دخولتسجيل الدخول

كتاب البيع 44 | باب الحوالة 2

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما وعملا صالحا يا كريم.

أما بعد، فكنا قد توقفنا في التعليق على "الروض المربع" أثناء باب الحوالة، وتكلمنا في الدرس الماضي عن تعريف الحوالة وصورتها وشيء من شروطها. ذكرنا شرطين من شروط الحوالة، وهما استقرار الدين، أي الدينين محال به وعليه، لا استقرار الدين المحال عليه؛ أما المحال به فلا يشترط استقراره على الصحيح من المذهب. والشرط الثاني اتفاق الدينين في الجنس والوصف والقدر والحلول والتأجيل.

وقفنا على الشرط الثالث.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين. قال المصنف رحمه الله تعالى: "ويعتبر لصحة الحوالة رضاه، أي رضا المحيل؛ لأن الحق عليه، فلا يلزمه أداؤه من جهة الدين على المحال عليه. ويعتبر أيضا علم المال، وأن يكون مما يثبت مثله في الذمة بالاتلاف من الأثمان والحبوب ونحوها".

هنا ذكر الشروط الثلاثة الباقية. الشرط الثالث قال: "ويعتبر لصحة الحوالة رضاه"؛ يعتبر يعني يشترط لصحة الحوالة رضاه، أي رضا المحيل. عندنا ثلاث أطراف في الحوالة: محيل، ومحتال (ويسمى محالا)، والثالث محال عليه. الذي يشترط رضاه هو المحيل، الذي عليه الدين ويحيل غيره إلى طرف ثالث، فهو الذي يشترط رضاه لصحة الحوالة. فمثلا لو اشترى هزاع من نصار سيارة بثلاثين ألفا، أحال هزاع نصارا على عمر، الآن من المحيل؟ هزاع؛ إذا هو الذي يشترط رضاه. أما الطرفان الآخران فلا يشترط رضاهما، وسياتينا تفصيل في المحتال.

قال الموفق رحمه الله بلا خلاف اشتراط رضا المحيل لصحة الحوالة. وقال المؤلف رحمه الله: "لأن الحق عليه فلا يلزمه أداؤه من جهة الدين على المحال عليه". يقول هو الحق عليه، هو الذي سيسدد الدين الذي عليه، فهو حر في أن يسدد من ماله أو يحيل على غيره؛ كونه يجبر على الإحالة، مثلا لو قال نصار لهزاع: "أنا أخاف أنك ما تسددني، خلاص باخذ ديني من عمر الذي هو مدين لك"، فلا يجبر هزاع على قبوله؛ لأن هزاع مخير بين أن يسدده من ماله الخاص أو أن يحيل، ومخير فلا يجبر على قبوله.

الشرط الرابع قال: "ويعتبر أيضا علم المال"، أن يكون المال معلوما. أي مال؟ عندنا دينان، الدين المحال به والدين المحال عليه، فأيهما الذي يشترط علمه؟ أو كلاهما؟ كلاهما. إذا يشترط علم المال سواء كان المحال به أو المحال عليه؛ لأن الحوالة لا تخلو من أن تكون إما أن تكون بيعا كما قلنا في بداية الدرس الماضي، هل هي بيع أو هي تحول حق من ذمة إلى ذمة؟ فعلى كلا الاحتمالين لا بد فيها من العلم؛ لأنها إن كانت بيعا فمن شروط صحة البيع العلم بالمبيع وبالثمن، وإن كان تحول حق من ذمة إلى ذمة فيعتبر فيها التسليم، أي يشترط لها التسليم. فإذا قلنا: استلم الدين من فلان وهو لا يعلم مقداره، فيه جهالة، والجهالة تمنع من التسليم.

الشرط الخامس: "أن يكون مما يثبت مثله في الذمة بالاتلاف من الأثمان والحبوب ونحوها". طبعا قوله "مما يثبت مثله في الذمة"، وبعضهم يعبر بأن يكون مما يصح السلم فيه. تذكرون في أول باب السلم، أول شرط من شروط صحة السلم ما هو؟ أن تنضبط صفاته، يكون مما ينضبط بالصفة. والذي ينضبط بالصفة ما هو؟ المثليات، المكيل والموزون. طيب المعدود والمذروع؟ قالوا: المعدود غير المختلف، أما المعدود المختلف فلا يصح السلم فيه. فالمؤلف هنا يقول: "مما يثبت مثله في الذمة بالاتلاف من الأثمان والحبوب ونحوها". الأثمان ترى مثال على الموزونات، والحبوب مثال على المكيلات، ونحوها كالمعدود والمذروع الذي يصح السلم فيه. طبعا المكيل والموزون ما في إشكال لأنه مثلي، المعدود والمذروع قالوا لأنه يثبت مثله في الذمة فصحت الحوالة به كالمثل. إذا هذه شروط، طبعا هنا يقول أن يكون مما يثبت مثله في الذمة بالاتلاف من الأثمان، يعني لو أحال على ثمن ذهب أو فضة أو نقود، أو أحال على مكيل، مثل لو اشترى هزاع من نصار تمرا ببر، اشترى موزا ببر، الآن الموز معدود والبر مكيل، قال له: "عشرة أصع من البر"، قال سأسددها، أو هي في ذمتي وما حدد موعد للسداد وقال: "لي في ذمة عمر عشرة أصع خذها"، فالآن أحال على مكيل، يعني لا يلزم أن يكون المحال عليه أو الدين المحال عليه نقدا، المهم أن يكون يثبت مثله في الذمة. طبعا يشترط في المحال به والمحال عليه أن يكونا متفقين في الجنس، وهذه من شروط صحة الحوالة.

قال رحمه الله: "ولا يعتبر رضا المحال عليه؛ لأن للمحيل أن يستوفي الحق بنفسه وبوكيله، فقد أقام المحتال مقام نفسه في القبض، فلزم المحال عليه الدفع إليه".

هنا لما ذكر أنه يعتبر رضا المحيل، سيتكلم عن الطرفين الآخرين، المحال عليه والمحتال. المحال عليه الذي في المثال عمر، هل يعتبر رضاه ولا ما يعتبر؟ يقول: لا، لا يعتبر رضاه. لماذا؟ يقول لأن للمحيل أن يستوفي الحق بنفسه وبوكيله. الآن لو ما في حوالة، هزاع يطلب عمر عشرة آلاف ريال، جاء هزاع أو أرسل وكيلا له وقال: "اذهب إلى عمر وقل له أنا وكيل هزاع، وأعطني العشرة آلاف ريال"، هل لعمر أن يمتنع؟ لو عمر صادق على ذلك أو اطلع على ما يثبت أنه وكيل لهزاع، هل لعمر أن يمتنع يقول: "لا، أنت لست هزاع لا أعطيك"؟ لا، صاحب الحق له أن يستوفي الحق بنفسه وبوكيله. فيقول لك في الحوالة: الآن المحيل له أن يستوفي الحق بنفسه وله أن يستوفي الحق بوكيله، وقد أقام المحتال مقام نفسه في القبض، فهو المحتال هنا مثل في المثال نصار، نصار كانه وكيل هزاع في قبض الدين أو في استيفاء الدين. فيقول ما دام أنه لا يشترط رضا المدين في التصرف العادي ما في حوالة، إذا أرسل الدائن وكيلا له في استيفاء الدين على المدين، ما يقول المدين: "لا، أنا لن أسدد إلا الدائن"، فكذلك في الحوالة؛ لأن الحوالة صورتها ظاهرا كأنها صورة توكيد في استيفاء الدين. ولذلك هنا يقول: لا يعتبر رضا المحال عليه؛ لأن للمحيل أن يستوفي الحق بنفسه وبوكيله، وقد أقام المحيل المحتال مقام نفسه في القبض، فلزم المحال عليه الدفع إليه. ويستدل أيضا بالحديث: «إذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع».

الآن سيتكلم عن رضا المحتال. قال رحمه الله: "ولا رضا المحتال إن أحيل على مليء، ويجبر على اتباعه، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه يرفعه: مطل الغني ظلم، وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع، متفق عليه. وفي لفظ: من أحيل بحقه على مليء فليحتل. والمليء القادر بماله وقوله وبدنه؛ فماله القدرة على الوفاء، وقوله ألا يكون مماطلا، وبدنه حضوره إلى مجلس الحكم؛ قاله الزركشي. وإن كان المحال عليه مفلسا، ولم يكن المحتال رضي بالحوالة عليه، رجع به، أي بدينه، على المحيل؛ لأن الفلس عيب، ولم يرض به، فاستحق الرجوع كالمبيع المعيب. فإن رضي بالحوالة عليه فلا رجوع له إن لم يشترط الملاءة لتفريطه".

هنا قال: "ولا رضا المحتال إن أحيل على مليء ويجبر على اتباعه". هنا قسم لك الرضا، المحتال فيه تفصيل. هل لو أن شخصا أحال شخصا على آخر، فلا يستغب المحتال أبدا أو يستغب أحيانا؟ يقول لك هذه المسألة خلاصة ما قاله هنا أن المسألة لا تخلو من ثلاث صور.

الصورة الأولى: ألا يرضى المحتال بالحوالة ويتبين أن المحال عليه مفلس، فهنا يرجع بلا نزاع.

الحالة الثانية: أن يشترط المحتال ملاءة المحال عليه ولا يعرف، يقول: "أنا ما أدري، ما أعرفه هل هو مليء أو مفلس أو مماطل"، فيقول: "أنا لا مانع لدي من أن أذهب إلى فلان وأقبض الحق منه بشرط أن يكون مليئا"، فهذه الصورة الثانية، فهنا له الرجوع بلا نزاع.

الحالة الثالثة: أن يرضى المحتال بالحوالة ولا يشترط ملاءة المحال عليه، وهذه تحتها صورة، يعني إما أن يكون يعرف أنه مفلس أو مماطل ومع ذلك رضي، أو يكون يجهل حاله لكن لم يشترط الملاءة، فهنا فيه قولان في المذهب، والمشهور من المذهب أنه لا يرجع؛ لأنه مفرط حيث لم يحط نفسه باشتراط الملاءة. هذه خلاصة الصور الثلاث. نرجع إلى كلام المؤلف رحمه الله، يقول: "ولا رضا المحتال إن أحيل على مليء ويجبر على اتباعه". هنا أحيل على مليء، هذه الصورة الرابعة. طبعا الصور الثلاث هذه كلها يتبين أنه مفلس، هذه صورة رابعة، يحال على مليء يتبين بأنه مليء، فهنا لا يشترط رضا المحتال؛ للحديث لحديث أبي هريرة رضي الله عنه يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم: «مطل الغني ظلم، وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع». هنا أمر، "إذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع"، والأمر للوجوب. والحوالة تنقل الحق إذا صحت شروطها، فإنها تنقل الحق ولا يرجع المحال اللي هو المحتال إلى المحيل، انتقل الحق إلى ذمة المحال عليه. قالوا في لفظ: «من أحيل بحق على مليء فليحتل»، قال أخرجه أحمد والبيهقي دون قوله بحقه، يعني لفظة بحقه لم ترد في الكتب المشهورة، قال محقق كشاف القناع: وأما بلفظ بحقه فلم نقف على من أخرجه.

طيب، هنا فسر المليء قال: المليء القادر بماله وقوله وبدنه. وهذا التفسير للمليء هذا من كلام الإمام أحمد رحمه الله تعالى، عزاه الزركشي إلى رواية إسماعيل العجلي. أما تفسير القدرة بالمال والقول والبدن الذي ذكره هنا، هذا من كلام الزركشي، يعني الزركشي يفسر كلام الإمام أحمد رحمه الله تعالى، ولذلك تجدون كثيرا الفقهاء يقولون: مليء إذا كان مليئا، فيقصدون تفسير المليء إذا في كلام الفقهاء موجود في باب الحوالة. تجدون بعض العبارات تتكرر في كتب الفقه لكن يفسرونها في موضع معين، مثل العدالة، تجدون دائما يقولون اشتراط في العدالة، والعدالة وين تجدون تفسيرها؟ في الشهادات.

طيب، قال المليء بماله، هنا كلام الزركشي، المليء بماله القدرة على الوفاء، يعني يكون قادرا على أن يفي، عنده مال يقدر به على الوفاء. والمليء بقوله، بأن لا يكون مماطلا، يعني عنده مال ولكنه مماطل، فهنا لا يعتبر مليئا، اختلت فيه صفة القول، مليء بالقول. والمليء ببدنه، إمكان حضوره إلى مجلس الحاكم، كان حضوره إلى مجلس الحاكم، فإن لم يمكن حضوره إلى مجلس الحاكم فإنه لا يعتبر مليئا، لا يعتبر مليئا يعني يمتنع عن السلطان مثلا، أنه لا يعتبر مليئا، اختل فيه الوصف الأخير. يمثلون بالاب، الأب إذا كان الابن هو الذي يطالب أباه، فهنا لا يستطيع إحضاره إلى مجلس الحاكم، ولذلك قال شيخ الإسلام رحمه الله: "وليس للابن أن يحيل على الأب إلا برضا الأب". طبعا هو كلامه يقول ليس للاب أن يحيل على الأب، ولا يبيع دينه إذا جوزنا، إذا جوزنا بيع على الغريم، إلا برضا الأب. هنا كلام شيخ الإسلام في أن الدين للابن على أبيه، فيجيء الابن فيعامل شخصا ثالثا تعاملا بينهما يشتري، ثم الابن يحيل على أبيه، الابن يحيل هذا الشخص الثالث على أبيه، فهنا الشيخ رحمه الله يقول ليس له ذلك، طبعا الفقهاء يقولون إنه ليس له.

ذلك لماذا قالوا؟ لأن الابن لا يملك إحضار أبيه إلى مجلس الحكم، والابن أصل والمحال عليه فرع عن الابن؛ قالوا فما دام أن الأصل لا يملك إحضار الأب فكذلك فرعه. هكذا عللوا، وإن كان في التعليل نوع نظر؛ لأن الابن الذي هو الأصل لا يملك إحضار الأب لوجود المانع الآن، لكن المحال عليه الآن طرف ثالث، لا مانع من أن يطالب والده من أحيل عليه، لكن هكذا يعلل الأصحاب رحمهم الله تعالى.

وكذا قالوا: منها أيضاً أنه بالعكس يحيل شخصاً آخر على أبيه، مثلاً زيد اشترى من محمد سيارة بـ 3000، قال زيد: أنا أطالب والدك يا محمد بـ 3000، اذهب إلى ولدك وخذها منه. فهنا أحال شخصاً آخر على أبيه، فهل يصح أو لا يصح؟ هل تصح الحوالة أم لا تصح؟ هنا صاحب التنقيح قال: فلا يصح أن يحتال على والده، لكن الحجاوي في حواشي التنقيح قال: صوابه فلا يلزم. ما الفرق بين لا يصح ولا يلزم؟ لا يصح فتكون الحوالة باطلة، لا يلزم أي له أن يقبل وأن يطالب وله أن يرفض، ما نقول إنه ينطبق عليه إذا أحيل على مليء فليحتل؛ لأن هنا في حقه ليس مليئاً لا يملك إحضاره إلى مجلس الحكم. إذاً قال الحجاوي: صوابه فلا يلزم أن يحتال على والده، وأما الصحة فيصح إذا رضي؛ لأن دينه يثبت في ذمة أبيه.

إذا قلنا هذه الأمور الثلاثة: المليء القادر بماله وقوله وبدنه. قال: وإن كان المحال عليه مفلساً ولم يكن المحتال رضي بالحوالة عليه، رجع بدينه على المحيل، وهذه هي الصورة الأولى التي ذكرناها؛ المحال عليه مفلس ولم يكن المحتال رضي بالحوالة، فإنه للمحال -الذي هو المحتال- أن يرجع بدينه على المحيل. لماذا؟ قال: لأن الفلس عيب، ولم يرضَ به، فمثله مثل لو اشترى شيئاً معيباً فنقول أنت في الخيار بين أن تبقي وتكون ما عندي مانع وبين أن تعيد أي تفسخ العقد، هذا مثله لك أن تستمر على الحوالة ولك أن ترجع على المحيل. إذا لم يرضَ المحتال بالحوالة فبان المحال عليه مفلساً أو ميتاً رجع على المحيل. قال الموفق: بلا خلاف؛ فإنه لا يلزم الاحتيال على غير مليء لما عليه من الضرر، وإنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقبول الحوالة إذا أحيل على مليء، قال: «إذا أحيل على مليء فليتبع».

قال: فإن رضي بالحوالة عليه فلا رجوع له إن لم يشترط الملاءة لتفريطه، هذه الصورة الثالثة التي قلنا إنه يرضى بالحوالة ولا يشترط الملاءة، فإنه لا يرجع، وهذا المذهب عند الأصحاب رحمهم الله تعالى، وعللوا بأنه مفرط في عدم اشتراط الملاءة، سواء جهل حاله أو ظنه مليئاً فبان مفلساً. وهناك رواية أخرى عن الإمام أحمد رحمه الله تدل على أنه إذا كان المحال عليه مفلساً ولم يعلم المحتال بذلك فله الرجوع، إلا أن يرضى بعد العلم؛ يعني يقولون ما اشترط ما نقول إنك مفرط، لك الرجوع إلا إذا من حين أن تعلم أنه مفلس تقول لا سأرجع على المحيل فلك ذلك، هذه رواية عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى. جاء في الاختيارات لشيخ الإسلام رحمه الله، شيخ الإسلام رحمه الله خرجها على مسألة أخرى مروية عن الإمام أحمد يقول: وكره الإمام أحمد رحمه الله أن يتزوج الرجل أو يقترض أو يشتري إذا لم يعلم الآخر بعسرته، فلا أن يكون أن يحيل على معسر ولم يعلم بعسرته أولى أن يرجع؛ لأن ظاهر الحال أن الرجل إنما يعامل من كان قادراً على الوفاء، فإذا كتم ذلك كان غاراً. فإذا كان غاراً فله الفسخ، لذلك أنا أذكر فيه كلاماً للأستاذ لكن لو في مسألة أخرى، لكنه ذكر في التقرير أنه يتوجه الرجوع في كل غار المسألة، لكن ذكرها في أول في الشرط الأول من شروط صحة البيع يبدو أنه نقل عن صاحب الفروع.

قال رحمه الله: ومن أحيل بثمن مبيع -أحال المشتري البائع به على من عليه دين- فبان البيع باطلاً فلا حوالة له، أو أحيل به -أي بالثمن- عليه، بأن أحال البائع على المشتري مدينه بالثمن فبان البيع باطلاً، بأن المبيع مستحقاً أو حراً أو خمراً، فلا حوالة لظهور أن لا ثمن على المشتري لبطلان البيع، والحوالة فرع على لزوم الثمن، ويبقى الحق على ما كان عليه أولاً.

هنا المؤلف رحمه الله سيفرق بين المسألتين، المسألة هذه والمسألة التي سنقرؤها بعد قليل؛ يقول الحوالة هي فرع عن ثبوت الدين، ثبوت الدين الذي هو المحال به، فإذا لم يثبت الدين بطلت الحوالة؛ يعني أقصد أحد الدينين إذا ثبت بطلانه بطلت الحوالة. هنا ذكر مسألتين، المسألة الأولى قال: من أحيل بثمن مبيع، من المحيل هنا؟ أحيل بثمن مبيع، من المحيل هنا المشتري ولا البائع؟ المشتري. لذلك قال لك البهوتي: بأن أحال المشتري البائع به على من له عليه دين فبان البيع باطلاً فلا حوالة. كيف؟ الآن لو قلنا إن محمداً اشترى جهاز جوال من صالح بـ 5000، جاء محمد قال لصالح: حولتك على زيد، أنا أطالب زيداً بـ 5000، اذهب خذها من زيد، تبين طبعاً قبل أن يذهب صالح لأخذ المبلغ من زيد تبين أن البيع باطل، مثلاً تبين أن الجوال أصلاً غير مملوك لصالح، سرقه أو غصبه أو إلى آخره، المهم أنه ليس باع ما لا يملك، هنا بان البيع باطلاً قال: فلا حوالة، تبطل الحوالة، ما يجي صالح يذهب إلى زيد ويقول أعطنا 5000، خلاص بطلت الحوالة. لماذا؟ قال لك هنا: لظهور أن لا ثمن على المشتري لبطلان البيع؛ الحوالة فرع عن صحة البيع، لما بطل البيع خلاص بطلت الحوالة. قال: ويبقى الحق على ما كان عليه أولاً، يعني خلاص الـ 5000 التي على زيد خلاص يسددها لمحمد، لا يسددها لصالح، يسددها لمحمد الذي هو المشتري، لا يسددها لصالح.

هذه المسألة الأولى، المسألة الثانية العكس، قال: أو أحيل به -أي بالثمن- عليه، بأن أحال البائع على المشتري مدينه بالثمن، هنا العكس؛ جاء الآن محمد اشترى من صالح بـ 5000، وزيد يطالب صالح، زيد الطرف الثالث يطالب صالح الذي هو البائع بـ 5000، قال: خلاص خذها من محمد المشتري، خذها من محمد، تبين أن البيع باطل، فهنا زيد خلاص تبطل الحوالة، زيد الآن يرجع يطالب صالح الذي هو البائع، لا يطالب المشتري؛ لأن الحوالة بطلت. لذلك قال: فبان البيع باطلاً، بأن المبيع مستحقاً أو حراً أو خمراً فلا حوالة، لماذا لا حوالة؟ تبطل الحوالة، لماذا قال: لظهور أن لا ثمن على المشتري لبطلان البيع، والحوالة فرع على لزوم الثمن، لما بطل البيع إذاً بطلت الحوالة. قال: ويبقى الحق على ما كان عليه أولاً؛ خلاص زيد الذي كنت تطالب البائع، خلاص طالب البائع، لا تطالب المشتري، كون البائع أحالك على المشتري خلاص هنا بطلت الحوالة لبطلان البيع فترجع يا زيد على صالح، يبقى حقك على صالح ما أحيل به على آخر. هذا في حال البطلان، طيب الحالة الثانية في حال الفسخ سنقرؤه.

قال رحمه الله: وإذا فسخ البيع بتقايل أو خيار عيب أو نحوه لم تبطل الحوالة؛ لأن عقد البيع لم يرتفع، فلم يسقط الثمن فلم تبطل الحوالة، للمشتري الرجوع على البائع؛ لأنه لما رد المعوض استحق الرجوع بالعوض، ولهما أن يحيل، أي للبائع أن يحيل المشتري على من أحاله المشتري عليه في الصورة الأولى، وللمشتري أن يحيل بالمحتال عليه على البائع في الثانية.

طيب، هذه إذاً المسألتان السابقتان هذه في بطلان البيع، المسألة هذه في البيع الصحيح لكنه فسخ؛ فسخ لعيب أو إقالة أو نحوه. في المثال السابق هذا محمد جاء يشتري من زيد أو من صالح، محمد يشتري من صالح جوالاً بـ 5000، جاء محمد -نجعل الآن محمداً هو الذي يحيل البائع بالثمن- جاء محمد قال: أنا أطالب زيداً بـ 5000، اذهب خذها منه، اذهب خذها منه، صالح خلاص قبل بالحوالة. بعدها بيوم جاء زيد وقال أنا جئت، مشتري محمد جاء محمد وقال لصالح: أنا تراجعت عن البيع لعلك تقيلني، قال: رجع الجوال، أعاد الجوال. الآن محمد دفع ثمن؟ ما دفع ثمن. طيب صالح يأخذ الثمن من زيد ولا ما يأخذ الثمن من زيد أو نقول بطلت الحوالة؟ لم تبطل الحوالة، قال: لأن عقد البيع لم يرتفع، ما بطلت عقد البيع صحيح لكنه فسخ، لكن المشتري له أن يقول البائع: 5000 حتى لو ما سدد عطني 5000 وأنت طالب زيداً، لذلك قال: وللمشتري الرجوع على البائع، له الرجوع على البائع، وله أن يرجع البائع وينتهوا، واضح؟

طيب، عندنا الآن صار اشترى من هزاع مثلاً جهاز جوال بـ 5000، نصار كان يطالب عمر بـ 5000، نصار قال لهزاع: خذ هذه من عمر 5000 من عمر، الآن حالة حوالة صحيحة. هزاع الآن ما أخذ، جاء نصار بعده قال: الجوال الآن لا أريده استخرت ما أريد، أريد أن أعيده ما عندي، أعاد هزاع ما نصار ما دفع شيء، هل له أن يأخذ من هزاع مبلغاً وما دفع شيئاً؟ هزاع ما ذهب أخذه من عمر ولا لا؟ نقول نعم، له أن يأخذ من هزاع هذا المبلغ جيد، خلاص تمت الحوالة، الحوالة لما أحاله خلاص كأنه سدده، فله أن يأخذ هذا المبلغ من البائع، وله أن يقول خلاص أنا أحلتك، خلاص نفسخ الحوالة خلاص، وأنا أطالب عمر بالمبلغ. واضح؟ طيب سواء كان قال لك إذا فسخ البيع بتقايل هذه إقالة أو خيار عيب أو نحوه لم تبطل الحوالة، لماذا؟ هناك في الأولى بطلت الحوالة، هناك في الأولى لأنه بطل البيع والحوالة فرع عن صحة البيع، هنا لم يبطل البيع، هنا انفسخ البيع، فدل على البيع صحيح، فلما كان صحيحاً الحوالة من حين حصلت نقلت الحق من ذمة المدين إلى ذمة الطرف الثالث، انتقلت الحق مباشرة.

قال: للمشتري الرجوع على البائع؛ لأنه لما رد المعوض استحق الرجوع بالعوض، ولهم أن يتفقوا على فسخ الحوالة، ولهما أن يتفقوا على فسخ الحوالة، قال: ولهما أن يحيل، طيب ولهما أن يحيل، أي قال: أي للبائع أن يحيل المشتري على من أحاله المشتري عليه في الصورة الأولى، زين يعني يوم جاء هزاع قال شو اسمه نصار قال هزاع أعطنا 5، قال: خلاص أحيلك على عمر أنت حولت على عمر، خلاص أنا أحيلك عليه، هذه واحدة، وللمشتري أن يحيل المحتال عليه على البائع في الثانية، في الثانية التي ذكرها في الصفحة السابقة التي يكون البائع هو المحيل، قال: للمشتري أن يحيل المحتال عليه على البائع في الثانية. فلو كان إحنا ما ذكرنا إلا صورة واحدة في الفسخ، الصورة الثانية لو كان مثلاً نصار اشترى من هزاع الجوال بـ 5000، فهزاع بدل أن يأخذ الـ 5000 من نصار قال: عمر يطالبني بـ 5000، خلاص يا عمر هزاع أحيلك على نصار، طيب هنا طبعاً عمر ما أخذه من نصار حتى الآن، جاء نصار بعد بيوم قال: سأفسخ البيع، أعاد المبلغ، أعاد الجوال وقال لهزاع: أعطني المبلغ، قال: لا، أحيلك على عمر، أحيلك على عمر تأخذ منه المبلغ، فهذه هذه صورة، فله إذاً فله أن يرجع على البائع وله أن يحيل على الطرف الثاني، لا، قبل قليل قلنا إن لهم أن يرجعوا عن الحوالة، لا، هو لا رجوع عن الحوالة، لماذا الحوالة انتقلت إلى طرف ثالث، حوالة الدين انتقل لطرف ثالث، يعني لا رجوع بين الطرفين لو جاء الطرف الثالث وفسخ وما في شك، لكن هي لما نقلت الحق خلاص ثبتت في الاستحقاق للطرف الثالث، فلا رجوع إلا برضاه.

نعم، أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: وإذا اختلف فقال: أحلتك، قال: بل وكلتني، أو بالعكس، فقول مدعي الوكالة، فإن اتفقا على أحلتك أو أحللت بـ، وادعى أحدهما إرادة الوكالة صُدِّق، وإن اتفقا على أحلتك بدينك، فقول مدعي الحوالة، وإذا طالب الدائن المدين فقال: أحلت فلاناً الغائب، وأنكر رب المال، قُبل قوله مع يمينه، ويُعمل بالبينة. هنا مسائل الاختلاف بين المحيل والمحال، قال: إذا اختلف فقال: أحلتك، قال: بل وكلتني، أو بالعكس فقال: وكلتك، قال: بل أحلتك، فهنا اختلف، طبعاً شو الفرق بين أحلتك ووكلتك؟

صح وكلتك، يعني تقبض وتعطيني المال لي أنا، وأحلتك خلاص جعلت الحق ينتقل لك. فهنا إذا اختلف فالقول قول من قال، قول مدعي الوكالة؛ القول قول مدعي الوكالة طبعاً دائماً إذا قلنا القول قول فلان فالأصل أنه مع يمينه. لماذا قدمنا قول مدعي الوكالة على قول مدعي الحوالة؟ الآن طبعاً في هذه الصورة اختلفوا في اللفظ: أحلتك ووكلتك. الصورة الثانية اختلفوا في النية.

في صورة الاختلاف في اللفظ، يقبل قول أو يقدم قول مدعي الوكالة. لماذا؟ الآن مدعي الوكالة يدعي بقاء الحق له، ومدعي الحوالة يدعي انتقال الحق من المحيل إلى المحال أو المحتال؛ فهذا يدعي البقاء وهذا يدعي الانتقال، والأصل البقاء. طبعاً دائماً إذا قيل يقدم قول فلان، هذا مع عدم البينة؛ فلو كان لأحدهما بينة فيحكم بها، لأن اختلافهما هنا في اللفظ وهي مما يمكن إقامة البينة عليه.

المسألة الثانية: إذا اتفقا على «أحلتك» أو «أحلتك بديني»، قال: أحلتك إلى فلان خذ منه المال، أو أحلتك بديني إلى فلان خذ منه المال، ثم اختلفا، فقال هذا: أنت تقول أحلتك يعني حوالة، قال: لا، أنا قلت أحلتك يعني وكالة، وكلتك في القبض، أنا ما أقصد أحلتك الحوالة ينتقل الحق لك، لا، أقصد توكيلك في القبض. فهنا يقدم قول من قال وادعى أحدهما إرادة الوكالة؛ صُدِّق. نفس التعريف السابق، الأصل بقاء حق المحيل على المحال عليه، والمحتال يدعي نقله والمحيل ينكره والقول قول المنكر.

هنا هل فيه بينة؟ هل ننظر للبينة؟ لا، ما ننظر للبينة هنا، لماذا؟ الاختلاف في ماذا؟ الاختلاف في النية، والنية ما تقام عليه البينة، لكن نقدم قول صاحب الكلام لأنه أدرى بنيته. هذا هو المشهور من المذهب، وهناك قول آخر في المذهب أنه يقدم قول مدعي الحوالة، قدم قول مدعي الحوالة؛ قالوا صراحة اللفظ في الحوالة فيقدم قوله. وهذا القول صوّبه المرداوي في التصحيح، تصحيح الفروع في الإنصاف وفي التنقيح.

وننبه إلى ما جاء في حاشية ابن قاسم هنا في الحاشية (2) صفحة 126، تعليقاً على المسألة الأولى: أن اختلف فقال: أحلتك، قال: بل وكلتني، أو بالعكس، فقول مدعي الوكالة طبعاً ذكرت التعليل، ثم قال: وقيل يقبل قول مدعي الحوالة صححه في التلخيص والفائق وصوبه بالإنصاف. هذه محلها المسألة التي تليها، محلها المسألة التي تليها: اتفق على «أحلتك» و«أحلتك بديني» وادعى أحدهما إرادة الوكالة صُدِّق، هذه هي فيها القول الثاني الذي صوبه في الإنصاف. هذه الأولى أيضاً فيها قول ثاني لكن صاحب الإنصاف لم يختر هذا القول إلا في المسألة الثانية فينتبه لذلك. وهذا أيضاً الخلل ترى من حاشية العنقري، نفس التعليق علق به على المسألة الأولى. أحياناً تأتي بعض التعليقات ليست على الجملة محل الكلام، ولذلك الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في حاشية الروض نبه على بعض المواضع، أنا نسيت هل نبه على هذا أو لا، لكن نبه على بعض المواضع أن محل هذه الحاشية تحت الجملة الفلانية.

المسألة الثالثة: إن اتفقا على «أحلتك بدينك»، اتفق قال: أحلتك بدينك على فلان، ثم اختلفا، قال المتكلم: أنا أقصد الوكالة، وقال المحال: لا، أنت تقصد الحوالة. فهنا قوله: أحلتك بدينك، هذا واضح أنه حوالة وليس وكالة، ولذلك فقول مدعي الحوالة، قال الموفق: وجهاً واحداً؛ لأن الحوالة بدينه لا تحتمل الوكالة، لماذا؟ لأنه دين له، دين للمحال، كيف يوكله في دينه؟ فواضح أنه يقصد الحوالة، قال: لأن الحوالة بدين لا تحتمل الوكالة، فلم يقبل قول مدعيها.

المسألة الأخيرة التي ختم بها الحوالة، قال: إذا طالب الدائن المدين فقال: أحلت عليَّ فلاناً الغائب، وأنكر رب المال، قُبل قوله مع يمينه ويعمل بالبينة. جاء مثلاً عمر اشترى من أحمد ساعة بـ 200 ريال، قام سدد له بعد شهر، بعد شهر جاء شخص وقال: أنا وكيل أحمد، جاءني عمر وأنه جاء أرسلني يطالب بالمبلغ 200، قال: خلاص خذ الـ 200، أخذها. التقى عمر بأحمد بعد شهر آخر، قال أحمد: ما سددت لي الـ 200، قال: لا، أنت أحلت عليَّ فلاناً، قال له: ما أحلت عليك أحداً، ما أحلت عليك أحداً. فهنا ماذا يقول المؤلف؟ إذا طالب الدائن المدين، أحمد طلب عمر، فقال عمر: أحلت عليَّ فلاناً الغائب، وأنكر رب المال، قال: ما أحلت عليك أحداً، فهنا من يقبل قوله؟ ينكر رب المال، فيُقبل قوله مع يمينه. لماذا يقبل قوله؟ لأنه منكر والأصل العدم، قال: ويعمل بالبينة، أو قال: لا، ما أحلت عليك، قال: إلا، وأحضر بينة تثبت أنه أحاله عليه، فهنا يقضى بالبينة، لكن لو كان ما فيه بينة، فهنا يقبل قول رب المال مع يمينه.

إذا امتنع عن اليمين فترد اليمين إلى الطرف الآخر فيحلف، طبعاً المسألة ترد اليمين أو القضاء بالنكول مسألة خلافية بين الفقهاء، المذهب عندنا ما فيه رد، يحكم بالنكول، فما لم يحلف فإنه يقضى للطرف الآخر.