دخولتسجيل الدخول

كتاب البيع 35 | تتمة باب القرض 2

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وعملاً صالحاً يا كريم. أما بعد، فكنا قد توقفنا في التعليق على الروض المربع أثناء باب القرض، ووقفنا عند قول المؤلف رحمه الله تعالى: ويحرم اشتراط كل شرط جر نفعاً.

نعم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين. المصنف رحمه الله تعالى: ويحرم اشتراط كل شرط جر نفعاً، كأن يسكنه داره أو يقضيه خيراً منه؛ لأنه عقد إرفاق وقربة، فإذا شرط فيه الزيادة أخرجه عن موضوعه. وإن بدأ به، أي بما فيه نفع كسكنى داره بلا شرط ولا مواطأة بعد الوفاء جاز، قبله أو أعطاه أجود بلا شرط جاز؛ لأنه صلى الله عليه وسلم استسلف بكراً فرد خيراً منه، وقال: «خيركم أحسنكم قضاءً» متفق عليه. أو أعطاه هدية بعد الوفاء جاز؛ لأنه لم يجعل تلك الزيادة عوضاً في القرض ولا وسيلة إليه.

وإن تبرع المقترض لمقرض قبل وفائه بشيء لم تجرِ عادته به قبل القرض لم يجز، إلا أن ينوي المقرض مكافأته على ذلك الشيء أو احتسابه من دينه، فيجوز له قبوله؛ لحديث أنس رضي الله عنه مرفوعاً قال: «إذا أقرض أحدكم قرضاً فأهدى إليه أو حمله على الدابة فلا يركبها ولا يقبله، إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك»، رواه ابن ماجه وفي سنده جهالة.

قدمنا في أول باب القرض أن القرض من عقود التبرعات، وأن المقصود به الإرفاق والإحسان. فإذا خرج عن موضوع الإرفاق والإحسان إلى موضوع الفائدة والربح فإنه يكون محرماً، وهذا سبب تحريم اشتراط كل شرط جر نفعاً. قال المؤلف رحمه الله تعالى: ويحرم اشتراط كل شرط جر نفعاً، كأن يسكنه داره؛ يعني اقترض عمر من أحمد مثلاً مبلغ عشرة آلاف ريال، وقال له أحمد: ما عندي مانع، لكن بشرط أن تسكنني شقة تؤجرها، سأسكن لمدة شهر مجاناً. فهنا هذا الشرط فيه نفع للمقرض، فهو استفاد بهذا القرض أنه سكن مجاناً، فهنا هل يجوز أو لا يجوز؟ يقول لك: لا يجوز؛ يحرم اشتراط كل شرط جر نفعاً، كأن يسكنه داره أو يقضيه خيراً منه.

مثلاً اقترض منه تمراً، سكراً من الدرجة الثانية، وقال: شرط أن توفيني تمر سكري من الدرجة الأولى مثلاً، فهنا لا يجوز؛ لأنه اشترط شرطاً فيه نفع للمقرض. وعلل المؤلف رحمه الله تعالى قال: لأنه عقد إرفاق وقربة، فإذا شرط فيه الزيادة أخرجه عن موضوعه، فيدخل في باب المعاوضة ولا يصير قرضاً. قالوا: لأن الأصل في القرض أن يقرضه مالاً على أن يؤديه بعد مدة، هذا الأصل فيه مبادلة المثل بالمثل سواء كان مكيلاً أو موزوناً. إذا قلنا مثلاً إن العلة في الربا الكيل والوزن، فهنا إذا أقرضه تمراً يرجع له تمراً، فلو خرجت عن موضوع الإرفاق إلى موضوع المعاوضة فالأصل فيها أنها لا تجوز لعدم التقابض. فهنا اغتفر عدم التقابض لأجل الإرفاق والإحسان، فإذا اشترط شرطاً أخرجه عن موضوع الإحسان إلى المعاوضة نقول: نرجع إلى الأصل وهو التحريم. فكل قرض شرط فيه أن يزيده شيئاً فهو حرام بغير خلاف، نقله الموفق وابن المنذر، وهو مروي عن أبي بن كعب وابن عباس وابن مسعود رضي الله تعالى عنهم أجمعين.

هذا إذا شرط، طيب إذا ما شرط؟ قال: وإن بدأ به أي بما فيه نفع، كسكنى داره بلا شرط ولا مواطأة بعد الوفاء جاز، لا قبله. عندنا إذا بدأ مثلاً في المثال السابق، أحمد أقرض عمر تمراً، وقال: ترده لي بعد ستة أشهر. عمر لما سدد هذا التمر، أسكن أحمد بعد أن سدده التمر، أسكن أحمد لمدة شهر في شقة له بعد السداد، فهنا يقول: جائز؛ بدأ بلا شرط، لم يشترط. لو شرط عليه قال: أنا أقرضتك بشرط أن تسكنني، فهنا لا يجوز. بلا شرط ولا مواطأة، يعني يكون الشرط ليس صريحاً وإنما تلميح وتعريض، فهنا نقول هذا لا يجوز. لكن إذا فعله المقترض للمقرض بعد الوفاء فيجوز، أما قبله ففيه تفصيل يأتي بعد قليل.

قال: أو أعطاه أجود بلا شرط جاز؛ يعني المثال السابق قلنا إذا اقترض تمر سكري من الدرجة الثانية، وقال تسددني تمر سكري من الدرجة الأولى، إذا كان بالشرط لا يجوز. لكن إذا كان بدون شرط جاز. جاء مثلاً أحمد قال لعمر: وين التمر الذي أقرضتك، كان تمر سكري من الدرجة الثانية؟ قال: ما فيه، ذهب إلى السوق وما وجد إلا تمر سكري من الدرجة الأولى فأحضر له، فهنا يجوز؛ لفعله صلى الله عليه وسلم، النبي صلى الله عليه وسلم استسلف بكراً فرد رباعياً، رد خيراً منه، وقال: «خيركم أحسنكم قضاءً».

طيب هذا إذا رد الأجود، طيب إذا رد الأكثر؟ اقترض مثلاً عشرة آلاف ريال، يوم جاء يسدد ما عنده إلا، الأصل يسدد عشرة، فأعطاه عشرة آلاف وخمسمائة، وهذا ما سلط عليه شيئاً، هل يجوز؟ هو ليس مشروطاً. هل يجوز أو لا؟ الحقيقة معه، ليس بعد انتهائه، مع السداد أعطاه، لو أعطاه عشرة ومن بكرة أعطاه خمسمائة، هذه ما فيها إشكال، لكن في السداد أعطاه عشرة وخمسمائة، هل فيها شبهة؟ طيب ما شرط عليه ذلك. هنا المؤلف رحمه الله قال: أجود، فظاهره عدم جواز الزيادة في العدد. لكن الموفق رحمه الله في المغني وفي الكافي ذكر أنه إذا أقرضه مطلقاً من غير شرط، فقضاه في القدر أو في الصفة أو دونه برضاه جاز، واستدل بحديث أبي رافع: «فإن خيركم أحسنكم قضاءً».

فالموفق رحمه الله كلامه على أنه إذا زاده حتى في القدر فيجوز، في الصفة ما في إشكال، هو ذكره هنا إذا أعطاه أجود، هذا في الصفة. لكن الموفق رحمه الله زاد حتى في القدر، فإذا أعطاها عشرة آلاف وخمسمائة جاز، ونص عليها في الإقناع. أما في المنتهى فنص على الأجود فقط. البهوتي رحمه الله في الكشاف حمل كلام الموفق والحجاوي في الإقناع على الزيادة اليسيرة، أما الزيادة الكثيرة فيقول إنها لا تجوز، إنها لا تجوز. وهو حملها عليهما؛ قال في كلام لابن عقيل رحمه الله في الفصول: وأما الذهب والفضة فيعفى فيهما عن الرجحان في القضاء إذا كان يسيراً، فقال: نحمل كلام الموفق والحجاوي على ما يوافق كلام ابن عقيل رحمه الله في الفصول.

نعم، يكون صريحاً بعد انتهاء الدين لا قبل، لذلك قال: كسكنى داره بلا شرط ولا مواطأة بعد الوفاء. بعد الوفاء هذا يحمل على، لكن أعطاه أجود هذا في أثنائه، أعطاه أجود مثل النبي صلى الله عليه وسلم، أعطاه بدل البكر أعطاه رباعياً. طيب أو أعطاه هدية بعد الوفاء جاز، مثلاً لما اقترض منه وسدده، أعطاه ساعة، أعطاه قلماً، أعطاه مبلغاً مالياً بعد الوفاء، انتهوا، بعد الوفاء فجاز. لماذا علل للجواز؟ قال: لأنه لم يجعل تلك الزيادة عوضاً في القرض ولا وسيلة إليه. لأنه يعني لو كان قبل الوفاء قلنا كان المقترض يقول للمقرض: لعلك تمهلني، لعلك تتجاوز ونحو ذلك، فكأن هذه فيها معاوضة. لكن إذا كان بعد الوفاء ما في معاوضة ولا شيء، انتهى الذي بينهما.

طيب الآن سيذكر ما قبل الوفاء، إن تبرع المقترض لمقرض قبل وفائه بشيء، إذا انتهينا بعد الوفاء، أو شيء في أثناء الوفاء إذا أعطاه أجود ما في إشكال، إذا أعطاه أكثر قلنا لكم فيه الخلاف بين الأصحاب رحمهم الله تعالى. بعد الوفاء يجوز بلا شرط، أعطاه هدية أو أسكنه داره ونحو ذلك. قبل الوفاء، فصل قال: إن تبرع المقترض لمقرض قبل وفائه بشيء لم تجرِ عادته به قبل القرض لم يجز. إذاً نقول إذا جرت العادة بين المقرض والمقترض بالمهاداة فيجوز، يعني مثلاً الاثنان طلاب علم، المقرض والمقترض أصدقاء، يعني بين فترة وأخرى يذهبون للمكتبة، يذهب كل واحد منهم ودّه للمكتبة، فإذا أعجبه كتاب وظن أن صاحبه ليس عنده هذا الكتاب، أخذ منه نسختين وأهدى إحداهما لصاحبه، والثاني كذلك، فجرت عادتهم بالمهاداة، ففي مرة من المرات احتاج أحدهما للاقتراض من الآخر، ثم ذهب المقترض مرة، وإلى الآن ما سدد القرض، ثم ذهب المقترض مرة إلى المكتبة ووجد كتاباً جديداً ونفيساً، فأخذ نسخة له ونسخة لصاحبه المقرض، فذهب يسلمه هذه الهدية، فهل تجوز؟ نعم تجوز؛ لأن هذه جرت العادة، إذاً هذه الهدية ليست لأجل القرض فجازت.

أما إن كانت لأجل القرض ما جازت. أما إذا لم تجر عادته به فإنه لا يجوز، إلا استثنى أمرين، إلا أن ينوي المقرض مكافأته على ذلك الشيء أو احتسابه من دينه، فيجوز له قبوله. يعني عندنا الآن هذا مثلاً محمد وصالح، ذول جيران لكن العلاقة سطحية بينهما، بعد مدة صالح احتاج للاقتراض من محمد، أقرضه عشرة آلاف ريال، صالح اقترض إذاً من محمد عشرة آلاف ريال على أن يسدده بعد سنة. في أثناء السنة، صالح بدأ يهدي إلى محمد هدايا، هنا لم تجرِ عادته به، وكانت الهدية بعد القرض وقبل الوفاء، فالاصل أنها لا تجوز، إلا إذا نوى المقرض مكافأته على ذلك الشيء أو احتسابه من دينه.

إذا نوى المقرض مكافأته، بمعنى ما عندي مانع بقبلها وبهدية مثلها، فهنا يجوز للمقرض قبوله. وكذا لو نوى احتسابه من دينه، ما في إشكال، سأقبل هذا عطر، هذا تمر، هذا مثلاً طعام مطبوخ ونحو ذلك، خلاص أنا بحسب قيمته، فإذا جاء يسدد من القرض سأخصم قيمة هذه الهدايا، فهنا يجوز له قبوله. واستدل المؤلف رحمه الله تعالى بحديث أنس، طبعاً هنا يقول فيجوز له قبوله، يجوز لمن؟ المقرض. طيب المقترض هل يجوز للمقترض أصلاً ابتداءً أن يهدي له؟ واضح السؤال يا عبد الرحمن؟ طيب هنا قال يجوز له قبوله إذا نوى احتسابه من دينه ومكافأته عليه، يجوز للمقرض أن يقبل، طيب ما في إشكال مقرض يجوز له أن يقبل، طيب المقترض من الأصل هل يجوز له أن يبتدئ بالإهداء؟ أو نقول إذا جاز له القبول إذاً صار حكم الإهداء هذا جائز؟

الحكم شيخ متعلق، كيف مبتدأ حق إهداء؟ قبل، أي ما في إشكال. قبل الآن أهدى مثلاً محمد أهدى إلى صالح قبل الوفاء، طيب محمد هو المقترض وصالح المقرض، فمحمد أهدى إلى صالح، قلنا لصالح: لا تقبلها إلا إذا كنت ستكافئها عليها أو تحتسبها من دينك. طيب قال خلاص احتسبها من ديني، قلنا إذاً يجوز لك أن تقبله، هذا الحكم للمقرض يجوز له القبول. المقترض هل نقول: إذا جاز للمقرض القبول إذاً ينقلب الحكم في حق المقترض إلى الإباحة؟ أو نقول: لا، يبقى على التحريم، حتى لو كان هذا سيحتسب له من دينه.

مباح، ليس محرماً، لماذا؟ لأن ما حصل مستثنى صورة المكافأة واحتسابها، احتسبها، محرم ما حصل؟ أسقطها من قرضه، لكن هو الذي ابتدأ، الإهداء ما يدري هو سيسقط من قرضه أو لا، وينت ما حصل. شلون؟ لعله يكون جاز إذا أقرض أحدكم قرضاً فأهدى إليه أو حمله على الدابة فلا يركبها ولا يقبله إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك، هذا استثناء إذا كان جرت بينهما المهاداة. طيب هنا إذا نوى مكافأته أو احتسابه من دينه، هذه ما ذكرت في الحديث، لكن استدل الأصحاب رحمهم الله تعالى بآثار عن بعض الصحابة. لكن هنا هل ينقلب الحكم إذا نوى المكافأة أو الاحتساب من الدين، هل ينقلب الحكم في حق المقترض إلى الإباحة، أو نقول يبقى في حقه محرماً؟ فيكون في حقه محرماً وفي حق المقرض مباحاً.

لو قبل هل حصلت المنفعة؟ هو ابتدأ هو بالإهداء فأقدم عليه وهو ممنوع منه، لكن هذه يعني محتملة هذا وهذا، طبعاً الأصحاب رحمهم الله تعالى كلامهم ليس صريحاً في حكمه بالنسبة للمقترض، لكن الشيخ ابن فيروز رحمه الله قال تعليقاً على ذلك قال: فيجوز له قبوله، قال: أقول ظاهره أنه لا يحرم عليه، يعني على المقرض، أما المقترض فالظاهر الحرمة. يعني يبقى في حقه محرماً، وأما المقرض فيكون في حقه مباحاً، لا إشكال أنه يختلف الحكم بالنسبة للطرفين، مثل دافع الرشوة لأجل استنقاذ حقه، ما استطاع أن يصل إلى حقه إلا بدفع الرشوة، فيكون دفع الرشوة في حقه مباحاً، وأخذ الطرف الآخر للرشوة محرماً، فلا إشكال في اختلاف الحكم بالنسبة للطرفين. هنا طبعاً المسألة محتملة، قد نقول إنها لما كافأه عليها ينقلب في حقه مباحاً قصد المقترض، ويحتمل أن نقول إنه يبقى في حقه محرماً لأنه أقدم عليه ولا يعلم أن هل المقرض سيكافئ أو سيسقط شيئاً من دينه أو لا.

نوى مكافأته عليه واحتسابه من دينه. الأثرم روى أن رجلاً كان له على سماك 20 درهماً، فجعل يهدي إليه السمك، وبدأ المقترض يقوم هذا السمك، فقوم حتى بلغ 13 درهماً. فسأل ابن عباس عن ذلك فقال: أعطه سبعة دراهم. حتى إن الأصحاب رحمهم الله تعالى يقولون: لو استضاف غريمه ولم تكن العادة جرت بينهما بذلك، حسب له ما أكله؛ لأنه لم تجري العادة، فهم يعدون الضيافة بمثابة الهدية. قال في الفروع: ويتوجه لا يحسب له. قال في الإنصاف: قلت ينبغي أن ينظر، فإن كان له عادة بإطعام من أضافه لم يحسب له، وإلا حسب. أن ينظر للشخص هذا الذي دعا المقرض، هل هو يعني من العادة أن يعزم الناس ولا ما عزم أحداً؟ أقرضه عزمه. طيب هذا في الضيافة الخاصة، لكن في الضيافة العامة، يعني مثلاً دعوة زواج أو أن المقترض عنده مناسبة زواج فدعا المقرض، فهنا يقولون: قال في الفروع ظاهر كلامهم أنه في الدعوات كغيره، لا يحسب له ما أكله، لكن في الدعوة الخاصة قالوا يحسب له ما أكله.

وأيضاً قال في الفروع: ما لم تكن الضيافة واجبة. متى تكون الضيافة واجبة؟ يمكن لا تتصور في حالنا الآن، شخص نزل في بلد مسافر، ليس فيها فنادق ومساكن وشقق، فهنا ينزل على أحد من المسلمين ويضيف، هنا الضيافة واجبة. فلو نزل المقرض على المقترض وأضافه لا يحسب له الضيافة، وإذا كان في غير ذلك ونزل به فهنا على الخلاف، هل يحسب له أو لا يحسب له، أو يفرق بين هذا الشخص الذي دعا المقرض، هل هو له عادة بإضافة الناس أو لا؟ على حسب ما تقدم قبل قليل في ذكر الخلاف.

صحيح الفقهاء رحمهم الله تعالى من قرأ في كلامهم وخاصة في المطولات يمكن المختصرات ما يتبين هذا، المطولات يجد تفصيلاً كثيراً، خاصة في مراعاة حيل الناس، خاصة عند الحنابلة رحمهم الله تعالى. والمالكية عندهم في باب سد الذرائع أشد المذاهب في سد الذرائع المالكية والحنابلة، أما الحنفية والشافعية فهم أخف. فتجدهم مر علينا في شروط البيع، في البيوع الفاسدة، مسائل حرموها لوجود الذريعة، بعضها الذريعة تكون بعيدة نوعاً ما، لكن حرموها سداً لباب الحيل وهكذا في الربا ونحو ذلك.

هل يكره إقراض الكريم؟ شخص كريم إذا أقرضته سيزيدك، هل يكره إقراضه؟ بعض الأصحاب قالوا يكره إقراضه. الموفق رحمه الله قال: لو قلنا بكراهة إقراض الكريم لقلنا بكراهة إقراض الرسول صلى الله عليه وسلم. الرسول صلى الله عليه وسلم أكرم الناس ومع ذلك اقترض صلى الله عليه وسلم من غيره، فلو قلنا بكراهة إقراضه لنقلنا بكراهة إقراض النبي صلى الله عليه وسلم. يقول الموفق: وإن كان الرجل معروفاً بحسن القضاء لم يكره إقراضه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم معروف بذلك، فهل يسوغ أن يقال إن إقراضه مكروه؟ رحمه الله تعالى.

قال رحمه الله: وإن أقرضه أثماناً فطالبه بها ببلد آخر لزمته الأثمان أي مثلها؛ لأنه أمكنه قضاء الحق من غير ضرر فلزمه، ولأن القيمة لا تختلف فينتفي الضرر. ويجب فيما لحمله مؤونة قيمته ببلد القرض؛ لأنه المكان الذي يجب التسليم فيه، ولا يلزمه في البلد الآخر؛ لأنه لا يلزمه حمله إليه إن لم تكن قيمته ببلد القرض أنقص. صوابه أكثر، فإن كانت القيمة ببلد القرض أكثر لزم مثل المثلي لعدم الضرر.

إذاً مر معنا في الدرس الماضي أن من اقترض مثلياً فيلزمه رد مثله أو قيمته، مثله والقيمة يرد قيمته. إذاً نبني على هذا، ننتقل إلى هذه المسألة: إن أقرضه أثماناً، الأثمان الآن مثلية أو قيمية؟ مثلية. فطالبه بها ببلد آخر لزمته الأثمان، أي مثلها، مثلها ليست لا عينها. لماذا لا يلزمه رد عينها؟ القرض لو رجعنا تعريف القرض هو دفع مال لمن ينتفع به ويرد بدله. إذاً الذي يلزمه رد البدل، أما العين فهو من حين اقترض يكون مالكاً للعين يتصرف فيها تصرف الملاك في أملاكهم. إذاً يلزمه رد البدل، أي مثل هذه الأثمان، فلو اقترض مثلاً 5000 ريال في الدمام، فلما ذهب إلى المدينة وجد المقرض، فقال له المقرض: رد لي 5000 ريال، قال: نحن في المدينة وأنا اقترضت منك في الدمام، فأردها في بلد القرض، هل يصعب عليه ردها في بلد الطلب اللي هو المدينة؟ لا، فقط يذهب إلى الصراف ويسحب المبلغ ويسدده. فهنا قال: إذا أقرضه أثماناً فطالبه بها ببلد آخر لزمته الأثمان، أي مثلها؛ لأنه أمكنه قضاء الحق من غير ضرر فلزمه، ولأن القيمة لا تختلف، فينتفي الضرر. إذاً هذا في المثليات التي ليس لحملها مؤونة.

أما الذي لحمله مؤونة، في الأصل، طبعاً الذي لحمله مؤونة مثل لو اقترض تمراً، اقترض مثلاً عشرة كراتين تمر، التمر الآن سيرد عشرة كراتين من التمر من نفس النوع. اقترضها في الدمام فتقابله صاحب المدينة قال: رد علي التمر الذي اقترضته، هنا نقول هو الأصل أن يرده في بلد القرض ولحمله مؤونة نقول الأصل ما دام لحمله مؤونة ننتقل إلى القيمة، فيكون الواجب عليه قيمته، وين؟ ببلد القرض ولا ببلد الطلب؟ ذا عشر كراتين تمر مثلاً الكرتون بـ 50 ريال، 10 كراتين بـ 500، الدمام قيمة الكرتون 50 ريال، بالمدينة قيمته 70 ريال، فهنا هل يرد قيمته ببلد القرض أو ببلد الطلب؟ هنا ماذا قال المؤلف؟ ببلد القرض، لماذا؟ لأنه المكان الذي يجب التسليم فيه. طيب هل يلزمه، طيب هو الأصل قلنا القيمة، هل لو قال طيب أعطني تمراً ما بقيمته هل يلزمه المثل؟ يقول لا يلزمه المثل لأنه لا يلزمه حمله إليه، إلا في مسألة استثناها، قال إن لم تكن قيمته ببلد القرض أنقص.

ماذا قال البهوتي: صوابه أكثر، من قاسم؟ ماذا قال؟ قال لا ريب أنه سهو من الشارح رحمه الله، فإن الصواب أنقص كما ذكر الماتن، والظاهر والله أعلم أن الصواب أكثر كما ذكر الشارح البهوتي، ويدل على ذلك أن عبارات الأصحاب رحمهم الله تعالى في الإقناع وقبله في الفروع يقول: إلا ما لحمله مؤونة وقيمته في بلد القرض أنقص، يعني إذا كان لحمله مؤونة وقيمته في بلد القرض أنقص فتجب القيمة. فهنا الحجاوي رحمه الله يظهر والله أعلم أنه سيكتبها إن كانت فعكس، كتب إن لم تكن ببلد القرض أنقص. نضرب مثالاً ليتضح المقال. الآن مثال التمر هذا، الآن اقترض منه عشرة كراتين تمر في الدمام مثلاً في محرم، قال خلاص تردها بعد سنة، تقابلوا في المدينة في رمضان، المقرض قال للمقترض رد علي التمر، قال المقترض لا، نحن وعدنا بعد سنة ما مضت السنة، إيش رأيكم؟ القرض حال، كما أخذنا في الدرس الماضي، لا يلزم التأجيل، لا يلزم التأجيل. فقال أعطني، أنا على مذهب الحنابلة بل على مذهب الجمهور القرض حال. طيب الآن هذا التمر لحمله مؤونة، فيكون يجب فيه قيمته في حالة واحدة وهي إذا كانت قيمته في بلد القرض أنقص، ننظر قيمته الآن في المدينة بكم؟

قالوا قيمته في المدينة مثلاً 700، قيمته في الدمام 500، إذاً خذ 500، خذ 500. طيب لو كان العكس؟ قيمته في الدمام 700 وفي المدينة 500، أيهما الذي يلزم؟ المثل، المثل في بلد الطلب فيشتري له تمر ما عليه ضرر. طيب لو كانت قيمته متساوية؟ كلهم بـ 500، لا تلزم، أي يشتري المثل، فعندنا إذاً، فعندنا إذاً ما لحمله مؤونة، أولاً الذي ليس لحملة مؤونة هذا انتهينا من يدفعه كما هو، الذي لحمله مؤونة قلنا إما أن يكون قيمته في بلد القرض أنقص فتجب القيمة في بلد القرض 500 في بلد القرض و700 في بلد الطلب فتجب قيمته الأنقص في بلد القرض، طيب قيمته في بلد القرض مساوية أو قيمته في بلد القرض أكثر؟ فنقول يجب المثل، يجب المثل. فهنا تبين لنا أن كلام الحجاوي فيه سبق قلم في سبق قال، فنرجع إلى كلام الحجاوي في الزاد يقول: وفيما لحمله مؤونة قيمته إن لم تكن ببلد القرض أنقص.

طبعاً الحجاوي البهوتي قال صوابه أكثر، لو قال الحجاوي إن كانت ببلد القرض أنقص العبارة سلمت، يعني متى تجب، متى يجب قيمة؟ متى يجب في المثلي قيمته؟ إذا كان لحمله مؤونة وكانت قيمته في بلد القرض أنقص، بالشرطين لحمله مؤونة وقيمته في بلد القرض أنقص. طيب ليس لحمله مؤونة نقول يجب مثله، لحمله مؤونة وقيمته في بلد القرض مساوية أو أكثر يجب المثل، إذاً متى تجب القيمة؟ في بلد القرض أنقص. لذلك لذلك هنا قال البهوتي رحمه الله صوابه أكثر، فإن كانت القيمة ببلد القرض أكثر، القيمة ببلد القرض أكثر، هناك بالدمام 700 وفي المدينة بلد الطلب بـ 500، فماذا يجب؟ قال لزم مثل المثلي، يشتري له تمراً لعدم الضرر، إذاً ومثله إذا كانت مساوية، ومثله إذا كانت مساوية، واضح ولا مشكل؟

طيب مثال التمر واضح، عندنا التمر الآن عمر أقرض أحمد عشرة كراتين تمر، قيمة الكرتون الواحد مثلاً 50 ريال، هي ما ننظر قيمته عشر كراتين تمر على أن يردها بعد سنة، بعد ثمانية أشهر التقوا في المدينة، فعمر قال لأحمد أعطني عشرة كراتين تمر. فالنظر وجد أن قيمة التمر في الدمام أقل، الأصل في التمر أنه يجب رد مثله، لكن وجد أن قيمة التمر في الدمام أقل من قيمتها في المدينة، هناك بـ 500 وهنا بـ 700، فما الواجب هنا؟ هل الواجب أن يشتري من المدينة تمراً يسلمه، أو الواجب أن يشتري من الدمام ويشحن، أو ينتقل للقيمة؟ القيمة، أيهما في بلد القرض أو بلد الطلب؟ في بلد القرض؛ لأنها الأصل، الأصل تسلم. الحالة الثانية لو كانت القيمة متساوية هنا وهنا، يجب المثل، يشتري من المدينة ويسلمه ما في ضرر عليه، لو كانت القيمة في بلد الطلب أقل، كانت القيمة في المدينة 500 وفي الدمام 700، فهنا ما الواجب؟ يشتري المثل. فهنا إذاً متى نلجأ إلى القيمة؟ إذا كانت القيمة في بلد القرض أنقص وحمله مؤونة، فهنا إذاً العبارة المشكلة في الزاد إن لم تكن ببلد القرض أنقص، صوابها إن كانت ببلد القرض أنقص، أو يقول إن كانت في بلد القرض لم تكن بلد القرض أكثر، وغالب عبارات الأصحاب كذا إن كانت في بلد القرض أنقص، وهي عبارته في الإقناع كذا، إلا ما لحمله مؤونة وقيمته ببلد القرض أنقص، قال: فإن كانت القيمة ببلد القرض أكثر لزم مثل المثلي لعدم الضرر، إذاً ومثله لو كانت القيمة مساوية، واضح الحين؟ طيب.

قال رحمه الله: ولا يجبر رب الدين على أخذ قرضه ببلد آخر إلا فيما لا مؤونة لحمله مع أمن البلد والطريق. هذه العكس الآن، المسألة السابقة المقرض قال للمقترض سددني، الآن هذه العكس المقترض التقى مع المقرض في المدينة، قال جابك الله بعطيك التمر الآن، قال إحنا متفقين بعد سنة، يعني بعد سنة من القرض باقي أربع شهور مثلاً، وهنا نقول هل يجبر؟ يقول لا يجبر، لو قال لا أنا ما آخذ منك، أنا أريده في موسم التمر تعطين إياه، فهنا لا يجبر، إلا قال فيما لا مؤونة لحمله. هذا هنا التمر عليه مؤونة في حمله لكن لا ما تحمل مثل النقود، أعطاه مثلاً 1000، وقال سددني بعد سنة، بعد ستة أشهر قال خلاص، وكان في بلد غير بلده، قال خذ خذ المبلغ، فهنا يجبر عليه، لا يجبر عليه إذا كان لا مؤونة لحمله، الشرط الثاني مع أمن البلد والطريق، كان البلد آمناً والطريق إلى بلده آمن فهنا يجبر، لكن لو قال لا أنا الطريق فيه قطاع طرق، ما أمن أنني أصل إلى بلدي ومعي هذه النقود، فهنا لا يجبر، هنا لا يجبر لوجود الضرر عليه في ذلك.

والإنسان إذا قرأ مثل هذه يحمد الله عز وجل على نعمة الأمن في هذه البلاد، نسمع قصصاً قبل توحيد هذه البلاد المباركة، قصص الإنسان ما يستطيع أن يخرج لوحده، يسافر لوحده ولا اثنين ولا ثلاثة، لابد مع مجموعة، فـ قطع قد يصل الإنسان إلى البلد الذي سافر إليه، قد لا يصل، قد يصل وهو معه ماله، وقد يصل وقد أخذ شيء من ماله ونحو ذلك، فنحمد الله عز وجل على هذه النعمة.

قال رحمه الله: وإذا قال: اقترض لي مائة ولك عشرة، صح؛ لأنها في مقابلة ما بذله من جاهه، ولو قال: اضمني فيها ولا كذلك، لم يجز. أحسنت، هناك إذا قال: اقترض لي 100 ولك عشرة، صح.

صح؛ لأن في مقابلة ما بذله من جاهه. شخص يحتاج إلى مبلغ، مثلًا عشرة آلاف ريال، وهو لا يعرف أحدًا يقرضه، فعنده صديق، وهذا الصديق يعرف أحد التجار، فقال لصديقه: اجعل هذا التاجر يقرضني مبلغ عشرة آلاف ريال وسأعطيكم، فكلم صديقهُ هذا التاجر، ووافق التاجر لأنه يعرف الصديق، فأقرضه عشرة آلاف ريال، فأخذ المقترض من العشرة آلاف ريال وأعطاها صاحبه. فهنا هل يجوز هذا أو لا يجوز؟ قال: صح؛ لأنها في مقابلة ما بذله من جاهه.

هذه جعل على الشفاعة. جاء حديث: «من شفع شفاعة فأهدي له فقبلها فقد أتى بابًا عظيمًا من أبواب الربا»، لكن الحديث ضعيف. فهنا قالوا إنه شفع، فأعطي جعلاً على هذه الشفاعة فيجوز، وهذا معنى قوله: في مقابلة ما بذله من جاهه.

المسألة الثانية: لو قال: اضمني، ولك ذلك، لم يجز. وهذه تقع كثيرًا، أو تشتهر؛ شخص يأخذ قرضًا من بنك التنمية للزواج أو للمشروع التجاري ونحو ذلك، طبعًا هم يشترطون الكفيل، فيقول الكفيل: أنا لن أكفلك إلا أن تعطيني مثلًا عشرة آلاف ريال، هم سيعطونك ستين ألف ريال، أعطني عشرة آلاف ريال، هل يجوز هذا؟ ما يجوز. قال المؤلف: لم يجز، لم يجز؛ لماذا؟

هذا ضمان، وفي الضمان صاحب الحق قد يطالب المضمون عنه، وقد يطالب الضامن، فإذا طالب الضامن البنك -يعني لو راحوا للضامن مباشرة قالوا: سدد ستين ألفًا، سدد ستين ألفًا- فهنا حقيقةً كأنه أقرض المضمون عنه هذا المبلغ، فاستفاد بهذا القرض، استفاد بهذا القرض هذه العشرة آلاف. قال الموفق: لأن الكفيل -يعني الضامن- يلزمه الدين، فإذا أداه وجب له على المكفول عنه، فصار كالقرض، فإذا أخذ عوضًا صار قرضًا جر منفعة فلم يجز.

إذاً الفرق بينهما: أن في الضمان يكون كقرض جر نفعًا، بخلاف مسألة الاقتراض؛ فإنه لا يكون قرضًا جر نفعًا، بل هو مقابل الشفاعة. بهذا انتهينا من باب القرض، وننتقل إلى باب الرهن.

نعم، نعم هنا شيخ هو أقرض، لكن قد يؤول، هو يقرض صحيح ابتداءً، أخذ عشرة آلاف ما ينقض. نعم، يقول في أخذ الأجر على الضمان: هذه مسألة مشهورة تبحث الآن في أحكام الضمان البنكي، وفي عدة بحوث، أخذ أجر على الضمان. الآن يقول: ما في عقد قرض بين الضامن والمضمون عنه، ما في عقد قرض، لكن قد يؤول هذا إلى القرض، قد يؤول هذا إلى القرض.

نقول: نعم، طبعًا هذا من التعليلات، أنه كقرض جر نفعًا، ومن التعليل أن الضمان أصلًا أن الضمان هو للإحسان، للإحسان للمضمون عنه، فلا يجوز أن يربح فيه، فلا يجوز أن يربح فيه، ومنها هذا أنه قد يؤول إلى القرض؛ فهو في حقيقته أنه لما دخل على هذا كانه دخل على أنني سأسدد عنك، إذا سددت عنك أنا أقرضك وسأرجع عليك، سأرجع عليك. فلما دخل على هذا شرط الذي يؤول إلى محرم، قرض جر نفعًا، فإنه يعتبر موافقًا له، فلا يجوز له الدخول فيه من الأصل.

وهذا يسري إلى بعض المعاملات الحديثة التي قد تشتمل على شرط ربوي، فيدخل فيها الشخص لن أصل إلى أن أدفع الربا، مثل بعض البطاقات الائتمانية التي يفرض فيها على الشخص فوائد أو غرامات عند التأخر في السداد. عند التأخر في السداد يعطونه مهلة سداد، بعضها خمسة وأربعون يومًا أو شهر، وبعد ذلك يفرضون عليه نسبة معينة، فهو يقول: أنا سأقترض ولن أتأخر، ولن أتأخر. هل نقول: ما دمت لن تتأخر فيجوز لك الدخول؟ لا، لا يجوز لك؛ لأن دخولك معهم على هذا الشرط يعتبر موافقة منك على شرط الربا، فلا يجوز. نعم.