دخولتسجيل الدخول

كتاب البيع 45 | باب الصلح 1 (مقدمات وتقسيمات)

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين. انتقلنا إلى باب الصلح، والصلح من الأمور التي رغب فيها الشرع. والله عز وجل قال: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: 128]. وقال سبحانه: ﴿لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 114].

فدلت الآية بمفهومها على أن من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس فإن فعله هذا خير، ثم جاء بعدها: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، فمن فعله ولم يقصد نية مرضاة الله، أي شخص يصلح بين الناس لكنه ما قصد رضا الله عز وجل بل أراد أن يعيش الناس حياة سعيدة ونحو ذلك، فهنا قد تدل الآية على أنه يكسب الأجر وإن كان دون من فعله ابتغاء مرضاة الله، لأن الله وصف عمله بأنه خير، وفي كل خير أجر؛ وذلك لأن فعله نفعه متعدٍ وليس قاصرًا، فيكون له أجر، لكن إذا فعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فإنه يؤتى أجرًا أعظم. ولذلك الإصلاح بين الناس فيه أجر عظيم جدًا.

في السنة، النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا». ومما يدل على أهمية الصلح أن النبي صلى الله عليه وسلم مرة تأخر عن صلاة الجماعة لكونه ذهب يصلح بين بني عمرو بن عوف، فتأخر عن صلاة الجماعة لأجل هذا عليه الصلاة والسلام. وليس المراد أن الواحد يؤخر الصلاة لأجل هذا، لكن لو حصل وذهب للإصلاح ويخشى أنهم إذا تفرقوا يتعذر الإصلاح أو يعسر، فهنا نقول هذا أمر طارئ ويكون هذا عذرًا له في التخلف عن صلاة الجماعة في المسجد، ويقيم الجماعة مع هؤلاء الذين أصلح بينهم.

الفقهاء يقولون الصلح معاقدة يتوصل بها إلى إصلاح بين المتخاصمين، ومعاقدة يعني يتوصل به إلى عقد؛ فهو ليس عقدًا بذاته لكن يتوصل به إلى عقد، فقد يكيف على أنه بيع، أو صرف، أو إجارة؛ فهو وسيلة إلى عقد آخر. الأمر الثاني أن الصلح عقد معاوضة وليس بعقد تبرع، ولذلك سيمر معنا مسائل الفقهاء يقولون لا يصح فيها، مثل إذا أقر له بدينه فوهب البعض أو أسقطه، يقولون: لا يصح إن لم يكن بلفظ الصلح، فإذا كان بلفظ الصلح لا يصح، لأنهم يرون أن الصلح عقد معاوضة، فلو كان بلفظ الصلح كأنه باع مالًا بمال مع التفاضل. مثلًا شخص يطالب آخر بـ 10,000، فإذا قال: اصطلحت أنا وإياك على أن تسدد 5,000 وأسقط لك الباقي، قالوا: هنا لا يصح لأنه بلفظ الصلح، والصلح بيع، فكأنه باع 10,000 بـ 5,000، فيكون بيعًا ربويًا بالجنس مع التفاضل.

الفقهاء رحمهم الله تعالى يتكلمون عن الصلح في أبواب متفرقة، والصلح له أقسام: عندنا الصلح بين المتخاصمين في المال ومحله هذا الباب، والصلح بين المسلمين وأهل الحرب وتقدم معنا في باب الجهاد، والصلح بين العدل وأهل البغي ويتكلمون عنه في قتال أهل البغي، والصلح بين الزوجين ويتكلمون عنه في النكاح، والصلح بين المتخاصمين في غير المال وهذا حقيقةً ليس له باب يخصه، فبعض مسائله يذكرونها في باب الصلح، وبعضها في الجنايات، وبعضها في القضاء. إذاً الصلح الذي يتكلمون عليه هنا أصالةً هو الصلح بين المتخاصمين في المال.

الصلح بين المتخاصمين في المال يقسمونه إلى قسمين: صلح على إقرار وصلح على إنكار. الصلح على الإقرار يعني المدين يقر بالحق ثم يصطلح مع الدائن على أن يسدد بعضه أو يقسطه له أو نحو ذلك. والصلح على إنكار ينكر ويقول: ما لي عندك شيء، ثم يقول: خذ 50,000 وننتهي من الذمة، هنا هو منكر واصطلح وهو منكر.

الصلح على الإقرار يقسمه الفقهاء رحمهم الله تعالى إلى ثلاثة أقسام: الصلح عن حق، والصلح للإقرار، والصلح عن دعوى. الصلح للإقرار يعني يصالح شخصًا ليقر له بأمر، ولا يخلو الشيء الذي اصطلحوا عليه؛ إما أن يصطلحوا على أمر محرم أو مباح. إذا اصطلحوا على أمر محرم، مثل أن يصالح امرأة لتقر له بالزوجية وليست زوجة له، فهنا الصلح باطل والإقرار باطل، ولكن هل يجوز للمرأة أن تدفع هذا المال له ليكف أذاه؟ نقول نعم يجوز لها ذلك، وهو لا يجوز له أخذ المال إذا كان عالمًا بكذب دعواه. أما إذا صالح المقر له عن أمر غير محرم، كأن ادعى شخص على آخر أن عليه 10,000 فقال لا، ثم احتال عليه وقال: أقر لي أن لك 10,000 وأعطيك خمسة منها وأتنازل لك عن خمسة، فأقر له، فقالوا هنا يصح الإقرار ويبطل الصلح، فتلزمه العشرة كاملة ولا يلزم هذا أن يتنازل له عن المبلغ.

الصلح عن دعوى، يعني شخص ادعى على آخر بمبلغ ورفع دعوى في المحكمة، فجاء المدعى عليه وقال للمدعي: أنا بريء ما عليك، فاصطلحوا على أن يتنازل عن الدعوى، فجاء وقدم للمحكمة أنه متنازل عن دعواه على فلان، فهنا يصح الصلح وتسقط الدعوى لكن لا يسقط الحق؛ فمعنى ذلك لو قال: لا خلاص ما بسددك، فله أن يرفع دعوى أخرى. ومثل هذا في محكمة التنفيذ، فيأتي المنفذ ضده إلى طالب التنفيذ ويطلب منه أن يسقط طلب التنفيذ، فهذا تنازل عن الدعوى وليس تنازلًا عن الحق.

أما الصلح عن الحق، فإما أن يتصالح الطرفان على أن يكون السداد من جنس الدين أو من غير جنسه. إذا كان من غير جنسه فهذا يصح في الجملة ويأخذ حكم العقد الذي يشابهه، فلو كان يطالبه بـ 100 ريال فقال له: سأعطيك بدلها كتابًا، فيصح الصلح ويأخذ حكم البيع، ولو قال دولارات فيصير صرفًا، ولو قال سيارتي تنتفع بها شهرًا فيكون إجارة.

أما إذا صالحها عن الدين بجنسه، فهنا لا يخلو من أربع حالات: الحالة الأولى أن يسقط شيئًا من دينه، يقول: علي 10,000، سددني ثمانية وأسقط عنك الألفين؛ فهنا يصح بشرطين: ألا يكون بلفظ الصلح، وألا يكون مشروطًا. الحالة الثانية أن يصالح عن الحق بتأجيل الحال أو تعجيل المؤجل، فيصح الإسقاط دون التأجيل، فلا يلزم التأجيل. وبالعكس لو كان الدين مؤجلًا كـ 10,000 بعد ستة أشهر، فقال: سددني خمسة الآن وأسقط عنك الباقي، فهنا يقولون لا يصح.

الحالة الثالثة أن يصالح على سداد الدين بأن يعطيه بعض ملكه، مثل أن يسكنه شهرًا، فهنا يصح تبرعًا وليس لازمًا، فله أن يخرجه من ثاني يوم، ولو وفى له وظن أنه يلزمه ثم تبين له أنه لا يلزمه فله الرجوع عليه. الحالة الرابعة إذا صالحوا على أكثر من جنسه، مثل دية الخطأ 300,000 فصالحوا على أن يدفع 400,000.

عليه 300 اصطلحوا أن يدفعوا له 400، هل يصح؟ لا يصح، لأن الدية دين في ذمة العاقلة. ابتداءً لا يلزمهم إلا 300 ألف، ولا بديل عنه إلا التنازل أو الرضا بأقل منه.

أما هل له أن يصالح على أكثر منها من جنسها؟ لا يصح؛ لوقوعه في الربا. لكن لو صالح على غير الجنس، كأن قال أعطوني سيارة بخمسمئة ألف، فيصح؛ لأنه من غير الجنس فلا ربا فيه. هذا سواء كانت دية أو قيمة متلف، ففي غير الجنس لا ربا. إذن، هذا هو تلخيص الصلح عن إقرار، وهي المسائل الأساسية فيه، ونقرأه إن شاء الله في الدرس القادم.

بالنسبة للصلح في غير جنس الحق، فإنه يعتبر بيعاً أو صرفاً، والصلح عن إقرار على بعض الدين جائز إذا كان فيه هبة وتبرع، أما إذا كانت معاوضة فلا.

أما من ألزم نفسه بمبلغ معين إذا فعل الطرف الآخر شيئاً، فهذه جعالة، والأصل فيها الجواز. الجعالة غير لازمة، فإن فعلها صارت لازمة، ولا يصح له الفسخ إذا بدأ الطرف الآخر في العمل، لكن له حق الرجوع قبل أن يشرع في العمل.

بخصوص ما ذكر في الدرس الماضي فيمن أحاله على من لا دين عليه، فإن كان المحال عليه وكيلاً عن المحيل فهي وكالة، ويثبت الدين في ذمة المحيل كأنه هو المقرض.

أما الصلح بين المتخاصمين بمشاركة طرف ثالث، فإذا أراد هذا الطرف الثالث أن ينزل من المبلغ، فالمذهب أنها لا تصح إلا بلفظ آخر كالهبة أو الإبراء، أو أن يقول: أصلح بينكم على أن تبرئه من كذا، فيكون صلحاً على الإبراء.

وبخصوص أجرة الشفاعة، فقد مرت معنا في باب الضمان، وهي جائزة على المذهب.

أما ما يحصل في مجتمعنا من الصلح على مبالغ باهظة في الديات، فالمسألة فيها مبالغة كبيرة وقد يكون فيها مفسدة، لكن الفقهاء نصوا على أنه يجوز الصلح على أكثر من الدية في العمد؛ لأن الصلح يكون على إسقاط القصاص، وهو من غير جنس الدية، أما دية الخطأ فهي أصلها مال، فلا يجوز الصلح على أكثر منها من جنسها.

هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.