دخولتسجيل الدخول

كتاب البيع 14 | حكم التسعير والاحتكار

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان أفهمنا. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما وعملا صالحا يا كريم.

أما بعد، فكنا قد توقفنا في التعليق على الروض المربع، على المسائل الأخيرة في الذي عقده المؤلف رحمه الله تعالى لذكر بعض البيوع المنهي عنها. وقفنا على قوله: ويحرم التسعير، نعم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا، ولاستفادتنا في قوت آدمي ويجبر على بيعه كما يبيع الناس، ولا يكره ادخار قوت أهله، ويسن الإشهاد على البيع.

أحسنت، قال: ويحرم التسعير. والتسعير هو منع السلطان الناس البيع بزيادة على ثمن يقدره؛ بأن يقول الحاكم مثلا، أو المسؤول عن البيع الذي فوضه الحاكم بذلك: لا تبع هذه السلعة إلا بكذا وكذا. قال ابن حامد رحمه الله: ليس للإامام أن يسعر على الناس، بل يبيع الناس أموالهم على ما يختارون.

ويستدل الأصحاب رحمهم الله تعالى على النهي عن التسعير بحديث أنس رضي الله عنه أنه قال: غلا السعر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله، غلا السعر فسعر لنا. قال: «إن الله هو المسعر القابض الباسط الرزاق، إني لأرجو أن ألقى الله تعالى وليس أحد يطالبني بمظلمة في دم ولا مال». وهذا عند الترمذي وأبي داود وغيرهما. فامتنع عن التسعير صلى الله عليه وسلم، وعلل بكونه مظلمة، والظلم حرام.

ولأن يدل على التحريم أن هذه السلعة مال للبائع، فلم يجوز منعه من بيع ما تراضى عليه الطرفان. ولأن التسعير أيضا سبب للغلاء؛ لأن الجالب -يعني من يجلب السلعة من خارج البلد- إذا بلغهم ذلك -يعني أن الإمام قد سعر- فإنهم يمتنعون من الجلب، ومن عنده البضاعة -يعني من أهل البلدة- سيمتنع عن بيعها إن ألزم بسعر لا يناسبه، سيمتنع عن بيعها ويكتمها، فيطلبها أهل الحاجة فلا يجدونها إلا قليلا، فيرفعون في أثمانها، فيكون هذا التسعير سببا للغلاء.

قال في الفروع: يحرم التسعير، ويكره الشراء به. يعني الآن الفعل من الإامام أو الحاكم أو المسؤول أنه يحرم، وإذا سعر فيكره أن يشتري المشتري به. قال في الفروع أيضا: وإن هدد الحاكم من خالفه، حرم وبطل في الأصح. يعني يحرم التسعير ويبطل العقد. قال في الأصح بمعنى أن هناك قولا آخر في المذهب أنه لا يبطل.

قال: ومأخذه -يعني مأخذ القولين- هل الوعيد إكراه أو لا؟ يعني إذا قال الحاكم مثلا: من باع بأقل من هذا أو بأكثر من هذا فعليه غرامة كذا وكذا، أو سأ سجن ونحو ذلك، هدده. فيقول: إذا جاء العقد بعد هذا التهديد، فإنه نقول يحرم وبطل في الأصح؛ لأن هناك قولا بأنه لا يبطل -يعني يحرم ويصح-. يقول: مأخذ القولين -يعني مرد الخلاف- هل الوعيد إكراه؟ الوعيد الذي حصل من الإامام يعد إكراها أو لا؟ فإن عد إكراها فإنه يحرم لكن هل يبطل أو لا؟ فإن عد إكراها فإنه يبطل؛ لانه اختل شرط الرضا، وإن عد ليس باكراه فلا يبطل.

شيخ الإسلام رحمه الله يرى أنه للحاكم أن يلزم الباعة بثمن المثل. ويرى أن ما جاء من التحريم أو ما ذكره الأصحاب من التحريم وما جاء في الاحاديث أنه إذا كان إلزامهم -يعني الشيخ يقول: إذا كان فيه مثلا غلاء فاحش، فكون الإامام يلزمهم بثمن معين ثمن المثل، هذا لا يدخل في النهي-. الذي يدخل في النهي إذا كان الأمور مستقرة، فألزم الإامام بسعر معين -مثلا أرفع من سعر المثل أو أنزل من سعر المثل- فألزم بسعر معين والأمور مستقرة، فيرى الشيخ أن هذا لا يجوز. لكن إذا كانت الأمور فيها غلاء فاحش أو فيها تضارب كثير في الأسعار، فألزم الإامام بثمن المثل، فيرى الشيخ أن هذا لا باس به، وأنه يجوز.

وذكر صاحب الفروع قال: وأوجب شيخنا إلزامه بثمن المثل وانه لا نزاع فيه؛ لانه مصلحة عامة لحق الله تعالى، فهي أولى من تكميل الحرية. تكميل الحرية هذا إذا كان هناك شخصان مشتركان في ملك عبد، فأعتق أحدهما نصيبه والآخر لم يعتق، فيلزم المعتق هذا بأنه يشتري نصيب صاحبه ويعتقه -وتسري الحرية إلى باقيه ويضمنه المعتق الأول-. فيقول: هذا كون يلزم بثمن المثل مصلحة عامة ينظر لها الشارع، فهي أولى من تكميل الحرية؛ فإن تكميل الحرية مصلحة خاصة للعبد، وهذه مصلحة عامة للناس.

طيب، يقول: والاحتكار في قوت آدمي ويجبر على بيعه كما يبيع الناس. يعني يحرم الاحتكار في قوت آدمي. والاحتكار هو: الشراء للتجاره وحبسه مع حاجة الناس إليه. شراء شيء للتجاره وحبسه مع حاجة الناس إليه. فيحرم احتكار قوت آدمي.

يقول الموفق رحمه الله: الاحتكار المحرم ما اجتمع فيه ثلاثة شروط. الشرط الأول: أن يشتري؛ فلو جلب شيئا أو أدخل من غلته شيئا وجعله عنده، فانه لا يعد محتكرا؛ لحديث: «الجالب مرزوق والمحتكر ملعون». هذا اخرجه ابن ماجه والبيهقي؛ لأنه لا يضيق على أحد ولا يضر به، بل ينفع الناس إذا علموا أن عنده طعاما معدا للبيع.

الثاني: أن يكون قوتا؛ مما تمس إليه حاجة الناس؛ فأما الإدام والحلوى والعسل والزيت فليس فيها احتكار محرم. روى الأثرم عن أبي عبد الله أنه سئل عن أي شيء الاحتكار؟ قال: إذا كان من قوت الناس فهو الذي يكره. وكان سعيد بن المسيب -وهو الذي روى حديث الاحتكار- يحتكر الزيت. لأن هذه الأشياء -يعني الحلوى والعسل والزيت ونحوها- لا تعم الحاجة إليها، فأشبهت الثياب والحيوانات.

الثالث: الشرط الثالث لتحريم الاحتكار: أن يضيق على الناس بشرائه؛ بأن يكون في بلد يضيق باهله الاحتكار، أو يضيق باهله. الاحتكار كالحرمان، فأما البلاد الواسعة فلا يؤثر فيها الاحتكار، أو يكون في حال الضيق؛ بأن تدخل البلد قافلة فيشتري، فيشتري أهل الأموال وويضيقون على الناس، يعني أن يحصل التضييق.

فإذا، شرط الموفق لتحريم الاحتكار ثلاثة شروط: الشرط الأول: أن يكون بالشراء. الشرط الثاني: أن يكون قوتا؛ تمس الحاجة إليه. الشرط الثالث: أن يحصل فيه التضييق. ودل على تحريم الاحتكار قوله صلى الله عليه وسلم: «من احتكر فهو خاطئ». ويصح شراء المحتكر على الصحيح من المذهب، يعني إذا هو فعله هو المحرم لكن شراؤه هذا صحيح ليس بباطل.

قال: ويجبر على بيعه كما يبيع الناس. فإذا احتكر شيئا -يعني عنده شيء لكن خزنه لكي تشتد الحاجة إليه- فيخرجه ويبيعه بسعر غال، فهنا يجبر على أن يبيعه كما يبيع الناس، لعموم المصلحة ودعاء الحاجة. قال: ولا يكره ادخار قوت أهله ودوابه. نص عليه الإامام احمد رحمه الله، نقل جعفر: سنة وسنتين؛ يعني يدخر قوت أهله سنة وسنتين لا ينوي التجارة، فأرجو ألا يضيق. وذكر في رواية ابن مَشِيش حديث عمر أنه عليه الصلاة والسلام أحرز لأهله قوت سنة، يعني يدخر لأهله عليه الصلاة والسلام قوت سنة، فهذا لا باس به.

ثم ختم هذا الفصل بمسألة الإشهاد على البيع. قال: ويسن الإشهاد على البيع. ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: 282]، والأمر فيه للندب، ولانه أقطع للنزاع وأبعد من التجاحد إذا حصل الإشهاد. ويختص ذلك -أي شرعية الإشهاد- بما له خطر؛ فأما الأشياء قليلة الخطر -يعني يشتري مثلا بخمسه ريال بريالين- فنقول: يسن له الإشهاد؟ هذا فيه مشقة، أن هذا فيه مشقة، والعقود تكثر فيها فيضيق، فيشق الإشهاد على الناس، وأصل إقامة الشهادة لأجل إن احتج إليها، ويقبح الإنسان أن يترافع ويقيم البينة على أشياء يسيرة، بخلاف الأشياء الكثيرة. ولم يقل الأصحاب بالوجوب هنا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يشتري أحيانا ولا يشهد، فدل على أنه ليس بالوجوب، ليس للوجوب.

نعم. أي نعم، يجبر على بيعه، الضمير يعود على الشيء المحتكر، بيع ما احتكره كما يبيع الناس بالسعر الذي يبيعه الناس. نعم.

نعم، يعني يضيق على الناس؛ بمعنى أنه يحبسه والناس بحاجة إليه، يحبسه والناس بحاجة إليه، فيؤدي بذلك إلى ارتفاع السعر. مصلحة الناس في مصلحة الناس حرم، حرم؛ كما جاء في الحديث: «إن الله هو المسعر القابض الباسط الرزاق»، فالأصل فيه التحريم. لكن إذا كان هناك مصلحة للناس -يعني وجد الإامام مصلحة للناس في التسعير؛ بأن صار في مثلا غلاء فاحش والناس بحاجة إلى هذه السلع- فهنا يسعر، اما إذا كانت الأمور مستقرة فهنا لا يسعر.

نعم. نعم، في الحديث غلا السعر، لكن يظهر والله أعلم أنه يعني ليس بالشيء الذي يمكن أنه حصلت حاجة ماسة للناس فيها، فلذلك لم يسعر النبي صلى الله عليه وسلم.