دخولتسجيل الدخول

كتاب البيع 37 | باب الرهن - 2

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

كنا قد توقفنا في التعليق على الروض المربع أثناء باب الرهن، وذكرنا في الدرس الماضي أنه يشترط لصحة الرهن ستة شروط، ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى مفرقة ولم يذكر أنها شروط. تكلمنا على أربعة منها ووقفنا على الشرط الخامس، والشروط الماضية هي معرفة قدره وجنسه وصفته، وأن تكون العين المرهونة مما يصح بيعها، وأن يكون الراهن جائز التصرف، ومالكاً للمرهون أو مأذوناً له فيه. بقي شرطان، وهما: أن يكون مع الحق أو بعده، وأن يكون بدين ثابت أو ما آل إليه. وقفنا عند قول المؤلف: ويصح الرهن مع الحق.

يصح الرهن مع الحق، بأن يقول: بعتك هذا بعشرة إلى شهر ترهنني بها عبدك هذا، فيقول: اشتريته منك ورهنته، فيصح؛ لماذا؟ قال: لأن الحاجة داعية إلى جوازه. قالوا: لأنه لو لم يعقدوا الرهن مع ثبوت الحق، لم يتمكن البائع من إلزام المشتري بالرهن بعد العقد؛ يعني لو قال المشتري: لا أرهنك، هل يتمكن البائع من إلزامه؟ لا يتمكن، فلذلك قالوا: يجوز مع الحق؛ لأنه بذلك يضمن حقه أكثر، ويتمكن من إلزام المشتري، فلو قال: بعت عليك سيارتي هذه، ترهنني سيارتك، فقال المشتري: لن أرهنك سيارتي، فيقول البائع: إذاً لن أبيعك، فيحفظ حقه. بخلاف ما لو كان بعد الحق؛ فبعد الحق باع عليه السيارة ويسدد قيمتها بعد سنة، ثم جاء بعد شهر وقال: لعلك ترهن لي شيئاً، فقال: لا، لن أرهنك شيئاً، هنا هل يستطيع البائع فسخ البيع؟ لا، لن يستطيع؛ فالبيع عقد لازم، والشروط اللاحقة له لابد فيها من رضا الطرف الآخر.

ويصح بعده، أي بعد الحق بالإجماع؛ والإجماع نقله الموفق رحمه الله تعالى، لأنه دين ثابت تدعو الحاجة إلى أخذ الوثيقة به، فجاز أخذها به كالضمان؛ يعني كما أنه يجوز له بعد الحق أن يقول: أنا أخشى أنك لا توفيني ثمن المبيع وقت حلوله، فلعلك تأتي بضامن، فقال: ما عندي من أتي لك بكفيل ضامن، فقالوا: لما جاز أخذ الضمان بعد الحق فكذلك يجوز أخذ الرهن بعد الحق. وقيل: جعل بدلاً عن الكتابة؛ أي أن الكتابة تكون بعد الحق، فكما تجوز الكتابة بعد الحق فكذلك الرهن؛ لأن الرهن بدل عن الكتابة.

ولا يجوز قبله؛ وصورته: كان يريد محمد أن يقترض من علي عشرة آلاف ريال، فأتى محمد إلى علي وقال: خذ جوالي هذا رهناً، أنا أريد بعد أسبوع أن آتي وأقترض منك عشرة آلاف ريال، فأريد أن أرهن جوالي هذا بما سأقترضه منك. فهنا هل يصح الرهن أو لا؟ يقول المؤلف: لا يجوز قبله، وعلل بماذا؟ لأنه وثيقة بحق فلم يجز قبل ثبوته، والتعليل الثاني أنه تابع للحق فلا يسبقه؛ فالرهان تابع للحق، وإذا كان في عقد بيع فهو تابع للبيع، فيكون بعد السبب لا قبله؛ لأن المتبوع لا يسبق التابع. وهناك قول آخر في المذهب أنه يصح، وهذا اختيار أبي الخطاب رحمه الله تعالى، وعلل بأنه وثيقة بحق فجاز عقدها قبل ثبوته كالضمان؛ فالضمان كما سيأتينا أنه يجوز أن يضمن ما لم يجب، فيأتي شخص غريب عن البلد وأهل السوق لا يعرفونه، يريد أن يشتري بالأجل، فيأتي شخص آخر فيقول: أنا ضامن كل ما سيشتريه هذا منكم. فهل يصح الضمان هنا؟ مر عليكم في الزاد أنه يصح؛ يصح ضمان ما لم يجب، فابو الخطاب قاس الرهن على الضمان. وأجيب عن هذا بالفرق؛ فالضمان التزام مال تبرعاً، وهذه توثقة على سبيل المعاوضة، فافترقا. لا يصح؛ أي لا يجوز، ولا يصح معناه أنه لو قال له المرتهن: أنت رهنتني هذا، ولم تسلم أعطني إياه، أو رهنه وسلمه، فجاء الراهن لما اقترض المبلغ وقال: أعطني هذا الرهن الذي رهنت، قال: لا، أنت رهنت ولن تسدد، قال: رهن غير صحيح، فهنا يؤخذ بكلام الراهن، المذهب أن الرهن غير صحيح، فلا يكون لازماً.

قال رحمه الله: واعتبر أن يكون بدين ثابت أو ما آل إليه؛ حتى على عين مضمونة كعارية، ومقبوض بعقد فاسد، ونفع إجارة في الذمة، لا على دين كتابة، أو دية على عاقلة قبل الحلول، ولا بعهدة مبيع، وثمن وأجرة معينين، ونفع نحو دار معينة. هذا الشرط السادس من شروط صحة الرهن، أن يكون الرهن بدين ثابت أو ما آل إليه؛ دين ثابت كالقرض، فلما اقترض ثبت الدين في ذمة المقترض فيصح أن يرهن. أو ما آل إليه، كالثمن في مدة الخيار؛ الآن اشترى محمد من علي سيارة بخمسين ألف ريال مؤجلة إلى ستة أشهر، واشترط الخيار له مثلاً أسبوعين، وأعطاه رهناً مقابل ذلك الثمن، فقد يثبت وقد لا يثبت، هو ثابت لكن قد يسقط إذا فسخ البيع، لكن لما كان مآل هذا الثمن إلى الثبوت جاز أخذ الرهن عليه.

قال: حتى على عين مضمونة كعارية؛ يعني شخص استعار كتاباً من آخر، فقال له المعير: ارهن لي شيئاً، فهنا هل يصح الرهن أو لا؟ قالوا: نعم يصح، وإن لم تكن هذه ديناً؛ لأن أصل الثابت في ذمته هو العين هذه، ثبت في ذمته إعادة هذا الكتاب بعينه، ليس شيئاً في ذمته بل الكتاب بعينه، فقالوا: إنه يصح أخذ الرهن عليها. ومقبوض بعقد فاسد؛ يعني اشترى شيئاً اختل فيه شرط من شروط البيع، مثل لو باع مكيلاً قبل القبض وأخذ عليه رهناً، فالبيع فاسد، فالمقبوض بعقد فاسد وأخذ عليه رهناً، نقول لا يبطل الرهن؛ لأنه ثبت في ذمته شيء. ونفع إجارة في الذمة؛ مثل استأجرت على خياطة ثوب، أعطيته القماش لكي يخيط لك ثوباً، فأنت تخشى أن يتلف هذا القماش، فأخذت منه رهناً، فيجوز ذلك.

فهذه إذاً دين ثابت أو ما آل إليه، أو ما يشبه الدين؛ وهنا سيذكر أنه لا يصح أخذ الرهن على الدين غير الثابت الذي هو عرضة للسقوط؛ قال: لا على دين كتابة؛ الآن المكاتب الذي يشتري نفسه من سيده بأقساط، كل شهر أو على حسب الاتفاق يدفع له قسطاً، فهل يجوز للسيد أن يأخذ منه رهناً؟ قالوا: لا؛ لماذا؟ لأن العبد يملك تعجيز نفسه، ممكن العبد في شهر يقول: خلاص أنا لن أسدد لك شيئاً، وأصير عبداً عندك، هل يجبره السيد على الاستمرار في سداد الدين؟ لا يجبره، فلما كان العبد يملك تعجيز نفسه إذاً فهذا الدين ليس ثابتاً. وكذلك الدية على العاقلة قبل الحلول أو الحول؛ العاقلة ما الذي تتحمله من دية الخطأ فقط؟ وشبه العمد على إطلاقه، حتى لو ديته مئة ألف عجز، هذه مسألة أخرى؛ هي تلزم الجاني ابتداءً أو لا؟ تتحملها العاقلة صلحاً ولا عمداً ولا اعترافاً ولا ما دون الثلث. فلو كان الجاني قتل آخر خطأً، فالآن الدية تلزم العاقلة، وتؤجل على ثلاث سنين عند رأس كل حول يستحقون الثلث؛ هنا هل لأهل الدم أن يأخذوا من العاقلة رهناً؟ العاقلة قد يستطيعون في السنة الأولى، السنة الثانية قد لا يستطيعون شيئاً، قد يفتقرون، قد يموتون كلهم، قد يصيبهم عارض مثل الجنون، فالدين إذاً غير مستقر قد يسقط، فلذلك لا يؤخذ الرهن منهم.

ولا بعهدة مبيع؛ عهدة المبيع هي الضمان، يذكرون في الضمان أن يأتي شخص يقول: أضمن لك أن هذه الأغنام لفلان، فهذا ضمان العهده، فهل تؤخذ رهناً على العهده؟ يكون لا يصح؛ لأن البائع إذا وثق على عهدة المبيع، فكأنه ما قبض الثمن ولا ارتفق به؛ قلنا له ارهن على المبيع، ما استفاد شيئاً، وليس له حد ينتهي إليه فيعم الضرر لو جلسوا سنين، والله الحين ما ندري يمكن أحد يجي يقول الغنم لنا. ومما لا يؤخذ الرهن عليه الثمن والأجرة المعينين.

ثمن والأجرة المعينين. لو قال مثلاً: اشتريت منك كتاب الروض المربع، وأنا عندي كتاب الإنصاف طبعة قديمة، خلاص اشتريت منك الروض المربع بهذا الكتاب، فهنا الثمن معين. هل يقول البائع: ارهن لي شيئاً؟ لا، الثمن معين. لو قال مثلاً: عندي نسخة من الإنصاف، هذه التي سبق أن اطلعت عليها سأحضرها لك بعد أسبوع، فهنا الثمن معين، فلا يؤخذ رهن عليه؛ لأنه غير ثابت في الذمة، بل هو ثابت معين.

وكذلك الأجرة المعينة، لو استأجر مثلاً شقة، قال: سأستأجر منك الشقة لمدة سنة، والأجرة التي سأدفعها هي سيارتي، خلاص هذه مدة سنة. فهنا الأجرة معينة فلا يؤخذ الرهن عليها؛ لأن الأجرة غير ثابتة في الذمة، وإنما هي معينة. ونفع نحو دار معينة، كعبد معين، أو زمن معين، أو دابة معينة لحمل شيء معين، أو المكان المعلوم. لو قال مثلاً: سأستأجر منك هذه الناقة أو هذه السيارة، هذه السيارة توصلني إلى مكة؛ فهنا هل يأخذ المستأجر من المؤجر شيئاً رهناً؟ يقول: أخشى أنك لا تأتي بالسيارة؟ مع ذلك لا؛ لأن المؤجر عليه توفير هذه السيارة المعينة، فهنا لا يأخذ عليه رهناً.

فهذه كلها لا يصح أخذ الرهن عليها؛ لأن الذمة لم يتعلق بها حق واجب في هذه الصور، ولا يؤول إلى الوجوب؛ لأن الحق هنا تعلق بأعيان هذه الأشياء التي هي الثمن والأجرة المعينين، أو نفع دار معينة ونحوها، وينفسخ عقد الإجارة عليها بتلفها. لو أن السيارة تلفت، هل يلزم المؤجر بتوفير سيارة أخرى؟ لا، لماذا؟ لأن العقد وقع على عين هذه السيارة فلا يلزمه. لكن لو قال: استأجرت لتحملني إلى مكة، وجاء له بسيارة ووصلت إلى المدينة وتلفت السيارة، فهنا يلزمه توفير سيارة أخرى تصل إلى مكة. لكن لو كان العقد وقع على عين هذه السيارة، فنقول: إذا تلفت انفسخت الإجارة، وهذا سيأتينا إن شاء الله في باب الإجارة.

قال رحمه الله: ويلزم الرهن بالقبض في حق الراهن فقط؛ لأنه الحظ فيه لغيره فلزم من جهته كالضمان في حق الضامن.

سبق أن علمنا في أول العقود أن هناك عقوداً جائزة، وهناك عقوداً لازمة، وهناك عقوداً جائزة من طرف ولازمة من طرف، وذكرنا مثال العقود الجائزة من طرف واللازمة من طرف بعقد الرهن؛ فهو لازم في حق الراهن جائز في حق المرتهن. ولذلك قال: ويلزم الرهن بالقبض في حق الراهن فقط. طبعاً لزومه بالقبض سيأتينا بعد قليل الكلام عليه، لكن الكلام هنا عن لزومه في حق الراهن، فهو لازم في حق الراهن. لماذا لا يكون لازماً أيضاً في حق المرتهن؟ قال: لأن الحظ فيه لغيره؛ إنما أخذ الرهن لأجل مصلحة المرتهن، فلما كان الحق للمرتهن، صار في حقه جائزاً، إن شاء يأخذه وإن شاء لا يأخذه. فالمرتهن له فسخ الرهن؛ لو جاء الراهن بالعين المرهونة وسلمها للمرتهن، قال: لا، خلاص أنا تنازلت عن شرط الرهن، فهنا له ذلك. لكن لو أن الراهن سلم العين المرهونة للمرتهن، ثم بعد يومين قال الراهن: خلاص أنا هونت، أعطني العين المرهونة، هل يملك ذلك؟ لا، لا يملكه، فهو لازم في حقه جائز في حق المرتهن، كالضمان في حق الضامن.

سياتينا في الضمان؛ الضمان عندنا ثلاث أطراف: ضامن، ومضمون عنه، ومضمون له. المضمون له؛ لو نمثل بمثال: هزاع باع سيارة على نصار مثلاً بـ 500 ألف تسدد بعد سنة، قال هزاع لنصار: أحضر لي ضامناً، فأحضر أحمد. أحمد الضامن الآن، الضامن أحمد، والمضمون عنه نصار، والمضمون له هزاع. طيب الضمان لحظ من؟ لحظ هزاع، فهزاع في حقه جائز؛ له أن يقول مثلاً بعد ستة أشهر: خلاص أنا تنازلت عن شرط الضمان، خلاص لن أطالب أحمداً، فله ذلك. لكن في حق الضامن في حق أحمد لازم، ما يجي أحمد بعد شهر أو شهرين يقول: لا لا، أنا كنت ضامناً وهزاع كان عنده ملاءة مالية، الحين والله ما عندي شيء، خلاص أنا بتنازل، هل له ذلك؟ لا ليس له ذلك. حتى يعني تخفى على بعض الناس، يجي يقول: أنا ضمنت فلان كان صديقي وكان يسدد وذا ما عنده، وبدأ يماطل بالدين، خلاص أنا سأتنازل عن ضماني، هل له حق؟ ما له حق، إلا إذا رضي المضمون له، إذا رضي فالحق له، كذلك ما رضي، فهنا ليس له حق التنازل.

قال رحمه الله: يصح رهن المشاع؛ لأنه يجوز بيعه في محل الحق، ثم إن رضي الشريك والمرتهن بكونه في يد أحدهما أو غيرهما جاز، وإن اختلف جعله حاكم بيد أمين أمانة أو بأجرة.

يصح رهن المشاع، طبعاً ذكرنا سابقاً من شروط صحة الرهن أن تكون العين المرهونة مما يجوز بيعه، فالمشاع يجوز بيعه، ولذلك علل هنا بقوله: لأنه يجوز بيعه في محل الحق. إذا رهن المشاع، يعني عندنا الآن المشاع إما أن يكون مشاعاً في سلعة أو في شيء غير منقول كالعقار، وإما أن يكون مشاعاً في منقول كسيارة مثلاً. فلو أن شخصاً اشترى بيتاً من آخر وقال له: أرهنك نصيبي في أرض بيني وبين الورثة، ورثت والدي وعندنا متشاركون في أرض، أرهنك نصيبي هذا، فهذا مشاع فيصح؛ لأنه يجوز بيعه في محل الحق. يعني مثلاً قال: أسددك قيمة البيت بعد سنتين، بعد سنتين ما سدد، فهنا صاحب البيت الذي هو المرتهن له حق أن يبيع، ويستطيع أن يبيع نصيب هذا الراهن، طبعاً بشروط ستأتينا إن شاء الله في الباب اللاحق، فما دام أنه يجوز بيعه فجاز رهنه.

فنقول: العين المرهونة إما أن تكون منقولة أو ثابتة غير منقولة، فإذا كانت ثابتة غير منقولة، فهنا القبض بالتخلية، أما إذا كانت منقولة، يعني مثل السيارة، قال: أرهنك سيارتي نصيبي في السيارة، أنا وأخوي شركاء في سيارة، أرهنك نصيبي في السيارة، هنا كيف سيستلم النصيب؟ هذا هو الذي قال المؤلف بعده: ثم إن رضي الشريك والمرتهن بكونه في يد أحدهما أو غيرهما جاز. ولذلك هنا ابن فيروز ونقلها ابن قاسم يقول: العبارة فيها إجمال، وعبارة الإقناع وشرحه: ثم إن كان المرهون بعضه مما لا ينقل كالعقار، خلى الراهن بينه وبينه وإن لم يحضر الشريك ولم يأذن؛ إذ ليس في التخلية تعدٍ على حصة الشريك. وإن كان المرهون بعضه مما ينقل كالثياب، فرضي الشريك والمرتهن بكونه في يد أحدهما أو غيرهما جاز، وإلا جعله حاكم في يد أمين أمانة أو بأجرة. فهنا قوله: ثم إن رضي الشريك والمرتهن، هذا لا ينطبق على كل المشاع، وإنما ينطبق على المشاع المنقول، المشاع الثابت فقط يخلي بينه وبينه. المشاع المنقول هو الذي نقول: إذا رضي الشريك أن يكون بيدك أنت المرتهن ما في إشكال، رضي المرتهن أن يكون بيد الشريك ما في إشكال، رضي الشريك والمرتهن أن يكون بيد شخص ثالث ما في إشكال، اختلفوا فهنا قال: يجعله الحاكم بيد أمين أمانة أو بأجرة. قالوا: لأن هذا فيه حظ لهما، للراهن والمرتهن، فليس فيه إضاعة لحق الراهن ولا في إضاعة لحق المرتهن.

إذا أراد بيع المرهون لأجل سداد الدين، هذه ستأتينا إن شاء الله مسألة وفيها تفصيل، تأتينا إن شاء الله لاحقاً فيها تفصيل. العدل هو الذي يتفقان على جعله بيده، لا من يعين الحاكم، هذا يعني الفقهاء لم يصطلحوا على تسميته عدلاً، العدل هو الذي يتفق الطرفان على تسليمه له. هنا إذا وجد الحاكم شخصاً أميناً يأخذه بدون أجرة فيسلم له، إذا لم يجد إلا من يأخذه بأجرة فهنا يسلم له.

ويجوز رهن قبل قبضه غير المكيل والموزون والمعدود على ثمن؛ لأنه يجوز بيعه، بخلاف المكيل ونحوه فكذلك رهن.

تقدم لنا سابقاً أنه في الفصل في التصرف في المبيع قبل قبضه، أن المبيع الذي يحتاج إلى حق توفية لا يجوز التصرف فيه قبل قبضه، وما لا يحتاج إلى حق توفية جاز التصرف فيه قبل قبضه، فما ذكر هناك يذكر هنا. فنقول: رهن المبيع قبل قبضه إذا كان المبيع مما يحتاج إلى حق توفية كالمكيل والموزون والمذروع والمعدود، يعني عندنا اشترى تمراً بالكيل، اشترى تمراً وقبل أن يكيل رهنه، يعني قبل أن يكيل البائع للمشتري، البائع المشتري الآن اشترى وتملكه فجاء رهنه سواء رهنه على ثمنه، يعني قال البائع له: أنا اشتريت بـ 1000 ريال، قال: بس الـ 1000 في البيت بجيبها بكرة، خلاص يبقى التمر عندي إلى أن تحضر هذا الراهن على الثمن، أي حبس البائع للسلعة حتى يحضر المشتري ثمنها، هذا المقصود برهن المبيع على ثمنه. فهنا ما يحتاج إلى السلعة التي تحتاج إلى توفية كالمثليات والموزون والمعدود والمذروع، هذه لا يصح رهنها قبل قبضها، وما لا يحتاج إلى توفية فإنه يصح رهنها قبل قبضه، يعني مثل اشترى سيارة معينة، فلم يسدد ثمنها، واشترى من شخص آخر مثلاً سيارة أخرى، الشخص الآخر قال: برهنك السيارة التي اشتريتها من فلان، ولم يقبضها حتى الآن، فهل يصح الرهن هنا؟ هنا هل يصح للمشتري الآن الذي اشترى السيارة ولم يقبضها هل يصح له أن يبيعها وهو لم يقبضها؟ هي ليست من المعدود، يعني لو اشترى عدة سيارات، اشترى سيارة واحدة يجوز، معين يجوز، هنا لما جاز له أن يبيعها قبل قبضها جاز له أن يرهنها قبل قبضها. فكل ما جاز بيعه قبل قبضه جاز رهنه قبل قبضه، وما لم يجز بيعه قبل قبضه لم يجز رهنه قبل قبضه.

على ثمنه وغيره، يجوز رهنه على ثمنه، المثال: رهن على ثمنه يعني العين المباعة تبقى عند البائع حتى يسلم الثمن، هذا رهن على ثمن، رهنه على غيره مثل الذي ذكرنا قبل قليل، رهن السيارة التي اشتراها من المعرض رقم واحد عند المعرض رقم اثنين، فهذا رهنه على غيره، عند بائعه وغيره سواء رهناً عند البائع أو رهناً عند غير البائع. قال: لأنه يصح بيعه بخلاف المكيل ونحوه فإنه لا يصح بيعه قبل قبضه فكذلك رهنه. فالقاعدة أن كل ما جاز بيعه قبل قبضه جاز رهنه قبل قبضه، وما لم يجز بيعه قبل قبضه لم يجز رهنه قبل قبضه.

قال رحمه الله: ولا يجوز وما لا يجوز بيعه كالوقف وأم الولد لا يصح رهنه لعدم حصول مقصود الرهن منه، إلا الثمرة والزرع الأخضر قبل بدو صلاحه ما بدون شرط القطع فيصح رهنهما مع أنه لا يصح بيعهما بدون، لأن النهي عن البيع لعدم الأمن من العاهة ولهذا أمر بوضع الجوائح، وبتقدير تلفهما لا يفوت حق المرتهن من الدين لتعلقه بذمة الراهن، ويصح رهن الجارية دون ولدها وعكسه يباعان ويختص المرتهن بما قابل الرهن من الثمن.

هذه المسألة هي احتراز من أحد شروط صحة الرهن، ذكرنا من شروط صحة الرهن أن تكون العين المرهونة يصح بيعها، فما لا يصح بيعه لا يصح رهنه. لذلك قال هنا: وما لا يجوز بيعه كالوقف وأم الولد، المقصود بها الأمة التي أنجبت من سيدها، فالوقف وأم الولد لا يصح رهنه، قال: لعدم حصول مقصود الرهن؛ مقصود الرهن استيفاء الدين من ثمن العين المرهونة، فهنا لا يمكن استيفاؤه، يعني لو رهن عيناً موقوفة وما سدد، فهنا هل المرتهن يستطيع أن يبيع الوقف؟ ما يستطيع، خلاص موقوفة لوجه الله تعالى، ما يستطيع. فهنا لا يمكن سداد الدين من ثمن الوقف فلذلك لا يصح، وكذلك أم الولد لا يصح بيعها فلذلك لا يصح رهنها.

استثنى المؤلف رحمه الله تعالى الثمرة والزرع الأخضر قبل بدو صلاحهما بدون شرط القطع، الآن الثمرة هل يجوز بيعها قبل بدو صلاحها؟ لا يجوز، إلا بثلاث مسائل منها إذا اشترط القطع، اشترط القطع. قالوا: هذا في البيع فعلى القاعدة أنه لا يصح رهنها إلا بشرط القطع، هذه على القاعدة، لكن هنا قالوا: يجوز أن ترهن ولو لم يشترط القطع، فهذا استثناء من القاعدة. لماذا؟ انظر ماذا.

فيصح رهنهما مع أنه لا يصح بيعهما، بدونه أن النهي عن البيع لعدم الأمن من العاهة، ولهذا أمر بوضع الجوائح؛ لماذا نهي عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها أو الزرع قبل بدو صلاحه؟ لأنه قد يتلف فيذهب على المشتري. فلذلك نهي عنه إلا بشرط القطع. أما في الرهن، لو رهنه ثمرة لم يبدُ صلاحها فتلف، فهل يذهب حق المرتهن؟ لا يذهب، ماذا قال هنا؟ وبتقدير تلفهما لا يفوت حق المرتهن من الدين لتعلقه بذمة الراهن. يعني لو رهنه ثمر تمر طلع، لأن ما بدا صلاحه في يوم جاء وقت حلول الدين، فإذا هذا التمر قد تلف، فهنا هل يضيع حق المرتهن؟ لا، لا يضيع؛ لأن أصلاً هذه وثيقة لحفظ حقه، إن تلفت الوثيقة بقي حقه في ذمة الراهن، يعني الخمسون ألفاً التي اشترى الراهن بها التي ترتبت الراهن مقابل ثمن سيارة لن تنقص، لن تنقص إذا تلفت النخل، بخلاف البيع؛ فسيضرر المشتري بتلف هذه الثمر.

المسألة الثانية: رهن الجارية دون ولدها؛ الآن جاء في الحديث النهي عن التفريق بين الأمة وولدها، فالتفريق بين الأمة وولدها، فالأصل أن، فعلى القاعدة: كل ما لا يجوز بيعه لا يجوز رهنه. على القاعدة أنه إذا لا يجوز رهن الجارية وحدها دون ولدها أو الولد وحده دون أمه، لكن في الرهن قالوا يصح رهن الجارية دون ولدها وعكسه؛ لماذا قالوا في الرهن؟ الرهن لا يزيل الملك؛ يعني الآن السيد اشترى شيئاً من صاحب محل ورهنه الجارية، هنا هل انتقلت ملكية الجارية إلى البائع؟ ما انتقلت، فما تحقق المحذور الذي في الحديث؛ المحذور: لا يفرق بينه وبين ابنه، فهنا ما انتقلت الملكية، فالرهن لا يزيل الملك فلا تحصل التفرقة.

فلو جاء وقت سداد الدين، قال: تسددني بعد سنة، فجاء وقت سداد الدين ما سدد، هنا هل تباع الجارية وحدها؟ لا، قال: تباع الجارية وولدها؛ الولد غير مرهون، لكن يباعان لئلا نقع في النهي، ويباع ويختص المرتهن بما قابل الرهن من الثمن؛ يعني لو كان مثلاً الدين عشرة آلاف ريال، أو نقول الدين خمسة آلاف ريال، فبيعت هذه الجارية وولدها بعشرة آلاف ريال، هل كلها للمرتهن مقابل الرهن، أو أنه يختص بما يقابل الجارية المرهونة؟ ما يقابل الجارية هي المرهونة. فنقول الجارية كم، كيف تقدر قيمتها؟ قالوا: ينظر قيمة إذا كانت ذات ولد كم وقيمة الولد كم، فلو قالوا قيمتها إذا كانت ذات ولد بثمانية آلاف، وقيمة الولد وحده أربعة آلاف، المجموع اثنا عشر ألفاً، كم نسبتها من اثني عشر؟ ثمانية من اثني عشر ثلثان، فيختص المرتهن بثلثي هذه العشرة، فيختص المرتهن بثلثي هذه العشرة فقط. في تنبيه في حاشية ابن قاسم قال هنا في صفحة واحد وستين الحاشية واحد: وإذا كانت الجارية هي المرهونة مثلاً وكانت قيمتها مئة مع كونها ذات ولد وقيمة الولد خمسون، فحصتها ثلث الثمن، صوابها ثلثا الثمن.

قال رحمه الله: ولا يلزم الرهن في حق الراهن إلا بالقبض كقبض المبيع، لقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283]، ولا فرق بين المكيل وغيره، وسواء كان القبض من المرتهن أو من اتفق عليه، والرهن قبل القبض صحيح وليس بلازم، فللراهن فسخه والتصرف فيه، فإن تصرف فيه بنحو بيع أو عتق بطل، وبنحو إجارة أو تدبير لا يبطل لأنه لا يمنع من البيع، واستدامته أي القبض شرط في اللزوم للآية، وكالابتداء، فإن أخرجه المرتهن إلى الراهن باختياره ولو كان نيابة عنه زال لزومه لزوال إدامة القبض، وبقي العقد كأنه لم يوجد فيه قبض، ولو أجره أو أعاره لمرتهن أو غيره بإذنه فلزومه باق، فإن رده أي رد الراهن الرهن إليه أي إلى المرتهن عاد لزومه إليه لأنه أقبضه باختياره فلزم كابتداء، ولا يحتاج إلى تجديد عقد لبقائه.

لما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن الرهن لازم في حق الراهن جائز في حق المرتهن، ذكر في هذه المسألة متى يلزم الرهن، فذكر أنه يلزم بالقبض، يلزم بالقبض، فإذا لم يقبض فإنه يكون جائزاً غير لازم. وهذا هو قول أكثر أهل العلم رحمهم الله تعالى، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283] فوصفها بكونها مقبوضة، قالوا ولأنه عقد إرفاق يفتقر إلى القبول فافتقر إلى القبض، عقد إرفاق، يعني أنه من الأصل عقد إرفاق يقصد أنه من الأصل غير لازم، هذا مقصده بعقد الإرفاق، وإلا فهو يعني فيه شيء من المعاوضة، يفتقر القبول فافتقر للقبض كالقرض، والقبض يكون بإذن الراهن، لابد أن يقبض المرتهن بإذن الراهن. وطبعاً هذه مسألة خلافية قبل أن نذكر بإذنه، هذه مسألة خلافية هل يلزم بالقبض أو بمجرد العقد؟ يعني عندنا لو أن شخصاً اقترض من آخر عشرة آلاف ريال، وقال أرهنك سيارتي، أرهنك سيارتي، فهنا إذا سلمه السيارة، إذا سلم الراهن المرتهن السيارة خلاص صار الرهن لازماً، إذا لم يسلمه السيارة وبقيت عند الراهن يستعملها، فهنا الرهن جائز، يترتب على كونه جائزاً أن للراهن تصرف فيها؛ لو باعها صح بيعه؛ لأن الرهن في حقه جائز لا لازم.

وهناك قول آخر في المسألة أن الرهن يلزم بمجرد العقد، وهذا قول في المذهب، وقال به بعض أئمة الدعوة، ومنهم من قال به الشيخ عبد الله البطين رحمه الله تعالى، وأيضاً الشيخ سليمان بن عبد الله صاحب تيسير العزيز الحميد، ورجحه شيخنا ابن عثيمين رحمه الله تعالى وذكر أن عليه العمل، ذكر أن عليه العمل في أسواق الناس وتعاملاته؛ يعني عندنا في السعودية، لأنه مما يستدلون به من يرى أنه بمجرد العقد يقولون حقيقة غالب الناس إنما يرهن الشيء الذي يحتاجه، عن شخص يحتاج سيارته فرهنها وهو يحتاجها والمرتهن أصلاً لا حاجة له بها، فلذلك قالوا على المذهب أنه لو باعها هنا أبطل حق المرتهن من الوثيقة، أبطل حق المرتهن ووثيقته، فلذلك قالوا: نقول بالقول الثاني أنه يلزم بمجرد العقد، لئلا يحصل بذلك إبطال لحق المرتهن.

وهنا الشيخ ابن قاسم رحمه الله تعالى ذكر بعض فتاوى أئمة الدعوة؛ الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى أفتى بها مرة، وإلا فأكثر فتاويه على ما يوافق المذهب، من الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى شدد فيها بالمذهب وشدد على القول المخالف. الحقيقة أنا ما عندي ريب في الذي ذكره الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في الممتع أن العمل على الثاني، أنه بمجرد العقد، تقصد في القضاء. في القضاء هنا هل يرهنون؟ أكثر ما فيه رهن العقارات، رهن العقارات، فهنا هل تسجيل العقار أو توثيق الرهن يكفي للقبض أو لا؟ إن قلنا يكفي القبض، قلنا صار العمل بالمذهب، وإن قلنا لا هذا لا يكفي، القبض اللي هو التخلية، فيكون القول الذي مشي عليه هو القول الثاني، أنه يلزم بمجرد العقد.

شيخ، العقار يستخدمها إذا احتاج المرتهن، يعني مثلاً السيارة، القبض معروف، ولكن إذا كان العقار يستخدمها وإذا ما سدد أو المحتاج هذا المقصود. لا، أو مثلاً ما سدد، إذا ما قبض فهنا يقولون الرهن غير لازم جائز، فلا يأخذها من ح قول المذهب، لا يأخذها منه إلا بإذن الراهن، لكن على القول الثاني أنه يلزم بمجرد العقد، خلاص هو رهن لازم، فمتى ما سدد تباع على الطريقة التي ستمر معنا إن شاء الله تعالى، وليقرأ في فتاوى العلماء في مثل هذه المسائل ينبغي له أن يلاحظ أن العلماء رحمهم الله تعالى يلاحظون أحوال الناس، فقد يكون الأصلح لهم في زمن معين القول الثاني فيفتون به، كما هو الحال عند الشيخ البطين رحمه الله تعالى، أفتى بالقول الثاني لما رأى من الفساد في الإفتاء بالقول الأول.

قال: كقبض المبيع، يعني هنا ما مراده بقوله كقبض المبيع؟ هل يقصد أن البيع لا يلزم إلا بالقبض، أو يقصد أن القبض في الرهن صفته كالقبض في البيع، فما قيل هناك في كيفية القبض يقال هنا بكيفية القبض؟ هذا الثاني هو المقصود، ذاك قال ابن فيروز رحمه الله: هذا تمثيل للقبض لا تشبيه، لأن البيع يلزم إذا لم يكن ثم خيار، وإن لم يقبض المبيع. قال: ولا فرق بين المكيل وغيره، هذا إشارة إلى خلاف بعض الأصحاب الذين خصوا لزوم القبض بالمكيل والموزون، يعني بعض الأصحاب قالوا إن المكيل والموزون هذا لا يلزم إلا بالقبض رواية واحدة، والخلاف في غير المكيل والموزون. الحقيقة أن الخلاف في المسألتين.

قال: وسواء كان القبض من المرتهن أو من اتفق عليه، طبعاً يستثنى قبل أن ننتقل، يستثنى من اشتراط القبض إذا كانت العين أصلاً عند المرتهن، كما لو أعاره إياها، أعار الراهن المرتهن سيارته، ثم بعد ذلك الراهن اشترى من المرتهن شيئاً قال أرهنك السياره، السيارة وينها؟ عند المرتهن، فهنا هل نقول خلاص اقبضها، اقبضها مرة ثانية؟ لا، خلاص هي في يده أصلاً فيلزم هنا الرهن بمجرد العقد في ظاهر كلام الإمام أحمد رحمه الله، وهذا نص عليه وذكره الموفق رحمه الله ونص عليه في الإقناع والمنتهى.

قال: وسواء كان القبض من المرتهن أو من اتفق عليه، فإذا قبضه المرتهن أو قبضه وكيل المرتهن أو قبضه شخص اتفق على تقبيضه وهو العدل، فهنا يحصل القبض الذي يلزم به الرهن. طيب لو أناب المرتهن الراهن في القبض قال: اقبض عني السيارة التي سترهنني إياها، هل يصح؟ فهل يكون هذا قبضا من المرتهن؟ ما تحقق، أيوه ما تحقق، لذلك قالوا: لو استناب المرتهن الراهن في القبض من نفسه لم يصح، ولم يكن قبضا لأنه لا يحصل به معنى التوثق.

قال: والرهن قبل القبض صحيح وليس بلازم، يعني أن الرهن شرط للجواز ليس للصحة، نعم شرط للزوم وليس للصحة، القبض شرط للزوم وليس للصحة، ومسألة خلافية يعني في المذهب من الأصحاب من ظاهر كلامه أن القبض شرط للصحة، فإذا لم يقبض لم يصح الرهن، لم يصح الرهن هذا بعض الأصحاب، لكن المشهور في المذهب أن الرهن صحيح لكنه ليس بلازم، يعني يرجع إلى رأي المرتهن رأي الراهن إن أراد أن يقبض المرتهن وإن أراد أن يقبضه.

طيب في مسألة وهي إذا كان الرهن مشترطاً في عقد بيع، قال البائع للمشتري: أبيعك سيارتي هذه بشرط أن ترهنني جوالك مثلاً، اتفق على ذلك، فباعه السيارة استلم السيارة، قال: أعطني الجوال، قال: لا، لن أعطيك، فهل يجبر المشتري الذي هو الراهن على إقباض المرتهن لهذه العين المرهونة أو لا؟ يعني عندنا الأصل أن الراهن لا يجبر على إقباض المرتهن، لكن لو كان الرهن مشترطاً في عقد بيع فهل يجبر الراهن على إقباض المرتهن للعين المرهونة؟ لا المقصود قضاءً، لا لا يجبر العمل فائدة الشرط، خلاص وجود الرهن يعني قال بشرط أن تعطيني جوالك بعتك السيارة، خلاص استلم السيارة يحق له الفسخ، لكن لا يحق له الإلزام، يحق له الفسخ ولا يحق له الإلزام، أحسنت هذه ذكرها الموفق، وذكرها الحجاوي في الإقناع، أنه إذا كان الرهن مشروطاً في عقد بيع وأبى المشتري تسليم الرهن فللبائع الخيار بين فسخ البيع أو إتمامه والرضا به، ويلزم البيع، له الخيار بين أن يفسخ لعدم تنفيذ الشرط أو يتمه ويرضى بالبيع بدون الرهن، خلاص يلزم البيع بدون رهن، يلزم البيع بدون الرهن، وهناك قول آخر في المذهب أنه يجبر المشتري على تقبيض البائع الرهن على تقبيض البائع الرهن، المشهور هو الأول.

قال: والرهن قبل القبض صحيح وليس بلازم، فللراهن فسخه والتصرف فيه لعدم وجود شرط اللزوم وهو القبض، قال: فإن تصرف فيه بنحو بيع أو عتق بطل، أو بنحو إجارة أو تدبير لا يبطل لأنه لا يمنع من البيع، هنا التصرفات التي يتصرف الراهن في العين المرهونة لا تخرج يعني قبل القبض يتصرف بتصرف لا يخرج عن أحد أمرين، إما أن يكون التصرف ناقلاً للملكية فهنا يبطل الرهن، يبطل الرهن إذا كان التصرف ناقلاً للملكية فيبطل الرهن، قال بنحو بيع أو عتق، لأنه أخرجه عن إمكان استيفاء الدين من ثمنه، خلاص ما يمكن يستوفي الدين من ثمن إذا باعه، أو أعتقه كان عبداً وأعتقه، لا يمكن للمرتهن أن يستوفي الدين من ثمن هذا، هذه العين المرهونة.

لكن إذا النوع الثاني إذا تصرف فيه تصرفاً لا يخرجه عن ملكه فإنه لا يبطل الرهن، قال أو بنحو إجارة أو تدبير لا يبطل، يعني التصرف الذي لا يخرج عن ملكه فإنه لا يبطل الرهن بذلك لأنه لا يمنع من البيع، يعني لو أجر، لو استأجر، لو نعم رهنه شقة ثم قبل أن يقبضها أجرها الراهن، أجر الراهن هنا المرتهن ما قبضها، المرتهن ما قبضها، فهنا هل يبطل الرهن؟ لا لا يبطل، لا يبطل لا يبطل، لكن ما زال جائزاً، ما زال جائز، لم يلزم لعدم قبض المرتهن له، لا يبطل لأنه لا يمنع من البيع، بمعنى لو أنه انتهت مدة الإجارة واستلمها المرتهن فهنا.

وحل أجل الدين وهو لم يسدد، فإن المرتهن يتمكن من بيع هذه الشقة؛ خلاف الحالة الأولى إذا باع أو أعتق فإن المرتهن لا يتمكن من استيفاء الدين من ثمن هذه العين المرهونة. قال: واستدامته، أي استدامة القبض، شرط في اللزوم؛ للآية كأصل الابتداء، يعني كون العين المرهونة تبقى وتستمر عند المرتهن هذا شرط في اللزوم. إذاً عندنا القبض في الابتداء هذا شرط للزوم، واستدامته أيضاً شرط في اللزوم. قالوا: كأصل الابتداء للآية: ﴿فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283].

قال أحمد في رواية ابن منصور: إذا ارتهن داراً ثم أكراها صاحبها خرجت من الرهن، فإذا رجعت إليه صارت رهناً. يترتب على ذلك أنه إذا أخرجها المرتهن إلى الراهن باختياره، ولو كان نيابة عنه، زال اللزوم. إذا أخرج المرتهن العين إلى الراهن باختياره؛ كان الراهن استأذن المرتهن فقال الراهن: خلاص خذ السيارة أنت تحتاجها، فأخذها؛ فهنا المرتهن أعاد السيارة إلى الراهن باختياره، فهنا يزول لزوم الرهن، يعني يصير الرهن جائزاً لا لازماً. قال: ولو كان نيابة عنه، كان يودعه؛ جاء المرتهن قال: أنا بسافر وسأودع هذه العين المرهونة عندك يا راهن؛ فهنا يزول لزوم الرهن ويكون رهناً جائزاً. وقوله: ولو كان نيابة عنه، هذا إشارة إلى خلاف في المذهب؛ فذكر صاحب الإنصاف أن أبا الخطاب في الانتصار ذكر احتمالاً أنه لا يزول لزومه إذا أخذه الراهن، قال: لزوال استدامة القبض وبقي العقد كأنه لم يوجد فيه قبض، يعني أنه يبقى العقد كأنه بدون رهن.

طبعاً هذا إذا أخرجه باختياره، لكن إذا خرج رغماً عنه، جاء الراهن وغصب هذه العين المرهونة، أو جاء شخص آخر أو سرقها شخص آخر أو نحو ذلك، فهنا زالت بدون اختياره؛ فإنها لا، فإنه لا يزول لزوم الرهن؛ لأن يده ثابتة حكماً فكأنها لم تزل. وهذا نص عليه ذكره الموفق ونص عليه في الإقناع وذكره البهوتي في شرح المنتهى.

قال: ولو أجره أو أعاره للمرتهن أو غيره بإذنه، فلزومه باقٍ. عندنا إذا تصرف الراهن في العين المرهونة بإذن المرتهن؛ فنقول التصرفات الناقلة للملكية إذا أذن فيها المرتهن يمكن ستأتي لاحقاً؛ فتصرفات الناقلة للملكية إذا أذن فيها المرتهن وفعلها الراهن بإذن المرتهن تبطل؛ يعني مثلاً أذن له في عتق العين المرهونة بطل الرهن، إذا أذن في بيع العين المرهونة بطل الرهن، هذه إذا صار تصرف ناقل للملكية. أما إذا صار تصرف ليس ناقلاً للملكية، مثل الذي ذكره هنا إذا أجره أو أعاره للمرتهن أو غيره بإذنه، فلزومه باقٍ؛ مثلاً راهن شقة، فقال الراهن للمرتهن: في واحد يستأجر مني هذه الشقة، فأذن المرتهن للراهن بتأجيرها فأجرها؛ فهنا هل يزول اللزوم؟ لا، لا يزول اللزوم. قال: لزومه باقٍ؛ لأن هذا التصرف لا يمنع البيع فلم يفسد القبض.

لكن في مسألة أخرى في العارية إذا أعاره لغيره فإن تلفت، فإن المستعير يضمن؛ لأن العين المرهونة مضمونة مطلقة، هذه فقط في الضمان وإلا اللزوم باقي، لزوم الرهن باقي. فإن ردّه، أي رد الراهن الرهن إليه، أي المرتهن، عاد لزومه إليه؛ لأننا هنا قلنا يزول اللزوم فقط، وإلا فالرهن صحيح. فإذا ردّه مثلاً، قال: بستعمل السيارة لمدة أسبوع، فأذن المرتهن للراهن باستعمال السيارة لمدة أسبوع؛ فهنا زال اللزوم، أرجعها له بعد أسبوع، رجع اللزوم مرة أخرى. قال: لأنه أقبضه باختياره فلزم. في الابتداء قال الموفق: كل موضع زال لزوم الرهن لزوال القبض، اعتبر الإذن في القبض الثاني، لا بد أن يكون أيضاً إقباضاً بإذن المرتهن. قال: لأنه قبض يلزم به الرهن، أشبه الأول، ويقوم ما يدل على الإذن مقامه؛ مثل إرساله العبد إلى المرتهن؛ يعني لو أنه أرسل العبد إلى المرتهن، فهنا لا يلزم أن يقول: رددت إليك هذا لتجعله عندك، لو أرسله فقط هنا هذا قام مقام الإذن. قال: ولا يحتاج إلى تجديد عقد لبقائه؛ يعني لا يحتاج إلى أن يجددا الاتفاق على الرهن، خلاص الرهن موجود سابقاً، فقط زال اللزوم ثم عاد اللزوم مرة أخرى؛ لأن العقد الأول لم يطرأ عليه ما يبطله، أشبه ما لو تراخى القبض عن العقد.

نعم، في سؤال؛ هذا يقول: عندي سؤال فيما يتعلق بالجملة الأخيرة في باب القرض، أقرض لي مئة وأقرض لي مئة ولك عشرة، هل المذهب عدم المنع من العوض على الشفاعة الذي يسمونه ربا الشفاعة؟ يجوزون العوض على بذل الجاه مطلقاً، نعم، هذه مرت علينا أنهم يجوزون العوض على بذل الجاه، ولا يسمونه رباً، وهو جاء في حديث: «أن من شفع شفاعة فأعطي فيها، فقد أتى باباً من أبواب الربا»، لكن الحديث يضعفونه.