أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: «والشرط السادس أن يكون المبيع معلومًا عند المتعاقدين؛ لأن جهالة المبيع غرر، والمعرفة ومعرفة المبيع إما برؤية له، أو لبعضه الدال عليه، مقارنة أو متقدمة بزمن لا يتغير فيه المبيع ظاهراً، ويلحق بذلك ما عرف بلمسه أو شمه أو ذوقه، أو صفة تكفي في السلم فتقوم مقام الرؤية في بيع ما يجوز السلم فيه خاصة».
ولا يصح هنا الشرط السادس والشرط السابع، كلاهما في العلم، لكن هنا السادس في العلم بالمبيع، والسابع في العلم بالثمن. السادس يقول: أن يكون المبيع معلومًا عند المتعاقدين، يعرفان ما حصل عليه العقد، وعلل اشتراطه قال: لأن جهالة المبيع غرر، وقد نهى النبي ﷺ عن بيع الغرر.
وأيضًا جاء في أحاديث النهي عن بيوع مجهولة، عندنا أمثلة، مثل النهي عن بيع الملامسة، وحديث النهي عن بيع المضامين والملاقيح، وهذه الأحاديث وإن كان فيها ضعف، لكن عندنا القاعدة العامة، والحديث الذي عليه العمدة هو حديث النهي عن بيع الغرر، وحديث أبي هريرة في صحيح مسلم. ولأن المجهول أيضًا يقع فيه التنازع ويتعذر تسليمه.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى ما يحصل به العلم، فذكر أن العلم إما بالرؤية وما يقوم مقامها، أو بالصفة. فالأول قال: معرفة المبيع إما برؤية له، وهذه الرؤية متفق عليها، متفق على أنه إذا رأى المبيع رؤية تامة فإنه يصح العقد. أما الصفة ففيها خلاف، لكن أما الرؤية فهذه متفق عليها، على خلاف بين العلماء رحمهم الله تعالى فيما يشترط في الرؤية؛ قالوا لأن البيع يعتبر فيه الرضا، فتعتبر الرؤية لأنها يتحقق بها الرضا.
وكما قلنا إن الرؤية متفق عليها، لكن وقع الخلاف في ما الذي يراه. ذكر الموفق في «الكافي» أنه تشترط رؤية ما هو مقصود بالبيع، الأشياء التي تقصد في البيع ويختلف بها الثمن ظاهراً ونحو ذلك، وتعتبر الرؤية من المتعاقدين جميعًا لأن الرضا يعتبر منهما، فتعتبر الرؤية التي هي مظنة منهما جميعًا. فلو كان البائع عندنا، والمشتري لم يره، لكن أحيانًا البائع لم يره، مثل أن يشتري له وكيله سلعة ثم عربها ولم يرها ولم توصف له، فهنا هل يصح بيعه؟ يقولون: لا يصح البيع، هذا إذا كان لم يرها، لكن لو كان الذي رآها وكيله وعقد الوكيل فإنه يصح، وكذا لو وصف له ولكنه لم يره وباعه فإنه يصح.
قال: «معرفة المبيع إما برؤية له»، يعني يراه كله أو لبعضه الدال عليه، يعني إن دل ما رآه على بقيته، قالوا: كأحد وجهي ثوب خام، أي أن الثوب سادة فرآه، فرأى جزءًا منه فهنا يصح، لكن إذا كان الثوب منقوشًا قال: لابد أن ينظر إلى جزئية.
قال: «الرؤية هذه إما أن تكون مقارنة للمبيع للعقد، أو تكون متقدمة بزمن لا يتغير فيه المبيع ظاهراً». كأن يأتي إلى المعرض مثلاً ويرى سيارة كامري موديل ٢٣ ويعرف أوصافها، ثم يلتقي بصاحبها أو يتصل عليه مرة أخرى ويقول: أنا رأيت عندك قبل أسبوع سيارة كذا وكذا، فيقول: نعم موجودة، فيقول: أريد أن أشتريها. فهو هنا الرؤية متقدمة، لكن الزمن لا يتغير فيه المبيع ظاهراً، فهنا يصح. فلا يلزم مقارنة الرؤية للعقد في قول أكثر أهل العلم رحمه الله تعالى لتحقق العلم به، فالمقصود هو العلم، والرؤية هذه وسيلة، وما دام قد رآه والزمن الذي سبقت به الرؤية العقد لا يتغير فيه المبيع ظاهراً، فإنه تكفي الرؤية الأولى.
ما يترتب على ذلك: الآن رأى السيارة قبل أسبوع ثم عقد البيع وهو لم يرها أثناء العقد، أتت له السيارة على الأوصاف التي رآها بها، فهنا قالوا: إذا وجد المبيع على الصفة التي رآها قبل العقد ولم تتغير فإنه يلزم المبيع. أما إذا كانت فيها تغير أو كانت ناقصة فإنه يثبت له الخيار، مثلاً هذه السيارة التي رآها قبل أسبوع وجد فيها نقصًا، كأن أخذ منها الإطار الاحتياطي، فيقول له: الخيار لك في الإتمام من عدمه. إن اختلف في التغير، فقال المشتري: تغيرت عن صفتها التي رأيتها قبل العقد، وقال البائع: لا لم تتغير، قالوا: القول قول المشتري؛ لأنه يلزمه الثمن، ولم يلزمه ما لم يعترف به، وهو الذي يعبر عن الأصحاب بقولهم: «لأنه غارم»، والغارم قوله مقدم.
قال: «ويلحق بالرؤية ما عرف بلمسه أو شمه أو ذوقه»، فهناك بعض الأشياء لو رأيتها ما يتبين لك وصفها إلا إذا لمستها، أو شممتها مثل رائحة العطر، فهذه لو شممتها تكفي، أو ذقتها مثل الطعام، فهنا تقوم هذه مقام الرؤية، فلو أراد أن يشتري مأكولاً فذاق جزءًا منه فهنا يكفي لحصول العلم بحقيقة المبيع.
الأمر الثاني مما يحصل به العلم هو الصفة، وهذه كما قلنا ليست متفقًا عليها بل فيها خلاف حتى في المذهب، هل يجوز البيع بالصفة أو لابد من الرؤية؟ المشهور من المذهب أنه يجوز البيع بالصفة على شروط يذكرونها. والصفة هنا يقول: لابد أن تكون الصفة تكفي في...
الصفة التي تكفي في السلم، سيأتينا في باب السلم أنه لا بد أن يذكر في العقد الأشياء التي يختلف بها الثمن اختلافًا ظاهرًا، فيذكر في وصف المسلم فيه الأوصاف التي يختلف بها الثمن اختلافًا ظاهرًا، فهذه لا بد أن يذكرها. فلذلك قالوا: إذا أراد أن يصف لا بد أن يذكر الأوصاف التي يختلف بها الثمن اختلافًا ظاهرًا.
وأيضًا قالوا: لا بد أن يكون هذا الأمر مما يصح أن يسلم فيه، بأن يكون مكيلاً أو موزونًا ونحوه. ولذلك يقولون مثلًا: العقار لا يصح السلم فيه، ويبنون عليه أنه لا يصح البيع بالصفة؛ بناءً على كون البيع بالصفة لا يصح إلا في الأشياء التي يصح فيها السلم. هذا هو الذي قرره المتأخر من الأصحاب كابن قدامة ومن تبعه.
لكن شيخ الإسلام رحمه الله ينازع في ذلك، ويقول إنه لا تلازم، وأن البيع بالصفة أوسع من باب السلم. ولذلك في مسألة البيع بالصفة، وفي مسألة بيع الغائب بدون وصف، من الفقهاء رحمهم الله تعالى من أجازه وللمشتري الخيار، يستدلون بأثر عن عثمان ومن معه -نسيت أحد الصحابة رضي الله تعالى عنهم- تبايع عقارًا لم يره، فأجاز هذا البيع.
لكن الموفق رحمه الله أجاب عن هذا، وكذلك القاضي أجاب عن هذا بأنه يحمل على أنه باعه بالصفة، وهو عقار. والموفق رحمه الله يرى أنه لا بد أن تذكر الصفات التي تذكر في السلم، لكن شيخ الإسلام رحمه الله يقول إن هذا يدل على أنه لا تلازم، فالبيع بالصفة أوسع من بيع السلم، فلا نقول إن كل ما لم يصح السلم فيه لا يصح بيعه بالصفة. وهذا تقرير شيخ الإسلام، وهو كما قلنا على خلاف ما عليه المتأخرون من الأصحاب، لكن الشيخ يقرر ما عليه المتقدمون من الأصحاب أنه لا تلازم، وأن البيع بالصفة أوسع من بيع السلم؛ فليس كل ما لم يصح السلم فيه لا يصح بيعه بالصفة.
ولذلك حتى الخلواتي رحمه الله، لما جاء المسألة قال: في نظر، يعني أنه لا يصح البيع بالصفة إلا ما يصح فيه السلم، قال: فيه نظر. نعم، عثمان بن طلحة رضي الله عنهما.
إذًا الصفة التي تكفي في السلم، تقوم مقام الرؤية في بيع ما يجوز فيه السلم خاصة، وهذا الذي تكلمنا عنه قبل قليل. وإن المشهور عند الأصحاب أنه لا بد أن يكون المبيع بالصفة مما يصح فيه السلم، وهناك قول آخر أنه لا يشترط ذلك، وإنما اشترطوا ذكر صفاته التي تذكر في السلم؛ قالوا لأن المشاهدة -يعني الرؤية- لما عدمت وجب استفاء صفاته كالسلم، قاسوه على السلم؛ قالوا إننا نذكر صفاته المؤثرة لأنه أصلاً المسلم فيه معدوم أو غير موجود، فلذلك نستقصي في صفاته التي يختلف بها الثمن اختلافًا ظاهرًا.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: «ولا يصح بيع النموذج بأن يريه صاعًا مثلا ويبيعه الصبرة على أنها من جنسه». هنا من المسائل التي تتعلق بالرؤية، قال: لا يصح بيع النموذج بأن يريه صاعًا مثلا ويبيعه الصبرة على أنها من جنسه. يعني عندنا نموذج، كأنه مثال للسلعة التي سيبيع، فيقول: أنا سأبيع مثلاً عشرين كيلاً من التمر، وهذا نموذج منها. فيقولون: لا يصح بيع النموذج؛ لماذا؟ لأنه لم تحصل الرؤية ولا الصفة، فكونه يريه مثاله قالوا: هذا ليس وصفًا. وهذا هو المشهور من المذهب.
وهناك قول آخر في المذهب، أن ضبط النموذج كذكر الصفات؛ إذا كان النموذج منضبطًا فإنه كذكر الصفات. نقل جعفر في "من يفتح جرابًا ويقول..." الباقي بصفته، قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: «إذا جاءه على صفته ليس له رده». قال في الإنصاف: هذا هو الصواب، وصوبه المرداوي، وهو خلاف المذهب، وهذا الذي يقرره الأصحاب رحمهم الله تعالى مبني على ما هو موجود في زمنه.
عندنا الآن مع تقدم الصناعات، كونك تريد أن تشتري مثلاً فناجين قهوة، وتريد أن تشتري ثلاثين فنجانًا، فتقول لصاحب المحل: أريد نفس هذا، نفس الشكل. فهنا من دقة الصناعات أنها متشابهة مئة بالمئة، فيظهر -والله تعالى أعلم- أن العلة التي عللوا بها بأنه لا ينضبط هذا في الأشياء التي لا يمكن التساوي فيها، لكن مع تقدم الصناعة فإنه ينضبط، أن تكون متساوية هذه التي باعها. فلذلك القول الثاني في المذهب الذي قواه المرداوي رحمه الله هو المتوجه في السلع التي لا تختلف في الصناعات، لكن التي تختلف نقول: نعم المذهب له وجهة، والله أعلم.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: «ويصح بيع الأعمى وشراؤه بالوصف واللمس والشم والذوق فيما يعرف به». هنا الكلام على بيع الأعمى؛ الأعمى هنا لم تتحقق له الرؤية، لكن معرفة المبيع ليس لها طريق واحد فقط، بل المؤلف رحمه الله ذكر الرؤية، وذكر الصفة، وذكر ما يلحق بالرؤية كاللمس والشم.
فلذلك الأعمى الآن فقط الرؤية هي التي لا يستطيعها، فالمبيع الذي لم يره الأعمى ولم يوصف له هنا نقول: لا يصح. يعني لو قال: اشتريت منك، قال: عندي سيارة كامري، قال: خلاص اشتريتها منك، ولم يذكر له أوصافها ولم يعلم عنها الشيء، فهنا لا يصح البيع. لكن لو وصف له السيارة أوصافها فقال: اشتريتها منك، فهنا يصح. ولذلك هنا يقول: يصح بيع الأعمى وشراؤه بالوصف إذا قال له الأوصاف التي تؤثر في الثمن، وكذا باللمس؛ يعني الأشياء التي تُحس باللمس، فحتى لو لم توصف، أراد أن يشتري قماشًا، فقالوا له مثلاً: هذا قماش أبيض أو أحمر أو نحو ذلك، فلمسه قال: هذا جيد، فهنا يصح.
الشم، أراد أن يشتري مثلاً مشمولاً كالعطر، فهنا يصح حتى لو لم يوصف له، يقال له مثلاً: هذا من النوع الفلاني أو النوع الفلاني، مادام أنه شمه وأعجبه يصح، وكذلك الذوق؛ أراد أن يشتري مثلاً مطعوماً فذاق وأعجبه فهنا يصح.
فلذلك إذاً نقول: الأعمى مثل البصير، يصح شراءه وبيعه كالبصر، إلا عند الأشياء التي لم يرها، يعني ليس عندنا تتحقق له الرؤية فقط، إنما تتحقق له الشم فيما يشم، والذوق فيما يذاق، واللمس فيما يلمس، وكذلك الوصف. أما إذا لم يكن هناك لا وصف ولا شم ولا لمس ولا ذوق، هنا لا يصح البيع. قال: كتوك، يعني الأعمى يتوكل كالبصر، فهو يتوكل في البيع والشراء.
نعم، أحسن الله إليكم. قال رحمه الله تعالى: «فإن اشترى ما لم يره بلا وصف، أو رآه وجهله بأن لم يعلم ما هو، أو وصف له بما لا يكفي سلماً، لم يصح البيع لعدم العلم بالمبيع».
نعم، أحسنت. هنا ذكر محترزات لهذا العقد، لهذا الشرط؛ قال: «اشترى ما لم يره بلا وصف»، الآن أقول: قال لك من الأصل إن من شروط صحة البيع العلم بالمبيع، العلم إما برؤية أو بصفة، طيب؛ لا رؤية ولا صفة لا يصح أن اشترى ما لم يره بلا وصف، وهذه بيع العين القائمة بدون الصفة، وهذه لم تصح على المشهور عند الحنابلة رحمهم الله تعالى، والعلة أنه لم يعلم بالمبيع فيكون غرراً.
ومن المذهب هناك رواية أخرى أنه يصح وله خيار الرؤية إذا رآه، معنى يصح ثم رآه ولم يكن على ما توقعه، فهنا له الفسخ، وهذا اختار شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، ولعله يأخذ بما روي عن عثمان وطلحة رضي الله تعالى عنهما في بيعهم العقار. ومحل الخلاف إذا ذكر جنسه، أما إذا لم يذكر جنسه فلا يصح؛ رواية واحدة قاله القاضي وغيره.
يعني عندنا مثلاً: «عندي طعام في البيت»، طعام مأكول لكن لم يحدد جنسه، قال خلاص أنا كم كيلو؟ قال مثلاً 5 كيلو، قال خلاص اشتريت منك بكذا، اشتريته منك بكذا، هنا لم يحدد، فيقولون هنا لا يصح، رواية واحدة في المذهب لأنه لم يذكر جنسه. لكن الخلاف فيما إذا ذكر جنسه؛ قال بعت عليك مثلاً تمراً، بعت عليك تمراً عندي في المزرعة مثلاً، ما أخبره بنوعه ولم يذكر له الأوصاف المؤثرة في الثمن، فهنا لا يصح البيع على المذهب، وهناك رواية أخرى أنه يصح وله الخيار إذا رآه.
الامر الثاني: «أو رآه وجهله بأن لم يعلم ما هو»، يعني عنده مثلاً رأى من بعيد كرتونة فيها طعام لكن لم يتبين له ماهو، فهو حصلت الرؤية لكن لم تحصل معرفة، هي الرؤية أصلاً أُجريت لكي تحصل معرفة، فهو حصلت له رؤية لكن لم تحصل معرفة، فهنا لا يصح البيع.
قال: «أو وصف له بما لا يكفي سلماً»، يعني عندنا في السلم لابد أن يذكر الأوصاف التي يختلف بها الثمن ظاهراً، من مثلاً لونه إذا كان يختلف ثمنه باللون، أو وزنه، أو قدامته أو حدّته ونحو ذلك، فإذا لم تذكر له هذه الأوصاف، أو ذكر له بعضها ولم تستقر هذه الأوصاف، فإنه لا يصح البيع هنا؛ لماذا؟ لأنه لم يعلم بالمبيع، أو علم جزءاً منه لكن هذا العلم الذي علمه لم يكن نافياً للجهالة.
نعم، أحسن الله إليكم. قال رحمه الله تعالى: «ولا يباع حمل في بطن، ولا لبن في ضرع منفردين للجهالة»، فإن باع ذات لبن أو حمل دخل تبعاً.
طيب، أحسنت. هذه من المسائل التي تدخل تحت هذا الشرط؛ بيع الحمل في البطن، يعني يباع وحده هذا لا يجوز بالإجماع، نقل الإجماع الموفق وابن المنذر رحمهم الله تعالى. وجاء فيه بعض الأحاديث؛ مثل النهي عن بيع الملاقيح والمضامين، والمضامين هي ما في أصلاب الفحول، والملاقيح ما في البطون وهي الأجنة، فكانوا يبيعون الجنين في بطن أمه، وهذا كما تقدم أن الحديث فيه ضعف، لكنه متفق على معناه، وأيضاً داخل في حديث النهي عن بيع الغرر. وإنما لم يجز لوجهين: الجهالة، وعدم القدرة على التسليم.
واللبن في الضرع أيضاً لا يجوز بيعه منفرداً، وجاء فيه حديث لكن فيه ضعف، في حديث ابن عباس أن النبي ﷺ نها أن يباع صوف على ظهر أو لبن في ضرع. قال: ولأنه مجهول الصفة والمقدار، فاشبع الحمل، ولأنه بيع عين لم تخلق، فلم يجز كبيع ما تحمله الناقة، هذا إذا باعها منفردة.
لكن إذا باعها مع غيرها، فإذا باعها مع الأصل فتجوز لذلك؛ قال: «فإن باع ذات لبن أو حمل دخل تبعاً»، باع شاة أو بقرة أو ناقة باعها وفيها لبن، قال: بعتك إياها مثلاً بـ 5000 ريال، فهنا يصح ويدخل اللبن تبعاً، أو باع مثلاً شاة حاملاً أو بقرة حاملاً فهنا يصح ويدخل الحمل تبعاً. قالوا: لأنه يغتفر في التبعية ما لا يغتفر في الاستقلال. وهذا إذا قال: بعتك هذه الشاة أو هذه البقرة ولم يتعرض للحمل، أما إذا قال: بعتك هذه الشاة بحملها فإنه لا يصح، وهذا نبه عليه الخلوتي في حاشية المنتهى؛ قال: لأنهم نصوا على أن البيع في مثل هذه الصورة لا يصح، لأنهم نصوا على أن البيع في هذه الصورة لا يصح، طب نصوا عليه في مسائل تفريق الصفقة؛ قال: لأنه قد جمع بين معلوم ومجهول يتعذر علمه.
نعم، أحسن الله إليكم. قال رحمه الله تعالى: «ولا يباع مسك في إرته»، أي الوعاء الذي يكون فيه للجهالة. ولا هذه من الأمثلة؛ بيع المسك في إرته، المسك يخرج من الغزال، وهذه مرت علينا فارة المسك، وين في العبادات؟ في أي باب فارة المسك؟ في الميت يا شيخنا، حدد في أي باب؟ أحسنت، يقول في الآن، يعني الآن هذه ذكروها استثناء من القاعدة: «وما أبين من حي فهو كميتته»، ذكر أن استثناء منها مستيت منها فارة المسك. طيب.
المسك هذا يخرج من الغزال، أو من نوع من أنواع الغزلان، هذه يركبونها فيخرج من بطنها شيء كالغدة، لكن إذا فتحت الفارة -وهي التي تكون كالوعاء للمسك- وشوهد ما فيها، فهل يصح البيع؟
يصح البيع. طيب، لماذا لا يصح هنا بيع المسك في فارت؟ قال: للجهالة. ويقول موفق رحمه الله: «وإنما لم يجز بيعه في فارة؛ لأنه يمكن بقاؤه خارج وعائه من غير ضرر وتبقى رائحته، فلم يجز بيعه مستورًا كالدر في الصدف». وطبعًا هو يفرق بينها وبين ما كان في جوفه؛ فلو أراد أحد أن يبيع رمانًا، فهل نقول لازم تفتح الرمان وتشوف ما في بطنه لأجل أن تتحقق الرؤية؟ لا، قالوا هذا مغتفر. فمن العلماء من قال إن هذا أيضًا مغتفر مثل بيع ما كان في جوفه.
يقول موفق: «لا، ما كان في جوفه إذا فتح فسد»، هنا إذا فتح لا يفسد. ويقول: «ويتوجه هو القول الثاني في المذهب»، ويقصد التخريج أو الاحتمال؛ أنه يجوز لأنها وعاء له تصونه وتحفظه، فيشبه ما كان في جوفه، وتجار ذلك يعرفونها فيقل الغرر أو ينتفي الغرر. وقال: «واختاره في الهدي الذي هو المقيم في الزاد، وأيضًا صاحب الإنصاف، قال: وهو قوي في النظر». وعلى كل هذه التعليلات التي ذكرها الأصحاب رحمهم الله تعالى فيها أنها فيها جهالة.
والقول الثاني رأوا أن هذه الجهالة متفترة؛ لأنها قد تفسد إذا فتح، وأيضًا الأمر الثاني أن أصحابها الخبراء يعرفون الصفات التي كانت مختفية فيها، من جودته ورداءته، ومن قلته وكثرته ونحو ذلك.
نعم، أحسن الله إليكم. قال رحمه الله تعالى: «ولا نوا في تمر» للجهالة. يعني لو قال مثلاً عنده تمر كرتون، فقال: أبيع عليك النوى الذي فيه، هنا لا يصح؛ لأنه مجهول لم يُرَ ولم يُوصف. وقال موفق: «لا نعلم فيه خلافًا».
نعم، أحسن الله إليكم. قال رحمه الله تعالى: «ولا صوف على ظهر»؛ لنهي النبي ﷺ عنه في حديث ابن عباس رضي الله عنهما، ولأنه متصل بالحيوان فلم يجز إفراده بالعقد كالأعضاء. أحسنت، لنهي النبي ﷺ عنه في حديث ابن عباس، ولأنه متصل بالحيوان؛ فحديث ابن عباس السابق نهى أن يباع الصوف على ظهر أو اللبن في ضرع، ولأنه متصل بالحيوان فلم يجز إفراده بالعقد كالأعضاء.
الآن لو أن عنده مثلاً شاة، وقال: أبيع عليك قلبها، أو أبيع عليك شحمها، وهي حية، فهنا لا يصح؛ فيقول: هذا مثله، متصل بالحيوان فلم يجوز إفراده بالعقد كالأعضاء. هذا المذهب أنه لا يجوز بيع الصوف على الظهر، وقاس الصوف على الأعضاء. وهناك رواية أخرى في المذهب الجواز بشرط جزّه في الحال؛ لأنه معلوم ويمكن تسليمه، فجاز بيعه، ويفرق عن الأعضاء؛ لأنها لا يمكن تسليمها مع سلامة الحيوان. ومال إليه صاحب الإنصاف قال: «وفيه قوة».
قال ابن قائد رحمه الله في حاشية المنتهى: «وظاهر إطلاق الأصحاب في أنه لا يجوز بيع الصوف على الظهر، ظاهره ولو بشرط جزّه في الحال». ويطلب الفرق بينه وبين الزرع ونحوه إذا شرط قطعه؛ لأنهم في الزرع يقولون إنه لا يجوز بيعه، وكذلك الثمار قبل بدو صلاحها إلا بشرط قطعها في الحال، فإذا كان سيقطعها في الحال قالوا: يجوز.
فهنا يقول: يطلب الفرق؛ بينها هنا منعوا مطلقًا، وهناك أجازوا بشرط قطعها في الحال. ولعلهم -والله أعلم- هنا جاء الحديث في النهي عن بيع الصوف على الظهر، فلعلهم أخذوا بعمومه.
نعم، أحسن الله إليكم. قال رحمه الله تعالى: «ولا بيع فجل ونحوه مما المقصود منه مستتر بالأرض قبل قلعه» للجهالة. أحسنت، هناك ثمار أو خضار تكون الثمرة مستترة بالأرض، يخرج الخارج الآن وهو الورق، لكن نفس الثمرة موجودة في الأرض مستترة، مثل الفجل وكذلك الجزر والبصل ونحوها. فهنا هل يجوز بيعها وهي مستترة بالأرض، أو لابد أن يخرجها لأجل أن يحصل العلم بالمبيع؟ هنا يقول لك: لا يجوز بيعها حتى تخرج، حتى يراها ويقلعها ويراها؛ لقوله: «ولا بيع فجل ونحوه مما المقصود منه مستتر بالأرض قبل قلعه»، لكي يقلع لأجل أن يراه ثم يبيعه؛ لئلا تكون جهالة.
ونهى النبي ﷺ عن بيع الغرر، وهذا الذي مشى عليه الأصحاب رحمهم الله تعالى، والإمام مالك رحمه الله، وهو قول في المذهب اختاره شيخ الإسلام ابن القيم وغيرهما؛ رأوا أنه يجوز لأن الحاجة داعية إليه، ولأن أصحاب الخبرة يعرفون نضجه برؤيتهم لما ظهر، فيصير هذا في حكم المعلوم عندهم. قال في الفروع: «وجوز ذلك شيخنا، وقال: هو قول كثير من أصحابنا وفاقًا لمالك؛ لقصد الظاهر غالبًا».
نعم، نقف على هذا. في سؤال يقول: ألا يقال ببيع الفجل قياسًا على رؤية البعض الدالة على بقيته؟ هو يريد المستور في الأرض، هم يقولون رؤية البعض الدالة على بقيته؛ إذا كان سيشتري كله، مثل من أراد أن يشتري تمرًا ففتح الكرتون فرأى التمر الأعلى، وهو يدل على بقيته مما كان تحته، فهذا صحيح؛ فيكفي رؤية البعض. لكن هنا هو يريد أصلاً الذي في الأسفل، لا يريد الذي في الأعلى، فالذي في الأسفل هو المقصود بالبيع، فلذلك لم يصححه.
يقول: أقصد أن الجهالة تنتفي بمعرفة الخبرة. نعم، هذا مقصد القول الثاني الذين صححوه؛ قالوا إن هذا معلوم في حكم المعلوم عند أهل الخبرة، لكن أصحابنا رحمهم الله تعالى يرون أنه لا يصح حتى يقلع. لذلك ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين تكلم عن هذه المسألة وذكر أن وظيفة الفقيه هي...
مثلاً: لا يصح بيع المجهول، يصح بيع المعلوم. هذا الذي يقرره الخبير؛ كوننا نقول هذا معلوم أو مجهول، هذا يقرره الخبير، لكن الفقيه يقرر الحكم.
الحكم أنه لا يصح بيع المجهول، يصح بيع المعلوم، لكن كونه مجهولاً أو معلوماً هذا يقرره الخبير. والله أعلم.
صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان