السلام عليكم. قال رحمه الله: والشرط الثالث أن تكون العين المعقود عليها، أو على منفعتها، مباحة النفع من غير حاجة، بخلاف الكلب؛ لأنه إنما يقتنى لصيد أو حرث أو ماشية. وبخلاف جلد ميتة ولو مدبوغ؛ لأنه إنما يباح في يابس.
والعين هنا مقابل منفعة، فتتناول ما في الذمة كالبغل والحمار؛ لأن الناس يتبايعون ذلك في كل عصر من غير نكير. وكد القز؛ لأنه حيوان طاهر يقتنى لما يخرج منه، وكبزّره؛ لأنه ينتفع به. وكأفي وسباع البهائم التي تصلح للصيد كالفهد والصقر؛ لأنه يباح نفعها واقتناؤها مطلقًا، إلا الكلب فلا يصح بيعه؛ لقول ابن مسعود رضي الله عنه: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ثمن كلب» متفق عليه.
علق عليها ذكر شيخ في الحاشية قال: كذا في النسخ المعتمدة لدينا، ولعل صوابه أبو مسعود كما في مصادر التخريج.
وقال: وبيع الخمر ولو كان لذمي، والحشرات لا يصح بيعها؛ لأنه لا نفع فيها، إلا علقًا لمص دم، وديدان لصد صيد سمك وما يصاد عليه، كبوم شباش؛ كذا بفتح الشين، أي نعم، بعضهم يضم الشين وبعضهم يفتحها.
أحسنت. هنا ذكر الشرط الثالث من شروط صحة البيع: أن تكون العين المعقود عليها، أو على منفعتها، مباحة النفع من غير حاجة. وبعضهم يقول: أن يكون المبيع مالًا. والمال ما أبيح الانتفاع به من غير حاجة؛ يعني لابد أن تكون فيه منفعة، وأن تكون منفعته مباحة، وأن تكون إباحتها مطلقة، يعني لا تكون مما لا يباح إلا عند الحاجة أو لا يباح إلا عند الضرورة.
فخرج عندنا إذًا بهذا القيد أربعة أمور: الأول: ما لا منفعة فيه، وهذه ذكر مثال عليها الحشرات إن لم تستفد منها. الثاني: ما منفعته محرمة كالخمر. الثالث: ما لا يباح الانتفاع به إلا عند الضرورة كالميت. الرابع: ما لا يباح الانتفاع به إلا عند الحاجة كالكلب.
قال: أن تكون العين المعقود عليها أو على منفعتها مباحة النفع من غير حاجة. يقول موفق رحمه الله: كل مملوك أبيح الانتفاع به يجوز بيعه، إلا ما استثناه الشارع من الكلب، وأم الولد، والوقف؛ لأن الملك سبب لإطلاق التصرف، والمنفعة المباحة يباح له استيفاؤها فجاز له أخذ عوضها، وأبيح لغيره بذل ماله فيها توصلاً إليها.
يعني يقول لك مثلاً: شخص عنده سيارة، الانتفاع بها في قيادتها وقضاء المشاوير عليها؛ فالآن السيارة إذا يباح الانتفاع بها هو مالكها ما دام مالكًا لها، فإنه مطلق التصرف فيها، والمنفعة المباحة هذه التي هي الركوب والقيادة وقضاء حاجاته عليها يباح له استيفاؤها بنفسه، فجاز له المعاوضة عليها، وجاز لغيره -الذي هو لمن أراد شراءها- أن يبذل فيها مالًا ليتوصل إلى الانتفاع بها.
قال: بخلاف الكلب؛ لأنه إنما يقتنى لصيد أو حرث أو ماشية. وهذا جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إني أتخذ كلباً إلا كلب صيد أو ماشية أو حرث» نقص من أجره كل يوم قرطًا. وكما قال صلى الله عليه وسلم.
طيب، إن اقتناه لحفظ البيوت حراسة البيت، هل هي موجودة في الحديث؟ الأصل هو الاقتصار على ما استُثني. هل العلة تخصص العام إذا خصصت؟ شيخ، إذا قال لك: إلا كذا وكذا وكذا، الاستثناء عنده كستنا معيار العموم، فالحديث عام. طبعًا هذا المذهب عندنا أن إذا اقتناه لحفظ البيوت لم يجز للحديث.
قال موفق: ويحتمل الجواز قياسًا على الثلاثة؛ لكنه رجع الأول رحمه الله؛ لأن قياس الثلاثة عليها يبيح ما تناول الخبر تحريمه، وليس هو في معناه. طبعًا هي محل خلاف مختلف فيها، هي محتملة، لكن المذهب كما قلنا لكم أنه إذا اقتناه لحفظ البيوت لم يجز، فيقتصر على الثلاثة.
قالوا: بخلاف جلد ميتة ولو مدبوغ؛ لأنه إنما يباح في يابس. فجلد الميتة إذًا يباح الانتفاع به في أحوال مخصوصة، لا الانتفاع به مطلقًا. طبعًا تقدم لنا في كتاب الطهارة في باب الآنية الخلاف في جلد الميتة هل يطهر بالدبغ أو لا يطهر، والمذهب أنه لا يطهر بالدبغ، لكن يباح استعماله بعد الدبغ في يابس من حيوان طاهر في الحياة. والخلاف في بيعه مبني على الخلاف في طهارته؛ فمن قال بطهارته بالدبغ أجاز بيعه، ومن قال بعدم طهارته بالدبغ لم يجز بيعه، أما قبل الدبغ فإنه لا يجوز بيعه قولًا واحدًا.
قال: والعين هنا في قوله "أن تكون العين" يقول: مقابل المنفعة، فتتناول ما في الذمة. ما مقصوده بهذا؟ ماذا تقصد؟ هل هو مشمول بهذا الشرط أو لا؟ أحسنت. يعني يقول العين هنا ليست بمعنى العين التي مرت علينا في صور البيع (عين بعين)، عين بدين؛ لا، العين هنا مقابلة للمنفعة فتشمل العين والدين، لذلك قال: أن تكون العين معقودًا عليها أو على منفعتها معقودًا عليه، سواء كانت عينًا أو دينًا أو على منفعتها.
قال: كالبغل والحمار؛ الآن يمثل لك على أشياء يجوز بيعها. كالبغل والحمار، فهذا يجوز بيعها. لماذا؟ طبعًا يمثلك بأشياء قد يصير فيها إشكال: البغل والحمار، هل هما طاهران أو نجسان؟ الحمار الأهلي الإنسي، والبغل متولد منه، فيكون نجسًا، ومع ذلك جاز بيعها. لماذا جاز بيعها؟ لأن الناس ستدل بالإجماع العملي؛ الناس يتبايعون ذلك في كل عصر من غير نكير، كان إجماعًا. فهو يشير بهذا المثال لأنه لا يلزم أن تكون العين متفقًا على طهارتها، كما أن الحمار والبغل مختلف في كونه طاهرًا أو نجسًا، فيقول لك لا يلزم أن تكون متفقًا على نجاستها، بل هناك من الحيوانات ما هو مختلف في نجاسته ومع ذلك يصح بيعه لأن نفعه مباح. إذًا يجوز بيع النجس إذا وجد فيه منفعة كانت مباحة، ولا خلاف في إباحة بيعها.
المثال الثاني: دود القز؛ قال لأنه حيوان طاهر يقتنى لما يخرج منه من الحرير، ففارق الحشرات التي لا نفع فيها أصلًا، فإن نفع هذه كثير؛ لأن الحرير الذي هو أشرف ملابس الدنيا إنما يحصل منها. قال: وكبزره؛ لأنه ينتفع به، يعني بزر الدود الذي هو...
بيضه إذا لم يذب؛ لأنه طاهر منتفع به، لكنه الآن لا ينتفع به، هذا الدود الصغير أو البيضة، لكنه إذا كبر فسينتفع به في صنع الحرير.
قال: «وكفيل وسباع البهائم التي تصلح للصيد كالفهد والصقر؛ لأنه يباح نفعها واقتناؤها مطلقًا لأنها يصاد بها، لكن السباع التي لا تصلح للصيد كالأسد والذئب، فهذه لا يجوز بيعها لأنه لا نفع فيها، فأخذ ثمنها أكل للمال بالباطل».
فإن كان الفهد أو الصقر ليس بمعلم ولا يقبل التعليم، يعني عندك صقر لا يُعلم وإن علمت لا يقبل التعليم، كبير جدًا لا يقبل التعليم، فهل يجوز بيعه؟ قالوا: لا يجوز بيعه لعدم الانتفاع به، أما إذا كان مما يمكن تعليمه فيجوز بيعه لأنه سينتفع به.
استثنى المؤلف رحمه الله تعالى من سباع البهائم الكلب، فلا يصح بيعه للنص؛ قول أبي مسعود: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب» متفق عليه، وهذا لأنه إنما يباح الانتفاع به عند الحاجة. قال الموفق رحمه الله: «لا يختلف المذهب أن بيع الكلب باطل»، أي كلب كان، بحديث أبي مسعود هذا، وحديث رابع بن خديج: «ثمن الكلب خبيث»، ولأنه حيوان نهي عن اقتنائه في غير الحاجة إليه، وهو العين أشبه الخنزير.
قوله: «عامة الأصحاب»، أنه لا يباح بيع الكلب ولو كان مما يباح اقتناؤه، كالكلب الصيد والحرث والماشية. كيف يقتنى؟ يربي من الصغر، يصطاد، يهجد. قال المؤلف إن الكلب فلا يصح بيعه مطلقًا، لا من البائع ولا من المشتري، المذهب عندنا أنه لا يجوز بيعه.
انظر في حاشية الشيخ ابن عثيمين رحمه الله، يقول: «عموم تحريم الكلب يشمل المعلم وغيره»، واختار الحارثي صحة بيع كلب الصيد. الحارثي من هو؟ له شرح، المقنع، طبعًا موجود من شرح أبواب معينة في المعاملات، لكن هذا الكلام ذكره في الغصب، نسيت، مطبوع خمسة أبواب تقريبًا، الغصب منها والعيارة والشفعة، ذكره استطرادًا في الغصب.
الحارثي رحمه الله متأخر عن الموفق رحمه الله، واستدل الحارثي بما روي عن حماد بن سلمة، عن الزبير، عن جابر: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب والسنور إلا كلب صيد»، والإسناد جيد. هذا كلام الحارثي يقول الإسناد جيد، قال شيخنا رحمه الله: «وقد أعل هذا الحديث بالوقف، الموقوف على جابر، وبأن أبا الزبير مدلس ومصرح بالسماع لجابر، وبضعف أحد الطريقين وهو طريق الحسن بن أبي جعفر عن حماد»، وعليه فالقول الأصح وهو المذهب، واختاره ابن القيم رحمه الله في كتاب الهدي.
لكن الظاهر أنه يجوز المعاوضة عن النزول عن حقه؛ لأن تملكه تملك حق الاختصاص به. يقول الشيخ رحمه الله: «الظاهر أنه يجوز المعاوضة عن النزول عن الحق»، تقول: أنا أتنازل عن اختصاصي بهذا الكلب بمبلغ كذا، قال الظاهر جوازه، ويحتمل ألا يجوز لأنه حيلة، لكن لو احتاج إليه وطلبه ممن لا حاجة له وجب عليه بذله فيما يظهر، لأنه ليس المالك، بل شخص يحتاج إلى الكلب مثلا لحراسة غنمه، وهناك شخص آخر عنده كلب فقط لتربيته، يعني حراسة بيت، مما يعني إما النفع به محرم أو أنه زائد عن حاجته. يقول الشيخ: «وجب عليه بذله له فيما يظهر، لأنه ليس بمالك وإنما له حق التقديم والاختصاص، فيشبه الكلاء والماء».
القول بأن الكلب المباح يجوز بيعه هذا قول المالكية رحمهم الله تعالى. هل الكلب مما يباح اقتناؤه؟ هل الكلب الذي جعل الجعل عليه مما يباح اقتناؤه؟ يعني قال ائتني بكلب صيد، فيشكل أن يعطيه الجعل عليه، لكن قال له ائتني بكلب؛ أي كلب؟ كلب مما لا يجوز، فلا يجوز أخذ الجعل عليه لأنه فعل محرم.
قال: «بيع الكلب المباح اقتناؤه خلاف الجمهور»، قال: «ولا بيع آلة لهو»، لماذا؟ لأن النفع منها محرم. في حاشية الشيخ رحمه الله، يقول في الإقناع وشرحه في باب الموصى به: «ولا تصح الوصية بطبل لهو لا يصلح للحرب حال الوصية، وإن كان من جوهر نفيس ينتفع برضاه، كالذهب والفضة صحت، وقياس ذلك صحة بيعه».
نعيد النقل: «ولا تصح الوصية بطبل لهو لا يصلح للحرب حال الوصية، وإن كان من جوهر نفيس ينتفع برضاه، كالذهب والفضة صحت، وقياس ذلك صحة بيعه»، أي صحة بيع آلة لهو إذا كانت مما يستفاد منه بعضها. يقول شيخنا رحمه الله تعليقًا على كلام البهوتي في الكشاف: «وإذا كان المصحح لبيعه والوصية به هو الانتفاع برضاه، فإن الظاهر أنه لا يشترط أن يكون من الذهب والفضة، بل كل ما ينتفع برضاه فإنه يصح إذا قصد به ذلك». يعني كون شخص يشتري مثلا آلة لهو وإنما ينتفع بخبطها مثلا، فعلى هذا التعليل أنه يصح.
قال: «ولا يصح بيع الخمر»، لأن منفعته محرمة، وجاء في حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام». ونقل ابن المنذر رحمه الله الإجماع على أن بيع الخمر غير جائز، ولأن الخمر محرمة فحرم بيعها.
والتوكيل فيه، قال: «ولو كان ذميين»، هل المراد ولو كان المتعاقدان ذميين؟ الذي نبّه عليه العقد، أو المراد أنه لا يصح للمسلم التوكل عن ذمي في بيع خمر لذمي؟ الآن البائع مالك الخمر ذمي والذي يريد أن يشتري منه ذمي، جاءت ذمي البائع وكل مسلم في البيع، هل هذه هي الصورة المقصودة؟ هو لا شك أن الوكالة تدخل فيها، لكن إذا كان كلاهما ذميين، جاء نصراني أو يهودي وهم يعتقدون حل الخمر، هل نقول لا يصح الكلام؟ لا يصح، لأنه ننظر إلى المبيع، المبيع لا يجوز الانتفاع به، إذاً لا يصح. هم تبايعوا بيعهم فاسد، هذا لا يهمنا، لكن إذا ترافعوا إلى قاض مسلم، فإنه هنا يطبق هذا أنه لا يصح بيعهم. أما إذا كان أحدهما مسلماً...
اشكال، لكن هنا قال: ولو كان ذميين، فالبائع والمشتري إذا كان أحدهما مسلماً فهذا لا إشكال فيه، أنه لا يجوز الكلام فيما إذا كان كلاهما ذميين، فكيف نقول لا يجوز وهم يعتقدان جوازه؟ فلعل المراد أنهما ترافعا إلى قاضٍ مسلم.
قال: والحشرات لا يصح بيعها لأنه لا نفع فيها، فأخذ ثمنها أكراً للمال للباطل. وهذا التعليل يقتضي أنه إذا كان في الحشرات نفع فإنه يصح بيعها. حتى أنه استثنى مسائل، علق لمص الدم نوع من الديدان استعملوها لمص الدم الفاسد، فقالوا يجوز بيعها لحصول المنفعة فيها. وديدان لصيد السمك تجعل كأنها طعما لصيد السمك.
وما يصاد عليه كالبومة، قالوا إنها ذليلة بالنهار رديئة النظر، والطير كلها تعرف البومة بذلك، فهي تطير حول البومة وتضربها وتنتف ريشها إذا وجدوها، فيجعلون البومة مصيدة لأجل أن يأتي الطير يؤذيها في صيد الطير. ذكره بعض من تكلم في الحيوان، فهذه البومة قالوا إنه يجوز بيعها لأنه ينتفع بها. النقل للبومة نفسها ولا الريش؟ لا، ليست من الحشرات، لكن هو تكلم عن الحشرات، وقلنا مسائل في مسألتين هذه معطوفة عليها، لأن يشبه الحشرات بأنه لا نفع فيها، البومة لا نفع فيها، لكن لما كان ينتفع بها في هذا الأمر جاز بيعه.
قال رحمه الله: والمصحف لا يصح بيعه. ذكر في "المبدع" أن الأشهر لا يجوز بيعه. قال أحمد: لا نعلم في بيع المصحف رخصة. قال ابن عمر رضي الله عنهما: «وددت أن الأيدي تقطع في بيعها»، ولأن تعظيمه واجب، وفي بيعه ابتذال له، ولا يك أبداله، وشراؤه استنقاذ. وفي كلام بعضهم من كافر، ومقتضاه أنه إن كان البائع مسلماً حرم الشراء منه لمنافاة الحاجة إليه، بخلاف الكافر. ومفهوم "التنقيح" و"المنتهى" يصح بيعه لمسلم.
المصحف هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى مما لا يجوز بيعه، قال: لا يصح بيعه. ذكر في "المبدع" أن الأشهر لا يجوز بيعه. في فرق بين الاثنتين: لا يصح (وهذا حكم وضعي) ولا يجوز (وهذا حكم تكليفي). هنا إذا قلنا لا يصح فإنه أيضاً لا يجوز. ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أنه لا يصح بيعه، ثم ذكر في النهاية أن مفهوم "التنقيح" و"المنتهى" يصح بيعه لمسلم، ويقصدون أنه يصح بيعه لمسلم مع التحريم.
فهنا مفهوم "التنقيح" و"المنتهى" موافق لما في "الروض" و"الزاد" و"الإقناع" في عدم الجواز وفي التحريم. كلهم متفقون؛ "التنقيح"، و"المنتهى"، و"الإقناع"، و"الزاد"، كل هذه الأربعة متفقة على أنه لا يجوز، أي يحرم بيع المصحف، سواء كان لمسلم أو لكافر.
الخلاف بينهم قبل أن نذكر لا يجوز بيع المصحف لما فيه من ابتذال له، وجاء ذلك عن بعض الصحابة، ابن عمر يقول: «وددت أن الأيدي تقطع في بيعها»، وكره بيع ابن عمر وابن عباس وأبو موسى. وقال الموفق: «لم نعلم لهم مخالفاً في عصرهم»، وقد استدل الإمام أحمد بكراهة ابن عمر وابن عباس في مسائل. وطبعاً الرواية الثانية جواز بيعها، وأثر هذا عن ابن عباس قوله: «لا بأس، يأخذون أجور أيديهم». وهناك رواية ثالثة الجواز مع الكراهة، أي يقصد الكراهة مع الصحة. وقال المرداوي في "التصحيح" عن هذا القول: «قولٌ بالكراهة وعليه العمل ولا يسع الناس غيره».
نرجع إلى الصحة من المسلم أو من الكافر، أما بيعه على الكافر فإنه لا يصح قولاً واحداً في المذهب؛ لأن الكافر ممنوع من استدامة الملك، فمنع من ابتدائه. حتى لو ورث الكافر، هل يمكن أن يرث الكافر مصحفاً؟ الكافر لا يرث المسلم إلا في مسألة واحدة وهي إذا كان معتقاً، فيرث الكافر بالولاء. فلو ورث الكافر مصحفاً فإنه يلزم بإزالة ملكه عنه، فقالوا ما دام أنه يلزم بإزالة الملك عنه فكذلك يمنع من ابتداء تملكه له كسائر ما يحرم بيعه. وقد نهى النبي ﷺ عن المسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن تناله أيديهم، فلا يجوز تمكينهم من التوصل إلى نيل أيديهم.
أما البيع على المسلم، فكما قلنا في الحكم التكليفي يحرم على المسلم في المذهب، وفي رواية بالجواز، وفي رواية بالكراهة. لكن كما قال المؤلف هنا، مفهوم "التنقيح" و"المنتهى" يصح بيعه لمسلم. صاحب "التنقيح" ينقح ما في "المقنع"، لأن صاحب "المقنع" أحياناً يذكر في المسألة روايتين، فهو يبين الرواية الراجحة، وهو مختصر كأنه مشتق من "الإنصاف"، لكنه هو العمدة، فإذا اختلف مع "الإنصاف" فالعمدة على ما في "التنقيح".
قال صاحب "التنقيح": «ويحرم بيع مصحف، ولا يصح لكافر». فمفهوم "التنقيح" يصح للمسلم، وإن لم يصرح بالمفهوم. الحجاوي في حاشيته على "التنقيح" يقول: «وقد يفهم من كلام المنقح أنه يصح بيعه للمسلم مع التحريم وليس بمراد، لكن الشراء استنقاذ جائز للمسلم فقط كما يصح شراء الأسير». أي أن الشراء استنقاذ، وهو الذي يختلف فيه المسلم عن الكافر، أنه يجوز أن يُشترى المصحف استنقاذاً من الكافر. أما بيعه على المسلم وعلى الكافر فكلاهما لا يصح، ولذلك الحجاوي رأيه أنه لا يصح، وذكره في "الإقناع" وفي "الزاد" أنه لا يصح بيع المصحف.
أما صاحب "المنتهى"، فكلامه في "المنتهى" يؤخذ من مفهومه أنه يصح للمسلم، ولم يصرح به في المتن، لكنه صرح به في الشرح الذي هو "الفتوح" نفسه، أنه يصح بيعه لمسلم. شرح به أيضاً البهوتي في شرحه وغيره، فلذلك هم أخذوا بهذا القول، ونشأ هذا القول بصحة بيع المصحف للمسلم مع التحريم.
أُخذ من مفهوم قول الحجاوي من مفهوم قول المرداوي في التنقيح مخالفة، وهذا المفهوم محتمل؛ ولذلك الحجاوي لم يفهم منه ذلك وهو محتمل. لماذا؟ لأن المرداوي رحمه الله لم يذكر هذا القول، ولم ينسبه لأحد لا في التصحيح ولا في الإنصاف، فمحتوى أنه أراد أن هذه قول واحد: الكافر لا يصح بيعه قولًا واحدًا، فمحتمل أنه كذلك. لكن صاحب المنتهى هو الذي تابع الحجاوي والمرداوي في التنقيح في ذكر أنه لا يصح للكافر، لكنه في شرحه صرح بالمفهوم وأنه يصح بيعه لمسلم.
كيف يعني؟ يصح مع الإثم. يصح بمعنى أنه يملكه، نعم مع الإثم. هل النهي يقتضي الفساد؟ فيها كلام كثير، الأصحاب فيها تقسيمات واستثناءات؛ ولذلك ابن... ما في نهي صريح، لكنه أثر ابن عمر الذي فيه وجد نقض في بيعها، لكن لو كان في نهي فأصل الأصحاب رحمهم الله تعالى، كما قال ابن اللحام في القواعد الأصولية، أنه لم يطرد كلام الأصحاب في هذه القاعدة.
الأصل أنه إذا حرم فإنه لا يصح، وقد يكون هذا قد يكون أنهم خالفوا هذه القاعدة، فما في نهي صريح وأخذوه من كلام الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فممكن أن يكون صحيحًا مثل الاستنقاذ. الآن الاستنقاذ؛ شراء المصحف استنقاذ يعني وجدت المصحف عند كافر فتشتري، فهذا لا يكره؛ لأن استنقاذ المصحف يجوز من غير كراهة، كشراء المسلم من الكفار مع كونه حراً محرم البيع، يعني لو رأيت أسيراً مسلماً عند الكفار فتشتري منهم، تستنقذه فتشتري منهم وتدفع لهم مالاً وهو حر، لكنك اشتريته استنقاذًا.
قال: ومثله شراء المصحف من الكافر استنقاذًا، مقتضاه أنه إن كان البائع مسلماً حرم الشراء منه لعدم الحاجة إليه بخلاف الكافر. قال في تنقيح المنتهى: يصح بيعه لمسلم، وذكرنا لكم -أي صح مع التحريم- كلام صاحب الإقناع في الإقناع وفي الحجاوي في التنقيح، والمرداوي في الإنصاف ذكر أن المذهب هو عدم الصحة، والتحريم وعدم الصحة مطلقًا وهو الصحيح والمذهب على ما اصطلحنا عليه.
قال رحمه الله: والميتة لا يصح بيعها لقوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله حرم بيع الميتة والخمر والأصنام» [متفق عليه]، واستثنى منها السمك والجراد. ولا السرجين النجس؛ لأنه كالميت، وظاهره أنه يصح بيع الطاهر منه، قاله في المبدع. ولا الأدهان النجسة ولا المتنجسة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله إذا حرم شيئًا حرم ثمنه»، وأمر بإراقته.
ويجوز الاستصباح بها، أي بالمتنجسة، على وجه لا تتعدى نجاسته كالانتفاع بنجس. ولا يجوز الاستصباح بنجس العين، ولا يجوز بيع سم، ولا يجوز بيع سم قاتل؛ فهذه من الأموال التي لا يصح بيعها. الميتة لا يصح بيعها للحديث: «إن الله حرم بيع الميتة والخمر والخنزير والأصنام»، وأجمع العلماء رحمهم الله تعالى على ذلك، ولا يصح بيع شيء منها؛ لأن ما لا يجوز بيعه كله لا يجوز بيع شيء منه قياسًا على الخمر.
قال المنقح: ولا ميتة مطلقًا. قال الحجاوي في حاشيته: أي ولو لمضطر، يجوز له تناول الميتة لكن صاحب الميتة لا يجوز له أن يبيعها. ليست تستثنى منها السمك والجراد لأنه ميتة يباح أكلها. قال: ولا السرجين النجس، والسرجين هو الروث النجس، فلا يصح بيعه لأنه كالميت؛ لأنه مجمع على نجاسته فلم يجز بيعه كالميت، وقياسًا على رجيع الآدمي، وظاهره أنه يصح بيع الطاهر منه، مثل روث المأكول كروث الإبل والبقر والغنم فيصح بيعه لأنه طاهر.
قال: ولا الأدهان النجسة، يعني التي نجاستها عينية كشحم الخنزير مثلاً، ولا المتنجسة، يعني أدهان طاهرة لكن طرأ عليها ما ينجسها، مثل زيت الزيتون طرأت عليه نجاسة وقعت فيه فأكرمكم الله، فإنه لا يجوز؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله إذا حرم شيئًا حرم ثمنه»، وأمر بإراقته. وفي حديثه ماذا؟ الأمر بإراقة الخمر. وأيضًا الذي وقعت عليه نجاسة، وزواها، طبعًا في بعض الروايات إن كان جامدًا فالقوها وما حوله، وإن كان مائعًا فأريقوه، وإن كانت هذه الزيادة -إن كان مائعًا فليريقوه- فهذه فيها ضعف لكن الأصحاب رحمهم الله تعالى يذكرونها.
ويجوز الاستصباح بها، الاستصباح يعني تجعل لأجل أن تستنير بها، قديماً كانوا يشعلون الأذان بهذه الزيوت، فيجوز الاستصباح بالمتنجس، أما النجسة فلا يجوز كما ذكره في النهاية. المتنجسة يجوز الاستصباح بها على وجه لا تتعدى نجاسته كالانتفاع بنجس، لذلك لا ينتفع به في المائعات. قالوا: ويستصبح على وجه لا تتعدى نجاسته، إما بأن يجعل في إبريق ويصب منه في المصباح ولا يمس، وإما أن يجعل على رأس الجرة شيء من الزيت ويجعل فيها سراجًا مثقوبًا ويطبقه على رأس إناء الزيت، وكلما نقص زيت السراج صب فيه بحيث يرتفع الزيت فيملأ السراج، وعلى قياس هذا كل انتفاع لا يفضي إلى التنجيس فيجوز.
وكونه على وجه لا تتعدى نجاسته، هل هو شرط أو لا؟ ظاهر كلام الفروع أنه شرط، وهو صاحب الإنصاف يميل إلى أنه ليس بشرط؛ قال في غير مسجد، يعني الاستصباح في الأذان المتنجسة في غير المسجد، أما في المسجد فلا يستصبح بها لأنه قد يؤدي إلى تنجيسها. ولا يجوز الاستصباح بنجس العين مطلقًا لقوله صلى الله عليه وسلم: «إنه حرام».
قال: ولا يجوز بيع سم قاتل؛ لأن فيه خلا عن المنفعة المباحة، وهذا في سم الأفاعي. قال: أما السم من الحشائش والنباتات، فإن كان لا ينتفع به أو كان يقتل قليله فلا يجوز بيعه لعدم نفعه، أما إن انتفع به وأمكن التداوي بيسير فإنه يجوز بيعه، مثل بعض الأدوية التي يكون فيها سم لكن يتداوى به، فإنه من سم النبات فإنه يجوز بيعه لأنه طاهر منتفع به. هذا التفصيل ذكره الموفق رحمه الله تعالى، وأيضًا الحجاوي في الإقناع ذكر تفسير السم القاتل لأنه خلا من المنفعة.
المباحة، فلا يجوز بيعه، هذا سم الحيوانات. أما سم النباتات ففصلوا، قالوا: إذا كان لا ينتفع به، أو كان يسيره يقتل، فإنه لا يجوز بيعه. أما إذا كان ينتفع به في التداوي ولا يقتل، فإنه يجوز بيعه؛ لأنه طاهر ومنتفع به. فاشبه بقية المأكولات، نقف على هذا، ونسأل الله للجميع التوفيق والسداد.
يقول المنظفات؛ إن بعضها خطرة مهلكة، هنا على التفصيل الذي ذكره. هنا سمها يبدو أنه ليس من سم الحيوانات، وإنما من سم النباتات، فهل ينتفع بها يسيرها؟ نقول نعم، ينتفع بها في التنظيف فلا بأس.
صح، هم أحيانًا يعبرون بقول؛ لأن هذا غالب ما يقع فيه، يعبرون ببعض سوءهم. يقول: «جاز التصرف»، عبروا أو عللوا بأنه قول يشترط له الرضا. لماذا لا نقول عقد؟ أقول: صحيح، عقد، وهم عبروا بالقول إنه مما يصح به البيع، فعبروا ببعض الصور.
يقول: هل يريد الفقهاء بآلات اللهو عين الآلات الموسيقية، أو هناك عموم مخصوص بينهما؟ إنها آلات اللهو التي هي الآلات التي تستخدم في اللهو، ومنها الآلات الموسيقية. يقول: هل الشطرنج نحوها تدخل فيها إذا كانت محرمة؟ فتدخل، إن لم تكن محرمة فلا تدخل.
كيف نقف على هذا؟ ونسأل الله للجميع التوفيق والسداد، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. السلام عليكم ورحمة.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان