دخولتسجيل الدخول

كتاب البيع 07 | شروط البيع ش4 – أن يكون العقد من مالك أو من يقوم مقامه

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا وعملًا صالحًا يا كريم.

أما بعد، فكنا قد توقفنا في تعليقنا على الروض المربع عند الكلام على شروط البيع، وكنا في الدرس الماضي قد أخذنا الشروط الثلاثة الأولى: الشرط الأول التراضي من المتعاقدين، والشرط الثاني أن يكون الطرفان جائزي التصرف، والشرط الثالث أن يكون المبيع مملوكًا.

هذا هو الرابع الذي معنا اليوم، وهو أن يكون مباح النفع من غير حاجة. نعم، هنا قد توقفنا على الشرط الرابع. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وموالاه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين.

قال المصنف رحمه الله تعالى: «والشرط الرابع أن يكون العقد من مالك للمعقود عليه، أو من يقوم مقامه كالوكيل والولي»، لقوله صلى الله عليه وسلم لحكيم بن حزام رضي الله عنه: «لا تبع ما ليس عندك» [رواه ابن ماجه والترمذي وصححه]. وخص منه المأذون لقيامه مقام الوكيل؛ فإن باع ملك غيره بغير إذنه لم يصح، ولو مع حضوره وسكوته، ولو أجازه المالك ما لم يحكم به من يراه.

أحسنت، هذا الشرط الرابع من شروط صحة البيع، وهو شرط الملك؛ أن يكون العقد من مالك أو من يقوم مقامه، سواء كان البائع أو المشتري يكون مالكًا أو من يقوم مقامه. والذي يقوم مقام المالك مثل الوكيل، والوكالة كما ستأتينا إن شاء الله لاحقًا استنادته جائز التصرف مثله فيما تدخله النيابة.

وكذلك الولي، فالولي على القاصر، ولي على الصغير، أو الولي على المجنون ونحوهم. وكذلك ناظر الوقف، فهو ليس مالكًا، ومع ذلك له أن يشتري للوقف مثلًا، أو يبيع الوقف في المسائل التي يجوز فيها بيعها، كما سيأتينا إن شاء الله في الوقف. وكذلك الوصي الذي أسند إليه تنفيذ الوصية فإنه يقوم مقام المالك.

والحاكم أيضًا يقوم مقام المالك؛ فالممتنع أو الغائب فله أن يبيع مال الممتنع، وله أن يبيع مال الغائب إذا تحققت المصلحة في ذلك. والدليل على ذلك استدل المؤلف رحمه الله تعالى بحديث حكيم بن حزام: «لا تبع ما ليس عندك»، فلا يجوز أن يبيع عينًا لا يملكها ليبيعها ويشتريها ويسلمها. قال موفق: رواية واحدة، ولا نعلم فيه مخالفًا لحديث حكيم بن حزام.

المؤلف الفتوحي رحمه الله في المنتهى استثنى مسألة، وهناك مسألة استثناها الفتوحي في المنتهى، وهي إذا باع العين أو السلعة غير المعينة الموصوفة، يبيعها بالوصف فيما يصح مثله في السلم، فإنه يصح ولو لم يوجد في ملكه، بشرط قبضه أو قبض ثمنه في مجلس العقد.

وسنتكلم عن بيع الموصوف عندنا، بأن البيع هو البيع بالصفة. والبيع بالصفة نوعان كما قال موفق رحمه الله، وذكره أيضًا الحجاوي في الإقناع؛ أن البيع بالصفة نوعان: أن يبيع عينًا معينة، كأن يقول: سيارتي -وهي غائبة- من نوع كذا ويذكر أوصافها، أبيع عليك سيارتي من نوع كذا ويذكرها، فهذا هو البيع بالصفة للعين المعينة، وهذه لا إشكال فيها، ولها أحكام تفترق عن البيع الموصوف غير المعين.

فمن أحكامها أن العقد ينفسخ برد هذه العين إلى البائع؛ فلو جاء المشتري الذي اشتراه -كأن يقول: بعت عليك سيارتي التي أوصافها كذا وكذا، قال: قبلت، ثم ذهب واستلمها- فما أعجبته، إما وجد فيها عيبًا أو لم يرتح لها، ففسخ البيع، فهنا ينفسخ العقد بمعنى أنه لا يلزم البائع بتسليمه سيارة أخرى بأوصافها، فلا يقول: هذه ما جازت لي أعطني سيارة ثانية، لا، هنا انفسخ لأن العقد وقع على هذه السلعة المعينة.

وهذا الخيار إذا رآه، وطبعًا إذا رآه ولم تكن على الأوصاف التي وصفت له -وسنتكلم عن الشرط السادس- لكن إذا كانت على الأوصاف التي وصفت له، فنقول يلزمه البيع، لكن إذا أراد أن يردها بالإقالة فلا إشكال. أيضًا ينفسخ العقد بتلف العين المعينة قبل قبضها؛ فالمثال السابق: قال بعتك سيارتي كذا وكذا وذكر الأوصاف، قال: ما عندي مانع اشتريت، فلما أراد أن يذهب ويقبضها وجدها تالفة، احترقت أو إلى آخره، وجدها تالفة، فهنا ينفسخ العقد، لا يقول: أنت بعت لي سيارة، خلاص ما وجدت لي سيارة، هذه سلمني سيارة ثانية، لا، هنا انفسخ العقد لأنه وقع على عين معينة.

أيضًا الحكم الثالث أنه يجوز التفرق فيه قبل القبض، قبل قبض الثمن وقبل قبض السلعة؛ يعني لو أنه قال: بعتك سيارتي هذه وذكر أوصافها، قال: ما عندي مانع اشتريت بـ خمسين ألفًا، فهنا يجوز لهم التفرق قبل القبض، لا يلزم أن يقبض السلعة أو ثمنها في مجلس العقد.

هذا النوع الأول من البيع بالصفة، وهو بيع العين المعينة. هناك بيع موصوف غير معين؛ يعني يقول: بعتك مثلًا سيارةً أوصافها كذا وكذا، مثلًا عنده معرض سيارات، فقال: أريد سيارةً كذا وكذا، وعنده من هذا النوع خمس سيارات، فباعه سلعةً موصوفةً غير معينة، فهنا يجوز، وهذه التي استثناها الفتوحي وغيره يقولون: حتى لو لم يملكها.

وهذه ترى تقع كثيرًا في المتاجر الإلكترونية؛ يعرض لك سلعة مثلًا جوال آيفون، أوصافه كذا من الفئة الفلانية، أوصافه كذا وكذا، لكن هو حقيقةً ليس موجودًا عنده، فتقول: أريده مثلًا بـ ألفي ريال، تقول: أريده وتدفع له السلعة، فيحضره لك، أو يقول: إذا أحضرته لك ادفع لي، لكن تتفقون على هذا. هل يجوز هذا وهو لم يملكه الآن؟ هو لم يملكه، لكن إذا اتفقتم سيشتريه.

هذا على الذي استثناه الفتوحي وكذلك ذكره في الإقناع، أنه هنا جائز، يكون هو في حكم السلم، وفي معنى السلم، ليس سلمًا لكنه في معنى السلم، ولذلك يترتب عليه أمور. الأمر الأول أنه لو سلم له سلعة غير موصفة له، أو سلم له سلعة على موصفة له فقال أريد إبدالها، فهنا لا ينفسخ العقد بخلاف الأول.

الأول ينفسخ العقد؛ إذا صارت السلعة على غير ما وُصفت له، لماذا؟ لأن الأولى على عين معينة، وهذه على عين موصوفة.

الثاني أنه لا يجوز التفرق قبل قبض أحد العوضين؛ يعني إما أن يقبض الثمن أو السلعة، أو تحضر السلعة. ولماذا قالوا ذلك؟ لشبهه بالسلم.

وهناك شرط ثالث اشترطه بعض الأصحاب، وهو أن ألا يكون العقد بلفظ السلم؛ لماذا قالوا ذلك؟ لأنه إذا صار بلفظ السلم صار عقد سلم، والسلم لابد أن يكون المسلم إليه فيه مؤجلاً بأجل له وقع في الثمن. هنا إذا قال: أعطني إياها، قال: ما أسلم عليك بكرة، لا يجوز؛ ليس له وقع في الثمن، هذا يصير سلم حال، والسلم الحال لا يجوز على المذهب وهو قول الجمهور.

إذاً، بيع الموصوف غير المعين هذا يجوز على المشهور من المذهب، وأجازوه، وأجازه بعض الأصحاب حتى لو لم يكن مالكاً له، بشرط أن يقبض أحد العوضين قبل التفرق، وألا يكون بلفظ السلم. وكيف ذلك؟ طبعاً البيع بالصفة لابد أن تكون العين التي تباع بالصفة مما يصح السلم فيها وتوصف بالصفات التي تكفي في السلم.

لكن المسألة هذه على ما بعد الوعد بالشراء، هم لم يتعاقدوا حتى الآن. لكن الوعد بالشراء أصلاً لو قال: نريد منك أن تشتري العقار الفلاني، نقول هنا لا؛ هذه عين معينة، ولابد أن يكون مالكاً لها. لكن الكلام في لو أراد أن يشتري سلعة غير معينة، فهذا على أحد الأقوال في المذهب وهو المشهور عند المتأخرين رحمهم الله تعالى.

ولم يجيبوا عن حديث «لا تبع ما ليس عندك»، فقالوا: الحديث يراد به العين المعينة التي ليست عنده، ولا يُحمل على العين غير المعينة.

والقول الثاني في هذه الحالة -وهي بيع الموصوف غير المعين- أن جماعة من الأصحاب رحمهم الله يرون الجواز حتى لو لم يكن مالكاً. وهناك قولان آخران في المذهب: قول بأنه لا يصح مطلقاً، بيع الموصوف غير المعين لابد أن يكون موصوفاً معيناً، بغض النظر عن كونه مالكاً أو غير مالك. وقول ثالث بالصحة إن كان في ملكه؛ مثل صاحب المعرض إذا قال: بعت عليك سيارة كذا وكذا، وعنده منها خمس أو عشر من هذا النوع لكن لم يعين له سيارة معينة، فيصح.

أما صاحب المتجر الإلكتروني لو قال: أريد أن أبيع عليك جوالاً، وذكر لك جوالاً وهو ليس عنده في ملكه، لكن إذا اتفقت أنت وياه سيذهب ويشتري، فيقولون: لا يصح؛ يقول يصح إن كان في ملكه وإلا فلا. وهذا الثالث هو اختيار شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وصوبه المرداوي في «تصحيح الفروع»، وذكر أنه ظاهر كلام الموفق في «المقنع»، وكذلك الظاهر إذا جمعنا بين كلاميه في «المغني» يظهر لنا أنه إذا كان موصوفاً غير معين فلا بد أن يكون مالكاً له، والله أعلم.

قال: وخص منه المأذون لقيامه مقام المالك. يعني الآن «لا تبع ما ليس عندك» أي ما ليس في ملكك. والوكيل ليس في ملكه، فيقولون: الحديث خص منه المأذون؛ لماذا؟ لأنه يقوم مقام المالك، فالمالك نزل الوكيل منزلة نفسه، وكذا الوصي والناظر ونحوه؛ ولأن المنع من بيع ملك الغير إنما كان من أجل هذا الغير، يعني لا تبع ما ليس عندك لأجل هذا الشخص المالك قد لا يرضى، لكن إذا كان لك الإذن خلاص زال المحذور.

قال: ولأن الحاجة داعية إلى التوكل، فلو لم يقم الإذن مقام الملك لأدى ذلك إلى الحرج والمشقة. قال رحمه الله تفريعاً على ذلك: فإن باع ملك غيره بغير إذنه لم يصح، ولو مع حضوره وسكوته، ولو أجازه المالك. وهذه تسمى مسألة بيع الفضولي؛ يعني تبيع شخص شيئاً ليس لك، أنت فضولي تطفلت على غيرك وبعت ما ليس لك ولم يوكل، هنا لم يتحقق الشرط وهو شرط الملكية، ولذلك يقول: لم يصح إن باع ملك غيره بغير إذنه، ويجب رده؛ لحديث حكيم بن حزام: «لا تبع ما ليس عندك».

فسروه بأنه ما ليس في ملكك، وليس المراد ما ليس حاضراً. قال موفق رحمه الله: إني فسرنا «ما ليس عندك» بما ليس في ملكك لوجهين: الأول أن النبي ﷺ ذكره جواباً لحكيم حين سأله أنه يبيع الشيء ثم يمضي ليشتريه ويسلمه، فقال: «لا تبع ما ليس عندك»، فدل على أنه المراد ما ليس في ملكك. وأيضاً لاتفاقنا على صحة بيع مال الغائب، ومال الغائب ليس عنده، ومادمنا اتفقنا على صحته، فدل على أن الحديث لا يدل على أن ما ليس عندك يعني ما ليس حاضراً، وهذا هو المشهور عند الأصحاب رحمهم الله تعالى.

وهناك رواية أخرى في المذهب أنه يصح ويقف على إجازة المالك. يعني شخص علم أن جاره يريد بيع بيته ويبحث عن مشتري، فوجد مشترياً وقال: أبيع عليك بيت جاري، واتفقوا على أن يبيعه بمليون، ثم جاء إلى جاره وقال: ترى إني بعت بيتك بمليون، فقال الجار: جزاك الله خيراً، وأجازه. هنا هل يصح؟ القول الأول لا يصح، لذلك قالوا: ولو مع حضوره وسكوته، ولو أجازه المالك.

يعني مثلًا جاء المشتري وقال: أنا أبحث عن بيت، فقال الجار: هناك بيت لجاري هذا يريد أن يبيعه بمليون، فيسكت هذا المشتري ولا يقول شيئاً، ثم قال: تم، والمالك لم يقل شيئاً، لا قال نعم ولا قال لا، سكت؛ فهل يصح البيع؟ يقولون: لا يصح، ولو مع حضوره وسكوته ولو أجازه المالك.

نرجع قبل أن نأتي إلى هذه في أصل المسألة، قلنا أن هناك رواية أخرى في المذهب أنه يصح، بحديث عروة بن الجعد، عروة بن الجعد أعطاه النبي ﷺ ديناراً.

ليشتري له بها شاة، فاشترى شاة، ثم في الطريق باعها، واشترى شاتين، ثم باعها بدينارين، ثم لا أذكر، رجع بشاتين ودينار، ثم اشترى شاة بدينار، ورجع إلى النبي ﷺ بشاة ودينار.

فهنا تصرف فضولي، يعني باع هذه الشاة التي وكله النبي ﷺ بشرائها من غير إذن النبي ﷺ، فقالوا هذا، ثم أجازه النبي ﷺ ودعا له بالبركة ولم يرده النبي ﷺ. وهذا دليل للرواية الثانية في جواز تصرف الفضولي.

الأصحاب رحمهم الله تعالى أجابوا عن حديث عروة بن الجعد قالوا بأن وكالته كانت مطلقة؛ يعني النبي ﷺ وكله في التصرف مطلقاً، ما وكله فقط في شراء الشاة بل وكله في التصرف مطلقاً، قالوا بدليل أنه سلم واستلم، وليس ذلك لغير المالك، يعني الأصل أنه إذا وكل في شيء يتقيد به، فهو سلم واستلم وباع واشترى، وهذا دليل على أنه وكيل مطلق.

قال ولو ما حضوره وسكوته، المثال السابق الذي قلناه؛ حضر وأسكت، قالوا لا يجوز لا يصح البيع، لماذا؟ قالوا لا يعتبر سكوته إقرارًا، بل سكوته بمثابة عدم علم، قالوا لأن السكوت محتمل، فلم يكن إذنًا كسكوت الثيب، إذا استؤمرت لابد أن تتكلم، أما البكر فهي التي إذنها صماتها. الثيب قالوا لابد أن تتكلم؛ لأن سكوتها محتمل، فلذلك قالوا هنا سكوته محتمل فلابد أن يتكلم، قالوا يفارق سكوت البكر لوجود الحياء المانع من الكلام في حقها، وليس ذلك موجودًا ها هنا.

قال ولو أجازه المالك أيضًا، وهذا كما قلنا، وهذه كلها إشارة إلى خلاف حديث عروة بن الجعد: أعطاه دينارًا يشتري به شاة فاشترى به شاتين، ثم باع إحداهما بدينار فرجع بدينار وشاة. هنا ولو أجازه المالك، قال ما لم يحكم به من يراه، هذا استثناء من تصرف الفضولي؛ يعني الأصل أنه لا يصح تصرف الفضولي إلا إذا حكم به من يراه.

فإذا رفعت قضية إلى المحكمة وصار هذا القاضي يرى صحة تصرف الفضولي، فهنا يقولون البيع صحيح ولا يرد، إن حكم الحاكم يرفع الخلاف. قالوا ويصح ويكون التملك لهذا المالك من الحكم، يعني ليس من العقد. لو أن شخصًا باع بيت جاره وأجازه هذا الجار، الآن هذا المشتري من يوم اشترى هذا البيت أجره، بعد سنة رفعت دعوة للمطالبة بفسخ البيع لأنه بيع فضولي، وقد قال الفقهاء إنه لا يصح تصرفه، وإذا طمع هذا المالك وقال أريد أن أبطل هذا البيع، وكان القاضي ممن يرى صحة تصرف الفضولي إذا أجازه المالك، فقال هذا البيع صحيح، هنا ملك المشتري هذا البيت، قالوا الملك يكون له من حين الحكم. فالريع الذي أتته الأجرة قبل الحكم يكون للمالك السابق، لا يكون للمشتري لأن على المذهب أنه باطل، لكن صححوا لوجود الحكم، صححوه من الحكم.

وهناك وجه في المذهب ذكره في الفروع أنه يكون من حين العقد، نعم تصحيح الحاكم للعقد يكون من الأصل، لكن الآن الحاكم كأنهم قالوا إن البيع باطل من الأصل، فلما صححه الحاكم عرفنا صحته من حكمه، أما من قبل فنرى أنه غير صحيح، فإذا كان من قبل غير صحيح يكون الريع للمالك السابق.

يقول: إشكال في قوله «مع حضوره وسكوته»، لأنه إذا سكت ولم يتكلم فالأصل أنه موافق، والسكوت في معرض الحاجة إلى البيان؛ فالقواعد الفقهية هذه طبعًا يحتج بها، لكن إذا وجد هناك ما يعارضها من تعليلات أو قواعد أخرى فإنه ينظر في الأرجح، مثل الأدلة. فهنا هذه قاعدة تسند هذا، لكن يقولون عندنا الأصل أن يكون الموافقة صريحة، السكوت الآن محتمل، قد يكون سكت حياءً، أو سكت أجبره على أن يسكت، فله احتمالات، والأصل أن الإنسان لا يحل ماله إلا بطيب نفس منه، فهنا والأموال محرمة، فالأصل في الأموال الحرمة، فهنا رجحوا حرمة الأموال.

قال رحمه الله: «أو اشترى بعين ماله» أي مال غيره بلا إذنه لم يصح ولو أجيز لفوات شرطه. يعني عندنا الآن الشراء، هو الآن فضولي في الشراء، من السابق فضولي في البيع، الآن فضولي في الشراء، أعطاه صاحبه ألف ريال وقال: أودعها في البنك، فجاءت الألف ريال ومر بها على محل ووجد سلعة ظن أنها تناسب موكله فاشتراها، الآن اشترى بعين ماله، يعني عين مال موكله بلا إذنه، لم يستأذن، لم يقل سأشتري لك، فهنا يقول: لم يصح ولو أجيز لفوات شرطه، الشرط الذي هو إيش؟ الملك؛ الشرط لا بد أن يتقدم المشروط، يعني لا بد للملك أن يتقدم على عقد البيع، فالآن عقد البيع ولم يأت الشرط، قالوا: لا يصح ولو أجيز لفوات شرطه، الشرط هو أن يكون من مالك أو من يقوم مقامه.

أحسن الله عليكم، قال رحمه الله: «وإن اشترى له» أي لغيره في ذمته بلا إذنه ولم يسميه في العقد، صح العقد؛ لأنه متصرف في ذمته وهي قابلة للتصرف، ويصير ملكًا لمن اشتري له من حين العقد بالإجازة، لأنه اشترى لأجله ونزل المشتري نفسه منزلة الوكيل، فملكه لمن اشتري له كما لو أذن، ولزم العقد المشتري بعدم الإجازة؛ لأنه لم يأذن فيه فتعين كونه للمشتري ملكًا كما لو لم ينويه لغيره. وإن سمى في العقد من اشتري له لم يصح. «وإن باع ما يظنه لغيره فباع لوارثًا أو وكيلًا صح»، هنا ذكر المسألة أخرى مما يستثنى من تصرف الفضولي.

الآن عندنا تصرف الفضولي يستثنى منه مسألتان إذا حكم به من يراه. وكذلك إذا اشترى في ذمته لغيره ثم أجازه ذلك الغير. ذهب إلى المحل ووجد مثلًا ثوبًا جيدًا، فقال للبائع بكم؟ قال بـ 100 ريال، فقال خلاص، اشترى هذا الثوب بـ 100 ريال ونوى أنها لصاحبه أو جاره. فجاء إلى صاحبه وقال: اشتريت لك هذا الثوب بـ 100 ريال.

طبعًا قوله في ذمته يعني اشترى له في ذمته، بمعنى لم يشترِ بعين المال الذي سلمه له صاحبه، إنما اشترى له في ذمته بمال لم يعين. فدفع له 200 ريال ثم ذهب إلى الصائغ وقال: اشتري لي كذا وكذا بـ 200 ريال ترى إني ناوي لك، قال: خلاص ممتاز. وجاء الصائغ وأخذه ودفع له 200 ريال، هنا هذا التصرف صحيح، هذا تصرف فضولي وهو صحيح.

طبعًا اشترطوا شرطين: أن يشتري في ذمته، في ذمته بمعنى لا يعين المال، لا يكون المال الذي وقع عليه العقد معينًا. والأمر الثاني أن لا يسمي، ما يقول أعطني هذا سأشتريه لفلان، إذا قال سأشتريه لفلان لا، هنا يصير تصرف فضولي فيقولون: لا يصح.

لماذا يصح هنا؟ قالوا: لأنه تصرف في ذمته، بمعنى أنه لم يدفع من عين مال صاحبه، أو لم يعقد من عين مال صاحبه. ولذلك قالوا: لو دفع مثلًا عنده في جيبه 1000 ريال هي لصاحبه، فدفع منها 100 ريال قالوا: يصح، لأنه هو أصلًا ما وقع العقد عليه، ما قال: اشتريت منك بهذه الـ 200، قال: سأشتري منك بالـ 200، سواء اشتراها بالدين أو أعطاه مائتين، سواء مائتين له أو لغيره ما في إشكال، قالوا: لأنه متصرف في ذمته وهي قابلة للتصرف، فتصرف في ذمته ولم يتصرف في مال غيره. وقالوا: وسواء نقد الثمن من مال الموكل أو لا، لأن الثمن هو الذي في الذمة، والذي في الذمة هو الذي نقده عوضه.

قال البهوتي في شرح المنتهى: «وليس له التصرف فيه قبل عرضه على من اشتري له». يعني مثلاً اشترى هذا الثوب ناوي أنه لصاحبه فلان، وصاحبي زيد مسافر يرجع بعد يومين، فقال: لماذا لا آخذ هذا الثوب لي؟ أعجبني، أنا آخذه لي خلاص، أنا أصلًا ما قلت لزيد إني بشتريه. فعلى كلام البهوتي رحمه الله يقول: ليس له التصرف فيه قبل عرضه على من اشتري له، يعني كأنه لازم الشراء لهذا الشخص وليس للمشتري. ومتى يكون للمشتري؟ إذا رد هذا الشخص هذا الشراء، قال: لا أنا لا أريده، فقال: أنا لا أريدها خلاص، تلزم المشتري كما سيأتي في كلام المؤلف.

قال: «ويصير ملكًا لمن اشتري له من حين العقد بالإجازة»، لأنه اشتري لأجله ونزل المشتري نفسه منزلة الوكيل فملكه لمن اشتري له كما لو أذن. يعني هنا نقول: جاء زيد بعد يومين، قلت له: أنا اشتريت لك الثوب، قال: خلاص جيد رضيت به، فهنا يصير الثوب ملكًا لزيد، ملكه الآن من قبل يومين من العقد بالإجازة. يعني صار هذا العقد موقوفًا، ترى المذهب ما فيه عقد موقوف، الأصل أن ما في عقد موقوف عندهم، هنا أجازوا العقد الموقوف، والذين يرون صحة تصرف الفضولي يرون أن هناك عقدًا موقوفًا، يعني موقوف على الإجازة، ويقف العقد على إجازة الآمر لأنه قصد الشراء له، فإن أجازه لزمه وعليه الثمن، وإن لم يقبله لزم المشتري، ولذلك يقول المؤلف رحمه الله: «ولزم المشتري بعدمها» أي عدم الإجازة، لأنه لم يأذن فيه فتعين كونه للمشتري ملكًا هذا من حين العقد كما لو لم ينو غيره لصحة التصرف.

يعني قد يقول قائل: طيب لماذا لا نبطل هذا التصرف؟ نقول: ما دام أنك نويت أنه لفلان ولم يقبله فلان، خلاص، يقول: البيع باطل. يقولون: لا، البيع صحيح، ما في إشكال، لكن هذه السلعة إما أن تكون لك إذا لم يقبلها من اشتريت له، أو ستكون له، أنت اشتريت له خلاص الأصل تكون له، ما قبلها ستكون لك، لأن البيع وقع بإيجاب وقبول صحيحين ودفع الثمن، واتفقوا على الثمن، ما فيه شيء يبطل هذا البيع، فيكون العقد صحيحًا. وإن سمى في العقد من اشتري له لم يصح، يعني قال: اشتريت هذا الثوب لفلان، يقول: لم يصح، وهذا على أحد القولين في المذهب، وهو الذي مشى عليه المتأخرون، ولم يشترطه بعض الأصحاب ومنهم الموفق في المغني.

قال: «وإن باع ما يظنه لغيره فبان وارثًا أو وكيلًا صح». طيب، باع ما يظنه لغيره فبان وارثًا؛ هناك سيارة لأبيه، جاء مشتري قال: خلاص أبيع عليك السيارة، والسيارة لأبيه، فباع هذه السيارة وتبين أن والده قد توفي قبل هذا العقد، ولا يوجد له وارث إلا هذا الابن، فهنا حقيقة باع السيارة وهو يملكها وهو يظن أنه لا يملكها، هنا قال: باع ما يظنه لغيره، هو ما باعها ظنها ملكًا لوالده لم تنتقل إليه، لكن بان أنه يملكها بالإرث، فهنا يصح، وسنذكر التعليل بعد قليل.

المسألة الثانية: باع مثلًا السيارة هذه لوالده، يظن الآن أنها لوالده، لكن تبين أن والده قد أصدر له وكالة بالبيع، فهنا صار وكيلًا، فيقولون: يصح، يصح في المسألتين. لماذا يصح؟ قالوا: القاعدة أن الاعتبار في المعاملات بما في نفس الأمر، لا بما يغلب على الظن. يعني هنا الذي في نفس الأمر أنه في المسألة الأولى أنه وارث يصير مالكًا، وفي المسألة الثانية أنه وكيل يصير مأذونًا له بالتصرف، هذا الذي في نفس الأمر فيصح التصرف. لأن الاعتبار في المعاملات بما في نفس الأمر، وهذا فرق بين العبادات والمعاملات، فالعبادات المعتبر فيها بما يغلب على الظن، هناك تفصيل إذا تبين خلاف الظن هل يعيد أو لا يعيد؟ أما في المعاملات قال: الاعتبار في...

المعاملات فيما في نفس الأمر. قال شيخنا رحمه الله في منظومته في القواعد: والظن في العبادة المعتبر *** ونفس الأمر في العقود اعتبروا.

وفي قواعد ابن رجب رحمه الله في القاعدة 65، ذكر قاعدة في من تصرف في شيء يظن أنه لا يملكه ثم تبين أنه يملكه، مثل الوارث. وذكر من صورها: لو باع مال أبيه بغير إذنه، ثم تبين أن أباه كان قد مات ولا وارث له سواه، فهل يصح تصرفه أو لا؟ قال في صحة تصرفه وجهان، ويقال روايتان.

وذكر في القاعدة التي قبلها القاعدة 64: من توقف نفوذ تصرفه أو سقوط الضمان أو الحنث عنه على الإذن، فتصرف قبل العلم ثم تبين أن الإذن كان موجودًا، فهل يكون كتصرف المأذون له أو لا؟ في المسألة وجهان. وذكر من مسائلها تصرف من تبين أنه وكيل، فهل يصح تصرفه أو لا؟ طبعًا قال فيها وجهان، والمشهور من المذهب الصحة في المسألتين.

أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: «ولا يباع غير المساكن مما فتح عنوة، كأرض الشام ومصر والعراق»، وهو قول عمر وعلي وابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم؛ لأن عمر رضي الله عنه وقفها على المسلمين. وأما المساكن فيصح بيعها؛ لأن الصحابة اقتطعوا الخطط في الكوفة والبصرة في زمن عمر رضي الله عنه، وبنوها مساكن وتبايعوها من غير نكير، ولو كانت آلتها من أرض العنوة أو كانت موجودة حال الفتح.

وكأرض العنوة في ذلك: ﴿مَا جَرَوْا عَنْهُمْ فَزَعًا مِنَّا﴾، وما صولح على أنه لنا ونقرهم معهم بالخراج؛ بخلاف ما صولح على أنه لهم كالحيرة وأليس وبانقيا، وأرضي بني صلبو من أرض العراق فيصح بيعها كالتي أسلم أهلها عليها كالمدينة، بل يصح أن تؤجر. الأرض العنوة ونحوها لأنها مؤجرة في أيدي أربابها بالخراج المضروب عليها في كل عام، وإجارة المؤجر جائزة.

هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى من الأمثلة على شرط الملك: بيع أراضي العنوة، بيع أراضي البلدان التي فتحت عنوة. قال: «ولا يباع غير المساكن مما فتح عنوة»، فالمساكن تباع، لكن غيرها الأراضي لا تباع، كأرض الشام ومصر والعراق، وهو قول عمر وعلي وابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم؛ لأن عمر رضي الله عنه وقفها على المسلمين.

قالوا من مساكن فصاحبها، هنا أراضي العنوة، الأراضي التي فتحها المسلمون عنوة، قالوا لا تباع؛ لأن عمر رضي الله عنه لما فتحت أوقفها على المسلمين، وهذا قول أكثر أهل العلم رحمهم الله تعالى، ووجدت آثار في هذا؛ فإن إيقاف عمر رضي الله عنه لهذه الأراضي للمسلمين جاء في آثار كثيرة.

قال الموفق رحمه الله، وهو مشهور تغني شهرته عن نقله: قال الأوزاعي: «لم يزل أئمة المسلمين ينهون عن شراء أرض الجزية ويكرهه علماؤهم». وقال: «أجمع رأي عمر وأصحاب النبي ﷺ لما ظهروا على الشام على إقرار أهل القرى في قراهم على ما كان بأيديهم من أرضها، يعمرونها ويؤدون خراجها للمسلمين، ويرون أنه لا يصلح لأحد من المسلمين شراء ما في أيديهم من الأرض طوعًا ولا كرهًا».

هناك البيع، وهناك الشراء. والإمام أحمد رحمه الله جاء عنه في بعض الروايات الترخيص في الشراء؛ لورود ذلك عن بعض الصحابة، وأما البيع فلم يرخص فيه رحمه الله تعالى. وذكر الموفق رحمه الله أن هذا القول، أي عدم بيعها، إجماع الصحابة رضي الله تعالى عنهم.

عندنا كون عمر أوقفها على المسلمين، هل المراد بالوقف إيقافه على المسلمين هو الوقف المعروف أنه لا يباع ولا يشترى ولا يوهب إلى آخره؟ أو المراد أمر آخر؟ هنا إذا قلنا المراد بالوقف هو المعروف، فنقول صحيح لا تباع ولا تشترى، لكن العمل كما قال المرداوي رحمه الله؛ العمل على القول الثاني في المسألة أنها تباع، وأنها تباع عليه العمل.

الأصحاب رحمهم الله تعالى استثنوا مسألتين، قالوا: إذا حكم به من يراه فيصح، أو كان الحاكم هو المتصرف فيصح. وهناك قول آخر في المذهب أنه يصح البيع والشراء، وهذا هو الذي عليه العمل. شيخ الإسلام رحمه الله وابن القيم رحمه الله تعالى لهم كلام في هذا، ويقولون إن معنى وقف عمر رضي الله تعالى عنه لهذه الأراضي، لأراضي هذه البلدان التي فتحت عنوة، لا يراد به الوقف المعروف أنها لا تباع ولا تشترى، لكن المراد إقرارها على حالها وضرب الخراج عليها مستمرًا في رقبتها، يعني أنها تجعل في أيدي هؤلاء الكفار يدفعون خراجها للمسلمين، وليس المراد أنها لا تباع ولا تشترى.

يقول: «وليس معنى الوقف الذي يمنع من نقل الملك في الرقبة، بل يجوز بيعها كما هو عمل الأمة وإجماعهم على أنها تورث»، يعني يمنعون الوقف لكن الإرث يجيزونه، يقولون لو مات من هي بيده ورثه من بعده ويدفع الخراج. قال: «والوقف لا يورث، ونقل الملك في رقبته إبطال لحق البطون الموقوفة عليهم منفعته»، إلى آخر كلام الشيخ رحمه الله تعالى.

فهذا القول الثاني هو الذي عليه العمل كما قلنا لكم، أصحابنا رحمهم الله تعالى قالوا إنه إذا حكم حاكم بصحته، أو إذا تصرف الحاكم فيه؛ يعني كان البيع من حاكم أو حكم به من يراه فإنه يصح. قال: «أما المساكن فيصح بيعها»، لأن الصحابة اختطوا الخطط في الكوفة والبصرة في زمن عمر وبنوها مساكن وتبايعوها من غير نكير، المساكن والبيوت يصح بيعها، وهذا بالإجماع العملي من الصحابة فمن بعدهم. نعم، قال أبو عبيد رحمه الله: «ما علمنا أحدًا كره ذلك»، وذكر الموفق إجماعًا.

قال: «لو كانت آلتها من أرض العنوة»، يعني آلة البناء من أرض العنوة، أو كانت موجودة حال الفتح، فإنه يصح بيعها. قالوا: يقاس على أرض العنوة في التي لا تباع أراضيها ما جلوا عنه فزعًا منا. ونحن مر علينا في كتاب الجهاد أقسام الأراضي المغنومة، ذكرنا أنها أربعة أقسام: الأرض التي فتحت عنوة، والأرض التي جلي عنها أصحابها فزعًا منا، والأرض التي صالحناهم عليها على أنها لنا ونقرهم في الخراج، والأرض التي صالحناهم عليها على أنهم يبقون فيها وتكون لهم. قال: يقاس على أرض العنوة في التي لا تباع أراضيها ما جلوا عنه فزعًا منا.

ما جُلا عنه فزعًا منا، وكذلك ما صُولحوا على أنه لنا ونقرهم بالخلاص، لأن أحيانًا مثلًا أرض العنوة التي فتحناها بعد حرب جاءوا عنها فزعموا منها ونحن مقبلون هربوا، فهذه تقاس على أرض العنوة.

صُولحوا على أنه لنا ونقرهم بأداء الخراج؛ صالحناهم على أن هذه الأرض تكون لنا لكن تدفعون عليها خراجًا كل سنة، فهذه تأخذ حكم أرض العنوة في أنه لا تباع أراضيها. بخلاف ما صولحوا على أنه لهم، فالقسم الرابع ما صولحوا على أنه لهم ويدفعون عليها خراجًا، فهذه يصح بيعها. ومثل على الحيرة وأوليس وبانقيا وأرض بني سليم، وهذه نواحي العراق صُولحوا على أنها لهم، قال: فيها يصح بيعها كالتي أسلم أهلها.

طبعًا هذه لماذا يصح بيعها؟ قالوا: لأنها ملك أربابها، لأنها ملك لأربابها وعليهم الخراج ما داموا كافرين، فإذا أسلموا سقط عنهم الخراج، وإذا انتقلت إلى مسلم لم يكن عليه خراج. قال: كالتي أسلم أهلها عليها كالمدينة، يعني هناك بلدان لم تفتح عنوة وإنما أسلم أهلها بالدعوة كالمدينة، فهذه تباع أرضها لأنها ملك لأربابها.

قال: بل يصح أن تؤجر، يعني هنا يقول لا تباع لكن يصح تأجيرها. لماذا يصح تأجيرها؟ قال: لأنها مؤجرة في أيدي أربابها بالخراج المضروب عليها في كل عام، وإجارة المؤجر جائزة. يعني هي حقيقة كأن أصحابها الذين فيها مستأجرين، يقول: يدفعون للمسلمين كل سنة خراج، فهذا الخراج بمثابة الأجرة، وإجارة المؤجر جائزة. الآن أنت لو استأجرت شقة وتريد أن تؤجرها لغيرك يجوز؛ لأنك تملك منفعتها، يقول هذا مثله.

أحسن الله إليك. قال رحمه الله: «ولا يجوز بيع رباع مكة والحرم ولا إجارتها». لما روى سعيد بن منصور عن مجاهد مرفوعًا: «رباع مكة حرام بيعها حرام إجارتها»، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه مرفوعًا: «مكة لا تباع رباعها ولا تكرا بيوتها»، رواه الأثرم. فإن سكن بأجرة لم يأثم بدفعها، جزم به في المغني وغيره.

هنا قال لا يجوز بيع رباع مكة ولا إجارتها، يعني هنا أراضي العنوة لا يجوز بيعها فقط، لا يجوز إجارتها. رباع مكة أي مساكنها، الأراضي العنوة فقط هي التي لا يجوز بيعها، أما المساكن فيصح بيعها. هنا أراضي مكة لا يجوز بيع رباعها أي منازلها ولا إجارتها. وعندنا في مكة أراضي المشاعر، هذه لا يجوز البيع فيها لبقاء المناسك، أو بالأصح بقاء المناسك كموضع السعي بين الصفا والمروة والرمي رمي الجمار، فهذه لا تباع ولا تؤجر، حكمها حكم المساجد إجماعًا، والخلاف في غيرها، يعني في حدود الحرم أو خارج حدود الحرم، من أراضي الحل لكنها تابعة لمكة، فهذه هي التي وقع فيها الخلاف.

هنا المؤلف يقول لا يجوز بيعها ولا إجارتها ويستدلون بهذه الآثار، عن مجاهد مرفوعًا: «رباع مكة حرام بيعها حرام إجارتها»، وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «مكة لا تباع رباعها ولا تكرا بيوتها». وروي أنها كانت تدعى السوائل على عهد رسول الله ﷺ، أو لأنها فتحت عنوة ولم تقسم فكانت موقوفة لا يجوز بيعها كسائر ما فتح عنوة ولم يقسم، والدليل على فتحها عنوة قوله صلى الله عليه وسلم: «وإنها لم تحل لأحد، كانت قبلي ولا تحل لأحد بعدي وإنما أحلت لي ساعة من نهار».

والرواية الثانية في المذهب وهي التي عليها العمل، أنه يجوز البيع والإجارة، وهذا استظهره الموفق رحمه الله تعالى بحديث؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قيل له: هل تنزل غدًا في ذلك المكان؟ قال: «وهل ترك لنا عقيل من رباع أو دور؟»، فلو كانت غير مملوكة لما أثر بيع عقيل شيئًا. ولأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانت لهم دور في مكة كأبي بكر والزبير وحكيم بن حزام وأبي سفيان، فمنهم من باع ومنهم من ترك داره فهي في يد أعقابهم، ولم يزل أهل مكة يتصرفون في دورهم تصرف الملاك بالبيع وغيره، فكان إجماعًا عمليًا.

وكونها فتحت عنوةً فصحيح، لكن النبي صلى الله عليه وسلم أقر أهلها فيها على أملاكهم ورباعهم، فيدل على أنها تركها لهم كما ترك بهوازن نساءهم وأبناءهم. طبعًا هوازن لما حاربهم النبي صلى الله عليه وسلم وأسر منهم نساءهم وأبناءهم أسلموا، فجاؤوا يريدون نساءهم وأبناءهم، والأصل أنهم استُرقوا ولا يرجعون لهم، لكن يرجع الأمر إلى الإمام، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «أما الذي عندي لكم ولكن سأعرض على أصحابي»، وعرض على أصحابه فكلهم فعلوا مثل ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم فترك لهم نساءهم وأبناءهم. يقول: هذه مثلها هنا، ترك لهم ديارهم، تركها لهم يعني أقرهم فيها.

قال: فإن سكن بأجرة، شخص جاء على المذهب أنه لا يجوز استئجارها وسكن بأجرة، قال: لم يأثم بدفعها، جزم به في المغني وغيره. في المغني يقول: من احتاج إلى مسكن فله بذل الأجرة فيه، وإن احتاج إلى الشراء فله ذلك كما فعل عمر، وكان أبو عبد الله الإمام أحمد رحمه الله إذا سكن أعطاهم أجرتها.

أحسن الله إليكم. قال رحمه الله: «ولا يصح بيع نقع البئر وماء العيون لأن ماءها لا يملك»، لحديث: «المسلمون شركاء في ثلاث: في الماء والكلأ والنار»، رواه أبو داود وابن ماجه. قال: ورب الأرض أحق به من غيره لأنه في ملكه. ولا يصح بيع ما ينبت في أرضه من كلأ أو شوك لما تقدم، وكذا معادن جارية كنفت وملح، وكذا لو عشّش في أرضه طير لأنه لم يملكه، فلم يجز بيعه، ويملكه آخذه لأنه من المباح، لكن لا يجوز دخول ملك غيره بغير إذنه، وحرم منع مستأذن بلا ضرر.

هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أيضًا من الأمثلة على ما لم يتحقق فيه شرط الملك؛ بيع نقع البئر، قال: «ولا يصح بيع نقع البئر وماء العيون لأن ماءها لا يملك»، يعني بيع الماء الذي في البئر هنا لا يصح بيعه لأن الماء لا يملك، الأصل أن الماء لا يملك للحديث، طبعًا الحديث الذي ذكره المؤلف رحمه الله النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المسلمون شركاء في ثلاث...».

«المسلمون شركاء في ثلاث: في الماء والكلأ والنار». الماء الذي في الأرض المباحة، يعني في الصحراء، ماء من ماء المطر، هل تأتي وتقول هذا ملك لي وتأخذه أو تبيعه قبل أن تحوزه وتبيعه على الناس؟ لا، هذا ليس ملكًا لأحد، وهذا ينطبق على الحديث.

نأتي إلى الماء الذي في داخل أرض الإنسان، مثل ما في البئر أو نحوه، فهنا هل يملكه في حيازته بكونه في أرضه أو لا؟ يقول: لا يصلح بيعه لأنه لا يملكه، بل رب الأرض أحق به من غيره؛ لأنه صار في ملكه، أنت أحق بهذا الماء الذي في بئرك من غيرك، لكن لا تملكه بذلك. متى تملكه؟ تملكه إذا حزته، مثلاً أخرجت الماء من البئر وصار في أوعية، هنا هذا الماء لك أن تتصرف فيه وتبيعه، لكن الماء الذي في البئر ما استخرجته إلى الآن لا يجوز لك بيعه لأنك لا تملكه.

طبعًا هذه المسألة مبنية على: هل يملك صاحب الأرض الماء بملك الأرض أو لا؟ والمذهب أنه لا يملكه بملك الأرض. قالوا لماذا لا يملكه؟ قال: لأن الماء الذي فيها غير مملوك لأنه يجري من تحت الأرض إلى ملكه، فأشبه الماء الجاري في النهر. وهناك وجه آخر في المذهب أنه يملكه لأنه متولد من أرضه، وقد روي عن أحمد ما يدل عليه، بل قال ابن رجب في القاعدة 85 وأكثر النصوص عن أحمد تدل على الملك، لأن صاحب الأرض يملك الماء الذي في البئر.

قال الموفق: «وقد روي عن أحمد ما يدل عليه، قال: في رجل له أرض ولآخر ماء، فيشترك صاحب الأرض وصاحب الماء في الزرع ويكون بينهما، قال: لا بأس». وهذا يدل على أن الماء مملوك لصاحبه. والموفق رحمه الله صحح عدم ملك الماء لحديث «المسلمون شركاء في ثلاث»، وقال الإمام أحمد رحمه الله: «لا يعجبني بيع الماء ألبتة»، بل رب الأرض أحق به من غيره فيستفيد منه قبل غيره؛ لأنه صار في ملكه.

قال ابن رجب رحمه الله في القاعدة 85: «لصاحب الأرض مقدم على غيره بذلك، فلا يلزمه أن يبذل إلا الفاضل عن حوائجه، ولو سبق غيره وحقق سبب الملك بحيازته...». إذن المذهب أنه لا يصح بيع نقع البئر وماء العيون لعدم تحقق شرط الملك. وكذلك لا يصح بيع ما ينبت في الأرض من كلأ وشوك لما تقدم من الحديث «المسلمون شركاء في ثلاث». النباتات التي نبتت بفعل الله تعالى في أرضه، مثل الكمأة أو العراجين ونحوها، هذه إذا لم يحزها فإنه لا يجوز له بيعها لأنه لا يملكها بمجرد كونها في أرضه.

شيخ الإسلام رحمه الله قال: إن قصد استنباته فإنه يملكه بذلك؛ بمعنى أنه لو حرث أرضه وجعلها مهيأة لأن ينبت فيها نبات من ماء المطر ثم نبت النبات، فإنه هنا قصد استنباته فله أن يبيعه، لكن المذهب يقولون لا يبيعه مطلقًا سواء قصد أو لم يقصد. وكذا يقاس على ما ينبت في أرضه معادن جارية كنفط وملح.

المعادن الجارية قالوا هي التي إذا أخذت منها شيئًا خلفها غيرها، كنفط وملح. النفط ما هو؟ قال في الحاشية: دهن معدني، وهذا يعني أنه ليس هو قطعًا النفط الموجود لدينا الآن. ذكرت في الكتابة القديمة ما يؤيد أنه ليس هو المقصود، وهذا النفط الظاهر وارد في كلام الموفق رحمه الله تعالى وربما قبله، والذي عندنا مكتشف قريب، لذلك ذكره أصحاب المعجم الوسيط ورمزوا له برمز أنه محدث، أي من الألفاظ والمصطلحات الحديثة. فلا أقصد أن النفط المعروف المكتشف قريبًا ليس هو المقصود في كلام الفقهاء رحمهم الله تعالى.

قال: وكذا معادن جارية كنفط وملح، فهذه لا يملكها بملك الأرض؛ لأن نفعها يعم فلم يجوز بيعها كالماء. أما المعادن الباطنة، كمعادن الذهب والفضة والنحاس وما أشبهها، فتملك بملك الأرض ويجوز بيعها، سواء كان موجودًا أو حدث بعد أن ملكها. طبعًا هذا الذي يقرره الفقهاء رحمهم الله تعالى، لكن العمل عندنا الآن في السعودية أنه نظم تملكات المعادن وجعل هناك نظامًا خاصًا لتملكات المعادن، وأن الأصل أنها ملك للدولة وهناك استثناءات يسيرة.

قال: وكذا لو عشّش في أرضه طير فإنه لا يملكه بذلك ولا يجوز له بيعه، لأنه بمجرد أن جاء إلى بيتك وعشّش هنا لا يجوز لك أن تبيعه لأنك لم تملكه بعد، لكن إذا أخذته وجعلته في قفص ونحو هذا ملكته. لكن بمجرد كونه يأتي إلى بيتك أو أرضك فإنه لا تملكه. قال: «ويملكه آخذه» لأنه من المباح.

هذا مما يملك بالأخذ، وهناك أشياء تملك بالبيع، وهناك أشياء تملك بالتبرع، وهناك أشياء تملك بالإحياء كإحياء الموات، وهناك أشياء تملك بأخذها من المباحات مثل الصيد والمعادن ونحوها. قال: «ويملكه آخذه لأنه من المباح، لكن لا يجوز دخول ملك غيره بغير إذنه». يعني عندنا مثلًا الماء الذي في البئر لا يملكه صاحبه، لكن لا يجوز لك أن تقول: ما دام لا يملكه أنا سأدخل وآخذ الماء، بل لا يجوز لك أن تدخل بغير إذنه.

لأن هذا تصرف في ملك الغير بغير إذنه، أشبه ما لو دخل لغير ذلك. فإن تعدى ودخل وأخذه، فهو ملكه وإن كان متعديًا، وقد قدمه في الفروع وقال: «نص عليه».

يعني دخل إلى ملك غيره مثلًا والتقط الكمأة، والأصل بدون إذني، أو بإذني لو أذن فما في إشكال، لكن بدون إذني والتقط الكمأة، قالوا: «يملكه بذلك وإن كان متعديًا». قال في الفروع: «نص عليه»، وقال ابن عقيل رحمه الله: يتخرج عندي أنه لا يملكه بذلك؛ لماذا؟ قال: لأنه سبب حرام فلا يستفاد به الملك كالبيع الفاسد.

وقال: «وحرم منع مستأذن بلا ضرر»، يعني لو أراد شخص أن يستأذن ليدخل مزرعتك ليأخذ منها كمأة أو ليأخذ ماء من البئر وأنت لا تتضرر بذلك فإنه لا يجوز لك أن تمنعه؛ لأن الناس شركاء في ثلاث.

فإن منعه فيدخل قهرًا، فله أن يدخل قهرًا. قال في القواعد: «ومتى تعذر الاستئذان لغيبة مالكه أو غيره، أو استؤذن فلم يأذن، سقط الإذن». طبعًا هذا إذا كان، كما قلنا، الأشياء فوق حاجته ولا يتضرر بالإذن له بالدخول.

نقف على هذا.