دخولتسجيل الدخول

كتاب البيع 10 | شروط البيع تتمة ش6 – أن يكون المبيع معلوما عند المتعاقدين

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علمًا وعملًا صالحًا يا كريم.

أما بعد: فكنا قد توقفنا في التعليق على الروض المربع عند الشرط السادس من شروط صحة البيع، وهو أن يكون المبيع معلومًا للمتعاقدين. وقفنا على بيع الملامسة والمنابذة.

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، اللهم اغفر لنا ولشيخنا ولمن أعاننا. قال المصنف رحمه الله تعالى: «ولا بيع الملامسة، بأن يقول بعتك ثوبي هذا على أنك متى لمسته فهو عليك بكذا، أو يقول: أي ثوب لمسته فهو لك بكذا». أحسن الله إليكم، الأولى بالفتح: "اللامسة"، والثانية بالضم: "المُلامَسَة".

«ولا بيع المنابذة، كأن يقول: أي ثوب نبذته إليّ -أي طرحته إليّ- فهو عليك بكذا». لقول أبي هريرة رضي الله عنه: «أن النبي ﷺ نهى عن الملامسة والمنابذة» متفق عليه. «وكذا بيع الحصاة، كأن يقول: على أي ثوب وقعت فلك بكذا»، ونحوه.

هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أمثلة على بيوع لا تصح لاختلال الشرط السادس فيها، وهو شرط العلم بالمبيع، وربما انضم إليها أوصاف أخرى تسببت في أنه لا يصح معها البيع. العلم بالمبيع أو عدم توفره ينشأ عنه الغرر والجهالة، لهذا يستدلون على اشتراط العلم بالمبيع بحديث نهي النبي ﷺ عن بيع الغرر.

قال: «ولا يصح بيع الملامسة بأن يقول بعتك ثوبي هذا على أنك متى لمسته فهو عليك بكذا، أو يقول: أي ثوب لمسته فهو لك بكذا». هذا مما فسر فيه بيع الملامسة بصيغتين: أن يقول البائع للمشتري "بعتك بهذا"، فالآن الثوب معلوم، لكن يقول "على أنك متى لمسته فهو عليك بكذا". الآن الثوب معلوم، والجهالة في أي شيء؟ في وقت انعقاد العقد؛ الثوب واضح، لكن "متى لمسته فهو عليك بكذا"، فالجهالة هنا في وقت انعقاد العقد الذي نشأ عنه التعليق.

ولذلك يقرر الفقهاء أنه لا يصح تعليق العقد، فيقول: "إذا فعلت كذا فساب عليك هذا" ونحو ذلك، أو "بعتك هذا إذا فعلت كذا وكذا". فيقولون لا يصح تعليق العقد لما ينشأ عنه من جهالة، والجهالة ينشأ عنها النزاع؛ إذ قد يتنازعون في حصول الشيء المعلق عليه.

والصورة الثانية: "أي ثوب لمسته فهو لك بكذا"، فيها علتان: علة التعليق، وعلة الجهالة أيضًا؛ لأنه لم يحدد الثوب المبيع. ودل على تحريم بيع الملامسة الحديث الذي ذكره المؤلف رحمه الله تعالى، حديث أبي هريرة: «أن النبي ﷺ نهى عن الملامسة والمنابذة». والجهالة في الثوب بمعنى أنه لم يره؛ فالمشتري لم يره، لكن البائع رآه، فهنا تكون الصورة الأولى معللة بأمرين: التعليق والجهالة.

وفسر أبو هريرة رضي الله عنه بيع الملامسة بأن يلمس كل واحد ثوب صاحبه بغير تأمل؛ يعني كل واحد يبيع على صاحبه ثوبه: "بعتك ثوبي بثوبك" من غير أن ينظر أحدهما إلى ثوب الآخر، لكنه يلمسه. وذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله أن تفسير أبي هريرة أقعد بلفظ الملامسة؛ لأن الملامسة على صيغة المفاعلة، والأصل في المفاعلة أن تكون بين شخصين. وقد أجمع العلماء رحمهم الله تعالى على تحريم بيع الملامسة كما نقله الموفق رحمه الله تعالى.

قال: «ولا بيع المنابذة». لا يصح بيع المنابذة كأن يقول البائع للمشتري: "أي ثوب نبذته إليّ -أي طرحته إليّ- فهو عليك بكذا". ويدل على تحريم هذا الحديث الذي ذكره المؤلف أن النبي ﷺ نهى عن الملامسة والمنابذة، ونقل الموفق رحمه الله الإجماع على فساده.

وهذا من التفسيرات التي فسر بها أبو هريرة رضي الله تعالى عنه؛ بأن ينبذ كل واحد منهما ثوبه للآخر ولا ينظر كل واحد لثوب صاحبه. فعلى المعنى الأول: "أي ثوب نبذته إليه فهو عليك بكذا"، فيفسد البيع لأمرين: التعليق والجهالة؛ لأنه قد ينبذ إليه ثوبًا رديئًا وقد ينبذ إليه ثوبًا نفيسًا. وعلى التفسير الثاني أن ينبذ كل واحد منهم ثوب الآخر، فيعلل المنع منه بالجهالة؛ لأنه قد يكون ثوب أحدهما نفيسًا والآخر رديئًا أو نحوه.

قال: «وكذا بيع الحصاة»، منهي عنه، وهذا جاء في حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ نهى عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر كما جاء في صحيح مسلم. وذكر في تفسيره أقوالًا، فمنها ما ذكره المؤلف هنا: "ارمها" -يعني ارم هذا الحجر أو الحصاة- "فعلى أي ثوب وقعت فهو لك بكذا". يعني البائع يبيع ثوبًا فقال للمشتري: "ارمِ هذا الحجر، فأي ثوب وقعت عليه فهو عليك بكذا"، فهنا يفسد البيع للجهالة والتعليق.

وأيضًا مما فسر به بيع الحصاة أن يبيعه أرضًا، يقول: "أبيعك الأرض، ارمِ هذا الحجر، فأنا سأبيعك إلى الموضع الذي بلغ إليه الحجر"، فهذا لا يجوز للجهالة. وأيضًا مما فسر به أن يقول: "بعتك هذا بكذا" -يعني ثوبًا أو نحو ذلك- "على أنك متى رميت الحجر وجب البيع"؛ لأنك بعته بكذا، فعله هنا التعليق. قال الموفق رحمه الله: «وكلها فاسدة»، يعني الصور الثلاث هذه كلها فاسدة لما فيها من الغرر والجهالة، ولا نعلم فيها خلافًا.

قال رحمه الله: «ولا بيع عبد غير معين من عبيده، ونحوه كشاة من قطيع، وشجرة من بستان، للجهالة ولو تساوت القيم، ولا يصح استثناؤه إلا معينًا». فلا يصح "بعتك هؤلاء العبيد إلا واحدًا" للجهالة، ويصح إلا هذا ونحوه؛ لأنه ﷺ نهى عن البيع حتى يُعلم، كما قال الترمذي: «حديث صحيح». وإن استثنى بائع من حيوان يؤكل رأسه وجلده وأطرافه.

صحا لفعله صلى الله عليه وسلم في خروجه من مكة إلى المدينة رواه أبو الخطاب؛ فإن امتنع المشتري من ذبحه لم يجبر بلا شرط ولزمته قيمته على التقريب، وللمشتري الفسخ بعيب يختص هذا المستثنى. وعكس أي عكس استثناء الأطراف في الحكم، كالشحم واللحم ونحوه مما لا يصح إفراده بالبيع فيبطل البيع باستثنائه، وكذا لو استثنى منه رطلا من لحم ونحوه.

قال: ولا يصح بيع عبد غير معين من عبيده ونحوه؛ يعني لو قال كان عنده عشرة عبيد وقال: بعتك عبداً من عبيدي بـ 10,000 ريال، فهنا لا يصح؛ لماذا؟ للجهالة، لأن العبيد مختلفون، هذا مثل نشيط وهذا لا، كسول، هذا يعرف صنعة معينة وهذا لا يعرفها فتختلف أوصافهم، ويختلف رغبات المشترين؛ فقد يكون المشتري يرغب عبداً يعمل فقط، لا يلزم أن يجد صنعة، وقد يكون المشتري لا يرغب عبداً صانعاً، لا يلزم أن يكون نشيطاً يعمل ونحو ذلك.

لذلك إذا قال بعتك عبداً معيناً فهذا يصح، وكذلك لو قال ونحوه؛ مثلاً لو كان عنده مثل ما ذكر المؤلف رحمه الله، عنده قطيع من الغنم، عنده 100 رأس من الغنم، قال: بعت كبشاً مثلاً بـ 500 ريال، هل يصح؟ لا يصح؛ لماذا؟ لأنه قد تكون هناك شاة مريضة وهزيلة لا تسوى 300 ريال، وقد تكون هناك شاة نفيسة تساوي 1000 ريال ونحو ذلك، فلذلك هذه فيها جهالة. وكذلك لو كان عنده بستان فيه مليون شجرة من الأشجار المتنوعة، فقال: بعتك بشجرة منها بكذا، فهنا لا يصح للجهالة.

والجهالة هذه تفضي إلى التنازع، ومن مقاصد التشريع في المعاملات المالية تحريم كل ما يؤدي إلى النزاع؛ ولذلك مثلاً في الرضا في العقد، اشترط في العقد، وألا يبيع الشخص ملك صاحبه، لأن هذا يؤدي إلى النزاع، وهكذا بيوع الغرر لكي لا تؤدي إلى النزاع.

قال: ولو تساوت القيم؛ وهذا إشارة إلى خلاف بعض الأصحاب؛ قالوا إذا تساوت القيم فيجوز، أو كان عنده مثلاً 100 رأس من الغنم كلها بـ 500 ريال أو كلها بـ 1000 ريال، فقال: بعتك رأساً بألف ريال، فهنا هل تصح أو لا تصح؟ هناك من بعض الأصحاب قالوا إنها تصح، كأبي الخطاب والشريف الهاشمي وغيره، قالوا إنها تصح لأن الجهالة فيها يسيرة.

لكن جمهور الأصحاب قالوا إنها لا تصح ولو تساوت القيم. وتعليل الموفق رحمه الله لأصل المسألة يدل على أنه قد يفهم منه أنه إذا تساوت القيم فيصح، لذلك يقول إن باعة الشاة من القطيع لم يصح؛ لأن شياه القطيع غير متساوية القيم فيفضي ذلك إلى التنازع. فيفهم من تعديله هذا أنه إذا كانت متساوية القيم فإنه يصح، لكن لم يصرح به.

لكن الأصحاب رحمهم الله تعالى قالوا: لا يصح؛ لماذا؟ لأنه مثلاً هي متساوية القيم عند الشخص، هذا عند البائع ساوى قيمتها، لكنها لو أوتي إليها بأفراد، فهذه أنفس من هذه، فلو بيعت إحداها ممكن تساوي 700 أو 1000 ريال، لكن مع المجموعة تساوي 500 ريال، فقد تكون هذه أنفس من هذه، فلو أخذها المشتري وهي أنفس من غيرها قد يقع في قلب البائع حرج ونحو ذلك، فسد لهذا الباب قالوا: لا يصح.

المرداوي رحمه الله لما ذكر خلاف الشريف وابن الخطاب قال: «هذا كان متعذر وجوده، أن توجد مثل القطيع شياه كلها صفة واحدة». يقول هذا كالمتعذر وجوده، لكن عندنا مثلاً في السيارات، لو أن صاحب معرض عنده 50 سيارة جديدة من النوع الفلاني كل أوصافها متحدة، ولو قال: بعتك سيارة منها بمبلغ كذا، فتجوز؛ لأن كل أوراقها وأوصافها واحدة، وله وجه تجويزه هنا لأنه لا يفضي إلى التنازع. التنازع هنا مثل الغنم؛ في الغنم صحيح أن هناك مريضاً وهناك سميناً وهناك حلوباً ونحو ذلك تختلف في الصفات، لكن مثل الصناعات هذه تجويزها له وجه، والله أعلم.

نعم، إذا قال: بعتك واحدة منها بـ 1000 ريال فهنا لا يصح، لكن إذا قال: بعتك هذه بـ 1000 ريال، خلاص أنا أريد الفلانية، هنا هذا خارج عن النزاع. لكن لو عرضها قال: ترى التي بالحوش الفلاني هذه بـ 500، وبالحوش الفلاني بـ 1000، فلا إشكال، لكن إذا جاء للبيع قال: أنا أريد أن أختار، قال: برقم 15، خلاص وقع العقد على واحدة معينة.

قال: ولا يصح استثناؤه؛ لا يصح استثناؤه إلا معيناً، يعني الآن لن يبيع واحداً بل سيبيع الكل إلا واحداً أو إلا مجموعة، لابد في الاستثناء أن يكون معيناً، فلذلك لا يصح أن يستثني شيئاً مطلقاً؛ فلا يقول مثلاً عنده 100 رأس من الغنم، فيقول: بعتك 95 رأساً واستثنيت خمسة، والخمسة هنا مطلقة، فهنا لا يصح؛ لما يؤدي إليه من الغرر والجهالة، فقد يقول لها: هذه من الخمسة التي استثنيتها، فيقع النزاع بينهم.

قال: ويصح إلا هذا؛ وهذا مثال على الاستثناء المعين. لماذا لا يصح استثناء المطلق هنا؟ قالوا: لأن استثناء المجهول من المعلوم يصيره مجهولاً؛ يعني عندك مثلاً قال: بعتك هذه 100 رأس ما عدا خمسة، فأين هي الخمسة؟ مجهولة، فاستثناء المجهول من المعلوم جعل المبيع كله مجهولاً؛ لأنه قد يكون بعض الذي اشتريته من الخمسة التي استثنيتها.

قال: ويصح إلا هذا ونحوه؛ لأنه عليه الصلاة والسلام نهى عن الثنيا، يعني الاستثناء إلا أن تعلم، أي إلا أن يكون معلوماً؛ فإذا قال: بعتك 100 رأس من الغنم إلا هذا الرأس، فإني استثنيت هذا، فهذا يصح. وكذلك الذي يصح بيعه يصح استثناؤه، والذي لا يصح بيعه مفرداً لا يصح استثناؤه؛ هذه القاعدة: ما يصح بيعه مفرداً يصح استثناؤه، وما لا يصح بيعه مفرداً لا يصح استثناؤه. وستأتي الآن مسألة مستثناة من هذا الضابط؛ فعندنا ما يصح بيعه مفرداً، لو قال: بعتك هذا الرأس من الغنم، صح بيعه مفرداً، فإذًا يصح استثناؤه، إذا قال: بعتك جميع...

هذا القطيع، إلا هذا الرأس من الغنم هنا يصح؛ لأنه صح بيعه مفرداً فصح استثناؤه. لكن إذا قال: «بعت عليك رأساً من الغنم» ولم يحدده، فلا يصح، فلا يصح استثناؤه. وما يقول: «بعت عليك هذا القطيع إلا رأساً من الغنم» لا يصح؛ فالقاع إذا ما صح بيعه مفرداً لا يصح استثناؤه، وما لم يصح بيعه مفرداً لا يصح استثناؤه، هذا واضح.

الان ننتقل إلى المسألة التي استثنيت من هذا الضابط، ذكر المؤلف مسألة، وهناك مسألة أخرى يذكرونها في باب آخر. المسألة التي تستثنى من هذا الضابط ما ذكره هنا؛ وإن استثنى بائع من حيوان يؤكل رأسه، هذه إعرابها: ماذا فعل به؟ استثنى رأسه، وليست متعلقة بكلمة «يؤكل»، بل البائع استثنى من الحيوان المأكول -الذي هو الشاة مثلاً- استثنى رأسها وجلدها وأطرافها. قال: «بعت عليك هذه الشاة لكني استثنيت رأسها يكون لي، وجلدها وأطرافها -يعني يديها وأرجلها- تكون لي»، أنت إذا ذبحتها، الرأس والجلد والأطراف تعطيني إياها والباقي لك، فهذا يصح.

وهذه مستثناة من هذا الضابط الذي ذكرناه؛ لماذا استثنيت؟ للحديث؛ لورودها عن النبي ﷺ، فلو لم ترد لم تُستثنَ. قال: لفعله عليه السلام في خروجه من مكة إلى المدينة، خرج في الهجرة وأبو بكر وعامر بن فهيرة، فمروا براعي غنم، فذهب أبو بكر وعامر بن فهيرة فاشتريا منه شاة، وشرط له سلبها، يعني الذي هو الرأس والجلد والأطراف. فهنا الأصل ألا يصح، لكن لما جاء النص بالنبي ﷺ أُقرَّ على ذلك، فلما جاء النص بذلك استثناها الأصحاب رحمهم الله تعالى.

هناك مسألة أخرى، ذكر المؤلف أن هذه هي المسألة الوحيدة التي تستثنى، والموفق رحمه الله في «المغني» ذكر مسألة أخرى، ذكرها بناءً على أنها تستثنى قياساً على مسألة أخرى في باب الأصول والثمار. الآن إذا باع البائع الثمرة، أو باع الشجر والثمر لم يؤبر بعد، أي لم يلقح، فهنا الثمرة لمن؟ للبائع وللمشتري، فالأصل عدم الشرط للمشتري، فإذا أبرت للبائع، هنا البائع هل يجوز له بيعها قبل التابير؟ نعم، وبعد التابير وقبل بدو صلاحها، هل يجوز له بيعها مفرداً؟ لا يجوز، ومع ذلك جاز له استثناؤها، فيجوز له استثناؤها ولا يجوز له بيعها مفرداً.

وهذه المسألة الثانية؛ يجوز له استثناؤها -وهي السواقط: الرأس والجلد والأطراف- لكن لا يجوز له بيعها مفرداً، قالوا لا يجوز له بيعها مفرداً لعدم الاعتياد لذلك، ولأن الاستثناء هنا استثناء استبقاء، وهو يخالف العقد المبتدأ، يعني كأنه استدامة، والاستدامة أقوى من الابتداء، فقد يجوز بالاستدامة ما لا يجوز بالابتداء.

تذكرون مثالاً على ذلك: قد يجوز بالاستدامة ما لا يجوز بالابتداء، كطيب المحرم. المحرم يشرع له -أقول يشرع ولا يباح- أن يتطيب قبل إحرامه في بدنه، فإذا أحرم وعليه الطيب لا يلزمه غسله، يجوز له إبقاؤه، فهنا استدام الطيب، لكن لا يجوز له ابتداء الطيب بعد إحرامه، فجاز بالاستدامة ما لم يجز بالابتداء. وهنا جاز، لأن الاستثناء كأنه استبقاء، كأنه استدامة، فجاز ما لم يجز بالابتداء.

نرجع إلى مسألتنا هنا، قال: لفعله ﷺ في خروجه من مكة إلى المدينة، رواه أبو الخطاب؛ ومن هو أبو الخطاب؟ هو الكلوذاني رحمه الله تعالى، وكتابه مشهور، في «النهاية». نحن شرحنا عليه عدة كتب، لكن أشهرها «الهداية»، وهذا كتاب مختصر. «هداية» مثنى، وهو الذي شرح بالـ«نهاية»، وله كتاب «الانتصار» ويسمى «الخلاف الكبير»، وهو كتاب موسع لكن لم يوجد منه إلا جزء من العبادات المطبوع في ثلاث مجلدات، فلعله رواه هناك، والله أعلم.

قال: فإن امتنع المشتري من ذبحه لم يُجبر بلا شرط. الآن المشتري اشترى هذه الشاة وقال البائع: «رأسها وجلدها وأطرافها لي»، فاشترى، فقال له البائع: «اذبحها»، فقال: «لا». فهل يُجبر؟ يقول: إذا كان مشروطاً عليه الذبح، قال: «بشرط أن تذبحها وتعطيني كذا وكذا»، فهنا يُجبر على ذبحها، أما إذا لم يُشترط عليه الذبح فإنه لا يُجبر، قالوا: لأن الذبح ينقص قيمتها. فإذا لم يُجبر فتلزمه قيمته على التقريب، قيمة المستثنى هذا؛ الذي استثنى رأسه وجلده وأطرافه.

قالوا: كم قيمة الرأس والجلد؟ قالوا: بكذا، خلاص يعطيه قيمته، وهذا نص عليه الإمام أحمد رحمه الله فيما روي عن علي رضي الله عنه أنه قضى في رجل اشترى ناقة واشترط ثنيها، فقال: «اذهبوا إلى السوق، فإذا بلغت أقصى ثمنها فأعطوه حساب ثنيها من ثمنها». وقال: وللمشتري الفسخ بعيب يختص بهذا المستثنى؛ يعني لو أنه اشترى هذه الشاة وقال البائع: «بشرط أن الرأس لي»، فلما اشتراها وقبضها وجد في رأسها جرحاً، قال: خلاص أنا سأفسخ البيع، قال: «لا، الرأس مستثنى»، قالوا له: الفسخ جائز؛ لماذا؟ لأن العيب وإن كان في الرأس، لكن قد يتأثر باقي الجسم لأن الجسم شيء واحد، فقد يتأثر باقي الجسم، ولذلك قالوا له الفسخ.

وعكسه، أي عكس استثناء الأطراف في الحكم، هو استثناء الشحم والحمل ونحوي مما لا يصح إفراده بالبيع، هذا الذي قلنا لكم ضابطه: ما لا يصح إفراده بالبيع لا يصح استثناؤه. فلذلك الشحم، لو قال عنده شاة حية لم تُذبح بعد، قال: «بعتك شحمها»، هل يجوز؟ لا يجوز، لماذا؟ من الأصل لا يجوز، لأنه مجهول، قد يكون شحمها كيلواً ولا يدري. فلما لم يصح بيعه مفرداً لم يصح استثناؤه، لو قال: «بعتك هذه الشاة إلا شحمها» لا يصح. وكذلك الحمل، لو قال: «بعتك حمل هذه الشاة»، فهل يصح؟ مر علينا في الدرس الماضي أنه لا يصح لأنه مجهول، فقد يكون قد يخرج ميتاً، أو قد يكون ليس حملاً، أو انتفاخاً إلى آخره، فهو مجهول، ولما لم يصح بيعه مفرداً إذاً لا يصح استثناؤه.

إلى مثلا ناقة حامل، وقال: بعت عليك هذه الناقة إلا حملها، فهل يصح؟ لا يصح، ما دام أنه لم يصح بيعه مفرداً إذاً لا يصح استثناؤه، لا يصح استثناؤه شلون؟ لأنه اللحم سيذكره بعدها مباشرة، الآخذ يأخذ نفس الحكم لكنه سيذكرها بعدها مباشرة. فإذا قلنا اللحم، ثم قلنا بعده وكذا وكذا، لو استثنى من اللحم هذا استثناءً، اللحم هنا استثناء اللحم.

قال: وكذا لو استثنى منه رطلاً من لحم ونحوه، هذا مثله، لو قال: بعتك هذه الشاة إلا رطلاً من لحم الشاة، طبعاً حية، لو كانت ميتة لو كان يقصد مذبوحة، فقال: بعتك مثلاً -لو قلنا عشرة أرطال من اللحم- قال: بعتك، يعلمون أنها عشرة أرطال، قال: بعتك لحمها إلا رطلاً، فهنا جائز. لماذا؟ لأنه معلوم أنه حتى هذه، لأن نعم صحيح، لا، حتى لو كانت مذبوحة فإن الاستثناء هنا فيه إشكال، لماذا؟ مجهولة، اللحم يختلف فيه، يعني في لحم طري وفي لحم قاصٍ، فيختلف أجزاء.

طيب، لكنهم يقولون لو استثنى مثلاً ربعها، قال: بعتك هذه الذبيحة إلا ربعها، جائز، هذا جائز أنه استثناء شيء مشاع، لكن إذا استثنى شيئاً معيناً فإنه لا يجوز. نرجع إلى: استثنى منه رطلاً من لحم، قال: بعتك هذه الشاة إلا رطلاً من اللحم، أو إلا رطلين ونحو ذلك، فإنه لا يجوز، لماذا؟ الجهالة، الجهالة ما يدري كم فيها رطل من اللحم فهو مجهول.

فقط هناك تنبيه على ما في حاجة ابن قاسم في صفحة 359، حاجة رقم واحد، قال: «وأكال الشحم واللحم في عدم الصحة الصواب»، وكأن الشحم واللحم يعني مثل الشحم يأخذ اللحم حكمه، يعني بدون الواو، يعني الواو هنا زائدة.

نعم، أحسن الله إليك. قال رحمه الله: «ويصح بيع ما مأكوله في جوفه كرمان وبطيخ وبيض»، الداعي لذلك ولكونه مصلحة لفساده بإزالته. «ويصح بيع الباقلاء ونحوه كالحمص والجوز واللوز في قشره»، يعني ولو تعدد قشره، لأنه مفرد مضاف فيعم، وعبارة الأصحاب: «في قشريه»؛ لأنه مستور بحائل من أصل الخلقة، أشبه الرمان. «ويصح بيع الحب المشتد في سنبله»؛ لأنه ﷺ جعل الاشتداد غاية للبيع، ما بعد الغاية للبيع.

أنا معلق عليها في نسخة للبيع، وعليها أكثر من نسخة، ما عندك نسخة ثانية؟ لا، نسخة ثانية للتحقيق فقط. لا، هي غاية التي عندنا في حاشية ابن قاسم، غاية المنع، لأن النبي ﷺ جعل الاشتداد غاية المنع، وما بعد الغاية يخالف ما قبلها، فوجب زوال المنع هنا.

ذكر بعض ما يجوز بيعه مع وجود جهالة فيه، لكن الجهالة هذه مغتفرة. قال: «ويصح بيع ما مأكوله في جوفه كرمان وبطيخ وبيض»، الآن هذه الرمان مثلاً الذي يؤكل وفي الداخل أما القشر فلا يؤكل، ومع ذلك يجوز بيعه ونحن لم ننظر ما بداخله، لماذا؟ الداعي لذلك لأننا لو فتحناه فسد. قال: لا لن أبيع حتى أنظر، ففتح وقال: لا، هذا ما جاز، سيفسد هذا الرمان، وكذلك البطيخ وكذلك البيض، فهذه يجوز بيعها وإن لم يُرَ ما بداخلها، يعني وإن كان فيها جهالة لا شك أن فيها جهالة، لكن هذه الجهالة مغتفرة.

قال: «الداعي لذلك ولكونه مصلحة لفساده بإزالته»، أنه لو أزيل هذا القشر ولم يرغب المشتري بإكمال البيع فإنه سيفسد هذا المأكول. قال الشارح رحمه الله: «لا نعلم فيه خلافاً لأن الحاجة تدعو إلى بيعه، كذلك لكونه يفسد إذا أخرج من قشره».

«ويصح بيع الباقلاء»، لا يقال هكذا: باقلاء، يشدد ويخفف، يعني بدون همزة، باقلا ويخفف، فيمد باقلاء، إذا خففت فأثبت الهمزة، وإذا شددت فاحذف الهمزة. فهذه يجوز بيعها، الباقلاء والحمص والجوز واللوز، يجوز بيعها في قشرها، يعني لا يلزم أن يفتح قشرها لينظر ما بداخلها، هي البذرة هي أو الثمرة بداخل القشر، ومع ذلك لا نفتحها لنرى ما بداخلها.

قال: «في قشره»، ثم تكلم عن لفظه "قشره" لأن الأصحاب يقولون، بعضهم يقول قشر وبعضهم يعبر بقشرته، الذي في الإقناع والمنتهى: قشر، وفي المقنع بعض النسخ قشرته وبعضها قشره. قال: "في قشره" يعني ولو تعدد قشره؛ لأن بعض الأصحاب يعبر بـ"قشر"، فقال إن مراد الحجي "بقشره" يعني في قشريه، ويقول إنه قال "قشره" لأن قشر مفرد مضاف فيعم، فيعم إذا كان قشراً.

لماذا يجوز الباقلاء؟ لأنه مستور بحائل من أصل خلقته، أشبه الرمان، الرمان مثله مستور بحائل من أصل خلقته فجاز بيعه بدون فتحه. قالوا: هذا مثله الباقلاء وما عطف عليه، وكذلك هذه المأكولات، البقلة ونحوها تباع في أسواق المسلمين هكذا من غير تنكير، فكان إجماعاً عملياً كما قاله الموفق رحمه الله.

قال: «ويصح بيع الحب المشتد في سنبله»، لا يلزم أن تفتح السنبل ويباع الحب، لماذا يصح؟ يعني الحب المشتد في سنبله الآن مخفي بهذا السنبل، لأنه عليه الصلاة والسلام جعل الاشتداد غاية للمنع، لأن النبي ﷺ في حديث أنس نهى عن بيع الحب حتى يشتد، فجعل المنع مغيب الاشتداد، فإذا اشتد يختلف الحكم، يذهب المنع فيأتي الجواز، إذا اشتد يعني الآن خلاص بدأ صلاحه، فيجوز بيعه في سنبله، يعني لا يلزم أن يخرج من سنبله، لأنه عليه الصلاة والسلام جعل اشتداد غاية المنع وما بعد الغاية يخالف ما قبلها، قبل الاشتداد لا يجوز بيع الحب، بعد الاشتداد إذاً يجوز، قال: «فوجب زوال المنع».