دخولتسجيل الدخول

كتاب البيع 36 | باب الرهن 1

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

باب الرهن وهو لغة الثبوت والدوام، يقال: ماء راهن أي راكد، ونعمة راهنة أي دائمة. وشرعًا توثقة دين بعين يمكن استيفاؤه منها أو من ثمنها. وهو جائز بالإجماع، ولا يصح بدون إيجاب وقبول أو ما يدل عليهما.

ويعتبر معرفة قدره وجنسه وصفته، وكون الراهن جائز التصرف، مالكًا للمرهون أو مأذونًا له فيه. ويصح الرهن في كل عين يجوز بيعها؛ لأن القصد منه استيثاق بالدين ليتوصل إلى استيفائه من ثمن الرهن عند تعذره من الراهن، وهذا متحقق في كل عين يجوز بيعها، حتى المكاتب لأنه يجوز بيعه ويمكن من الكسب، وما يؤديه من النجوم رهن معه، وإن عجز ثبت الرهن فيه وفي كسبه، وإن عتق بقي ما أداه رهنًا. ولا يصح شرط منعه من التصرف، والمعلق عتقه بصفة إن كانت توجد قبل حلول الدين لم يصح رهنه، وإلا صح.

لما انتهى المؤلف رحمه الله تعالى من باب القرض وهو من عقود التبرعات، انتقل إلى باب الرهن وهو من عقود التوثيقات. وقلنا لكم في أول كتاب البيع أننا سنتحدث في هذا الباب عن أربعة عقود: عقود معاوضات، وعقود تبرعات، وعقود توثيقات، وعقود مشاركات. وعقود التوثيقات هي الرهن والضمان والكفالة.

ففي الرهن قال المؤلف رحمه الله تعالى: هو لغة الثبوت والدوام، يقال: ماء راهن أي راكد، ونعمة راهنة أي دائمة. وقيل هو من الحبس، ومنه قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: 38]، أي محبوسة. قال الزركشي: وهو قريب من الأول لأن المحبوس ثابت في مكان لا يزايله.

قال: وشرعًا توثقة دين بعين يمكن استيفاؤه منها أو من ثمنها. فلو أن شخصًا مثلًا اشترى من آخر عمارة بمليون ريال، سدد 500 ألف مع العقد و500 ألف بعد سنتين، فقال له: ارهني شيئًا، فرهن المشتري أرضًا له عند البائع إلى أن يسدد باقي قيمة العمارة. فهنا توثقة دين، الدين هو الباقي من قيمة العمارة وهو 500 ألف، بعين اللي هي الأرض، يمكن استيفاء الدين منها أو من ثمنها. ولا يلزم أن تكون العين المرهونة قيمتها مساوية لقيمة الدين، فقد تكون مساوية وقد تكون أقل وقد تكون أكثر.

قال وهو جائز بالإجماع، طبعًا جائز من الكتاب والسنة والإجماع، من الكتاب قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283]. ومن السنة: أن النبي ﷺ توفي ودرعه مرهونة عند يهودي، وأجمع المسلمون على جواز الرهن في الجملة. قال: ولا يصح بدون إيجاب وقبول أو ما يدل عليهما، أي إيجاب من الراهن وقبول من المرتهن؛ لأن الرهن عقد فيقاس على سائر العقود التي فيها إيجاب وقبول.

قال: ويعتبر معرفة قدره وجنسه وصفته. هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى شروط الرهن، وهي ستة شروط، سنذكرها ثم نأتي إليها في كلام المؤلف رحمه الله تعالى: الشرط الأول: معرفة قدر العين المرهونة وجنسها وصفته. الشرط الثاني: أن يكون الراهن جائز التصرف. الشرط الثالث: أن يكون الراهن مالكًا للمرهون أو مأذونًا له فيه. الرابع: أن تكون العين مما يجوز بيعه. الخامس: أن يكون الرهن مع الحق أو بعده. السادس: أن يكون بدين ثابت أو مآل إليه.

عندنا في الرهن راهن ومرتهن. فالمثال السابق الذي اشترى العمارة من صاحبها بمليون، سدد 500 ألف، والـ 500 ألف الثانية قال: سأسددك بعد سنتين، وجاء بأرض ورهنها عند البائع؛ الراهن هو المشتري، والمرتهن هو البائع. الراهن هو المدين، والمرتهن هو الدائن، فاحفظها لأنه سياتينا في أثناء الباب الراهن والمرتهن؛ فبعضهم يخلط بينهما.

الشرط الأول: يعتبر معرفة قدر العين المرهونة؛ مثل هنا أرض مساحتها كذا، جنسها أنها أرض، صفتها؛ هل هي أرض فضاء على شارع أو شارعين، مساحتها، هي مبنية أو فضاء إلى آخره. لماذا؟ لأن الرهن عقد على مال، فاشترط العلم به كإحدى العينين المرهونتين كسائر العقود.

الشرط الثاني: أن يكون الراهن جائز التصرف. وجائز التصرف هو الحر المكلف الرشيد؛ فلا يكون محجورًا عليه لصغر، فلا يجوز أن يرهن الصغير ولا المجنون ولا السفيه ولا المفلس. قالوا لأن عقد الرهن وتسليم العين المرهونة ليس بواجب، وإنما هو إلى اختيار الراهن، فإذا لم يكن له اختيار صحيح لم يصح، ولأنه نوع تصرف في المال، فلم يصح من المحجور عليه من غير إذن، كالبيع.

الشرط الثالث: أن يكون الراهن مالكًا للمرهون أو مأذونًا له فيه. مالك واضح مثل أن يملك الأرض ورهنها. ومأذون له فيه كأن يستعير شيئًا ليرهنه، أو يستأجر شيئًا ليرهنه؛ فهنا يجوز ذلك، لا يشترط أن يكون مالكًا. فنقل ابن المنذر الإجماع عليه، وينبغي أن يذكر الراهن لمالك العين المرتهن الذي سيرهن هذه العين عنده، ويذكر له القدر الذي يرهنه به وجنسه ومدة الرهن؛ لأن الضرر يختلف بذلك، فاحتيج إلى ذكره كأصل الرهن.

الرابع: أن تكون هذه العين المرهونة مما يجوز بيعه. قال: يصح الرهن في كل عين يجوز بيعها؛ لأن القصد من الرهن الاستيثاق بالدين، ليتوصل إلى استيفائه من ثمن الرهن عند تعذره من الراهن، وهذا متحقق في كل عين يجوز بيعها. يعني يقول الآن لماذا أجيز الرهن؟ لكي يستوثق المرتهن لحقه، فإذا رهنت عنده شيئًا لا يجوز بيعه ما استفد شيئًا، كما لو رهن الشخص عنده خمرًا أو كلبًا أو نحوه مما لا يجوز بيعه؛ فإنه لا يستفيد، لأنه إذا ما سدد هذا، ما يستطاع أن يبيع هذه الأشياء ويأخذ ثمنها، فلا بد إذا أن تكون هذه العين المرهونة مما يصح بيعها.

هنا ابن قاسم رحمه الله ذكر تعليقًا على قول المؤلف عند تعذره من الراهن، قال: أي عند تعذر استيفاء الدين من الغريم الراهن للعين. ثم ذكر متى يجب قضاء الدين؛ قال: ودين الآدمي واجب قضاؤه على الفور عند المطالبة، وإلا (وإن لم تكن مطالبة) فقيل لا؛ يعني شخص مثلًا عليه دين لآخر مقداره 10 آلاف ريال، أقرضه على أنه متى ما تيسر يرجع، والمقرض ساكت ما طالب ينتظر هذا بس يسدد؛ فالمدين هل نقول إنه آثم أنه لم يسدد عنده الـ 10 آلاف لكن لم يسددها؟ هل نقول إنه آثم أو نقول لا يأثم إلا إذا طالبه؟ يترتب على ذلك هل يوصف بأنه مماطل أو لا؟ أما إذا طالب المقرض المقترض؛ هذا في كل دين سواء كان قرضًا، ثمن مبيع، أجرة متأخرة إلى آخره، إذا طالب بالدين وجب السداد، وإذا لم يسدد يأثم ويعتبر مماطلًا ويترتب على ما يترتب على المماطل. هذا إذا طالبه، أما إذا لم يطالبه فإنه لا يجب، إلا في مسألة واحدة وقع فيها الخلاف بين الإقناع والمنتهى، وهي إذا عيّن له وقتًا للوفاء؛ بمعنى أجرة تسدد كل ستة أشهر، كل ستة أشهر، خلاص شهر واحد يسدد، شهر سبعة يسدد، إذا جاء شهر سبعة لا يلزم أن يطالب المؤجر المستأجر بالسداد، محدد في العقد أنك تسدد كذا. فهل التعيين يقوم مقام المطالبة أو لا؟ ابن رجب رحمه الله ذكرها في القواعد (القاعدة 4)، وأن التعيين يقوم مقام المطالبة، وهذا هو الذي اختاره صاحب الإقناع، أما في المنتهى فلم يذكر إلا المسألة الأولى وهي المطالبة، أنه لا يجب أداؤه إلا عند المطالبة. زاد ابن اللحام في القواعد الأصولية: إذا لم يكن الدائن يعلم بالدين، يعني يسلف ناسًا كثيرين وناسًا منظمين وما بيكتب والمدين يعلم، فيجب على المدين أن يعلم الدائن بذلك.

قال في قوله في كل عين يجوز بيعها: حتى المكاتب، يعني أنه يجوز رهن المكاتب؛ لأنه يجوز بيعه، قال طبعًا ويمكن من الكسب، يعني يرهنه ويطلق في السوق لكي يتكسب، وما يؤديه من النجوم رهن معه؛ يعني هو الآن يؤدي إلى سيده كل شهر أو كل شهرين قسطًا معينًا، فيقول كل قسط يؤديه يصير ما يأخذه الراهن، يكون رهنًا، يبقى رهنًا مع هذا المكاتب، وإن عجز خلاص المكاتب عجز بمعنى أنه خلاص أنا لن أسدد وسأبقى عبدًا؛ فإنه يثبت الرهن فيه وفي كسبه الذي كسبه سابقًا، وإن عتق بقي ما أداه رهنًا، فتكون النجوم هذه التي أداها تكون رهنًا بدله.

قال: ولا يصح شرط منعه من التصرف، شرط منع العبد المكاتب شرط منعه من التصرف لماذا؟ لأن مقتضى عقد الكتابة أنه يمكن من الكسب، الآن السيد تعاقد معه عقد كتابة على أن العبد يشتغل ويؤدي النجوم، فإذا رهن هذا العبد واشترط المرتهن أنه لا يتصرف يجلس عنده؛ فهنا يقول لا يصح ذلك، لأن هذا الشرط يخالف مقتضى عقد الكتابة.

المعلق عتقه بصفة، إذا جاء وقت كذا فأنت حر، هل يصح رهنه أو لا؟ يقولون فيه تفصيل: إذا كانت الصفة ستوجد قبل حلول الدين لم يصح؛ مثلًا شخص اشترى سيارة بـ 5 آلاف سيسدد في ذي الحجة، قال البائع: أعطني رهنًا، قال: عندي عبد، وهذا العبد علق عتقه بصفة، وقال: إذا جاء وقت رمضان فأنت حر، فهنا سيعتق العبد قبل حلول الدين، فلا يصح رهنه؛ لماذا؟ لن يستفيد المرتهن شيئًا إذا جاء وقت رمضان، فالعبد خلاص حر، لن يستفيد شيئًا. قال: إن كان توجد قبل الدين، وإلا صح. لو كان بالعكس؛ الدين يحل في رمضان وهو قال: إذا جاء وقت ذي الحجة فأنت حر، صح الرهن.

طيب فيه مسألة وهي إذا كانت محتملة، قال: إذا قدم زيد فأنت حر، والدين يحل في رمضان، قد يقدم زيد قبل رمضان، قد يقدم زيد بعد رمضان. فهنا قال الموفق: قياس المذهب صحة رهنه؛ لأنه في الحال (في وقت العقد) محل للرهن، فيصح ويمكن أن يبقى حتى يستوفي الدين من ثمنه، فيصح الرهن. ويحتمل المنع؛ لأن فيه غررًا من عتقه قبل حلول الحق، فهما قولان في المذهب، والذي اختاره المتأخرون صحة رهنه في تلك الحال.

نقف على هذا، إذا أخذنا أربعة شروط، بقي شرطان: أن يكون الرهن مع الحق أو بعده، وأن يكون بدين ثابت أو مآل إليه.

في سؤال: مأذون له فيه، يعني أن الراهن لا يملك العين؛ يعني مثلًا سيشتري سيارة قال له: طيب، أعطني رهنًا، فما عنده سيارة، فقال لجاري: أنت عندك سيارة زائدة عن حاجتك؟ قال: خلاص بعها منك لمدة شهرين، ولما أسدد سيارتي أرهنها عند صاحب السيارة. فأذن له في ذلك؛ فهنا يصح، هنا الراهن ليس مالكًا للعين لكن أذن له في رهنها فصح ذلك. لو ما سدد؟ المعير دخل على ذلك، ويكون هذا المستعير ضامنًا لهذه العين التي ذهبت سدادًا لهذا الدين.

واستئجار؟ نعم، يستأجر سيارة ويرهنه، إي يستأجر شيئًا ويقول له، لا بد أن يستأجر، لا بد أن يصح، فإن لم يستأذنه لا يصح. في العارية والإجارة لا بد من المستعير أو المستأجر أن يستأذن من المالك في أن يرهن هذه العين.

هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.