضمن العدل؟ لا، لا يضمن لأنه هنا غير مفرط.

لكن الأصحاب قيدوا ذلك بأن يصدقه الراهن، بأن يصدقه الراهن سواء كانت البينة قائمة أو معدومة، قالوا إن صدقه الراهن، إن قال الراهن خلاص أنا أصدقك في أنك قمت ببينة وأنهم الآن متوفون، لكن لو لم يصدقه الراهن ها؟ لو قال العدل أنا قضيت المرتهن ببينة، شهد فلان وفلان والآن الشهود هؤلاء ميتون، فهل يضمن العدل هنا؟ هل تحقق مقصده؟ هنا لو صدقه الراهن لم يضمن، لو لم يصدق قالوا الأصل عدمها، فهنا يضمن، هكذا ذكره الحجاوي في الإقناع، قال إن صدقه المرتهن، قال الحجاوي في الكشاف: صوابه الراهن، يعني لعلها صدقه، هكذا ذكر، وشيخنا ابن عثيمين رحمه الله في حاشية الروض ذكر احتمالاً قوياً أنه حتى وإن لم يصدق؛ لأنه لا يوجد منه تفريط وهو أمين في يعني عنده هو أمين عنده فلم ينشأ منه تفريط في ذلك، قال: كما لو كان بحضرة الراهن، هذه الحالة الأولى اللي قلنا لكم إذا سددوا بحضرة الراهن، أو الحالة الثانية أنا نسيت ترتيب الحالات، إحدى الحالات التي ذكرنا أنه لا يضمن فإنه لا يضمن هنا لأنه لا يعد مفرطاً، طبعاً الذي لا يضمن هنا العدل، لكن المرتهن لو قال لو كان قضاه بحضرة الراهن، جاء مرتهن يطالب الراهن، قال قضاك العدل، قال لا ما قبضني، قال قضى بحضوره، قال لا ما قضى ولا عندهم بينة، العدل ما يشهد، يعني لا تقبل شهادة العدل هنا لماذا؟

لأنه يدفع عن نفسه ضرراً. واضح؟ كانك أي الآن لو قال في المثال السابق جاء باع السيارة بـ 300 ألف وجاء بـ 300 ألف وأعطاها للمرتهن، وكان الراهن حاضراً، جاء بعد أسبوع ولا شهدوا أحداً ولا كتبوا، جاء بعد أسبوع المرتهن أو بعد شهر، المرتهن الراهن قال أعطني 300، قال أعطاك إياها العدل، قال لا ما أعطاني إياها، هنا العدل لا يضمن؛ لأنه سدد بحضور الراهن، لكن الراهن هل يضمن؟ ما في بينة، الراهن يضمن، الراهن يضمن، طيب لو قال سأحضر العدل شاهداً، تقبل شهادة العدل؛ لأن العدل إذا شهد يدفع عن نفسه ضرراً، فهنا لا تقبل شهادة العدل، فهنا العدل لا تقبل شهادته. الأصل أن الشهادة لا تكون إنها من عدل.

قال: كوكيل في قضاء الدين، هذه تراها المسألة مسألة الوكيل لم تذكر في الوكالة، ذكرت هنا فهي ذكرت في غير مظنتها ولم تذكر في مظنتها، شخص مثلاً محمد أقرض عمراً 10000 ريال، قال سددني بعد سنة، بعد سنة عمر أعطى صالح 10000، وقال اذهب إلى محمد فسددها، الآن صالح يعتبر وكيلاً عن عمر في السداد، صالح وكيل عن عمر في سداد الـ 10000 لمحمد، جاء صالح لمحمد وأعطاه، جاء محمد بعد شهر لعمر وقال أعطني 10000، قال سددك صالح، قال لا ما سددني، فهنا هل يضمن صالح؟ ما يضمن، الحالات الثلاث اللي قلناها قبل شوي للعدل نفسها في الوكيل، فإذا كان قضى الدين بحضور بينة فإنه لا يضمن، إذا كان قضى الدين بحضور الموكل فإنه لا يضمن، إذا كان قضى الدين بعدم حضور الموكل ولا البينة فإنه يضمن، طيب في المسألة يضمن، نقول للموكل الرجوع على لا نعم، لا يرجع إلا على الوكيل، لكن الموكل ليس الموكل، الدائن، الدائن، الدائن في المسألة الثالثة إذا كان قضى الوكيل بغير حضور المرتهن بغير حضور الموكل ولا ولا حضور البينة، فإن صاحب الحق يطالب الموكل، والموكل يرجع على الوكيل، يرجع لوكيله، أنه يعتبر ضامناً، لكن في المسألتين الأولتين الوكيل غير ضامن، الوكيل غير ضامن، لكن صاحب الحق يطالب الدائن مباشرة، يطالب الدائن مباشرة.

طيب نقف على هذا، نسأل الله جمع التوفيق والسداد. طيب يقول: هل لو كان معسراً يدخل في قوله إن امتنع؟ نعم يدخل، لكن المعسر لا يحبسه طبعاً، لا يحبسه الحاكم، المعسر لا يحبسه الحاكم، هل يبيع العين المرهونة الحاكم، وهذا معسر؟ نقول إن زادت على حاجته، لكن إذا كانت تتعلق بها أمور الحاجيات إنه لا يبيعها، لا يبيعها ويؤمر هذا بالصبر. نعم في شيء شيخ؟ يرجع المرتهن القول بأنه مخير الرجوع للعدل أو الراهن، نعم إشكال رجوع العدل للمرتهن في رجوعه على، هو وكيل في الوفاء عن الراهن. نعم، رجوع هما هم اتفق الطرفان على يعني الراهن والمرتهن على أن هذا يبيع ويوفي، فهو باع ولم يوفي، يقول أنت قبضت الثمن ولم تسدده، صفته فيكون صفته، يعني تقصد صفته القضائية، وحقيقة وكيل وكيل، لكنه لما كانت الثمن في يده وعلى اليد ما أخذت حتى تؤديه، من هذا الباب يعني قبض عيناً يلزمه أداؤها، لكن الراهن، أي وكيل عن الراهن. هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.