قال رحمه الله: «والهدنة عقد الإمام أو نائبه على ترك القتال مدة معلومة ولو طالت لغرض حاجة. وهي لازمة يجوز عقدها لمصلحة من حيث جاز تأخير الجهاد لنحو ضعف المسلمين، ولو بمال لضرورة. ويجوز شرط رد رجل جاء منهم مسلما للحاجة، وأمره سرا بقتالهم والفرار منهم. ولو هرب قن فأسلم لم يرد وهو حر. ويؤخذون بجنايتهم على مسلم من مال وقود وحد. ويجوز قتل رهائنهم إن قتلوا رهائننا. وإن خيف نقض عهدهم أعلمهم أنه لم يبق بينه وبينهم عهد قبل الإغارة عليهم».
تكلم هنا عن الهدنة، وهي فسرها هنا بأنه عقد الإمام أو نائبه على ترك القتال مدة معلومة ولو طالت لغرض الحاجة، وهي المصالحة بين المسلمين والكفار، يعقدون الصلح على ترك القتال بينهم. قال: مدة معلومة ولو طالت، مثل ما حصل من النبي ﷺ في صلح الحديبية؛ حيث اتفقوا على ترك القتال بينهم عشر سنين، لكن قريش نقضت العهد في معاونتهم لخزاعة في قتال بني بكر.
وتسمى مهادنة، وموادعة، ومعاهدة، وهي جائزة بدليل قوله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: 1]، وقوله: ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنفال: 61].
وقوله: مدة معلومة، فلا يجوز عقدها مطلقا من غير تقدير مدة؛ لأنهم قالوا: إنه يفضي إلى ترك الجهاد بالكلية، ولا تجوز إلا على مدة معلومة. ومن الأصحاب، أو هو مروي أو قيل إنه ظاهر كلام الإمام أحمد رحمه الله، أنه لا يجوز أكثر من عشر سنين؛ لقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: 5]. وهذا عام، وخصص منه العشر لقصة صلح الحديبية، فما زاد يبقى على مقتضى العموم.
وذكر أبو الخطاب رحمه الله أن ظاهر كلام أحمد جوازه ولو فوق عشر على ما يراه الإمام من المصلحة؛ لأنه عقد جاز في العشر فجاز في الزيادة عليها كعقد الإجارة، والعام مخصوص في العشر بمعنى أنه موجود فيما زاد عليها، وهو أن المصلحة قد تكون في الصلح أكثر منها في الحرب.
فيقولون: صحيح الحديث عن فقه الآية عامة: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾، وخصص منها فعل النبي ﷺ، لكن فعل النبي ﷺ هل هو للتحديد، أو لأنه رأى أن المصلحة في ذلك الوقت في عشر؟ فهو كأنه مثال، فيقاس عليه كل ما تحققت فيه المصلحة ولو زاد على عشر. وهذا سبب الخلاف بين القولين؛ فأهل القول الأول قالوا: لا، هو تحديد، وأهل القول الثاني قالوا: لا، هو كأنه ضرب المثال، وأن المحدّد هو النظر للمصلحة.
قال: وهي لازمة، فلا يجوز نقضها ولو عقدت مثلا عشر سنين ثم مات الوالي الذي عقدها بعد سنتين مثلا، فلا ينقضه من بعده، بل يلزمه الإتمام؛ بألا ينقض الاجتهاد بالاجتهاد.
قال: يجوز عقدها لمصلحة حيث جاز تأخير الجهاد لنحو ضعف بالمسلمين. فالجهاد كما قلنا إنه إذا توفرت شروطه يجب الإقدام عليه، لكن يجوز تأخيره في أحوال، منها إذا وجد ضعف بالمسلمين، فلا يقدمون على الجهاد في البدن؛ لأنه يؤدي إلى التلف، لكنهم قالوا: لأن الله عز وجل يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16].
وهذا ليس استطاعة، فالمقصد من الجهاد ليس القتل والموت، بل مقصد الجهاد هو نشر الإسلام، فإذا كان المسلمون ضعفاء ولم يتحقق هذا المقصد إذا أقدموا، فهنا نقول لا يجب الجهاد، فإذا لم يجب الجهاد وجاز تأخيره، فهنا يجوز عقد هذه الهدنة. لكن إذا كان المسلمون في حال قوة ولا مصلحة في الهدنة، فهنا نقول لا يجوز عقدها.
قال: ولو بمال لضرورة. يعني يجوز ولو أن الكفار لم يوافقوا على الهدنة إلا إذا دفعنا لهم مالا، فهنا نقول إذا اضطر المسلمون إلى ذلك بأن كان المسلمون ضعفاء يخافون الهلاك، فهنا لهم ذلك؛ قياسا على افتداء الأسير نفسه بالمال، فالأسير يفتدي نفسه بالمال، وكذلك هؤلاء يفتدون القتال بالمال.
قال: ويجوز رد رجل جاء منهم مسلما للحاجة. وهذا فيما فعل النبي ﷺ في الحديبية من ضمن الشروط؛ أن من أتى مسلما فإنه يرد إلى الكفار، ومن أتى إلى قريش كافرا فإنه لا يرد إليه، فالنبي ﷺ وافق على هذا الشرط ووفى لهم به، فرد أبا جندل بن سهل بن عمرو، ورد أبا بصير. وطبعا لا يجوز هذا الشرط إلا عند شدة الحاجة إليه وتعيين المصلحة فيه للمسلمين.
وقوله: «رد رجل»، هل لها مفهوم؟ يعني هل يقصد شخصا سواء كان رجلا أو امرأة؟ هل المرأة لا ترد؟ الآية في سورة الممتحنة: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: 10]. أحسنت، رجل هنا لها مفهوم، فنقول المرأة لا يجوز شرط ردها للآية: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾؛ لأنهن ليسن حلا لهم ولا هم يحلون لهن.
وأمره سرا بقتالهم والفرار منهم، يعني يجوز ذلك لأن النبي ﷺ أوى إلى أبي بصير لما جاء وقد هرب منهم، فقال له ارجع، وقال: «ويل أمه، مسعر حرب لو كان معه رجال»، فانضم إليه بعض الرجال وكانوا يقطعون الطريق على قريش، حتى جاءت قريش إلى النبي ﷺ وقالوا: نتنازل عن هذا الشرط.
ولو هرب قن فأسلم؛ الآن هرب قن من الكفار وهو قن فأسلم، هرب إلى المسلمين وأسلم، هل يرده المسلمون؟ يقول: لا، لم يرد وهو حر. لم يرد لأنه ملك نفسه لما أسلم، والله عز وجل يقول: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 141]، فهو ملك نفسه بالإسلام، فلا يرد وهو حر. وهذه الجملة استئنافية وليست حالية؛ يعني لم يرد وقد أصبح حرا، وليس المراد لم يرد حالة كونه حرا، فيلزمنا يرد إذا كان عبدا، لا، ليس هذا هو المراد، المراد لم يرد وهو حر، وهذا سبب عدم رده أنه حر فملك نفسه بذلك.
قال: ويؤخذون بجنايتهم على مسلم من مال وقود وحد. فإذا جنى الحربي، الذي هو المستأمن...
المستأمن أو الذين بيننا وبينهم صلح، جنوا على المسلم من مال فسرقوا منه، أو قود فاقتص فقتلوا، أو قطعوا بعض أعضائه، أو فعلوا ما يوجب الحد الذي هو للمسلم؛ فإنه يؤخذون بحد السرقة، وحد القذف، والقصاص، وشرب الخمر. ولا يؤخذون به لأنهم يرون حله.
قال: ولأنه حق لله تعالى، هنا لم يجنوا على مسلم بل حق لله تعالى. قال: ويجوز قتل رهائنهم إن قتلوا رهائننا؛ يعني عندنا أسرى لهم وهم عندهم أسرى لنا، فالأسرى الذين لهم لا يجوز لنا أن نقتلهم إلا إذا قتلوا رهائننا فإننا نقتلهم.
وإن خيف نقض عهدهم، أعلمهم؛ يعني هنا الآن الصلح قائم لكن ظهرت منهم بوادر أنهم سينقضون لكن الآن ما نقضوا، فهنا لا ينقض الإمام العهد إلا إذا أعلمهم، قال: خلاص ليس بيننا وبينكم عهد، يعلمهم بأنه سينقض العهد الذي بينهما، أعلمهم أنه لم يبق بينه وبينهم عهد قبل الإغارة عليهم، فلا يغير عليهم لأنهم أحس أنهم سينقضون العهد، لابد أن يخبرهم أنه سيترك العهد الذي بينه وبينهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: 58].
حتى في من جمال أحكام الإسلام أنه حتى في حال الحرب التي هي قائمة على الخدعة، إذا حصل صلح ثم حصل ما يوهم أو ما يحس أنه منهم أنه سينقضون العهد، إنك لا تعاملهم بذلك بل تكون صريحًا معهم، فإذا أحسست منهم بذلك لا تغير عليهم بل إنك تخبرهم بذلك.
هنا يبدو أن القن كان مملوكًا له، كان لا يملك نفسه، فلما ملك نفسه خلاص، هو كان قبل أن يملك نفسه عبدا له، بمثابة المالك. ملك نفسه فكأنه لم يدخل في العهد من الأصل بالنسبة للعبد.
العبد إذا أسلم يصبح حرا، لو استمر في بلاد الحرب. لا، هنا المدة لابد أن تكون مدة معلومة، لا تكون دائمة.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان