الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا وعملًا صالحًا يا كريم.
أما بعد، فقد توقفنا في التعليق على الروض المربع أثناء باب الصلح، ودخلنا في أحكام الجوار. حيث إن الفقهاء -رحمهم الله تعالى- تكلموا في باب الصلح عن الصلح وذكروا بعض أحكام الجوار، وقلنا إن سبب ذكرهم أحكام الجوار في باب الصلح أن هناك مشاكل تحصل بين الجيران وغالبًا تحل بالصلح؛ فلذلك يذكرون أحكام الجوار في باب الصلح.
وقفنا عند قول المؤلف رحمه الله تعالى: «وإن حصل غصن شجرته». الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن تبعه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: «وإن حصل غصن شجرته في هواء غيره الخاص به أو المشترك، أو حصل غصن شجرته في قراره، أي قرار غيره الخاص أو المشترك، أي في أرضه، وطالبه بإزالة ذلك إزالة وجوبًا، إما بقطعه أو لَويه إلى ناحية أخرى، فإن أبى مالك الغصن إزالته لَواه مالك الهواء إن أمكن، وإن لم يمكن فله قطعه؛ لأنه إخلاء ملكه الواجب إخلاؤه، ولا يفتقر إلى حاكم، ولا يُجبر المالك على الإزالة لأنه ليس من فعله، وإن أتلفه مالك الهواء مع إمكان لَويه ضمنه، وإن صالحه على بقاء الغصن بعوض لم يجز، وإن اتفقا على أن الثمرة بينهما ونحوه صح وجاز، وكذا حكم عرق شجرة حصل في أرض غيره، ويجوز في الدرب».
هنا تكلم المؤلف رحمه الله تعالى عن التبرؤ من أغصان الشجر. والفقهاء -رحمه الله تعالى- يقررون أن من ملك شيئًا ملك هواءه وقراره، فملك هواءه وقراره. فلذلك الآن شخص عنده شجرة فتدلت أغصانها على هواء جاره، سواء جاره أو أن جذورها امتدت إلى أرض جاره في قراره، فهنا نقول الحق للجار؛ إن سكت فله ذلك، وإن طالبه بالإزالة فإن مالك الشجرة يزيل هذا الغصن أو الجذع الذي امتد إلى هواء جاره أو قراره.
ولذلك هنا قال: «وإن حصل غصن شجرته في هواء غيره الخاص به»، يعني الخاص بالغير أو المشترك بينه وبين غيره، «أو حصل غصن شجرته في قراره»، أي قرار غيره الخاص أو المشترك، أي في أرضه؛ وهذا تفسير للقرار. وطالبه بإزالة ذلك، فإذن لا يترتب عليه حكم الوجوب إلا إذا طالب الجار بالإزالة، أما إذا سكت الجار فإن صاحب الغصن لا يلزم بالإزالة لأن الحق للجار.
قال: «إزالة وجوبًا»، ثم ذكر طريقة الإزالة: «إما بقطعه أو لَويه إلى ناحية أخرى»، كما في مثل شجر العنب يلويه إلى ناحية أخرى بحيث لا يدخل في ملك جاره. قال: «فإن أبى». طبعًا هنا لماذا تجب الإزالة؟ تجب الإزالة لأن الهواء ملك لصاحب الأرض الذي هو الجار، هو ملك لصاحب القرار الذي هو جاره، فوجب إزالة ما يشغله من ملك غيره.
هذا الأصل، وهذه المرتبة الأولى؛ أن يُطلب منه أن يزيله، يطلب الجار من جاره أن يزيل هذا الذي تدلى إلى هوائه أو قراره فيزيله. فإن أبى، فإن أبى مالك الغصن إزالته، فهنا يتدخل مالك الهواء بإزالته، لكن هل يزيله بأي شيء؟ لا، يبدأ بالأسهل فالأشد؛ ولذلك مثل دفع الصائم يكون بالأسهل، ولذلك قال: «لواه مالك الهواء إن أمكن»، بحيث يستفيد منه جاره الذي هو مالك الشجر، فإن لم يمكن إلا بقطعه فإنه له قطعه؛ قال: «لواه مالك الهواء إن أمكن، وإن لم يمكن فله قطعه».
قال: «لأنه إخلاء لملكه الواجب إخلاؤه». هذا التعليل لجواز تصرف الجار في ملك جاره؛ فإن الجار لو هذه الشجرة أو قطع هذا الغصن، وطالما أن هذا ليس ممكنًا له، نقول جاز له التصرف لامتناع مالك الشجرة من إزالة هذا الضرر، فجاز للجاري أن يزيله بالأسهل فالأشد؛ لأنه إخلاء لملكه الواجب إخلاؤه، قياسًا على إخراجه للبهيمة التي تدخل داره؛ لو أن بهيمة دخلت دار جاره، فله أن يخرجها.
وقيل للإمام أحمد رحمه الله: أيقطعه هو؟ يعني هل يبادر الجار بالقطع قبل أن يطلب من مالك الشجر؟ قال: لا، يقول لصاحبه حتى يقطع. فيؤخذ منه أن صاحب القرار أو صاحب الهواء لا يقطع مباشرة حتى يطلب من صاحب الشجر.
قال: «ولا يفتقر إلى حكم حاكم». يعني هذا لا يلزم الجار أن يذهب إلى القاضي ويقول له: إن فلانًا تدلت أغصان شجرته إلى بيته ورفض أن يقطعها أو يلويها، واطلب الإذن لي بذلك. لا يلزم هذا، بل له أن يفعله مباشرة بعد امتناع صاحب الشجرة من الإزالة؛ لأن هذا حق ثابت له شرعًا، فجاز له فعله بدون حكم حاكم. والحاكم إنما نحتاج إليه عند النزاع؛ وهذه يمكن أن نكون قد سبق وتكلمنا عنها، وهي في مثل هذه المسائل، وفي الأصل لا نفتقر إلى حكم حاكم، لكن أحيانًا نفتقر إلى حكم حاكم لأجل تحقيق مناط الضرر؛ فقد يقول هذا: لا أصلًا ما جاءت أغصان شجرة في بيتك، وهذا يقول: إلا جاءت أغصان، فيحصل النزاع. فإذا خشي من حصول النزاع فنقول هنا يُرفعان للحاكم لأجل هذا الأمر، وإلا فالأصل أنه لا يفتقر إلى حكم الحاكم، بمعنى أن الجار لو فعله ابتداءً من غير أن يرفع إلى الحاكم فإنه لا يعتبر قد تعدى على ملك غيره.
قال: «ولا يُجبر المالك على الإزالة لأنه ليس من فعله». كيف؟ هنا يقول في البداية: «طالبه بإزالة ذلك إزالة وجوبًا»، ثم قال: «لا يُجبر المالك على الإزالة لأنه ليس من فعله». في البداية قال: إزالة وجوبًا، ثم قال: ليس من فعله. ما معنى قولهم سابقًا إزالة وجوبًا؟ والله أعلم أنه لا يُجبر على إزالته ابتداءً، لكن إن طالبه به فإنه يزيله، لعل هذا هو المقصود.
يترتب على هذا: لو لم يزل صاحب الشجرة الأغصان فتلف بها شيء، فهل يضمن أو لا؟ تدلت الشجرة على جدار جاره، على هواء جاره، ثم سقط الغصن، وكان تحته شخص جالس فسقط على رأسه وجرحه.
رأس فهل يضمن المالك هذا الجرح أو لا؟ لم يباشره، لم يتصب، حقيقة هذه مسألة خلافية بين الأصحاب. المشهور عند الأصحاب رحمهم الله تعالى أنه إذا تلف بها شيء لم يضمن، يقول: لأنه ليس من فعله؛ سقوطه ليس من فعله.
وذكر الموفق رحمه الله احتمالاً، وهو الذي عليه الأصحاب المتأخرون؛ أنا قلت الأصحاب على أنه لا يضمن إذا تلف هذا، هذا قول في المذهب، وهو الذي صححه المرداوي في الإنصاف، لكن في التنقيح وتابعه في الإقناع والمنتهى، وهو الذي ذكره الموفق الشارح، أنه يضمن إذا طلب منه الإزالة فلم يزل، فإذا طلب منه الإزالة فلم يزل وتلف بها شيء فيضمن. واضح؟ هذا الذي اعتمده المتأخرون.
قلنا طبعاً ذكره الموفق والشارح احتمالاً، يبدو أنهما يميلان إليه، والمرداوي رجعه في التنقيح وقبله في تصحيح الفروع، وتابعه في الإقناع والمنتهى. وجه التضمين: إذا طلب منه أن يزيل فلم يزل. طيب، ما ترتب على غير المأذون فهو مضمون؛ وما ترتب على غير المأذون فهو مضمون. والذين قالوا لا يضمن قالوا: لأنه ليس من فعله.
في مسألة مشابهة تأتي هنا في الغصب، تلك المسألة التي في الغصب تقوي القول بأنه لا يضمن، لكن قد يقال بينهما فرق؛ وهي لو مال حائط شخص -معنى الحائط- لكنه لم ينقب هو، فمال ثم سقط على شخص أو على دابة أو على سيارة، فإنهم قرروا هناك لا يضمن، صاحب الحائط لا يضمن لأنه ليس من فعله سقوط الجدار، ليس من فعله؛ فعلى قياسها هنا لو تلف بها شيء فلا يضمن. لكن قد نقول هنا إن هذا صحيح فيما إذا لم يطالبوا الجار بالإزالة، لكن لو طالبه بالإزالة ولم يزل، فهنا ترك المأمور به، وترك المأمور به غير مأذون، وما ترتب على غير المأذون فهو مضمون.
طالما هنا إذا كان الجدار ليس مشتركاً، جدار ملك لصاحب البيت وليس بينه وبين الجار جدار، جدار ملك لصاحب البيت وسقط، فهنا حتى لو طالبه غيره فلا يملك غيره إلزامه بإصلاح بيته. لكن قد نقول مسألة: لو قررت الجهة المختصة -الدفاع المدني عندنا- قررت أن هذا البيت أو الجدار فيه ضرر ويلزم إزالته وبناؤه من جديد، ثم سقط، هل يضمن أو لا؟ محتملة، والقول بالضمان كأنه أقرب، والله تعالى أعلم؛ لأنه في تثبيت.
قال: وإن أتلفه مالك الهواء مع إمكان ليه ضمنه. قلنا: مالك الهواء يزيله بالأسهل فالأشد، فإذا أمكنه إزالة هذا الضرر بدون إتلاف من غير مشقة تلزمه، فإنه لا يجوز له إتلافها، يعني إذا أمكنه ليه لكنه قطعه فإنه لا يجوز له قطعه، فإن قطعه في هذه الحالة فإنه يضمنه. وإن لم يمكنه إزالتها إلا بالإتلاف فلا شيء عليه، لأنه لا يلزمه إقرار ما لغيره في ملكه.
يعني الآن لو مثلاً مثال البهيمة التي قبل قليل، لو أنه دخلت بهيمة إلى بيته فطردها عن بيته، فلما خرج من البيت جاءت سيارة صدمتها، هل يضمن صاحب الجار الذي أخرجها؟ لا يضمن. طيب، قد يقول لماذا؟ لو تركتها في بيتك وكلمتني أنا آخذها، فنقول: لا يلزم الجار إقرار ما لغيره في ملكه.
قال: وإن صالحه على بقاء الغصن بعوض لم يجز. أن قال مالك الغصن للجار: اترك هذا الغصن في هوائك وسأعطيك مقابلاً عنه مبلغ كذا، يقول لك: لا يجوز. قالوا: لأن الغصن إما أن يكون رطباً أو يابساً، فإن كان رطباً فإنه يزيد ويتغير، واليابسة تنقص وربما ذهب كله، فيكون فيه جهالة؛ فلذلك قالوا: لا يجوز. وهذا هو المشهور من المذهب.
وقول ثانٍ في المذهب: قول ابن حامد وابن عقيل، وذكر الموفق أنه اللائق بمذهب أحمد أنه يصح. قالوا: لأن الجهالة في المصالح عنه لا تمنع الصحة؛ لكونها لا تمنع التسليم، بخلاف العوض فإنه يفتقر إلى العلم لوجوب تسليمه ولدعاء الحاجة لذلك في الأملاك المتجاورة. يعني يقولون: نحن نشترط العلم في العوض لأنك ستسلم، في البيع تشترط العلم وعدم الجهل أنك ستسلم، وفي الصلح يتغاضى عنه. الآن الذي المصالح عنه هو الذي فيه جهالة، الغصن هو الذي فيه جهالة، فقالوا: أصل الغصن أنت ما أنت مسلّم الغصن، باقي، فلذلك الجهالة فيه مغتفرة، أي ما في تسليم، فهذا تعليلهم. قالوا أيضاً: لدعاء الحاجة لذلك لكثرته في الأملاك المتجاورة، قد يكون صاحب الشجر يريد هذا الشجر لا يريد أن يقطع، والجار قد يكون ينتفع بالعوض الذي سيدفع له الجار، ففيه مصلحة لهما، ولذلك قال الموفق إن اللائق بمذهب أحمد صحته.
قال: وإن اتفق على أن الثمرة بينهما ونحوه صح جائزاً. يعني المسألة الأولى اتفقوا على أن يبقي الغصن بعوض يقول لك: لا يصح، لكن لو اتفقوا على أن الثمرة تكون بينهما، يعني قال: ابقِ هذا الغصن والثمار لي نصفها ولك نصفها، اتفقوا على ذلك، يقول: يجوز؛ ما فيه جهالة هنا.
الإمام أحمد رحمه الله نقل المروذي وإسحاق بن إبراهيم عن أحمد أنه سئل عن ذلك فقال: «لا أدري»، فيحتمل الصحة، وفيه حديث مرسل عن مكحول، ويحتمل عدم الصحة وهو قول أكثر أهل العلم رحمهم الله تعالى؛ لأن العوض مجهول، قالوا: فإن الثمرة مجهولة وجزئها مجهول، ومن شروط الصلح العلم بالمعوض، ولأن المصالح عليه يتغير ويزيد، هذا الذي علل به المانع.
الموفق رحمه الله يقول: الصلح هنا يصح بمعنى أنه ليس معاوضة محضة، لكنها إباحة. كيف يقول يصح؟ بمعنى أن كل واحد منهما يبيح صاحبه ما بذل له؛ فصاحب الهواء يبيح لصاحب الشجرة إبقاءه يمتنع من قطعه وإزالته، كأن صاحب الهواء قال: أنا خلاص أبيحك أن تبقي هذه الشجرة في هوائي، وصاحب الشجر يبيح له ما بُدل من ثمرتها، فصاحب الشجر قال: خلاص أنا أتنازل لك. كأنها إباحة وليست معاوضة، كأن كلا منهما أباح للآخر، لكنها ليست من باب المعاوضة؛ لذلك يقول الموفق رحمه الله: ولا يكون هذا بمعنى البيع؛ لأن البيع لا يصح بمعدوم ولا مجهول، والثمرة في حال الصلح معدومة مجهولة. واضح؟ إباحة.
هكذا على المؤلف الموفق رحمه الله أنه أباحه، يعني أن كل واحد منهما أباح صاحبه الانتفاع، كأنها عارية. ولذلك ماذا قال هنا؟ "جائزًا"، ما معنى جائزًا؟ ليس لازمًا، العارية ليست لازمًا.
بمعنى أنه لو جاء مثلاً بعد سنة أو سنتين أو أشهر، قال صاحب الهواء: "لا خلاص أنا لا أريد أن أكمل معك، أنا تضررت من بقاء شجرتك في هوائي"، فله أن يزيله. أو قال صاحب الشجر: "أنا لن أعطيك شيئًا"، فهنا نقول له: "جائزًا".
قال في "المبدع": «ولم يلزم»، وكلامه صح؛ جائزًا ولم يلزم؛ لأن لزومه يؤدي إلى ضرر مالك الشجر لتبعية استحقاق الثمرة عليه، أو إلى ضرر مالك الهواء لتبعية بقاء الأغصان في ملكه. إن نقول سيتضرر أحد الطرفين إذا قلنا إنه يصح لازمًا.
طبعًا هذا الذي قلنا لكم، الموفق رحمه الله قال إنه يصح ويكون من باب الإباحة لا من باب المعاوضة، لكن المشروع هو أن يصح ويكون من باب المعاوضة لكن اغتفرت الجهالة. ولذلك قال البهوتي في "الكشاف": «وصح صلحته هنا مع جهالة العوض وهو الثمرة خلاف القياس»، لخبر مكحول.
قلنا لكم قبل قليل في حديث مرسل لخبر مكحول يرفعه: «أيما شجرة ظللت على قوم فهم بالخيار بين قطع ما ظلل أو أكل ثمرها»، أخرجه أحمد وابن عساكر في تاريخه ومرسل.
وقال: «وكذا حكم عرق شجرة حصل في أرض غيره»، يعني أن له أن يزيله، يطلب من صاحب الأرض إزالته، فإن لم يزله فلصاحب القرار أن يزيله، سواء أثّر في أرض جاره أو لا، فيحكم في قطعه أو الصلح عنه كالأغصان.
طيب في المسألة السابقة، قلنا جائزًا، واتفقوا على أن الثمرة بينهما أو نحوه جائزًا. لو اتفقوا على أنه سيعطيه نصف الثمرة إذا نضجت، قال الفقهاء: "جائزة"، لو قال: "أنت لن أعطيك شيئًا".
فهنا ما الذي يكون لصاحب الهواء؟ في المسألة السابقة، في قول من اتفق على أن يكون نصف الثمر لصاحب الهواء، لما جاء وقت نضج الثمار وجاء وقت قطفها قال صاحب الشجر: "لن أعطيك"، يقول الفقهاء: "جائز"، فيذهب حق صاحب الهواء.
يقولون: يترتب على القول بصحة الصلح على الثمر، لو أبى صاحب الشجر دفع نباتها إلى صاحب الأرض، فعليه أجرة المثل؛ لأنه إنما تركه في أرضه، فصاحب الهواء إنما أبقاه في أرضه مقابل أن يعطيه الثمر، فلما لم يسلمه رجع بأجرة المثل كما لو بذلها بعوض فلم يسلم له.
يقول الإمام أحمد رحمه الله لما سُئل عن هذه المسألة عن الصلح عن الثمر يكون بينهما: «لا أدري»، هل استدل بأثر مكحول؟ الله أعلم. الموفق رحمه الله ذكر فقط أن الإمام أحمد قال: "لا أدري"، هل في رواية أخرى أنه استدل بأثر مكحول؟ الله أعلم.
يقول: ما الأفصح في لفظ كلمة عرق؟ هي عرق، بكسر العين وإسكان الراء.
السلام عليكم.
قال رحمه الله: «ويجوز في الدرب النافذ فتح الأبواب للاستطراق؛ لأنه لم يتعين له مالك ولا ضرر فيه على المجتازين». «ولا يجوز إخراج روشن على أطراف خشب أو نحوه مدفونة في الحائط، ولا إخراج سباط -وهو المستوفي للطريق كله- على الجدارين، ولا إخراج دكة -بفتح الدال- وهي الدكان، والمصطبة -بكسر الميم-، ولا إخراج ميزاب، ولو لم يضر بالمارة، إلا أن يأذن إمام أو نائبه؛ لأنه نائب المسلمين فجرى مجرى إذنه».
«ولا يفعل ذلك؛ أي لا يخرج روشنًا ولا سباطًا ولا دكة ولا ميزابًا في ملك جار ودرب مشترك غير نافذ بلا إذن مستحق؛ أي الجار أو أهل الدرب؛ لأن المنع لحق المستحق، فإذا رضي بإسقاطه جاز». «ويجوز نقل باب في درب غير نافذ إلى أوله بلا ضرر، لا إلى داخل إن لم يأذن من فوقه ويكون إعارته».
قال هنا: «ويجوز في الدرب النافذ»، تكلم عن الدرب النافذ والدرب غير النافذ. الدرب النافذ هو المسلوك من الجانبين، طريق، دروبنا المعروفة هي دروب نافذة. أما الدرب غير النافذ فهو المغلق، تجدون في بعض الأحيان في البيوت القديمة الطريق ينتهي أمام بيتك، يمينك بيت ويسارك بيت، فهذا درب غير نافذ.
هنا يقول: يجوز في الدرب النافذ، الطريق في الدرب النافذ هذا ملك للمسلمين. والدرب غير النافذ هذا ملك لأهله، لأهل البيوت الذين تفتح بيوتهم على هذا الدرب. ففي الدرب النافذ يجوز فيه فتح الأبواب للاستطراق، وهذا واضح، أنت بنيت بيتًا تفتح بابك على الشارع، ما في إشكال، هذا الاستطراق يعني الانتفاع من الشارع فيجوز ذلك لأنه لم يتعين له مالك، فهو ملك للمسلمين كلهم ولا ضرر فيه على المجتازين.
طيب الآن يتكلم عن الأشياء التي قد تضر بالمجتازين، وهي التي تفتح على الدروب النافذة، قال: "لا يجوز إخراج روشن"، والروشن هو غرفة تكون طالعة شوي على الدرب، نسميها هناك "البرندة" أو "البلكونة"، والبلكونة هذه أقرب ما لها للروشن.
والسباط هو مظلة بين الجدارين، كأنك تسقف الدرب كله، تنشئ جسرًا وسقفًا بين بيتين. والدكة معروفة، والميزاب هو حق المطر. فهذه لا يجوز إخراجها، الدكة لا يجوز إخراجها مطلقًا. أما الروشن والسباط والميزاب، فهذه لا يجوز إخراجها إلا إذا تحقق أمران: أن يأذن الإمام أو نائبه، وأن لا تضر بالمسلمين.
لماذا اشترطنا إذن الإمام أو نائبه؟ لأنه نائب المسلمين، لأن هذا الدرب ملك للمسلمين ولا يمكن أن تأخذ إذن المسلمين كلهم، فقام الإمام أو نائبهم مقامهم. أما في الدرب غير النافذ فسيأتي أنه يشترط إذن أهل هذا الدرب لأنهم محصورون، وكذلك إذا لم يكن فيه ضرر.
فيه ضرر، فلا يجوز إخراجه، إخراج هذه الأمور؛ أما الذكا فلا يجوز إخراجها مطلقا. طبعاً عدم صحة إخراج هذه من مفردات الحنابلة رحمهم الله تعالى.
والميزاب فيه قول آخر ذكره الموفق؛ احتمالا أنه يجوز، لا حاجة إلى إذن الإمام أو نائبه، أما الإضرار بالمسلمين فيقول: هذا محتمل، يعني يحتمل ليس ضررا شديدا ويحتملونه والحاجة داعية إلى ذلك، الموفق ذكره احتمالا. وشيخ الإسلام رحمه الله ذكره رواية عن أحمد، ذكره في شرح العمدة في أبواب الصلاة. ولم يشرحوا العمدة كاملا، لم يصلنا إلا العبادات، ومعظم العبادات، أما المعاملات فلم يصل شيء، هل شرحه أو لم يشرح؟ الله أعلم، لكن لم يصل شيء، فهذه المسألة ذكرها في الفروع، ونقلها في الإنصاف عن الشيخ في شرح العمدة، وهو ذكرها في المطبوع في الصلاة.
وفي الإنصاف لما ذكر هذه المسألة قال: «وعليه العمل في كل عصر ومصر»، اللي هو إخراج الميازيب. الميزاب اتكلم عنه في القواعد، قال رجب في القواعد: «واختاره طائف من المتأخرين، وهو اختيار شيخ الإسلام رحمه الله». قال شيخ الإسلام رحمه الله: «إخراج الميازيب إلى الدرب هو السنة»، واختاره وقدمه في النظم صاحب النظم اللي هو ابن عبد القوي رحمه الله تعالى.
فعلى هذا يقول المرداوي: «فعلى هذا لا ضمان لو أخرج ميزابا فتبر به خيره، فلا يضمن»، لكن على المذهب يضمن طبعاً إذا لم يتوفر فيه الشرطان. كلامه كان على النافذ.
طبعاً العباس رضي الله تعالى عنه أزال ميزابا للعباس، فقال له العباس: كيف تزيله وقد نصبه رسول الله ﷺ؟ فقال عمر: «ارفعه أو ترفعنه ولو على ظهري»، يعني أنا سأنزل وتصعد على ظهري وتنصب أو تنصب لو على ظهره ونحو ذلك، فدل على أنه لا يلزم، وهذا مما يستدل به من قال لا يلزم استئذان الإمام في ذلك.
هنا في الدرب النافذ، أما الدرب غير النافذ فقال: «ولا يفعل ذلك»، أي لا يخرج روشنا، ولا سباطا، ولا دكة، ولا ميزابا في ملك جار، أو درب مشترك غير نافذ إلا بإذن المستحق. طبعاً قبل ذلك قوله: «إلا أن يأذن إمام أو نائب، ولا ضرر»، قلنا لكم هذا يعود إلى الثلاث فقط. أما الدكة فعلى المذهب أنه لا يجوز إخراجها مطلقا ولو أذن فيه الإمام، ولذلك ذكر ابن فيروز قال: «لا يجوز إخراجها ولو بإذن».
قال: وفي كلامه إيهام في كلام المؤلف رحمه الله، اللي هو البهوتي رحمه الله، لأنه أعاد الشرط -ألا يعني إذن إمام أو نائب ولا ضرر- إلى الأربعة كلها، مع أن الدكة على المذهب ليست مثلها. لكن في قول آخر في المذهب أنها مثل هذه، أنها إذا كانت بإذن الإمام ولا ضرر فيجوز، فقد يكون ضغطوا على القول الثاني.
قال: «ولا يفعل ذلك»، أي لا يخرج السباط ولا الميزاب في ملك جار، أو درب غير نافذ، وكذلك في الدرب المشترك غير النافذ إلا إذا أذن المستحق هناك، لابد من الإذن، وهنا يكفي إذن المستحق أي الجار أو أهل الدرب.
طيب، هناك لو أن الإمام أذن في الدرب النافذ، ولكن الجيران لم يرضوا وقالوا نتضرر، فهل يسمع ضررهم أو يؤخذ بإذن الإمام؟ هم قالوا نتضرر، يعني يريدون فقط الاعتراف. هذا في الدرب غير المشترك، درب غير نافذ، لكن في النافذ نشترط الإمام ولو لم يأذن المارة أو الساكنون.
هنا لطيفة في الفروع، يقول: قال ابن هيرة: «رأيت بخط ابن عقيل حكي عن كسرى أن بعض عماله أراد أن يجري نهرا، فكتب إليه ألا يجري إلا من بيت عجوز، فأمر أن يشترى منها، فضاعف لها الثمن فلم تقبل، فكتب كسرى: خذوا بيتها، فإن المصالح الكليات تغتفر فيها المفاسد الجزئيات». قال ابن عقيل: «وجدت هذا صحيحا، فإن الله تعالى -وهو الغاية في العدل- يبعث المطر والشمس، فإذا كان الحكيم القادر لم يراع نوادر المضار لعموم النفع فغيره أولى». وهذا من القواعد المعروفة في الشريعة: تغتفر المفاسد الجزئية للمصلحة العامة.
طيب، إذا لا يفعل هذه إلا بإذن المستحق، أي الجار أو أهل الدرب، لأن المنع بحق المستحق، فإذا رضي بإسقاطه جاز. طيب، إن صالحهم على عوض، قلنا بإذنهم يجوز، بغير إذن لا يجوز. طيب، إن قالوا ما عندنا مانع لكن نريد مقابلا، فهل يجوز أو لا؟ قالوا: إن صالحهم على عوض معلوم جاز، والمذهب يشترط للجواز أن يكون معلوم المقدار في الخروج والعلو، يعني السباط والدكة يكون معلوم المقدار.
يقول: «يجوز نقل باب في درب غير نافذ إلى أوله بلا ضرر»، عندنا الدرب مسافته مثلا 30 مترا أو 50 مترا، فأحدهم عنده باب في آخره، فيجوز أن ينقله إلى أوله إذا لم يتضرر غيره به. مثال الضرر أن يفتح بابا محاذيا لباب غيره، فقد يتضرر غيره بأن يكون هذا يطلع على استتبابه، لكن بالعكس، إذا كان بابه في أول الدرب النافذ فتح في آخره، قالوا: لا، إلى داخل إن لم يأذن من فوقه. لماذا؟ طبعاً هذا نص عليه الإمام أحمد رحمه الله تعالى. هنا قالوا إنه إذا صار في آخر الدرب فهو إذا جاء للدرب سينتفع بجميع الدرب، فإذا قدمه إلى أوله كأنه تنازل عن جزء من الانتفاع، لكن بالعكس، لأنه كان انتفاعه يسيرا في الدرب فإذا أخره فسينتفع أكثر، فقالوا لا يصح إلا بإذن من فوقه.
ويترتب على ذلك أنه إذا سده ثم بعد ذلك أراد أن يفتحه، فهنا لابد من إذن جديد.
أحسن الله إليكم. قال رحمه الله: «وحرم أن يحدث بملكه ما يضر بجاره، حمام ورَحًى ونور، وله منفع وله منعة كدق وسقي»، يتعدى. «وحرم أن يتصرف في جدار جار أو مشترك بفتح طاق أو ضرب وتد ونحوه إلا بإذنه». أحسنت، طيب هنا قال: حرم أن يحدث.
حُرِّمَ أن يحدث في ملكه ما يضر بجاره، كحمام، ورحى الطحن، والتنور. ويدل لذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار». ولأن هذا إضرار بجيرانه فمُنع منه هذا الضرر غير المعتاد.
لكن الضرر المعتاد، مثل طبخ قد تصل رائحته أحياناً إلى الجيران، فهنا هل نقول إنه ضرر ويحتاج إلى كف ونحو ذلك؟ لا، الخبز ودخان الخبز أو الطابخ ونحو ذلك هذا لا يؤثر؛ لأن ضرره يسير ولا يمكن التحرز وتدخله المسامحة.
قال: حُرِّمَ أن يحدث بملكه ما يضر بجاره. يحدث يعني كان ملكه ليس فيها ضرر ثم أحدثه بعد. لكن لو كان الذي منه الضرر سابقاً على جاره، فمثلاً كان عنده رحى طاحونة تزعج، لكن كان هو أول من سكن في هذا الحي، ثم سكن عنده شخص آخر فاشتكى وقال: أنت تزعجني، أنت الذي سكنت بعدي؛ فهنا هل يلزم برفع الضرر أو لا؟ هل يلزم برق الضار؟ لا يلزم.
ولذلك قال في الإقناع: «وإن كان هذا الذي حصل منه الضرر سابقاً، مثل من له في ملكه مدبغة ونحوها -يعني مكاناً يدبغ فيه الجلود ونحوها- فإحيا إنسان إلى جانبه بناه داراً يتضرر بذلك، لم يلزمه إزالة الضرر». وقال في الكشاف: لأنه لم يحدث بملكه ما يضر بجاره، فكان الضرر سابقاً لا لاحقاً، فإذاً الضرر الذي يزال هو الضرر اللاحق.
طبعاً في عصرنا هذا وفي بلدنا هذا يراعى أيضاً الاشتراطات التي تشترطها الجهات المعنية في ذلك؛ مثلاً شخص يريد أن يبني قاعة أفراح لا يبنيها في وسط الأحياء السكنية ونحو ذلك.
هنا كلام جميل في حاشية ابن قاسم على الضرر، والحقيقة الكلام في الضرر والتعويض عن الضرر، وما الضرر الذي يعوض عنه وما الضرر الذي يزال وكيف يزال، هذا كلام طويل جداً. هنا الكلام لشيخ الإسلام رحمه الله في الاختيارات، ونقله عن صاحب الفروع، قالوا: مبنى المضارة على القصد والإرادة، أو على فعل ضرر لا يحتاج إليه.
وهي جاءت في الفتاوى الكبرى، تضمنت عدداً من فتاوى شيخ الإسلام ومنها الاختيارات، وهي موجودة كلها في الفتاوى الكبرى المطبوعة في ستة مجلدات. وقد وردت في الاختيارات التي حققها الشيخ أحمد الخليل وفي الفروع: «أو على فعل ضرر لا يحتاج إليه»، وهي أوضح؛ مبنى المضارة على القصد والإرادة، أو على فعل ضرر لا يحتاج إليه، يعني إما أن يتقصد ويريد الإضرار، أو يفعل شيئاً فيه ضرر لكن لا يحتاج إليه، فهذا كله إضرار.
قال: «فمتى قصده أو فعله من غير استحقاق فهو مضار، وأما إذا فعل الضرر المستحق للحاجة إليه والانتفاع به لا لقصد الإضرار فليس بمضار». فإذا فعل شيئاً لحاجة له وينتفع به ولم يقصد الإضرار، فهذا ليس بمضار، فلا يعد مضاراً بصاحبه.
قال: حُرِّمَ أن يحدث بملكه ما يضر بجاره، كحمام -الذي هو حمام السباحة- ورحى الطحن، والتنور للخبز وكذا، كحفر كنيف إلى جنب حائط جاره، أو حفر بئر ينقطع بها ماء بئره ونحو ذلك مما فيه أضرار بجاره، فهنا لا يجوز له فعل ذلك.
قال: وله منعه من هذا الأمر كالدق والسقي. وتعدية الدق يعني ضرب الأرض الذي تتهز منه الحيطان. قال ابن قاسم: «كنحو حدادة تتهز من الجيران ويتهز من الحيطان، والسقي الذي يتعدى ضرره إلى حيط جاره، فهذا يمنع منه».
قال: وحرم أن يتصرف في جدار جار أو مشترك بفتح طاق، يعني نافذة، أو ضرب وتد ونحوه بلا إذنه. يعني أراد أن يفتح نافذة في الجدار الذي بينه وبين جاره، فهنا نقول لا يجوز لك ذلك إلا بإذن جارك، وكذلك يضرب وتداً في الجدار الذي بينه وبين جاره، فهذا لا يجوز له إلا بإذن جاره؛ لأنه قد يضر بجدار جاره، ولأنه انتفاع بملك غيره وتصرف فيه بما يضر.
سياتينا أنه له وضع خشبة على جدار جاره، ولا يقاس هذا على وضع الخشب؛ لأن الخشب يمسك الحائط وينفعه، بخلاف الطاق والباب فإنهما يضعفان الحائط، ولأن وضع الخشب تدعو إليه الحاجة بخلاف غيره.
قال رحمه الله: «وليس له وضع خشبة على حائط جاره أو حائط مشترك إلا عند الضرورة فيجوز، وإذا لم يمكنه التسقيف إلا به ولا ضرر». لحديث أبي هريرة رضي الله عنه يرفعه: «لا يمنعن جار جاره أن يضع خشبة على جداره»، ثم يقول أبو هريرة: «ما لي أراكم عنها معرضين؟ والله لأرمين بها بين أكتافكم» [متفق عليه]. وكذلك حائط المسجد وغيره كحائط نحو يتيم، فيجوز لجاره وضع خشبة عليه إذا لم يكن تسقيفاً، وإذا لم يمكن -أحسن الله إليكم- تسقيف إلا به بلا ضرر لما تقدم.
وإذاً هنا مسألة وضع الخشب على جدار الجار، هذه جاء فيها الحديث، وهي استغلال الجدار المشترك بينك وبين جارك بوضع شيء عليه تنتفع به، كما لو مثلاً أردت أن تنصب مظلة وسندتها على جدار مشترك بينك وبين جارك، فهل يجوز ذلك أو لا؟
نقول هذه المسألة لا تخلو من ثلاث حالات: الحالة الأولى أن يضر هذا الوضع بالحائط لضعفه عن حمله، فلا يجوز وضعه كما لو كان الحائط ضعيفاً لو وضعت خشباً أو وضعت شيئاً عليه فإنه سيسقط، فهنا نقول هذا لا يجوز بغير خلاف لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار».
الحالة الثانية: إذا كان لا يضر بالجدار، لكن لصاحب البيت غنى عن وضع خشبة عليه لإمكان وضعها على غيره، كما لو كان مثلاً يمكن أن يضعها على جداره الذي في الجهة الثانية الذي لا يكون مشتركاً مع جار آخر، لكن هو يقول لا، أنا أريد أن أضعه هنا؛ فهذا محله خلاف، والأكثر من الأصحاب رحمهم الله تعالى على أنه لا يجوز له ذلك إلا بإذن جاره؛ لأنه انتفاع بملك غيره بغير إذنه من غير حاجة فلم يجز.
الثالثة: قول المؤلف «عند الضرورة»، هذا الذي يعبر به كثير من الأصحاب، والموفق الشارح عبر بـ «عند الحاجة»، والذي يظهر -والله تعالى أعلم- أنه لا خلاف بينهما في ذلك.
فمن عبر بالضرورة أو عبر بالحاجة أرادوا معنى واحدًا؛ سواء قلنا إنها ضرورة أو حاجة، وهي: إذا لم يمكن التسقيف إلا به. فهل نقول إنها ضرورة أو حاجة؟ هو نفس المعنى، فمنهم من عبر بالضرورة وهو أكثر الأصحاب، وتعبير بعضهم -كالموفق الشارح- بالحاجة، وإلا فهي واحدة.
لذلك لا ينبغي لمن يقرأ في كلام أهل العلم أن ينتقد العالم بناءً على اصطلاح متأخر؛ تقول: لا، هذه ليست ضرورة، هذه حاجة. هو يقول: هذه ليست حاجة، هذه ضرورة. هم عندهم توسع، والمتقدمون -رحمهم الله تعالى- لم يكن عندهم التدقيق والتحقيق في العبارات كما هو عند المتأخرين، هم عندهم أهم شيء فهم المعنى وصياغة المعنى والاستدلال ونحو ذلك، لكن العبارات: «ضرورة» و«هذه حاجة»، مثل: «هذا شاذ» أو «معلول» أو «منكر»، ليس عند المتقدمين هذا التفريق الذي هو عند المتأخرين. ولذلك، فسواء قلنا إنها ضرورة أو حاجة، فهما بمعنى واحد عند الأصحاب، لأنهم كلهم يعبرون بـ: «إذا لم يمكنه التسقيف إلا به».
الحالة الثالثة: أن تدعو سواء قلنا حاجة أو ضرورة إلى وضع الخشب على الجدار، بحيث لا يمكنه التسقيف إلا به، أي ما عنده إلا هذا الجدار يقيم عليه هذا الخشب، فهنا هل له ذلك أو لا؟ نقول: نعم، يجوز له ذلك بغير إذن الشريك أو الجار؛ للحديث: «لا يمنعنَّ جارٌ جارَه أن يضع خشبة على جدارِه».
وهذا يعني أنه لا يحتاج إلى إذن جاره، وهذا من المفردات، والجمهور على أنه لا بد من الإذن. فالأصحاب -رحمهم الله تعالى- انفردوا بأنه لا يلزم الإذن؛ للحديث، ولأنه انتفع بحائط جاره على وجه لا يضر به، أشبه بالاستناد إليه والاستظلال به.
الآن إذا جئت تستند على جدار جارك أو تستظل بجداره، هل يلزم أن تستأذن؟ لا يلزم، ما في حاجة، أنت رأيت جدار بيتك لكن قلت الجدار جدار، هذا الذي بيني وبين جاري، هل لازم أستأذن بترك هذا الجدار؟ لا. الجدار المشترك بينكم، أو الجدار جدارُه هو الخاص به، فاستظللت به، هل يلزم تأذينه؟ لا يلزم. قالوا: هذا مثله.
ودليل الحديث: «لا يمنعنَّ جارٌ جارَه أن يضع خشبة على جدارِه»، ثم يقول أبو هريرة: «مالي أراكم عنها معرضين؟ والله لأرملنَّ بها بين أكتافكم!». قيل إن معناه: لأضعنَّ هذه السنة بين أكتافكم، أي لأحملنكم على العمل بها. وقيل معناه: لأضعنَّ جذوع الجيران على أكتافكم، مبالغة في ذلك. فيجوز إذا لم يمكن التسقيف إلا به ولا ضرر، هذه الحاجة.
الثالثة: وكذلك حائط المسجد وغيره كحائط نحو يتيم. فحائط المسجد -على إحدى الروايتين عن أحمد- يأخذ حكم حائط الجار، فيجوز وضع الخشب عليه إذا لم يتضرر جدار المسجد بذلك. قالوا: لأنه إذا جاز في ملك الجار، مع أن حقه مبني على المشاحة، فجوازه في جدار المسجد الذي هو حق لله، وحقوق الله مبنية على المسامحة، فمن باب أولى.
قال: كحائط نحو يتيم، عن اليتيم أو المجنون ونحوه، فحوائطهم تأخذ حكم حائط البالغ العاقل، فإذا كان لا ضرر في وضع الخشب عليه فيجوز ذلك. فيجوز للجاري وضع خشبة عليه إذا لم يمكن التسقيف إلا به بلا ضرر لما تقدم.
قال رحمه الله: «وإذا هدم جدارهما المشترك أو سقوفهما أو خيف ضرورة بسقوطه، فطلب أحدهما أن يعمره الآخر معه، أجبر عليه إن امتنع؛ لقوله ﷺ: «لا ضرر ولا ضرار»، فإن أبى أخذ حاكم من ماله وأنفق عليه. وإن بناه شريكٌ شَرِكَةَ بنيّة رجوع، وكذا النهر والدولاب والقناة المشتركة إذا احتاجت لعمارة، ولم يمنع شريك من عماره، فإن فعل فالماء على الشركَة، وإن أعطى قوم قناتهم أو نحوها لمن يعمرها فله منها جزء معلوم».
ومن له علو لم يلزمه عمارة سفله. إذا هدمت عمارة سفلى، يجبر عليه مالكها، ويلزم الأعلى ستره تمنع مشرفته على الأسفل، فإذا استويا اشتركا.
إذا هدم جدارهم المشترك أو سقوفهم أو خيف ضرورة في سقوطه، فطلب أحدهم أن يعمره الآخر معه، أجبر عليه إن امتنع؛ لأنه حق مشترك لهما، فيجبر عليه إذا امتنع لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا ضرر ولا ضرار». وهذه إحدى الروايتين عن الإمام أحمد رحمه الله، نقلها ابن القاسم وحرب وسندي واستدل لها بالحديث، ولأن هذا الجار وشريكه يتضرران في ترك بنائه.
وهناك رواية أخرى في المذهب، وقواها شيخ الإسلام رحمه الله أو قواها الموفق رحمه الله الشارح، أنه لا يجبر، ونقل عن أحمد ما يدل عليه، واستدلوا بأنه ملك، يعني بأن هذا الجدار ملك لا حرمة له في نفسه، فلم يجبر مالكه على الإنفاق عليه كما لو انفرد به الملك. لا حرمة له في نفسه، مثل السيارة هي ملكه لكن لا حرمة لها، بمعنى لو تركتها حتى مثلاً صار فيها تهريب زيت، تركتها ما صلحتها، لا تأثم؛ إلا إذا قلنا من باب إضاعة المال، لكن لا تأثم من جهة أنك تسببت في تلفها. ليست مثل الحيوان، الحيوان إذا تركته حتى مات، هو ملك لك، تركته وأهملته حتى مات، فإنك تأثم، ويلزمك الإنفاق عليه، لكن هذه لا يلزمك الإنفاق.
عليه، فيقول: هذا ملك لا حرمة له في نفسه، فلم يجبر مالك على الإنفاق عليه كما لو انفرد به، يعني كما لو كان الجدار الملك له وحده، واحد مثلاً بنى استراحة فسقط أحد الجدران، هل يلزم أن يتركه؟ هل يأثم لو تركه ما بناه؟ قالوا: هذا مثله، ولهم أدلة أخرى في ذلك.
قال: فإن أبى، طبعاً هذا على المذهب أنه لابد أن يكون البناء بينهما، يبنيان الجدار بينهما، فإن أبى أحد الشريكين، فيأخذ الحاكم من ماله وينفق عليه على بناء هذا الجدار. وإن بناه شريك شركه بنية الرجوع، فإنه يرجع، وإذا بناه أحدهما بنية التبرع فلا يرجع، لأنه قال: أنا بنيته، أنا غير مطالب جاري.
وهذه مبنية على مسألة أخرى يمكن تكلمنا عنها سابقاً، وهي: إذا قضى شخص ديناً عن آخر بغير إذنه، فهل له حق مطالبته أو لا؟ ذهبت إلى البقالة وقلت: جاري منكم بالدين؟ قال: نعم، كم عليه؟ مائة ريال. خذ مائة ريال سددت عنه، جئت لجارك قلت: أعطني مائة ريال سددت عنك، وراعي البقالة لم يأذن لك أن تسدد، فهل له حق الرجوع على الجار أو لا؟ تكلمنا عنها سابقاً.
هل له حق الرجوع إذا أذن؟ هذا ما فيه إشكال، إذا قال: سدد عني، فهذا يرجع. لكن إذا لم يأذن، فهل له حق الرجوع؟ هذا المذهب أن له الرجوع ولو لم يأذن المدين بسداد الدين عنه، فهي مثلها؛ إن بناه شريك شركه بنية الرجوع رجع، وهي مبنية على تلك المسألة؛ لأنه حقيقة سدد عنه ديناً، فمثلاً بنى الحائط بألف ريال، الأصل أن يكون خمسمائة على هذا وخمسمائة على هذا، فهو سدد الألف كاملة، كأنه قال: أنا سددت عنك خمسمائة ولو لم تأذن، فإنني سددت بنية الرجوع.
قال: وكذا النهر والدولاب والقناة المشتركة إذا احتاجت لعمارة. هذه النهر معروف، والدولاب قال هنا: تديره الدواب، يعني يبدو أنه آلة تديرها الدواب لاستخراج الماء، والقناة قال: أبية متوالية يجري ماء بعضها إلى بعض. هي كلها تتعلق بالماء، فهذه إذا احتاجت لعمارة، إذا صار فيها خلل فاحتاجت لصيانة لأجل أن تعمل، فمثل الجدار المشترك، يلزم المشتركون كلهم في إصلاحها إذا امتنع أحدهم من إصلاحها، فيصلحها أحدهما.
قال: ولا يمنع شريك من عمارة، فإن فعل فالماء على الشركاء. يعني فإن أصلح مثلاً مجرى النهر، كأن النهر يصب على مزرعتين، والنهر انسد مجراه، فالأصل أنهم كلهم يشتغلون في فتح هذا المجرى، فإذا امتنع جاره فقال: خلاص أنا سأفتح، ففتح المجرى، فالآن الماء سيمر على مزرعته، هل يقول: لا، خلاص أنا الذي صلحته يمر على مزرعتي فقط؟ لا، هنا قال: فإن فعل فالماء على الشركاء.
لماذا لا يكون الماء له؟ لأنه حقيقة أثره في إصلاح هذا المجرى، والماء أصلاً لا يملكه، فهو مباح بينهم، ولا يحق له أن يملكه فقط أو يبيعه، ما دام لم يحز فالماء لا يملك، وأثر أحدهما في نقل الطين منه، فلذلك لا يكون الماء له، وهذا لا يمنعه من الرجوع على شريكه الآخر أو جاره بنفقة إصلاح هذا النهر أو نحوه.
قال: وإن أعطى قوم قناتهم أو نحوها لمن يعمرها وله منها جزء معلوم، فيصح. يعني مثلاً هؤلاء اثنين أو ثلاثة خربت قناتهم، فكلهم مشغولون، قالوا لغير الجيران: أصلحها ولك كذا، عوض أجرته على إصلاحها، فيصح قوله: منها جزء معلوم، كأن قالوا لك الثلث أو الربع، فيصح ذلك.
قال: ومن له علو لم يلزمه عمارة سفلي. إذا كان عندنا شخصان، أحدهما ساكن في العلو والآخر ساكن في السفلي، الآن لو انهدم السقف، يعني الجدار الذي هو سقف للسفل وأرض للعلو، فمن يصلحه؟ السقف لمن هو في الأسفل ويعتبر أرضاً لمن هو في الأعلى، فإذا خرب فمن يصلحه؟ هو ملك مشترك يصلحانه معاً. ليست هذه المسألة، المسألة إذا كان الانهدام في السفل، في شيء ملك لصاحب السفل ليس ملكاً لصاحب العلو.
هنا هل يقول صاحب السفل لصاحب العلو: أصلح معي؟ طبعاً احتمال لو ما أصلحته سيسقط، فهل يلزمه الإصلاح؟ قال: لا يلزمه عمارة سفلي، بل يجبر مالك السفل على البناء ليتمكن صاحب العلو من الانتفاع به. قال: ويلزم الأعلى ستره تمنع مشرفته للأسفل، يعني إذا كان جاران أحدهما عالٍ والآخر بيته أخفض منه، فيلزم صاحب العلو أن يبني سترة لكي لا يشرف على صاحب الأسفل، لماذا؟ لأن هذا إضرار بجاره، يطلع على عوراته وحرمته ونحو ذلك، فلا بد أن يبني السترة من باب رفع الضرر.
قال: فإن استويا، أو كان كلاهما في العلو متساويان، فيريدان أن يبنيا سترة، فنقول: السترة عليهما معاً، لأنه ليس أحدهما أولى من الآخر بالسترة، فلزمتهما.
طيب، المسألة: هل للجار أن يعلي بناءه على جاره؟ طبعاً هذه المسألة نبحثها من الأصل، والآن التنظيمات، تنظيمات البلدية يحددون للبيوت ألا يزيد على مثلاً دورين أو ثلاثة على حسب الحي، لكن لو لم تكن هناك تنظيمات، أو لو كانت التنظيمات لا تزيد على ثلاثة أدوار، فإذا أحدهم بنى دوراً والآخر بنى دورين، فهل للجار أن يعلي بناءه على جاره أو لا؟ يعني أنت جئت ستبني بيتاً بجانب جارك بيته دور واحد، وأنت تبني دورين، هل لابد أن تستأذنه؟
نعم، الأصحاب رحمهم الله تعالى ذكره الموفق، وذكر شيخ الإسلام رحمه الله، أنه للجار أن يعلي بناءه على جاره، فيجوز ذلك، بل ذكر شيخ الإسلام أنه لو حتى لو أفضى إلى سد الفضاء عن جاره، يعني لو مثلاً بدأ يحجب عنه الشمس أو يحجب عنه الهواء، صار بناؤه مرتفعاً.
مرة خاصة إذا كان مثلاً يحوطه مع جهتين، مثلاً أو ثلاث جهات. هذا المذهب، قال في الفروع وقد احتج أحمد بالخبر «لا ضرر ولا ضرار»، يعني الإمام أحمد احتج بالخبر، يعني أن الإمام أحمد رحمه الله رأى صلاحية حديث «لا ضرر ولا ضرار» للاحتجاج.
قال في الفروع: فيتوجه منه، من منعه الجار من تعذيبه بناءً على جاره، يعني طبعاً هذا إلا إذا أذن، لكن الكلام فيما إذا لم يأذن. قال: فيتوجه منه منعه، وصوبه صاحب الإنصاف رحمهم الله تعالى، لكن الذي يظهر أن المذهب جواز ذلك، ما اشترطوا الإذن، ولذلك ألزم الشارع الأعلى السترة تمنع مشارفة الأسفل. نقف على هذا، الله التوفيق.
والصلاة، نعم، في سؤال كان سببه اندماج مثل الحالة مثلاً، تسريبات تحت. يقول: إذا كان هناك تلفيات في أو أبواب في الشقة العلوية، فهل يلزمه إصلاحها لكي لا تتأثر الشقة السفلية؟ أقول نعم، إن هذا من باب رفع الضرر، من باب رفع الضرر. فلو كان فيه تسريبات مثلاً في دورات المياه أكرمكم الله، هذه التسريبات ستتأثر إذا لم يصلحها مباشرة، ستتأثر الشقة التي أسفل منه، يلزمه إصلاحها لكي لا يتضرر جاره الذي هو في الأسفل.
الفقهاء رحمهم الله تعالى ذكروا، يعني الشيخ الموفق رحمه الله ذكر في بعض كلامه أنه يمنع الجار من بعض الأشياء فيما يتعلق بجاره، وإن كانت لا تضر به الآن لكن تضره لاحقاً. فمثلها، الآن صحيح لو ما أصلحها الآن لأن ما في ضرر على صاحب الشقة السفلية، لكن لو تمادى ستتضرر صاحب الشقة السفلية.
يقول: إذا كان يقول إذا تضرر الذي في الأسفل، إذا ترتب على تأخير الذي في الأعلى إصلاح الذي في الأعلى ترتب عليه ضرر الأسفل، فيصلحها صاحب الأعلى إذا كان هذا السبب ناتجا من تفريطه، لأنه ترتب على غير المأذون فيكون مضموماً.
يقول: هل هذه الأحكام راجعة للعرف؟ نعم، في بعض هذه الأحكام راجعة للعرف، لكن بعض الأحكام تراها قواعد نستفيد منها، وإن كانت قد لا تطبق في زمننا هذا، لكن نستفيد منها في مسائل أخرى. هذا يقول: إذا وضع ستراً تستر، يجوز؟ يعني في الأعلى، صاحب الأعلى وضع ستراً تستر، نعم يجوز، نعم، هذا والله أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان