فصل القسم الثاني: صلح على إنكار، قد ذكره قوله: فمن ادعي عليه بعين أو دين فسكت أو أنكر وهو يجهله؛ أي يجهل ما ادعي به عليه ثم صالح عنه بمال حال أو مؤجل؛ صح الصلح لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً أحل حراماً أو حرم حلالاً» رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح، وصححه الحاكم. ومن ادعي عليه بوديعة أو تفريط فيها أو قراض فأنكر وصالح على مال فهو جائز؛ ذكره في الشرح وغيره.
إذاً، هذا النوع الثاني من أنواع الصلح وهو الصلح على الإنكار، وذكر المؤلف رحمه الله تعالى صفته في قوله: ومن ادعي عليه بعين أو دين فسكت أو أنكر وهو يجهله ثم صالح عنه بمال صح الصلح. فإذا يكون هناك شخص مدعٍ على آخر حقاً، والآخر يجهل ثبوت هذا الحق، فإما أن يسكت وإما أن ينكر. مثلاً جاء أحمد لهزاع وقال له: إني قد أقرضتك قبل سنة مثلاً عشرة آلاف ريال فسلمني إياها. هنا هزاع لا يذكر ذلك، فيقول: فإما أن يسكت، لا يقر ولا ينكر، ثم يقول له: لعلنا نصطلح على أمر معين مبلغاً مثلاً خمسة آلاف أو ثمانية آلاف، أو ينكر فيقول: لا، أنا لم أقترض منك شيئاً. ثم بعد فترة يقول: لكن أخشى أني اقترضت ونسيت، لعلك تنزل جزءاً من المبلغ، فيصطلحان مثلاً على أن يكون بـ 5000 أو 8000. فهذا هو الصلح على إنكار.
إذاً، الصلح على إقرار يقر المبلغ ثم يصطلح معه على أن يسدده شيئاً أو ينزل له جزءاً من المبلغ. هنا لا، ينكر؛ إما أن ينكر صراحة أو يسكت. والسكوت هنا هل هو إقرار أم إنكار؟ إنكار؛ لذلك ليس كل سكوت يعد إقراراً. يعني بعضهم يعتبر مجرد السكوت إقراراً، ويقول: مثل سكوت البكر، هذه جاء بها نص وأيضاً القرينة تدل على الموافقة، لكن هنا لا يعد إقراراً، ولذلك من الكلمات التي تنسب إلى الشافعي رحمه الله تعالى أنه يقول: لا ينسب لساكت قول. ذلك في القضاء؛ إذا سكت فهل نعده مقراً؟ لا، ناكراً.
ممكن، فلو ادعى شخص على آخر بمبلغ مثلاً 100,000 ريال قرضاً، فألقى إليه القاضي السؤال: هل صحيح أنك اقترضته؟ ما جوابك على الدعوى؟ فسكت، أو أحياناً يجيب بجواب آخر لا يقر ولا ينكر، فيكرر عليه القاضي السؤال مرتين مثلاً، ثم يقول له: إذا لم تجد جواباً صريحاً سأجعلك ناكلاً، ناكلاً يعني ممتنعاً عن الجواب، ممتنعاً عن الجواب؛ يعني يكون منكراً. وإذا أنكر فإنك تطلب من المدعي البينة، قد يجعل نكوله قرينة على الدعوى وقد لا يكون قرينة، فيطلب القاضي من المدعي بينة على دعواه. المهم أنه ليس كل سكوت يعد إقراراً، فمن السكوت ما يعد إنكاراً.
والقول بصحة الصلح على الإنكار هو قول أكثر أهل العلم رحمهم الله تعالى خلافاً للشافعي رحمه الله، واستدل الجمهور بعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً أحل حراماً أو حرم حلالاً». فإذاً يدخل فيه الصلح على إنكار. قد يقول القائل: الصلح على الإنكار ألا يحل حراماً؟ يعني مثلاً الآن لو أن صالحاً قال لزيد: أقرضتك عشرة آلاف ريال، فقال زيد: لا لم تقرضني. لو استمر زيد على إنكاره وهذا ليس عنده بينة، فزيد سيحلف اليمين وسينتهي، لن يستحل هذا من مال زيد ريالاً واحداً، فكان مال زيد إذاً له، وحراماً على صالح، فهذا الصلح لما اصطلح، ولما قال زيد: أنا قد أكون اقترضت منك، لعنا نصطلح على 5000 ريال، فدفع له 5000 ريال، الآن هذا الصلح ألا يعد أنه أحل حراماً؟ فالمبلغ الذي كان حراماً على صالح قبل الصلح صار حلالاً له بعد الصلح، أفلا يعد هذا من الصلح الذي مُنع؟
الظاهر طبعاً الكلام على الظاهر، وسنذكر قيداً في المنكر، الكلام فيما إذا كان يجهل، يجهل كلاهما، هذا المدعي يعتقد صحة كلامه والمدعى عليه يعتقد صحة إنكاره، هذا شرط لصحة الصلح على إنكار، فكل منهما يعتقد صحة كلامه. فإذا وقع الصلح ألا يعد هذا الصلح صلحاً أحل حراماً؟ كيف إذاً ما ضابط الصلح الذي يحل حراماً؟ ما المراد بالصلح الذي يحل حراماً؟ إذا ادعى يعلم، هذه ما فيها إشكال، أو المدعى عليه يعلم بصحة الدعوى، يعني مثل ماذا؟ أحسنت، ممكن نجعل لها ضابطاً، وهو أن يكون هذا الأمر الذي اصطلح عليه بقي في حقه وصف التحريم حتى بعد الصلح، حتى بعد الصلح. لذلك يقول الموفق رحمه الله في معنى الصلح الذي يحل الحرام: ما يتوصل به إلى تناول المحرم مع بقائه على تحريمه. ومثل على ذلك بالصلح الذي مر معنا في الدرس الماضي: إذا صالح امرأة لتقر له بالزوجية فهي ليست زوجته قبل الصلح وبعد الصلح، فهذا صلح أحل حراماً. ومثله ذكر أبو عبد الرحمن إذا كان محل الصلح مثلاً مالاً محرماً أداه معاصف، فهذا الصلح أيضاً أحل حراماً. فالضابط إذاً: ما يتوصل به للمحرم مع بقاء وصف التحريم، مع بقاء وصف التحريم. طبعاً يشترط لصحة الصلح على الإنكار الذي قلناه قبل قليل أن يعتقد كل منهما صحة كلامه، فيعتقد المدعي صحة دعواه، ويعتقد المدعى عليه صحة إنكاره، أما إذا كان يعتقد كذب نفسه فالصلح حرام، كما سيأتينا بعد قليل إن شاء الله تعالى.
وقوله: ثم صالحه عنه بمال حال أو مؤجل، بمال حال هذه ما فيها إشكال، صلح على بمال حال، لكن بمال مؤجل فيها إشكال، فيها إشكال يعني على قواعد المذهب؛ ما الإشكال فيها؟ دين بدين، فإذا صالحه بمال مؤجل فالحقيقة أنه دين بدين، ولذلك هم قالوا: إنما صح لأن المدعي ملجأ إلى التأخير، تأخير خصمه، فالجئ إليه؛ يعني كأنه جاز للحاجة الماسة، جاز للحاجة الماسة. ولذلك أشار الخلوتي في حاشيته إلى أن هذا حقيقة بيع بدين، قال: ولم يذكر أنه استثناء من بيع الدين بالدين، لكنهم عللوا في مسائل، عللوا في غير هذه المسألة لأنها إنما شرع هذا الصلح في قطع الخصومة، والشارع يتطلع إلى قطع الخصومة بين المسلمين، فلذلك أجيز فيه بيع الدين بالدين. وشيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله تعالى يقرر قاعدة في أصل مسألة المحرمات ما حرم لغيره، أن بيع الدين بالدين ما حرم لغيره لأنه يؤول إلى الربا، ما حرم لغيره فإنه تبيحه الحاجة، محرم لذاته فإنه ضرورة. فعلى كلام شيخ الإسلام هذه القاعدة ترى على المذهب ليست مطردة، لكن عند كلام شيخ الإسلام ابن القيم رحمهم الله تعالى يطردونها في كل ما حرم لحاجة، في كل ما حرم لغيره فإنه تبيح الحاجة، يعني مثلاً النظر إلى المرأة الأجنبية، النظر إلى المرأة الأجنبية محرم لغيره، لأنه وسيلة إلى فعل محرم، فإذا وجدت الحاجة جاز، الحاجة مثلاً إذا تقدم لخطبتها يجوز له. هل نظر الخاطب للمخطوبة ضرورة؟ لا يستطيع أن يتزوج بدون أن يراها، لكن هي من باب الحاجة، طيب المحرم لغيره لا تبيحه إلا الحاجة؟ نقول: المحرم الذي حرم لذاته هو الذي لا تبيحه إلا الضرورة، أما المحرم لغيره فتبيحه الحاجة.
قال: ومن دعي عليه بوديعة فأنكر ثم صالح على مال فهو جائز، دعي عليه بوديعة، الآن محمد قال لصالح: أنا أودعتك 50,000 ريال قبل سنة، ارجع إليّ إياها، قال له: ما أودعتني شيئاً، ثم قال: ما أمكن أن تكون أودعتني ونسيتنا، لذلك لعلنا نصطلح على أن أعطيك نصفها وننتهي، اصطلح على ذلك؛ يجوز، لا يجوز، هذا من صور الصلح على الإنكار. وكذلك لو ادعى عليه بتفريط فيها، لو قال له: أنا أودعتك 5000 قبل سنة، أرجع إليّ إياها، قال: نعم أودعتني لكنها سرقت مني، وأنا كنت حافظها كما أحفظ مالي الخاص فسرقت مني، فقال له: أنت مفرط، فارجعها كاملة. إذا كان مفرطاً يعيدها كاملة، إذا كان غير مفرط فهذه يدٌ لا يضمن شيئاً، فقال: لا أنا لست مفرطاً لكن صلحاً على الشيء نصطلح، طيب هل بعضهم يحسب أنه قال: إذاً إبراء للذمة، أنه خلاص مقر؟ لا، قولوا إبراء للذمة وهو منكر من قبل هذه لا تتنافى مع تلك، يعني قد يقول قال: أنكر ثم قال إبراء للذمة، يعني كأنه كان مفرد، خلاص نلزمه بالمبلغ هذا؟ لا، قوله إبراء للذمة وما أشبهها هذه بمثابة الصلح على إنكار أو قراض، القراض اللي هو إيش؟ إذا قال أصحاب قراض، ما المراد بالقراض؟
نعم، المضاربة، القراض، طبعاً الفقهاء يعني عندنا يسمونه باب المضاربة، باب المضاربة يعني في الشركات يسمون شركة مضاربة، لكن يعبرون أحياناً بالقراض، ولا في بعض الفقهاء يعبرون بالقراض فلا يطلقون المضاربة، يطلقون القراض. فإذاً القراض هي المضاربة، لذلك إذا قالوا قارضه، قارضه يعني مضاربة، إذا قالوا أقرضه قراضاً، طيب، إذا ادعي عليه بقراض يعني مضاربة فأنكر، قال: أنت ما أعطيتني مال، قال ادع عليه: أنا أعطيتك 10,000 ريال، قال: ما أعطيتني شيئاً، ثم اصطلحوا، ولو أن استمر على إنكاره فالقول قوله، قول من ادعي عليه بالمضاربة؛ فالقول قول لأنه منكر، فهو ينكر أنه استلم شيئاً، فقوله قوله، لكن لو اصطلح قال: يمكن أنك أعطيتني، فإبراءً للذمة نصطلح على مبلغ معين، فيجوز هذا الصلح على إنكار. قال: فهو جائز، ذكره في الشرح وغيره، وذكره الموفق رحمه الله في المغني، وإن قلنا لكم مراراً أنهم يعزون الفقهاء في الشروح، في المبدع يعزون إلى الشرح، والكلام نفسه موجود في المغني، لماذا؟ نعم الشرح مرتب على ترتيب المقنع، الشرح شرح للمقنع، أما المغني فالترتيب مختلف، ترتيب الخرقي غير ترتيب المقنع، ترتيب الخرقي صار على ما سار عليه المزني رحمه الله في مختصره، وهذه نبه عليه شيخ الإسلام رحمه الله في بعض الكتب.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: وهو أي صلح الإنكار للمدعي بيع، لأنه يعتقده عوضاً عن ماله، فلزمه حكم اعتقاده، يرد معيبه؛ أي معيب ما أخذه من العوض ويفسخ الصلح كما لو اشترى شيئاً فوجده معيباً، ويؤخذ منه العوض إن كان شخصاً بشفعة؛ لأنه بيع. وإن صالحه ببعض عين المدعى به فهو فيه كمنكر، والصلح للآخر المنكر إبراء؛ لأنه دفع المال في افتداء بيمينه وإزالة الضرر عنه، لا عوضاً عن حق يعتقده، فلا رد لما صالح عنه بعيب يجده فيه، ولا شفعة فيه، لاعتقاده أنه ليس بعوض.
أحسنت، هنا يتكلم المؤلف رحمه الله تعالى عن التخريج الفقهي للصلح، صلح على إنكار في حق المدعي وفي حق المدعى عليه، فيختلف تخريجه في حق المدعي عن تخريجه في حق المدعى عليه، وإنما قلت تخريج، بعضهم يطلق تكييف، تكييف فقهي، ولعل كلمة التخريج أفصح لغة، وكأنه مر عليّ البحث في لفظة التكييف، أصلها اللغوي لكن أين، كانها في مجلة العدل مر عليّ بحث بهذا لكن بعيد عهد به، طيب، إذاً تخريج الصلح في حق المدعي بيع وفي حق المدعى عليه إبراء. ما الذي يترتب عليه؟ ذكر لك مسألتين تترتبان على هذا التخريج. قال: وهو للمدعي بيع، لأنه لماذا جعلناه له بيعاً؟ قال: لأنه يعتقده عوضاً عن ماله، فلزمه حكم اعتقاده، يعني مثلاً شخص قال لآخر: أنا أقرضك 10,000 ريال، فاصطلح على أن يسلمه 8000، فالحقيقة هو بيع في حقه؛ لأن العشرة مقابل الثمانية، مال طبعاً إذا ممكن أن نقول أيضاً لا يكون بلفظ الصلح لأنه لا يصالح عن ماله بماله، فهو في حقه إذاً بيع؛ لأن هذه الثمانية مقابل العشرة، فهو عوض عن حق يعتقده له، وهذا هو حقيقة البيع. طيب يترتب على ذلك ذكر لك مسألة أنه إذا وجد في هذا المصالح عنه عيباً فله رده وفسخ الصلح. هذه المسألة الأولى، فلو قال شخص أقرض 3000 ريال، فاصطلحوا أن يسلمه سيارة بدل العشرة يسلمه سيارة، فلما أخذ السيارة وجدها معيبة، وجدها معيبة، فله أن يفسخ الصلح ويرد السيارة. ويرد السيارة والعشرة شو يصير عليها؟
يرجع الطرفان إلى حالهما قبل الصلح، فينفسخ الصلح ويرجعان إلى ما كانا عليه؛ هذا يطالب بالعشرة، وهذا إلى الآن منكر، ولا نقول لما صالح خلاص أقر، بل هو منكر؛ فيرد ويُفسخ الصلح. كما لو اشترى شيئاً فوجده معيباً، وهل له أن يأخذ الأرش؟ إذا قال: أنا أريد السيارة، هي صح فيها عيب لكن أريد السيارة، ويريد أرشها مثلاً ألف ريال، فهل له حق الأرش؟ له الأرش؛ لذلك قال: كما لو اشترى شيئاً فوجده معيباً، وإذا اشترى شيئاً فوجده معيباً فله حق الأرش.
المسألة الثانية التي تترتب على هذا أنه يؤخذ منه العوض إن كان شخصاً بشفعة لأنه بيع. فلو اصطلح مثلاً محمد وزيد؛ محمد قال لزيد: أنا أطالبك، بعت عليك السيارة بمئة ألف وما سددت فيها، فقال له: ما أذكر أنك بعت علي سيارة، ثم قال له: أنا لا أذكر لكن إبراءً للذمة، أنا حقيقة ما معي مئة ألف، لكن في أرض بيني وبين أخوي، أنا أملك نصف الأرض مع أخي مشاع، أتنازل لك عن النصف الذي لي. فهنا إذا أخذ هذا المدعي هذه الأرض، لشريك المدعى عليه أن يأخذها منه بالشفعة؛ فإذا أخذها بالشفعة خلاص انفسخ الصلح وعاد إلى ما كان عليه.
هاتان المسألتان تترتبان على كونه يعتبر للمدعي بيعاً. ذكر لك مسألة هنا، مسألة يعتبر الصلح في حق المدعي إبراء وليس بيعاً، وهي قال: إذا صالحه ببعض عين المدعى به، فهو فيه كمنكر. جاء قال: أنا مشتري منك هذه الأرض قبل سنة ما سلمتني إياها، فقال: ما شريت منك شيئاً ولا سلمت، ثم اصطلحوا على أن يسلمه نصف الأرض، فسلمه نصف الأرض؛ فيقولون هنا: الصلح هذا في حق الطرفين كليهما إبراء؛ لماذا لا يعتبر بيعاً في حق المدعي؟ قالوا: لأنه ما وصله حقه كاملاً، هو وفّى جزءاً من حقه؛ لأنه يعتقد أن ما أخذه يعتبر بعض ما يستحقه مسترجعاً له ممن أخذه، فلا يعتبر في حقه بيعاً.
أما كونه لا يعتبر في حق المدعى عليه بيعاً فهذا واضح. هذا إذاً يعتبر في حق المدعي بيعاً، فيترتب عليها أنه يستحق الرد بالعيب، ويؤخذ منه بالشفعة، ولا يعتبر بيعاً في حقه إذا وقع الصلح على بعض المدعى به. للمنكر الطرف الثاني، يقول: هو في حقه إبراء وليس بيعاً، لماذا كان إبراء؟ يقول: لأنه دفع المال افتداءً ليمينه، ويقول بدل ما ترفعني للقضاء وأنكر هناك ما عندك بينة وأحلف اليمين، أنا أريد أن أحلف اليمين، اليمين أمرها عظيم، لذلك بدل هذه كلها خلاص وأصالحك على جزء من المال، فإذاً هو ليس بيعاً في حقه لأنه يعتقد أنه لا حق عليه، لكن قال بدل هذه اليمين أدفع، أفتدي هذه اليمين بهذا المبلغ الذي صالحتك عليه، وأيضاً إزالة للضرر عنه ضرر الخصومة، قال: لا عوضاً عن حق يعتقده، والبيع إنما هو معاوضة شيء بشيء، وعوض شيء مقابل لا شيء، يعني دفع شيئاً وهو لا يعتقد أنه حق.
يترتب عليها عكس المسألتين الأولتين، فيقول: فلا رد لما صالحه عنه بعيب يجده فيه؛ يعني أنهم مثلاً كانت سيارة في يد محمد، وقال عمرو: هذه السيارة لي، فقال له: ليست لك، ثم بعد ذلك اصطلحا على أن محمد الذي بيده السيارة يعطي عمراً عشرة آلاف ريال وخلاص وينتهي، فأعطاه خمسة آلاف ريال. السيارة في يد محمد من الأصل، فلما حصل الصلح وجد محمد بها عيباً، فهل له أن يرد الصلح؟ هذا الصلح لا، لماذا؟ لأنه هو أصلاً مالك للسيارة من قبل، فلم يأخذها من قبل عمرو، وأيضاً هو الآن استحقها بالصلح، خلاص ليس لعمر مطالبه عليه بالصلح مقابل أنه ليس له؛ نعم استحقها بالصلح ليس مقابل بيع، تكون إبراء؛ أي لأجل ألا يحلف اليمين ونحو ذلك. قال: ولا شفعة فيه؛ بمعنى لو أن زيداً قال لمحمد: هذا الشخص لي، قال: لا ليس لك، يعني كان مثلاً زيد وعمر شريكان في أرض، جاء محمد قال لزيد: هذا الشخص لي ملكته، قال: لا ليس، المهم في النهاية زيد أعطى محمداً مبلغاً من المال صلحاً، فالآن هل نقول زيد تملك هذه الأرض الآن ولذلك لعمر حق الشفعة؟ لا، عمرو ليس له حق الشفعة؛ لأن زيداً لم يمتلكها بعوض مالي، لم تنتقل بعوض مالي، فلا، ملكه لازم عليها من قبل، فلذلك لم يتجدد له ملك عليها.
قال رحمه الله: «وإن كذب أحدهما في دعواه أو إنكاره وعلم بكذب نفسه لم يصح الصلح في حقه باطناً؛ لأنه عالم بالحق، قادر على إيصاله لمستحقه، غير معتقد أنه حلال، عليه لأنه أكل للمال بالباطل، وإن صالح عن المنكر أجنبي بغير إذنه صح ولم يرجع عليه».
قلنا لكم في الصلح على الإنكار، من شروط صحته أن يعتقد كل منهما صدق كلامه، فإذا كان أحدهما يعلم بكذب دعواه، فإن الصلح لا يصح في حقه باطناً؛ يعني عندنا ظاهر في الأحكام التي بينه وبين الناس، وباطن فيما بينه وبين الله تعالى. فنقول: إذاً الصادق منهما يصح الصلح في حقه ظاهراً وباطناً، والكاذب منهما يصح الصلح في حقه ظاهراً لا باطناً.
مثلاً هذا إبراهيم جاء إلى خالد وقال له: يا خالد أنا قبل سنة كنت بعت عليك سيارة بثلاثين ألف ريال وأنت ما سددت، وإبراهيم يعلم أنه كاذب وأنه ما باع عليه شيئاً لكن يقول: لعل خالداً هذا تاجر، وخالد يخاف الله، ولعله يعطيني شيئاً من المال أتكسب به؛ فقال خالد: لا ما أذكر أني شريت منك شيئاً، قال: إلا شريت، بعت عليك كذا وكذا، المهم جلس يذكره بأشياء كاذبة؛ فقال خالد: أنا لا أذكر، لكن بدل ما ترفعني المحكمة وأحلف اليمين هذه ثلاثون ألفاً طيب تنزلها لعشرين ألفاً؟ ما عندي مانع، خلاص خذ عشرين ألفاً، فأخذ العشرين ألفاً. الآن المدعي يعلم بكذب نفسه والمدعى عليه يجهل، يقول: أنا لا أعلم بصدق هذا من كذبه، فهنا الصلح في حق إبراهيم الصلح في حقهما ظاهراً صحيح، أما في حقهما باطناً فيصح في حق خالد هذا الذي لا يعلم، ويبطل في حق إبراهيم الذي يعلم؛ معناه كون أن يبطل أنه يلزمه إرجاع هذا المبلغ إلى خالته، ولا يجوز له أن يستفيد منه بشيء، فهو مال حرام.
إذاً: وإن كذب أحدهما في دعواه أو إنكاره وعلم بكذب نفسه لم يصح الصلح في حقه باطناً؛ لأنه عالم، طبعاً هذا نحن مثلنا على المدعي يعلم بكذب نفسه، لو كان المدعى عليه يعلم بكذب نفسه؛ يعني جاء إبراهيم إلى خالد قال له: أنا بعت عليك سيارة بثلاثين ألفاً، إبراهيم صادق لكن ما عنده بينة، وخالد يذكر هذا لكن يقول: سأنكر لعله ينزل شيئاً من المبلغ، فأنكر خالد، قال: لعلك تنزل لي شيئاً من المبلغ، فاصطلحا ودفع له عشرين ألفاً، فهنا الصلح في حق إبراهيم البائع صحيح، والصلح في حق خالد المشتري في الظاهر صحيح، وفي الباطن لا يصح، وإذا قلنا لا يصح يعني يلزمه أن يكمل المبلغ.
سأل سائل: هو ما وافق إلا لإنكاره. ولذلك الفقه ينص على مسألة: لو حصل الصلح على الإنكار هنا مثل هذه، لأن المدعي ما عنده بينة، ثم وجد المدعي بينة لاحقاً، فهل نقول خلاص أنت صالحت ما لك شيء؟ لا، له أن يطالب بالمتبقي؛ قال: إنه إنما صالح على أنه لا بينة له، وإنما رضي بالصلح إجباراً، فله مطالبة بالمتبقي؛ ها أسقط حقه بناءً على أنه لا بينة له، وله المطالبة بها، وهذا نص على شيخ الإسلام رحمه الله، وأيضاً موجود في فتاوى بعض أئمة الدعوة في الدرر السنية، نص سُئلوا عن هذا فأجابوا بجواز ذلك، يعني بأنه إذا وجد البينة بعد الصلح فله المطالبة بالحق كاملاً.
قال: إذا لم يصح الصلح في حقه باطناً؛ لأنه عالم بالحق، هنا التعليل هذا ينطبق على إذا كان المدعى عليه هو الكاذب، قال: لأنه المدعى عليه عالم بالحق، قادر على إيصاله لمستحقه، غير معتقد أنه حلال؛ الذي ينطبق على المدعي إذا كان عالماً بكذب نفسه، فإنه لا يصح الصلح في حقه باطناً؛ لأنه صلحه يعتبر من أكل المال بالباطل، فهو لما صالح من ادعى عليه بالشراء وهو كاذب ودافع له المدعى عليه بالشراء مبلغاً من المال، فهذا المال من أكل المال بالباطل؛ لأنه إن كان المدعي كاذباً فما أخذه يعتبر أكل مال بالباطل، أخذه بشره وظلمه، ودعواه الباطلة لا عوضاً عن حق له، فيكون حراماً عليه.
قال: وما أخذه حرام عليه؛ لأنه أكل المال بالباطل. إذاً هذا هو الذي ينطبق على المدعي والتعليل السابق ينطبق على المدعي. جاء إلى مسألة أخرى، إذا صالح عن المنكر أجنبي، أجنبي هنا ما المقصود بها؟ غير الشخص أو أيوه، يعني غير المدعى عليه أو من يقوم مقامه من الوكيل. وكيل، هنا قال: أجنبي بغير إذنه، طبعاً هنا يعني يقصد بها إذا من لم يكن يعني إذا كان ليس هو المدعى عليه ولا وكيلاً، فالأجنبي هذا هو المقصود به هاهنا. طبعاً والأجنبي يُطلق في كتب الفقه، يراد به هنا غير المأذون له، كما ويراد به أيضاً غير المحرم الشخص غير المحرم، كما في باب النكاح، النكاح قرأ أجنبي؛ يعني غير المحرم، ويُطلق ويُراد به من لا يحفظ مال ربه عادة كما في الوديعة.
أنا يعني هم يفرقون، لو سلمه المودع المال المودع لديه إلى زوجته مثلاً، هنا سلمه إلى من يحفظ ماله عادة، ما يعتبر فارطاً، لو سلمه شخصاً آخر ليس من عادة حط المال عنده فإنه يعتبر مفرطاً، وهذه يعني مبحث لطيف النظائر الوجوه والنظائر في كلام الفقهاء، طُبع فيها كتاباً قريباً عليه في المذهب الحنبلي، لا أنا في الدمام مؤلف، هنا السويد الشيخ سما السويد له كتاب "النظائر في الفقه الحنبلي" أو قريب من هذا الاسم، هو حقيقة كان سيوسعه في كتب الفقه الحنابلة، لكن يقول إنه سيصير واسعاً جداً فاقتصر على المقنع الألفاظ التي ذكرت في المقنع، وكتاب جيد، ومن المعلوم أن الكتب التي أُلفت ابتداءً لابد أن يصير فيها عوز أو قصور ونحو ذلك، وهذا طبيعة لأنها أُلفت ابتداءً، فلذلك يحتاج إلى تطوير وتحرير وتوسيع أيضاً، وطبعاً هو ألفه بناءً على المقنع لو وسع أيضاً، ونظر إلى الكتب الأخرى في المذهب، ثم بعد ذلك يمكن أن ينظر إلى الكتب الأخرى في المذاهب الأخرى ونحو ذلك، وهذا باب جيد وإن كان أصل فكرته جيد، لكن ترى مع التوسع يمكن يصير موسوعة خبراء إذا يعني شاملة الأبواب الأخرى إذا شملت المذاهب الأخرى أيضاً، وهو جيد مفيد في كتاب.
قال: المسألة إن صالح عن المنكر أجنبي بغير إذنه صح، طبعاً إذا كان بإذنه هذا ما في إشكال، يصح، لكن بغير إذنه يقول: يصح ولكن لا يرجع عليه، يصح ولا يرجع عليه، إذا كان بإذنه يصح ويرجع عليه؛ لأنه يعتبر وكيلاً، إذاً يعني طيب. نعم هنا لا يرجع عليه إذا كان بغير إذنه، طبعاً أول شيء نعلل للصحة، لماذا يصح إذا صالح عن المنكر أجنبي؟ يعني شخص رأى مثلاً خالداً يطالب إبراهيم بمبلغ وإبراهيم منكر، جاء محمد من باب، قال: ما شأنكم؟ فذكروا له ذلك مادي، كان يطالب مثلاً بعشرة، قال: تنازل له بألفين وأنا أتحملها، قال: نعم هذا ما أذل له اللي هو المنكر، ما أذل له، فهنا يصح الصلح، يصح الصلح، لماذا؟ لأنه قصد به براءة ذمة المصالح عنه، فأدى عنه مالاً على أنه دين عليه، وأداء الدين عن الشخص لا يشترط له الإذن، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز تحمل أبي قتادة الدين عن المتوفى، وفي واقعات أخرى تحمل علي الدين عن المتوفى.
ذلك ولم يأخذ إذن الورثة، فلم يأخذ إذن الورثة؛ فدل على أن سداد الدين لا يشترط له الإذن، فلذلك صح الصلح من الأجنبي. طيب لماذا لا يرجع عليه؟ لأنه متبرع؛ فأدى عنه ما لم يلزمه أداؤه. يعني أنه لو كان المنكر مستمراً على الإنكار ولم يقع الصلح ورفعت للحاكم، وهذا ما عنده بينة، اللي هو المدعي ليس عنده بينة، فإن المدعى عليه يحلف وتنتهي، ما يلزمه شيء. لكن هذا المصالح التزم شيئاً، فيلزمه بنفسه ولا يرجع على المصالح عنه؛ لأنه متبرع بالتزامه.
قال المصنف رحمه الله: يصح الصلح عن قصاص وسكنى دار وعيب بقليل وكثير. أحسنت، هنا ذكر في هذه المسألة الصلح عن غير مال. كنا قلنا لكم في أول الباب من الصلح يذكره الفقهاء أو يقسم الفقهاء إلى خمسة أقسام، منها الصلح على غير مال، وقلنا لكم إنه أين يذكرونه؟ الصلح على غير مال، قلنا لك هم يذكرونه في ليس له باب محدد؛ يذكرون لذلك بعض المسائل مذكرها هنا، بعض المسائل مذكرها في الجنايات، بعض المسائل مذكرها في القضاء، فليس له باب محدد. فبعض مسائل ذكر هنا، فهذا إذا صالح على غير مال يصح الصلح عن قصاص. وهذا الصلح عن قصاص ترى هناك في الجنايات، فيصح الصلح عن قصاص سواء صالح على الدية أو أكثر منها أو أقل منها، فيصح الصلح عن القصاص.
وضابط ما يصح الصلح عنه: كل ما يجوز أخذ العوض عنه صح الصلح عنه، سواء كان مما يجوز بيعه أو مما لا يجوز، ما دام القصاص. فهل يجوز لأولياء الدم أن يبيعوا حقهم في المطالبة بالقصاص على أشخاص آخرين؟ لا، هذا لا لهم، لكن يجوز لهم أن يصالحوا عنه بمال. والفقهاء يذكرون من الصلح على القصاص واقعة الحسن والحسين وسعيد بن العاص بدل الذي وجب له القصاص على هدبة بن خشرم، سبع ديات، ولم يقبلها. وأيضاً مما يصح الصلح عنه سكنى الدار، سكنى الدار التي يستحقها بإجارة أو وصية، يعني شخص استأجر شقة ليسكنها فجاء شخص وصالحه على أن يحل محله في السكن، فهنا هل يصح الصلح عنه؟ نقول: نعم، يصح الصلح عنه.
وكذلك يصح الصلح عن العيب بقليل أو كثير، صح الصلح عن العيب. كيف؟ اشترى سلعة معيبة، جوال صار معي، أراد أن يرده فقال له البائع: لا ترده ونصطلح على مبلغ معين، فأعطاه مبلغاً معيناً وأبقاه لديه، فهذا صلح على العيب، ما فيه إشكال، هذا الحق لهما فيصح الصلح على الأرش سواء أقل منه أو أكثر منه، فيصح الصلح على ذلك. وإنما صح الصلح على هذه الأمور الثلاثة وإن كان لا يجوز بيعها؛ لأن الصلح لقطع الخصومة.
قال رحمه الله: ولا يصح الصلح بعوض عن حد سرقة وقذف أو غيرهما، لأنه ليس بمال ولا يؤول إليه، ولا عن حق شفعة أو خيار؛ لأنهما لم يشرعا لاستفادة مال، فإنما شرع الخيار للنظر في الأحظ، والشفعة لإزالة الضرر بالشركة، ولا عن ترك شهادة بحق أو باطل. تسقط الشفعة إذا صالح عنها لرضاه بتركها ويرد العوض، وكذا حكم الحد والخيار.
هنا ذكر المصنف رحمه الله حقوقاً لا يصح الصلح عنها، قال: لا يصح الصلح بعوض عن حد سرقة وقذف أو غيرهما، مثل حد الزنا أو حد الشرب. يصالح السارق المسروق منه لئلا يرفعه إلى السلطان، أو يصالح شخصاً آخر ليس المسروق منه لئلا يرفعه للسلطان، وكذا الزاني أو الشارب يصالح من أراد أن يرفع به للسلطان، يصالحه عن ذلك، يقول: لا يجوز الصلح عن ذلك. لماذا؟ علل قال: لأنه ليس بمال ولا يؤول إليه، هذا الأمر ليس بمال ولا يؤول إليه. وأيضاً لأن الرفع إلى السلطان ليس حقاً للمصالح الذي سيأخذ العوض، ليس حقاً لك لأجل أن يجوز لك أخذ العوض مقابل التنازل عنه؛ فإذا يعلل بهذين الأمرين.
القذف كذلك لا يصح الصلح عنه، يصح الصلح عن حد القذف، قال: لأنه ليس بمال ولا يؤول إلى المال، لأن حد القذف هو الجلد فليس بمال ولا يؤول إلى المال. وهل هو حق لله تعالى أو حق للآدمي؟ صحيح هو فيه كلا الحقين، لكن هم إذا قالوا حق لله أو حق للآدمي يعني ما المغلب فيه؟ هم ينصون على أن القذف في باب القذف أنه حق لآدمي، فله أن يتنازل عن المطالبة بحد القذف، لكن هنا قالوا حتى وإن كان حقاً له فإنه لا يصح الصلح. طبعاً إذا قلنا إنه حق لله ما في إشكال أنه لا يصح الصلح لأنه ليس حقاً له لأجل يصالح، لكن إذا كان حقاً لآدمي قالوا أيضاً على المذهب أنه لا يصح الصلح، لماذا هذا؟ قال: لأنه ليس بمال ولا يؤول إليه، فلذلك لا يصح الصلح عنه.
أيضاً من الحقوق التي لا يصح الصلح عنها حق الشفعة. جاء شخص واشترى أرضاً، مثلاً إبراهيم وأحمد هؤلاء شركاء في أرض، فجاء خالد وقال لأحمد: اشتري نصيبك من الأرض. طيب، الآن من الشريك الآخر الذي لم يشترى نصيبه؟ إبراهيم، إبراهيم له حق الشفعة. جاء خالد بعدما اشترى نصيب أحمد وقال لإبراهيم: هذه أموال وتنازل عن شفعتك، أعطاه مالاً مقابل لأجل أن يصالح معه على ترك الشفعة. وهنا يقول: لا يصح الصلح عن حق الشفعة. لماذا؟ قال: لأن حق الشفعة والخيار لم يشرع لاستفادة مال، يعني حق ليس مالياً يعاوض عنه، وإنما شرع الشفعة لإزالة الضرر بالشركة، فهي إذاً ليست حقاً مالياً وإنما شرعت لرفع الضرر، فلا يصالح عنها. طيب، إذا صالح عنها، قال لك تسقط الشفعة، تسقط الشفعة؛ لماذا؟ لأنه رضي بتركها، هي حق له ورضي بتركها. طيب، العوض قلنا لا يصح، فيرد العوض، فلا كسب مالاً ولا كسب شفعة، لأنه صالح عن أمر لا يحق له الصلح عنه.
وكذلك عن حق الخيار لا يصح الصلح عن حق الخيار، جاء اشترى محمد من أحمد سيارة قال: لي الخيار لمدة خيار الشرط لمدة أسبوع، بعد يوم قال له البائع: خذ أنت السيارة بـ 50 ألف، خلاص خذ 5000 وأسقط الخيار. هنا قال لك ليس له الصلح عن حق الخيار، لماذا؟ الخيار لم يشرع لاستفادة مال وإنما شرع للنظر في الأحظ. طيب، ما العمل إذا حصل الصلح؟ يقول: يسقط الخيار؛ لأنه رضي بتركها ويرد المبلغ لعدم صحة الصلح.
أيضاً لا يصح الصلح عن ترك الشهادة بحق أو باطل، ترك الشهادة لا تخلو من ثلاث أحوال: الحالة الأولى: أن يصالحه على ألا يشهد عليه بحق تلزم الشهادة به، مثلاً محمد اشترى من صالح سيارة ولم يسدد ثمنها، جاء صالح رفع عليه الدعوى، محمد منكر الشراء. صالح عنده شاهدان يشهدان على الشراء، محمد ذهب للشاهدين وأعطى كل واحد منهما مبلغاً مالياً لكي لا يشهد، هنا أعطاهما لكي لا يشهد عليه بالحق، فهنا لا يجوز هذا الصلح، لأن هذا يعتبر كتماناً للشهادة وهو أمر محرم ولا يجوز أخذ العوض عن ذلك.
ثاني الحالات: أن يصالحه على ألا يشهد عليه بباطل، الشهادة عليه شهادة زور، مثلاً اتفق المدعي مع اثنين شهود لا يعرفون المدعى عليه، كان سيدعي عليه بمبلغ مالي وسينكر، سأحضركم تشهدون، لقنهم الشهادة ووعدهم أن يعطيهم مبلغاً من المال إذا حكم لهم، المدعى عليه عرف الخطة وجاء إلى الشهود وقال لهم: هذا بيعطيكم 5000، أنا بعطيكم 10000 تتركون الشهادة. فهنا هل يصح الصلح؟ قال: لا يصح، لماذا؟ لأن هؤلاء الشهود يحرم عليهم الإتيان بالشهادة هذه ويجب عليهم تركها، وقلنا لكم سابقاً إن كل ما وجب على الإنسان فعله فلا يجوز له أخذ العوض عنه، وهنا يجب عليهم ترك الشهادة، شهادة الزور، فلذلك لا يجوز لهم أخذ العوض لأجل أن يتركوا شهادة الزور.
الثالث: أن يصالح الشهود لا يشهدوا عليه بحق يوجب حداً، كأن لا يشهد عليه مثلاً بسرقة أو شرب خمر ونحو ذلك، فهنا لا يجوز للشاهد أخذ العوض؛ لأن هذا ليس بحق له، فلا يجوز له أخذ عوض عنه كسائر الأشياء التي ليست بحق له؛ لأن كل ما ليس حقاً له فإنه لا يوز له أخذ العوض عنه.
طبعاً قال: وتسقط الشفعة إذا صالح بتركها ويرد العوض، وكذا حكم الحد، وكذا حكم الحد مثل حد القذف، هنا يسقط ويرد العوض، والخيار أيضاً يسقط ويرد العوض. نعم، الآن انتهينا من الكلام على الصلح، لينتقل الآن المؤلف إلى مسائل تتعلق بأحكام الجوار، والفقهاء رحمهم الله تعالى يذكرون أحكام الجوار في الصلح في باب الصلح؛ لماذا؟ لأنه يحتاج إلى باب الصلح بين المتجاورين، والمشاكل بين الجيران بعضها تحل بالصلح وبعضها لا يحل بالصلح، فلذلك لما كانت جزء من مشاكلهم تحل بالصلح، ألحق الفقهاء رحمهم الله أحكام الجوار بباب الصلح.
قال رحمه الله: وإن صالحه على أن يجري على أرضه أو سطحه ماء معلوماً صح لدعاء الحاجة إليه، فإن كان بعوض عن بقاء ملكه فإجارة، وإلا فبيع، ولا يشترط في الإجارة هنا بيان المدة للحاجة، ويجوز شراء ممر في ملكه وموضع في حائط يجعله باباً، وبقعة يحفرها بئراً، وعلو بيت يبني عليه بنياناً موصوفاً، ويصح فعله صلحاً أبداً، وإجارة مدة معلومة.
قال: وإن صالحه على أن يجري على أرضه أو سطحه ماء معلوماً صح، يعني مثلاً مزرعتان متجاورتان، مزرعة رقم (أ) ومزرعة رقم (ب)، البئر الذي يسقي المزرعتين قريب من مزرعة (أ)، يعني قبل مزرعة (أ)، فالآن مزرعة (ب) يريد أن يستفيد من البئر فيجري مع (أ) يعني يمد مواسير إلى مزرعته، هنا المواسير ستمر على مزرعة (أ)، فله أن يصطلح معه على ذلك. طيب، هل له أن يمد هذه المواسير بدون إذنه، يمدها في ملك مزرعة (أ) بدون إذنه؟ لا يجوز له ذلك؛ لأن هذا ملك لصاحب مزرعة (أ)، ومن ملك شيئاً ملك هواءه وقراره، فحتى لو أراد أن يحفر تحت الأرض فلا يجوز له ذلك إلا بإذنه، حتى لو تضرر لا بد من إذنه، لا بد من إذن صاحب المزرعة صاحب مزرعة (أ).
فإذا تضرر وهذا لم يأذن، فإنه يمدها من جهة أخرى، ولا يجبر طبعاً، هل يجبر أو لا يجبر؟ طبعاً خلاف حتى في المذهب، هل يجبر أو لا يجبر خلاف حتى في المذهب، وفي أثر عن عمر بن الخطاب أنه أجبر محمد بن مسلمة رضي الله تعالى عنه على أن يستفيد جاره من أرضه في مد ماء من بئر أو نحوها، فقال: ليمرن به ولو على بطنك، عمر يقول لمحمد، لما امتنع محمد عن ذلك. أصحابنا ترى لم يأخذوا بأثر عمر قالوا: لأن الأصل العام أنه لا بد من الإذن، وقالوا: قول عمر خالفه محمد بن مسلمة كلاهما صحابي رضي الله تعالى عنهما، فقالوا: لا يؤخذ بقول الصحابي هنا لمخالفة صحابي آخر. طبعاً قول الصحابي يؤخذ به إذا اختلف الصحابة، فمن يؤخذ بقوله ينظر إلى النصوص الأخرى، فهم نظروا إلى النصوص وجدوا أن قول محمد بن مسلمة هو الذي وافق الأصل؛ الأصل أنه لا يجرى إلا بإذنه، هذا هو المذهب، ولا كما قلت في قول آخر في المذهب أنه له أن يجري ولو بغير إذن، بس هذا لا بد من إلزام الحاكم، لا بد من إلزام الحاكم، ونظام المعاملات المدنية تكلم عن هذا عن حق المرور والمجرى، لكن بخصوص هذه المسألة أنا لا أعلم هل أخذوا بهذا القول بالإذن أو أخذوا بالقول الآخر. طيب قال: وإن صالحه على أن يجري على أرضه أو سطحه ماء معلوماً صح.
طبعا، الماء معلوم إما بالمشاهدة أو بالمساحة، الطول والعرض، ولا حاجة إلى بيان عمقه؛ لأنه إذا ملك موضعاً كان له إلى تخومه، إلى قعره، هذا هو المشهور عند الأصحاب رحمهم الله تعالى. وإن كان الموفق في الكافي والحجاوي ذكروا اشتراط علم العمق إذا صالحه على مدة معينة، أنه إذا صالحه على مدة معينة يكون إيجاراً، فاشترطوا العلم بالعمق، أما إذا صالحه على مدة مطلقة فيكون بيعاً، فلا يشترط العلم بالعمق؛ هذا الذي جاء في الكافي وتبعه في الإقناع. أما صاحب الفروع والإنصاف والمنتهى فإنه أطلق عدم اشتراط العلم بالعمق، سواء كان على مدة معينة أو مدة مطلقة.
العلم بالمجرى؛ لأنه حقيقة، إذا كان على مدة مطلقة فهو بيع، هو اشترى، فإذا جاء يشتري لابد أن يعرف المساحة التي سيبيعها صاحب الأرض على جاره. الماء هو المعلوم، يبدو يظهر، والله أعلم، أن يكون معلوماً بمشاهدته، يعني أقصد معلوم بالعادة بالمشاهدة. العقد على إجراء الماء وليس على الماء نفسه؛ يعني الماء نفسه هل يباع؟ الماء في البئر لا يملكه، هذا لا يملكه صاحب المزرعة مثلاً، وهنا المعلوم معلوم مساحته، إما مساحته أو بالمشاهدة، يقول لا يلزم أن تكون مساحته طوله كذا وعرضه كذا، لو شاهده يكفي.
قال: «إذا كان بعوض مع بقاء ملكه فإيجار، وإلا -أي وإن لم يكن مع بقاء الملك- فبيع». هنا يقول: هل حكم هذا العقد أو تخريجه هذا العقد؟ يقول: إذا كان صاحب مزرعة (أ) قال لصاحب مزرعة (ب): أنا ما عندي مانع أجعلك تمر هذا، لكن ترى هذه القطعة ليست لك مثلاً لمدة معينة، فهنا إيجار. وإذا قال: لا، هذه القطعة لك خلاص، وإذا اشتريت أنت مزرعتك فبالذي يأتي بعدك، يعني اشترى منك هذه المزرعة، هو هذا المجرى، فتكون بيعاً.
قال: «ولا يشترط في الإجارة هنا بيان المدة للحاجة». يعني إذا كان بعوض مع بقاء ملكه فإيجار، ولا يشترط لو استأجرها حتى انتقل صاحب المزرعة إلى مكان آخر، فهنا لم يبين المدة في أول العقد، فيقول يجوز ذلك للحاجة؛ فيجوز العقد على المنفعة في موضع الحاجة من غير تقدير للمدة، وقاسوا ذلك على النكاح؛ فالنكاح هو عقد على منفعة البضع ولم تتقدر المدة، وإنما أجيز ذلك للحاجة.
ثم قال: «ويجوز شراء ممر في ملكه»، مثل الذي قلناه قبل قليل. ومثله لو أن شخصاً مثلاً لديه مكان يمشي به إلى المسجد، لكن يمر من وسط أرض جاره وله مكان آخر لكنه بعيد، فإذا أراد أن يمشي على الشارع البعيد، فتبرع جاره بمروره، فقال: أنا سأشتري منفعة المرور، فيجوز ذلك؛ فيجوز أن يشتريها مطلقاً، ويجوز أن يشتريها إلى مدة معينة، يقول: سأشتري منك هذا لمدة شهر، أو شهرين، أو سنة، وإذا كانت المدة معينة فتكون إيجاراً.
وكذا موضع في حال يجعله، هذه المسائل قد لا يكون لها تطبيق في واقعنا، لكن يكون عندهم تطبيق. مثلاً هذه المنفعة، المرور، ما يستطيع أن يمر إلا أن يفتح له باباً يدخل به إلى الأرض، فيقول: أنا سأشتري منك هذه البقعة لكي أفتح لي باباً وأمر من هذه الأرض إلى المسجد، فيجوز له ذلك. وكذلك يجوز له أن يشتري بقعة يحفرها بئراً، وجد مزرعة كبيرة فقال: أنا أريد أن أشتري من هذه البقعة أربعة أمتار في مترين ساحفر بها بئراً، فيجوز ذلك.
قال: «وعلو بيت يبني عليه بنياناً موصوفاً». يعني هو له بيت من دور واحد، فجاء الشيخ وقال: أنا سأشتري منك العلو، سأبني دوراً آخر فوق دورك، يعني سيكون لي الدور الثاني، وأنت لك الدور الأرضي وأنا لي الدور الثاني، فباع عليه علو البيت وأبقى السفل له، فيجوز ذلك، قال: «يصح فعله». يصح فعل ما تقدم من هذه الأمور الأربعة صلحاً أبداً، يعني مستمراً، ويصح فعله إلى مدة معينة وتكون إيجاراً.
هنا ذكر أنه إذا كان مؤبداً فهو بيع، وإذا كان لمدة معلومة فهو إيجار. يكون العلوي الموصوف البنيان، لعله -والله أعلم- كما قال في حاشية ابن قاسم: «موصوفاً أي معلوماً». فلعله يعني المساحة، قد يبيع عليه الدور كاملاً، أو مساحة الدور كاملة، أو قد يبيع عليه جزءاً منها، هذا الظاهر، وقد يراد به أوصاف مثل عدد الغرف، لكن هذا بعيد لأن هذا ملكه ففسر فيه بمساحة.
نقف هنا، هذا يقول إذا كان ماء مطر، قوله: «ماءً معلوماً»، إن صالحه على أن يجري على أرضه أو سطحه ماء مطر، فالمقصود أن المجرى يكون معلوماً مساحته؛ لأن البيع هو للبقعة التي أجري فيها هذا المجرى، وليس البيع للماء، والله أعلم. طبعاً البيع ليس للماء، بل لجريان الماء للمجرى؛ يعني قال: أنا اشتريت منك هذه البقعة ليجري فيها.
نبهنا إن شاء الله في وقت هذا، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان