بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وعملاً صالحاً يا كريم. أما بعد، فكنا قد توقفنا في التعليق على الروض المربع أثناء القسم الخامس من أقسام الخيار، وهو خيار العيب.
وذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن المشتري في خيار العيب إذا اشترى الشيء ولم يعلم عيبه، ثم تبين له العيب فيما بعد، فإنه مخير بين الرد وبين الإمساك مع الأرش. طبعاً الإمساك مجاناً هذا معروف. وقلنا إن استحقاق الأرش بإطلاقه هنا من مفردات الحنابلة، أما الجمهور فإنهم لا يرون الأرش إلا عند تعذر الرد، واختاره شيخ الإسلام رحمه الله تعالى. وأيضاً ذكرنا مسألة متى يتعين الرد، يعني لا يجوز الأرش إلا في خيار العيب، إذا أفضى إلى أخذ الأرش، فإنه هنا لا يجوز الأرش، أما الإمساك مجاناً أو الرد بدون أرش.
الآن سيتكلم عن مسائل، نبدأ بمسألة متى يسقط الخيار، يعني متى لا يكون له خيار، بعدها متى لا يكون له إلا الأرش.
قال المصنف رحمه الله تعالى: «وإن علم المشتري قبل العقد بعيب المبيع أو حدث العيب بعد العقد فلا خيار له، إلا في مكيل ونحوه تعيب قبل قبضه». هنا تكلم المؤلف رحمه الله تعالى عن مسائل لا يثبت فيها خيار الرد بالعيب. قال: إن علم المشتري قبل العقد بعيب المبيع؛ فقبل أن يعقد يعلم أن هذه السيارة مثلاً تهرب زيتاً، يعلم واشتراها وهو يعلم، سواء هو رآها بعينه أو أن البائع قال له ذلك، فاشتراها ثم بعد ذلك قال: أريد الرد والأرش، نقول هنا لا يستحق ذلك؛ لأنه دخل على بصيرة، فلا يستحق الخيار.
المسألة الثانية: إذا حدث العيب بعد العقد. هنا عندنا مسألة، يعني يدخل تحتها مسألتان: أما أن يحدث العيب بعد العقد والقبض، بمعنى اشترى سيارة وقبضها وذهب بها إلى البيت، وبعد يومين أو ثلاثة أو أربعة حدث بها العيب، فهنا لا خيار له؛ لماذا؟ لأن العيب حدث عنده، لم يحدث عند البائع، فلا خيار له. أو اشترى جوالاً وبعد مثلاً أسبوع سقط من يده فانكسرت الشاشة، فهل يرجع يقول فيه عيب؟ لا، العيب حدث عنده فلا خيار له.
المسألة الثانية: إذا حدث العيب قبل القبض، تعاقدوا لكن لم يقبض السلعة إلى الآن، فحدث فيها عيب، هل له خيار أو لا خيار له؟ هنا المؤلف رحمه الله ماذا قال: «إلا في مكيل ونحوه تعيب قبل قبضه». طبعاً سياتينا في باب مستقل في التصرف في المبيع قبل قبضه، متى يكون المبيع من ضمان البائع ومتى يكون المبيع من ضمان المشتري. والمذهب عندنا أن ما يحتاج إلى حق توفية فإنه يكون من ضمان البائع حتى يقبض، وما لا يحتاج إلى ذلك فيكون من ضمان المشتري. والذي يحتاج إلى حق توفية هو المكيل ونحو المكيل والموزون والمعدود والمذرع والمبيع بالصفة والمبيع بالرؤية المتقدمة، فهذه من ضمان البائع، ويلحق بها السابعة الثمر على رؤوس الشجر، فهذه من ضمان البائع حتى تقبض.
يترتب عليها هنا عندنا في الخيار أنها إذا حدث العيب بعد العقد ولكنه قبل القبض في أحد هذه الأشياء الستة أو السبعة، فإنه له حق الرد. أما إذا كانت في غيرها، كما لو اشترى سيارة فهي سيارة معينة، فهي تلزم بأنها له أن يتصرف فيها بمجرد العقد، لا يلزم القبض. فلو حدث فيها عيب وهي عند البائع ولم يقبضها المشتري، فإنه لا يستحق الرد بذلك. فالمؤلف رحمه الله تعالى يقرر أن المبيع إذا تعيب بعد القبض، هذا ما في إشكال أنه ما في خيار. تعيب قبل القبض، يعني بعد العقد وقبل القبض، فيقول: ننظر في ضمان من؟ فإذا كانت من ضمان البائع، فإنه للمشتري حق الرد، وإن كانت من ضمان المشتري، فإنه ليس له حق الرد.
قال رحمه الله: «وإن تلف المبيع المعيب، أو أعتق العبد، أو لم يعلم عيبه حتى صبغ الثوب أو نسج، أو وهب المبيع أو باعه أو بعضه، تعين الأرش لتعذر الرد، وعدم وجود الرضا به ناقصاً في هذه المسائل». قال يتعين الأرش؛ إذاً في مسائل في التخيير بين الرد وبين الأرش، وفي مسائل لابد فيها من الرد أو الإمساك، وفي مسائل الأرش أو إمساك ما في رد، الأرش أو إمساك مجاناً بدون رد.
فهنا يقول: إذا تلف المبيع المعيب، فهنا يتعين الأرش. بمعنى باعه شاة وهذه الشاة صار فيها مثلاً جرب، فهذا عيب، فهو أراد أن يردها لكن جاء الذئب وأكلها، فهنا يتعين الأرش، ما يقول للبائع خلاص رد علي الشاة، ما يقدر عليك؛ لا ضرر ولا ضرار. أو أعتق العبد؛ لأنه لما اشترى العبد أعتقه ثم تبين له أن العبد فيه عيب، فهنا يستحق الأرش.
طيب إذا استحق الأرش، فهل يملك الأرش؟ أو نقول لا، الأرش أنت أخذته عن العبد والعبد أعتقته، فهو يتصرف فيه في الرقاب. مثلاً اشترى العبد بـ 10000 وصار فيه عيب ينقصه العشر، فأعاد له البائع 1000 ريال. فالـ 1000 ريال هذه هل له أن يتملكها؟ أو نقول لا، العبد عتيق، فاصرفه في الرقاب؟ هو يملك، هو صحيح مال لكن الآن هو عن العبد والعبد عتيق. أحسنت، هذا الأرش ثبت له بالعقد، وبعقد كان العبد ملكاً للمشتري هذا الذي أعتقه، فهو يستحقه، يستحق هذا المال ويكون ملكاً له. وهناك قول في المذهب أنه يصرفه في الرقاب، لكن المذهب أنه يملكه.
أو لم يعلم عيبه حتى صبغ الثوب أو نسجه؛ يعني طبعاً الثوب يقصدون القماش، اشترى قماشاً فصبغه ليخيطه أو نسجه، خاطه فتبين له فيه عيب، الآن ما يستطيع الرد، فقد أخرجه عن صفته، فهنا ليس له إلا الأرش. أو وهب المبيع أو باعه أو بعضه؛ يعني خرج عن ملكه ثم تبين له العيب لاحقاً، مثل اشترى سيارة ففيها عيب ما علم به، باعها على شخص آخر، الشخص الآخر وجد فيها العيب وقال سآخذ منك الأرش، أخذ منه الأرش، هنا هل له أن يرجع بالأرش على المالك الأول أو لا؟ نقول نعم له أن يرجع للمالك الأول، وليس له أصلاً إلا الأرش؛ ليس له الرد لأنها خرجت العين عن يده.
وهذا هو المذهب المشهور من المذهب، وقيل له الأرش، وقيل له الأرش في هذه المسألة، وهذا قول القاضي، وذكر أنه نص عليه الإمام أحمد رحمه الله تعالى؛ لأن البائع لم يوفه ما أوجبه له العقد. نعم، هذا هو القول الذي قلناه أن له الأرش. نعم، هو المذهب، القول الأول أنه ليس له، القول الثاني أنه له أرش، والمذهب وهو الذي قال به القاضي وتبعه الأصحاب أن له الأرش.
قال رحمه الله: «وإن دلس البائع بأن علم العيب وكتمه عن المشتري فمات المبيع أو أبق، ذهب على البائع لأنه غره، رد للمشتري ما أخذ». نعم، هذه كاستثناء لإحدى المسائل السابقة في المسائل السابقة، إن تلف المبيع المعيب هنا تعين الأرش، طيب هذه استثناء منها: إن كان البائع يعلم العيب ودلسه، أخفاه عن المشتري، فاشتراه المشتري ثم مات، هذا مات مثلاً شاة فماتت، فهنا أو أبق يعني العبد أبق، فهنا قال ذهب على البائع لأنه غره. فهنا ما الذي يستحق المشتري؟ يستحق طبعاً الرد، ما يقدر يرد، يستحق الثمن كاملاً، ليس الأرش إنما الثمن كاملاً؛ لأنه غره. قال: لأنه غره ورد للمشتري ما أخذه، نص عليه الإمام أحمد في رواية حنبل وابن القاسم. قالوا: سواء كان الحادث بفعل المشتري أو كان بفعل آدمي آخر كان يجني عليه جان.
طبعاً بفعل المشتري قالوا، مثلاً لو اشترى جاريه ووطئها بكراً ثم هربت، أو كوطء البكر هربت، هذا بفعلها. لا، مثل لو أنه اشترى قماشاً فقطعه، وكان هذا البائع دلس عليه العيب، فهنا لو رده ما يستفيد منه البائع شيئاً، فهنا عليه الثمن، يعيد الثمن كاملاً. أو قالوا بفعل آدمي آخر كان يجني عليه جان، يعني مثلاً الشاة يجني عليها الذئب مثلاً، فهنا اشترى شاة فيها عيب والعيب يعلم به البائع لكن دلسه عليه، فأتلفها فجاء ذئب وأكلها، فهنا يرجع عليه بالثمن كاملاً.
أو قالوا بفعل العبد كالسرقة والإباق، أو بفعل الله كالمرض ونحوه، وسواء كان ناقصاً للمبيع أو مذهباً لجميعه. قال الإمام أحمد رحمه الله في رجل اشترى عبداً فابق من يده، وأقام بينة أن إباقه كان موجوداً في يد البائع، يرجع به على البائع بجميع الثمن الذي أخذه منه؛ لأنه غر المشتري، ويتبع البائع عبده حيث كان. لأن العبد أبق وكان هذا العيب موجوداً عند البائع أيضاً وأخفاه عن المشتري، فللمشتري أن يرجع على البائع بجميع الثمن والبائع هو الذي يتبع عبده، هذا هو المشهور من المذهب.
قال رحمه الله: «وإن اشترى ما لم يعلم عيبه بدون كسره كجوز هند وبيض نعام فكسره فوجده فاسداً فامسكه فله أرشه، وإن رده رد أرش كسره الذي تبقى له معه قيمة وأخذ ثمنه، لأن عقد البيع يقتضي السلامة، ويتعين أرش مع كسر لا تبقى معه قيمة. وإن كان المبيع كبيض دجاج فكسره فوجده فاسداً، فرجع بكل الثمن، لأننا تبيننا فساد العقد من أصله لكونه وقع على ما لا نفع فيه، وليس عليه رد فاسد ذلك إلى بائعه لعدم الفائدة فيه».
هنا تكلم المؤلف رحمه الله تعالى عن المبيع الذي تعيب عند المشتري، لكن تعيبه عنده كان ضرورياً، وأنه لا يستعمله إلا أو لا يكتشف عيبه إلا بكسره، فهنا هل له حق رد؟ فيقول لك: إذا اشترى ما لم يعلم عيبه بدون كسره، كجوز هند، الثمرة داخل، وبيض نعام فكسره فوجده فاسداً، الآن العيب تبين عنده لكنه بعد الكسر. فهنا يقول هو مخير بين أمرين: إما أن يمسكه ويستحق الأرش، أو قالوا لو اشتراه مثلاً اشترى بيض نعام بـ 30 ريالاً وصار فيه عيب، وهذا العيب ينقص مثلاً خمس القيمة، فيعيد له كم؟ وثمن مثله أيضاً هو 30 ريالاً، فيعيد له خمس 30 كم؟ 6 ريالات.
طيب هذا الخيار الأول، يبقيه ويأخذ الأرش. طيب الخيار الثاني أن يرده ويرد أرش كسره الذي تبقى له معه قيمة، يعني هذا المكسور أما أن يبقى له معه قيمة، بمعنى أن مثلاً كسر بيض النعام على قسمين، يكون هذا نصف وهذا نصف، بمعنى يستفاد من قشره، لكن لو رضه رضه كاملاً، فهنا تلف. سيأتينا بعد قليل أنه يتعين الأرش هنا، لكن إذا مثلاً قسمه قسمين فهنا له أن يرده ويرد أرش كسره، أرش كسره يعني قالوا مثلاً هو الآن لما كسره كم نسبة إنقاصه؟ قالوا النسبة مثلاً العشر، فيعيده ويعيد معه نعم، فيعيده وهذا يرجع له الـ 30 ريالاً ويعيد معه 3 ريالات، يعني كأنه أرجع له 27 ريالاً.
إذا رده رد أرش كسره الذي تبقى له معه قيمة ويأخذ ثمنه؛ لماذا؟ قال لأن عقد البيع يقتضي السلامة. يعني إنما أجزنا له الخيار بين هذين الأمرين لأن عقد البيع يقتضي السلامة، وقياساً على المصراة حيث أمر النبي صلى الله عليه وسلم بردها ورد عوض لبنها، ولم يسقط حق الرد بحلبها. وإنما قالوا يرد أرش كسرها لأن المبيع.
بجملته مضمون عليه، فكذلك أجزاؤه؛ هو لما اشتراه كان في ضمانه فكذلك أجزاؤه. الآن لما نقص عنده يضمن هذا النقص. إذا كسر هذا البيض كسره بحيث يستفاد منه كما قلنا لكم، فهنا هل له حق الرد؟ لا، هنا يتعين العرش مع كسر لا تبقى معه قيمة، ولا يسقط الرد؛ أي لا يستحق الرد. لماذا؟ أنه أتلفه، فيتعين الأرش قولا واحدا في المذهب، ويسقط الرد لتعذر الإتلاف.
إذا كان هذا القشر أصلا لا قيمة له بكسره، قال لك هنا: إذا بدأ بما له قيمة، الذي له قيمة إما أن يكسره كسرا يستفاد منه فهو مخير بين أمرين، أو يكسره كسرا لا يستفاد منه، فهنا يتعين الأرش. إذا كان القشر أصلا لا يستفاد منه، إذا كسر وتبين فيه عيب، فماذا قال؟ إن كان المبيع كبيض الدجاج، بيض الدجاج إذا كسره لا يستفاد من هذا القشر ونحوه، فكسره فوجده فاسدا، ماذا قال؟ رجع بكل الثمن، هل في خيار؟ ما في خيار. لماذا؟ علل بقوله: لأنا تبينا فساد العقد من أصله. تبين أن العقد أصلا فاسد.
لماذا العقد فاسد؟ اختل فيه من الشروط عدم المنفعة. الشرط الثالث من شروط صحة البيع أن يكون المبيع مالا، والمال هو ما أبيح الانتفاع به من غير حاجة، فالبيع وقع هنا لكونه وقع على ما لا نفع فيه فصار فاسدا. قال: وليس عليه رد، ذلك إلى بائع، هل له أن يجمع فتات القشر ويرده إلى بائعه؟ قال: لا، لعدم الفائدة فيه؛ لأنه لا قيمة له.
نعم، الآن سيذكر خيار البيع الذي هو على التراخي. هم مثلوا على البطيخ، البطيخ بعضهم ألحقه بكسر بيض الدجاج، وبعضهم ألحقه بكسر بيض النعام. فنقول: إذا كان هذا البطيخ لا يستفاد منه إطلاقا من قشره، هنا يلحق ببيض الدجاج، فنقول البيع فاسد من أصله، وإن كان يستفاد منه فإنه يلحق في القسم الأول.
قال رحمه الله: وخيار عيب متراخ؛ لأنه لدفع ضرر محقق، فلم يبطل بالتاخير ما لم يوجد دليل الرضا؛ كتصرف فيه بإجارة أو إعارة أو نحوهما عالما بعيبه، واستعماله لغير تجربة. قال: وخيار عيب متراخ، ومر معنا خيار الغبن على التراخي، وقسوه على خيار التدليس أيضا على التراخي، إلا في المصرات، فالمصراة فقط ثلاثة أيام، أما غيرها فعلى التراخي. التراخي يقصدون أنه لا يلزم على الفور، بس بشرط ألا يصرح بالرضا أو توجد منه دلالة عليه.
لماذا كان على التراخي؟ علل بقوله: لأنه لدفع ضرر محقق، فلم يبطل بالتأخير. مثل القصاص، القصاص لو أن شخصا قتل آخر عمدا عدوانا، فما طالبوا إلا بعد ستة أشهر، طالبوا بالقصاص، فهل نقول لا سقط حقكم ما طلبتم على الفور؟ نقول: لا، لهم المطالبة، بشرط ألا يسقط الحق بالعفو والتنازل، سواء وجد منهم جميعا أو وجد من أحدهم. لأنه دفع ضرر محقق فلم يبطل بتأخير، وهذا هو المشهور من المذهب، وهناك رواية أخرى في المذهب أنه على الفور، فمتى أمسكه بعد العلم به سقط خياره؛ لأنه يدل على الرضا، فأسقط خياره قياسا على التصرف فيه، والمذهب الأول قالوا: إن إمساكه لا يدل على الرضا.
قال: ما لم يوجد دليل الرضا؛ كتصرف فيه بإجارة أو إعارة أو نحوهما عالما بعيبه. يعني إذا وجد دليل الرضا، طبعا إذا صرح بالرضا هذا معروف أنه يسقط، فلقد رضيت به عيبا، فهنا يسقط حقه. ويقاس عليه أيضا إذا وجد دليل الرضا، ومثل بكتصرف فيه بإجارة أو إعارة ونحوهما عالما بعيبه؛ اشترى بيتا ثم أجره على غيره، وكان حينما أجره عالما بوجود العيب، فلا يحق له أن يرجع، لأن تصرفه دليل رضاه. وكذلك الإعارة، أعار شخصا، اشترى سيارة وأعار شخصا لمدة أسبوع وهو يعلم بعيبها، فهنا ليس له حق الرد؛ لأن تصرفه دليل رضاه، أو نحوهما عالما بعيبه، واستعماله لغير تجربة. إذا كان يستعملها مثلا اشترى سيارة يستعملها تجربة، فهنا استعملها للتجربة فلا يسقط حقه، لكن استعملها لغير تجربة وهو يعلم بالعيب، فإنه يسقط حقه؛ لأن تصرفه مع علمه بالعيب دليل على الرضا.
هنا مسألة وهي: هل يستحق الأرش؟ تصرف فيه عالما بعيبه، باعه عالما بعيبه، ثم جاء يطالب بالأرش، هل يستحق الأرش؟ نقول: لا يستحق الرد، لكن الأرش هل يستحقه أو لا؟ رضي به بعيبه فلا يستحق الأرش، يعني ما دام سقط حق الرد سقط حق الأرش. هذا هو المذهب؛ أنه إذا تصرف به مع علمه بالعيب فلا أرش له، وإن تصرف به غير عالم بالعيب فله الأرش. ونص عليه الإمام أحمد؛ لأن البيع لم يوفه ما أوجبه له العقد، ولم يوجد منه الرضا به ناقصا، فكان له الرجوع عليه. فيقولون: يبنون استحقاق الأرش على استحقاق الرد، فمتى استحق الرد استحق الأرش، ومتى سقط حقه في الرد سقط حقه في الأرش.
الموفق تقريبا نستطيع أن نقول ضابط أغلبي؛ لأنه هناك مسائل له حق الأرش لكن ليس له حق الرد مرت معنا مسائل، لكن الغالب أنه إذا سقط حق الرد سقط حق الأرش. الموفق رحمه الله ذكر أن قياس المذهب أن له الأرش بكل حال، يعني سواء تصرف فيه عالما بالعيب أو غير عالم بالعيب، فيقول: لا نربط الأرش بالرد. لماذا؟ يقول: لأنه مخير ابتداء بين الإمساك وبين الرد، الأرش يقول مع الإمساك؛ فهو لما تصرف فيه كان بمنزلة إمساكه، فهو تصرف فيه فله حق الأرش، لكن الرد قسيمه، فإذا سقط قسيمه لا يسقط، هو مخير بين هذا أو هذا، إذا سقط حقه في الرد لا يسقط حقه في الأرش. يقول الموفق: قياس المذهب أن له الأرش بكل حال، سواء باعه عالما به أو جاهلا؛ لأننا خيرنا ابتداء بين الرد أو الإمساك مع الأرش، فبيعه والتصرف فيه بمنزلة إمساكه، والأرش عوض عن الجزء الفائت، فلم يسقط ببيعه ولا رضاه. وهذا القول المنتهى والإقناع على الأول، لكن هذا القول استظهره ابن مفلح في الفروع وصوبه المرداوي في الإنصاف، واستظهره في التنقيح.
العمل ليس مضطردا، لكن ما أدري نظام المعاملات المدنية، العمل القضائي في هذه الجزئية ليس مستقرا؛ وقفت على أحكام يثبتون فيها للمشتري حق الأرش، وأحكام بالعكس يسقط حق الأرش، فليس فيه عمل مستقر.
قال: وغيره أو بشرط خيار الفسخ في نصيبه، ولو رضي الآخر، والمبيع بعد فسخ أمانة بيد المشتري. هنا ذكر أنه لا يفتقر الفسخ للعيب إلى حكم، ولا رضا، ولا حضور صاحبه البائع، كالطلاق. إذا ذكرنا لكم مرارا أن الفقهاء إذا عبروا بالنفي فالغالب أنه إشارة خلاف، وهذه كلها فيها خلاف. قال: لا يفتقر الفسخ للعيب إلى حكم، لأنه مجمع عليه فلم يحتج إلى حكم، كفسخ المعقود للنكاح. والحقيقة أنه صحيح مجمع عليه، لكن قد يقع الخلاف بين الطرفين في استحقاق الفسخ من عدمه، يمكن أن نطبق هذه إذا كان الطرفان كلاهما متفقين على أن هذا العيب مسوغ للفسخ، وأنه اكتملت شروط استحقاق الفسخ، فهنا لا يفتقر لحكم حاكم. لكن إذا كانوا مختلفين؛ هذا يقول مثلا هذا العيب يسير لا يبيح الفسخ، وهذا يقول لا كثير، أو اختلفوا هل العيب كان موجودا عند البائع أو أنه إنما وجد عند المشتري، يختلفون؛ فهنا حقيقة لابد من حكم حاكم. فإذًا لا يفتقر إلى حكم حاكم هذا فيما إذا كان الطرفان متفقين على أن هذا العيب مما يسوغ الفسخ، وأنه اكتملت فيه الشروط، فلا يفتقر إلى حكم حاكم.
ولا رضا، لا يفتقر إلى رضا الطرف الثاني؛ المشتري أراد أن يفسخ البيع لوجود العيب فلا يشترط أن يوافق عليه البائع، ولا يشترط ذلك. وكذلك لا يشترط حضور صاحبه، فلو أن المشتري أراد أن يرد السلعة للبائع فتبين أن البائع مثلا مسافر ومغلق محله، وسيرجع بعد أسبوع مثلا، وتعذر التواصل معه، فأشهد المشتري رجلين على أنه يريد أن يفسخ البيع لوجود العيب فيه، فهنا يكون الفسخ صحيحا، ولا نقول لا يصح لعدم حضور البائع. كالطلاق، الطلاق لا يفتقر إلى حكم حاكم، ولا رضا، ولا حضور صاحبه؛ لأن الفسخ في العيب رفع عقد مستحق له، فلم يفتقر إلى رضا صاحبه ولا حضوره كالطلاق.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أنه إذا اشترى اثنان سلعة، وتبين أنها معيبة بعيب يسوغ الفسخ، فأحدهما لا مانع لديه من الاستمرار في هذا العقد، والآخر لا يريد الاستمرار، فهل للطرف الذي لا يريد الاستمرار أن يفسخ في نصيبه أو لا؟ يعني اثنين جاءا مع بعض، قالوا نريد أن نشتري السيارة الفلانية، فقال ما عندي مانع، باع عليهم، لما قبضوها وجدوا أن فيها خلل في المكينة، أحدهما قال ما عندي مانع أصلحها وأستمر، الثاني قال لا، أنا لا أريد أن أستمر في العقد. فجاء الثاني وقال أنا أريد أن أفسخ نصيبي في ملكية السيارة، اشتراها مثلا بـ 30 ألف، كل واحد دفع 15 ألف، خلاص أرجع لي 15 ألف، وتملك نصيبي، فهنا هل البائع يقول لا؟ إما أن ترجعونها كلكم أو لا تأخذونها كلكم، فهل له ذلك؟ ليس له ذلك.
لذلك قال: لمشتر مع غيره معيبا أو بشرط خيار الفسخ في نصيبه، ولو رضي الآخر. لأنه رد جميع ما ملكه بالعقد فجاز ذلك، كما لو انفرد بشرائه، كما لو أنه اشترى نصف السيارة، جاء للبائع قال أريد أن أشارك في السيارة، خلاص أشتري منك نصفها، اشترى منه نصفها، قال خلاص أنا فيها عيب أريد أن أرجعه، هل يقول لا؟ فيقول هذا مثلها، الشريك يصير شريكا للبائع في ملكية السيارة. أو بشرط خيار، يعني هذه مسألة ليست في خيار العيب، في خيار الشرط؛ إذا اشترى اثنان نفس المسألة، اثنين اشتروا من صاحب معرض سيارة، قالوا لنا الخيار لمدة أسبوع، بعد خمسة أيام جاء أحدهما قال أنا أريد أن أفسخ في نصيبي، فهل يقول له لا لازم تفسخ مع صاحبك كله؟ لا، يقولون له له ذلك، سواء فسخا جميعا أو فسخ أحدهما فله ذلك.
والمبيع بعد فسخ أمانة بيد المشتري؛ يعني أنه لو فسخ المشتري -في المثال السابق الذي كان البائع مسافرا وشهد المشتري الاثنين أنه يريد فسخ البيع-، البائع رجع بعد أسبوع، طيب السيارة كانت عند البائع، يد المشتري عليها يد أمانة، إذا فرط، يفترق إذا قلنا يد أمانة، فلو حفظها كما يحفظ أمواله فسرقت منه، فهل يقول خلاص ما رجعت السيارة، ما أرجعلك؟ لا، هنا نقول يده يد أمانة لا يضمن إلا إذا تعدى أو فرط. وإنما صارت يده يد أمانة؛ لأن الأمين هو من قبض المال بإذن مالكه أو بإذن الشارع، هنا قبضه للمال بإذن الشارع، لأنه لو تركه كذا صار مفرطا، لأنه لم يعده حقيقة للبائع، فيصير مفرطا، فقبضه للمال بإذن الشارع وهو لم يتعد. قالوا: لكن إن قصر في رده، مثلا في المثال السابق البائع رجع من السفر هو يعلم أنه رجع من السفر، قال: سأرجع له بعد أسبوع فتلف، فهنا هل يضمن ولا لا؟ يضمن، خلاص انتقلت يده من يد أمانة إلى يد ضمان، إذا قصر في رده فتلف فإنه يضمنه لتفريطه.
الآن سيتكلم المؤلف رحمه الله تعالى على مسألة الاختلاف، وهذه كثيرا ما تحصل الاختلاف عند من حدث العيب، كثيرا ما تحصل في الواقع الاختلاف عند من حدث العيب من يقبل قوله. قال رحمه الله: وإن اختلف البائع والمشتري في معيب عند من حدث العيب مع الاحتمال، فقول مشتر مع يمينه إن لم يخرج عن يده؛ لأن الأصل عدم القبض في الجزء الفائت، فكان القول قول من ينفيه فيحدث أنه اشتراه وبه العيب أو أنه ما حدث عنده ويرده. وإن لم يحتمل إلا قول أحدهما كالزائدة والجرح الطري الذي لا يحتمل أن يكون قبل العقد، قبل قول المشتري في المثال الأول، والبائع في المثال الثاني بلا يمين لعدم الحاجة إليه.
الآن لو اختلف البائع والمشتري عند من حدث العيب عنده مع الاحتمال، طبعا مسائل الاختلاف هذه متى يكون القول قول من هذه إذا ما وجدت.
بينه إذا وجدت، بأن اختلف البائع والمشتري؛ فمثلاً وجدت السيارة مصبوغة بأثر حادث. متى اشترى المشتري السيارة؟ اشتراها مثلاً قبل شهرين، واكتشف أنها مصبوغة، وتبين له بالطبع -في عندنا في المرور يستطيع أن يطبع حالة السيارة، وما وقع عليها من الحوادث- فتبين له أنه وقع عليها حادث قبل أربعة أشهر، ومثلاً تضررت مقدمة السيارة وكان الصبغ في مقدمة السيارة، فهذه بينة على أن الصبغ حدث قبل البيع. فهنا نقول القول قول المشتري، ما في إشكال، البينة معه قوية.
لكن لو ما في شيء، طبعة المرور ما في ولا حادث عليها، والسيارة الآن لها شهرين وهي عنده، فمحتمل أن الصبغ حدث عند المشتري، فهنا يقبل قول من؟ هذا عيب، فيقبل قول من؟ هنا المؤلف ماذا قال؟ قال: «قول مشترٍ مع يمينه إن لم يخرج عن يده». نتكلم عنها بعد. قول مشترٍ مع يمينه، يعني يقول: الأصل قول المشتري وأن العيب كان عند البائع. طيب، يا مشتري، هل تريد أن ترد؟ له الخيار بين الرد وبين الإمساك مع الأرش.
لماذا قول المشتري؟ هذا من مفردات الحنابلة، أن القول قول المشتري. لماذا قالوا؟ لأن الأصل عدم القبض في الجزء الفائت، فكان القول قول من ينفيه. يعني يقول لك: كل جزء من السيارة أو من أوصافها يقابله جزء من الثمن، فكان هذا الدهان (البوية) يقابله جزء من الثمن، فلما صار فيها مشكلة كان البائع أخذ جزءاً من الثمن وهو لا يستحقه، فأخذ جزءاً من الثمن ولم يقبض المشتري ما يقابله. لو كان مثلاً تكلف ألفي ريال، فكان البائع أخذ ألفي ريال ولم يقبض المشتري ما يقابله، هذا معنى قوله: لأن الأصل عدم القبض في الجزء الفائت، فكان المشتري لم يقبض ما يقابل قيمة هذا العيب، فكان القول قول من ينفيه. يعني الآن المشتري يقول إنه لم يقبض ما يقابل الألفي ريال التي أخذتها مقابل أن الدهان جديد، والبائع يقول: لا، أنت قبضت وكان الدهن جديداً، لكن أنت الذي دهنت فيما بعد. فهذا يدعي البائع، يدعي أنه قبض، والمنكر ينكر أنه قبض، والقول قول المنكر. ولذلك هنا قال: والقول قول المشتري؛ لأن الأصل عدم القبض في الجزء الفائت، فكان القول قول من ينفيه، قوله بالطبع بيمينه.
والأصل أن كل هذه القاعدة، كل من قلنا القول قوله فلا بد من اليمين، قاعدة أن كل من قلنا القول قوله فلا بد من اليمين، هذا هو الأصل. في استثناءات يسيرة ستأتي هنا، بعض الاستثناءات هنا. كل من قلنا القول قوله فلا بد من يمينه، فنقول تحلف اليمين، فيحلف اليمين على ماذا؟ فيحلف أنه اشتراه وبه العيب، والله العظيم أنني اشتريت السيارة وكان بها هذا العيب، أو أنه ما حدث عنده، أو أن مثلاً الصبغ هذا لم يحدث عنده، ثم يرد هذا المبيع. طيب، هذا كما قلنا لكم هو المشهور في المذهب وهو من مفردات الحنابلة. والقول الثاني أن القول قول البائع، وهذا قول الجمهور، وهو رواية عن الإمام أحمد رحمه الله، وقال في الإنصاف هي أصح الروايتين، وقال في التصحيح هي أصح ما يحلف على البت لا على نفي العلم.
عندنا في القضاء القاعدة أن الحالف إذا جاء يحلف على الإنكار يحلف على البت، يعني إنكار وقوع هذا الشيء. إذا كان سيحلفون، هل يحلف على البت ولا على نفي العلم؟ طبعاً خلاف في المذهب، والمشهور في المذهب أنه يحلف على البت. تقول: والله العظيم مثلاً في المثال السابق أنني بعتها وليس فيها هذا العيب، بعتها بريئاً من العيب، أو والله العظيم أنه لا يستحق عليَّ ما يدعيه من الرد، على حسب دعوى المدعي، فيحلف المدعى عليه الذي هو البائع على حسب دعوى المدعي.
وهذا كما قلنا هو قول الجمهور، طيب ما دليل الجمهور؟ قالوا أن البائع هو الذي يتمسك بالأصل، الأصل السلامة من العيب، البائع يتمسك بالأصل، فالأصل سلامة المبيع وصحة العقد، لأن المشتري يدعي عليه استحقاق فسخ البيع وهو ينكره. المشتري الآن هو الذي يدعي استحقاق فسخ البيع والبائع ينكر الاستحقاق، والقول قول المنكر بيمينه، وهذا هو الذي عليه أئمة الدعوة عليهم رحمة الله. ذُكر أنه عليه الفتوى عند ذكر ابن عيسى في حاشيته على الروض أن عليه الفتوى عند إمام الدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، والشيخ عبد الرحمن بن حسن، والشيخ عبد الله أبا بطين رحمهم الله تعالى.
هذا على حسب الدعوى، فأحياناً يقول البائع في جوابه أن العيب حدث عند المشتري، فيحلف أنه اشتراه وما به العيب، أو أنه ما حدث عنده، يعني يمكن اختلاف صياغة أو أحياناً على حسب الدعوى، ثم يرده.
وإن لم يحتمل إلا قول أحدهما، طيب نحن قلنا: «إن لم يخرج عن يده». قال: «فقول مشترٍ مع يمينه إن لم يخرج عن يده»، أي إن كان في يده، يعني تحت نظره وفي ملكه. وهل المراد بيده هنا اليد المشاهدة أو اليد الحكمية؟ ما الفرق؟ المشاهدة يراها، طيب الحكمية؟ يعني أنها في ملكه وتحت تصرفه، يعني مثلاً شخص سافر إلى الحج وعنده غنم في البيت، فهي تحت يده لكن يده الحكمية ليست المشاهدة. فهنا اليد المشاهدة، ولذلك نقل ابن فيروز رحمه الله عن شيخه ابن ذهلان أنه لو دفعه لنحو زوجته، مثلاً اشترى جوالاً وأعطاه زوجته ثم تبين فيه عيب فاختلف هو والبائع، فهنا هل يحلف؟ يقول: لا، لو دفعه لنحو زوجته لم يجز له الحلف لاحتمال حدوث العيب في غيبته عنه، فإنه إذا لم يغب عنه كأنه في يده. واضح؟ طيب، إذا اليد المشاهدة، فإن غاب عنه أو من باب أولى اليد الحكمية؛ إذا غاب عنه هذا المشاهد، ومن باب أولى إذا باعه ثم اختلفوا عند من حدث العيب، فهنا نقول لا نقول القول قول المشتري ولا يحلف.
إن لم يحتمل إلا قول أحدهما، هذا القسم الثاني؛ يعني القسم الأول اختلاف وقد حدث احتمال. هذا القسم الثاني: إذا لم يحتمل إلا قول أحدهما، يعني ما يمكن أن يكون القول الثاني صحيحاً، مثل لك في مثالين: الإصبع الزائدة، جاء واشترى عبداً من بائع من مالكه، ثم أرجع من الغد، قال: وجدته فيه إصبع سادسة، فقال البائع: الإصبع السادسة حدثت عندك، فهنا يقبل قول المشتري بلا يمين. هذا من المسائل المستثناة من قاعدة أن كل من قلنا القول قوله فلا بد من يمينه، هنا إذا كان لا يحتمل إلا صدق أحدهما، فما في اليمين أصلاً، إنما لُجئ إليها للحاجة لتقوي، لأنها تكون في جنب أقوى المتداعيين، أحد المتداعيين تقوى قوله بالظاهر أو بالأصل فكانت اليمين معه تقوية، هنا أصلاً قوي جانبه بدون يمين فلا حاجة إليها.
أو الجرح الطري الذي لا يحتمل أن يكون قبل العقد، جاء المشتري اشترى شاة من البائع، ثم بعد ثلاثة أيام قال فيها عيب، ما العيب فيها؟ دم، وجدنا الدم طرياً يعني اليوم، ما يحتمل أن يكون قبل ثلاث أيام، فهنا القول قول البائع وما في يمين، لأن هنا لا يمكن أن يكون المشتري صادقاً، قال: بلا يمين لعدم الحاجة إليه، وإنما كان القول قول من يدعي ذلك بغير يمين لأننا نعلم صدقه وكذب خصمه، فلا حاجة إلى استحلافه. ولذلك كل من يدعي شيئاً ونعلم يقيناً أنه لا يمكن وقوعه فإنه لا حاجة للاستحلاف، كما لو جاء مثلاً شخص وقال: إن هذا قتل ولدي، متى قتل ولدك؟ قال: قبل عشرين سنة، طيب وعمر هذا المدعى عليه بالقتل ثماني عشرة سنة، طبعاً أنكر، هل نقول احلف؟ اليمين هذه ما فيها حلف يمين، لماذا؟ أنه لا يمكن صدق المدعي في ذلك، لا يمكن صدق المدعي، لكن لو كان فيه احتمال ما عنده بينة، نقول لك يمينه على النفي.
نعم، السلام عليكم. قال رحمه الله: «ويقبل قول بائع أن المبيع المعيب ليس المردود إلا في خيار شرط، فقول مشترٍ، وقول قابض في ثابت في ذمة من ثمن وقرض وسلم ونحوه إن لم يخرج عن يده، وقول مشترٍ في عين ثمن معين بعقد، ومن اشترى متاعاً فوجده خيراً مما اشترى فعليه رده إلى بائعه».
أحسنت، هذه أيضاً من مسائل الاختلاف، قال: «ويقبل قول بائع أن المبيع المعيب ليس المردود». هذه حقيقة لها حالات، نقول لا تخلو هذه المسألة من ثلاث أحوال:
الحال الأولى: أن يكون البائع مقراً بالعيب، ولكن أنكر أن هذه السلعة هي التي باعها، كما لو اشترى شخص من محل جوالات جوالاً، ثم اتصل عليه بعد يوم وقال: إن اشتريت منك جوالاً وأنني وجدت فيه خللاً، فبان أنه مستعمل وكان جديداً، فقال: صحيح هو مستعمل. ثم جاء يرده فقال: لا، هذا ليس هو الذي اشتريته مني، فهنا يقبل قول المشتري وليست هي التي نص عليها هنا. إذاً هي ليست التي نص عليها، أقول لك هذه المسألة لها ثلاث حالات، هذه ليست التي نص عليها، فهنا يقبل قول المشتري لإقرار البائع باستحقاق المشتري للفسخ.
الحالة الثانية: أن يكون المبيع معيناً، فيتفقان على أنني اشتريت منك هذه السيارة المعينة التي صفتها كذا وكذا ويشيرون إليها، ثم يرجع المشتري إلى البيت ويكتشف فيها عيباً، ثم يرجع البائع ويقول اشتريت مني هذه السيارة فيها كذا، يقول البائع: لا ليست هذه السيارة التي اشتريت أصلاً، ما هي سيارتي ما فيها عيب، جاء له بالسيارة قال بهذه التي اشتريتها من، طبعاً يمكن مثال السيارة قد لا ينطبق في الوقت الحاضر لأن أمورها تقريباً مضبوطة أكثر. الغنم، اشترى غنماً وشاة، وقال فيها عيب، قال: جبها شوفها، جابها، قال: ليست هذه الشاة التي اشتريتها من، فهنا يقبل قول البائع، وهذه التي منصوص عليها: «يقبل قول بائع أن المبيع المعيب ليس المردود» الذي هو المعين، لأن البائع منكر كون هذه سلعته، ومنكر لاستحقاق الفسخ، والأصل القول قول المنكر بيمينه.
الحالة الثالثة: إذا كان اشترى شيئاً ليس معيناً وإنما في الذمة، اشترى، قال: أريد أن أشتري منك مثلاً شاة أوصافها كذا وكذا وكذا، قال: خلاص، الآن سيأتي له بشاة، هو ذكر الأوصاف، يعني ما اتفقوا على شاة معينة، فلما جاء اليوم الفلاني أتى له بهذه الشاة، فرجع للبيت وجد فيها عيباً، أعادها قال فيها عيب، قال: لا ليست هذه الشاة التي بعتها عليك، فهنا اختلفوا فيها، فالمشهور من المذهب أن القول هنا قول المشتري، وتدخل فيما قاله بعد قليل في قوله: «هو قول قابض في ثابت في ذمة»، لأنه قابض لشيء ثبت في ذمة البائع، فلما قبضه فإنه يكون قوله مقبولاً. إذاً بعض الأصحاب يطلقون المبيع المعيب سواء كان معيناً أو في الذمة، لكن المشهور التفريق.
طيب هنا استثناء: «إلا في خيار شرط فقول مشترٍ». مثالها: اشتر شاة -نفس المثال السابق- اشتر شاة ومعينة، وقال لي الخيار أسبوعاً، لي الخيار أسبوعاً، طبعاً هي ليست الآن، إلا في خيار الشرط، هذه ليست في العين، في خيار الشرط، فبعد خمسة أيام جاء وقال: خلاص أنا لا أريد الشاة، قال: لا ليست هذه الشاة التي اشتريتها مني، فهنا القول قول المشتري. حكاه ابن المنذر عن الإمام أحمد رحمه الله لأنهما اتفقا على استحقاق فسخ العقد، أنهم متفقان على أن المشتري في هذه المدة يستحق فسخ العقد، فكان القول قول المشتري بخلاف الرد بالعيب في المسألة السابقة، الرد بالعيب لم يتفقا على استحقاق فسخ العقد، فلذلك هذا السبب في التفريق؛ في خيار الشرط قال: القول قول المشتري، في خيار العيب قال: القول قول البائع، والسبب في التفريق هو هذا.
قال: «وقول قابض في ثابت في ذمة من ثمن وقرض وسلم ونحوه إن لم يخرج عن يده». مثاله: ثمن، جاء مثلاً لو أن شخصاً تبايع مع آخر سيارة بأرض، هذا باع عليه أرضاً، وقال: مقابل سيارة، سيارة لم تكن معينة يعني موصوفة في الذمة، طيب الآن الثمن سيارة ليست مالاً، ليست نقداً، فالبائع لما استلمها بعد مثلاً أسبوع جاء المشتري وقال...
إن السيارة فيها عيب. قال المشتري: السيارة هذه ليست هي التي وقع عليها العقد، أنا سلمت سيارة ثانية. كما قلنا لكم سابقاً في أول مسائل الاختلاف: إذا كانت هناك بينة فالقول قول البينة، لكن المسائل هذه كلها إذا لم تكن هناك بينة فمن يقبل قوله؟ قال هنا: يقبل قول القابض. من الذي قبض؟ البائع هو الذي قبض السيارة، فهنا يقبل قوله في أنها معيبة، أي أنها هي التي وقع عليها العقد.
وكذلك القرض وكذلك السلم، كل من اقترض شيئاً فتبين أنه معيب، مثلاً في القديم كانوا يقرضون الدنانير والدراهم، اقترض دنانير وظهر فيها عيب، جاء المقترض للمقرض وقال: الدين فيه عيب، الذهب هذا معيب. فيقول له: ليس هو الذي أقرضتك إياه. فهنا اختلف، فمن يقبل قوله؟ يقبل قول القابض. كذلك في السلم، أسلم إليه مثلاً ألف دينار ليأتي مقابله بعد أشهر ببر أو بتمر أو نحوهما، جاء بعد شهر وقال: ترى الألف دينار التي أعطيتني إياها معيبة، فهنا يقبل قوله. قال: هذا ما أعطيتك إياه، فهنا يقبل قول القابض. قال: إن لم يخرج عن يده، فإن خرج عن يده فلا يقبل قوله.
يبدو أنها المشاهدة دون الحكمية، بل يتصور بقاء المال في يده، المشاهدة بمعنى أنه يقصد أنه لم يدفعه إلى غيره، المشاهدة بمعنى حتى لو وضعه في خزنته فهنا المشاهدة حقيقة، لكن لو دفعه إلى غيره؛ زوجته أو غلامه ونحو ذلك، هنا صارت ليست يده. إذا لم تخرج عن يده؛ لكن لو مثلاً خرجت عن يده وتصرف فيها، باع واشترى، ولا يضمن: هذه هي التي سلمها فلان، هنا نقول: لا يقبل قوله في ذلك.
قول المشتري في عين ثمن معين بعقد، المشتري قال: أنا سأشتري منك هذا الكتاب بهذه المئة ريال، الآن الثمن معين، فأعطاه مئة ريال، ليس في الذمة، معين. المسألة التي قبلها يقبل قول القابض في الثمن في الذمة، هذا لم يثبت في الذمة، هذا معين فسلمه المئة ريال، جاء بعد يوم قال البائع للمشتري: المئة ريال هذه مزورة، قال المشتري: لا، هذه المئة ريال هي التي دفعتها لك وقد تعينت بالعقد. فهنا يقبل قول المشتري، لماذا؟ لأن الأصل براءة ذمته وعدم وقوع العقد على هذا المعيب.
قال في الكشاف: وينبغي أن يقال إلا في خيار شرط؛ مثل المسألة المتقدمة، مسألة خيار الشرط، قال: ينبغي أن يقال إلا في خيار الشرط، في خيار الشرط القول قول البائع. والحق أن هذه المسألة محتملة القولين، ولذلك ذكرها ابن رجب رحمه الله في قواعده في الفائدة السادسة، الفوائد الملحقة بالقواعد: النقود هل تتعين بالتعيين أو لا؟ وذكر الخلاف بين الأصحاب، وذكر جملة من المسائل التي تترتب على هذا الخلاف، ومنها هذه المسألة.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى ختم خيار العيب بمسألة معاكسة للعيب، العيب الآن وجد سلعة أردأ، هنا وجد السلعة أفضل، قال: ومن اشترى متاعاً فوجده خيراً مما اشترى فعليه رده إلى بائعه. لو مثلاً ذهب معرض السيارات ووجد سيارة كامري لها ثلاث فئات، فاشترى الفئة الوسطى، كل فئة لها سعر معين، اشترى الفئة الوسطى، لما جاء يستلم انتبه أعطوه الفئة الأعلى، فلما ذهب إلى البيت وانتبه إلى أن الذي أعطوه هي الفئة الأعلى التي لم يدفع ثمنها، فهنا ماذا يفعل؟ قال: فعليه رده إلى بائعه، قالوا: قياساً على ما لو وجده أردأ فإنه يرده. ونسبه في الإنصاف إلى ابن حمدان في الرعاية وصاحب الحاوي، وقال: لعل محل ذلك، أي محل وجوب ذلك، إذا كان البائع جاهلاً به، لكن إذا كان البائع عالماً وأعطاه الأجود فهنا لا يرده، لا يلزمه الرد، إن رده ما في إشكال، لكن لا يلزمه الرد.
نقف عند فعليه رده إلى بائعه. التكييف أنه لم يقع عليه العقد؛ أنه إذا قلنا لم يقع عليه العقد، نقول حتى لو كان البائع عالماً به لأنه لم يقع عليه العقد، لكن ممكن أن نقول أن هذا من النصيحة الواجبة، أنه يرده؛ إذا لم يرده كان من باب الغش؛ فأخذ السلعة الأجود بسعر السلعة الأدون. فكما لا يرضى أن يقابله البائع بذلك، فكذلك، ولا يرضى أن يقابل. المذهب رده وجوباً إلا إذا كان البائع عالماً به فإنه لا يلزم الرد.
يقول: هل لا بد للمشتري أن يشهد اثنين أنه فسخ عند غيبة البائع؟ هنا قضاء لا بد أن يجعل له ما يدفع إنكار البائع، إما أن يشهد اثنين، أو أن يرسل للبائع رسالة بذلك، المهم أنه يجعل له ما يدفع إنكار البائع، لكن لو لم يشهد ولو لم يفعل شيئاً من ذلك، ثم جاء البائع وقال: ما رددت في وقت الخيار، الخيار أسبوع ومضى الأسبوع وأنت لم ترد، هنا هل نقول سقط حقه؟ نقول لا يسقط حقه، لكنه إن لم يصدقه البائع فالقول قول البائع في ذلك.
هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان