بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما وعملا صالحا يا كريم.
أما بعد، فكنا قد توقفنا في التعليق على الروض المربع أثناء كتاب الجهاد، وكنا قد توقفنا على الفصل الذي عقده البهوتي رحمه الله تعالى لبعض مسائل الأمان والهدنة. وهذا الفصل زاده البهوتي رحمه الله على ما ذكره الحجاوي؛ فالحجاوي ما ذكر شيئا من مسائل الأمان والهدنة في الزاد المستقنع، فزاده البهوتي رحمه الله تعالى. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، اللهم اغفر لنا ولشيخنا ولمن سمع.
قال المصنف رحمه الله تعالى: «فصل: ويصح الأمان من مسلم عاقل مختار غير سكران، ولو قنا أو أنثى، بلا ضرر، في عشر سنين فأقل، منجزا ومعلقا، ومن إمام لجميع المشركين، ومن أمير لأهل بلده، وبآذنة، ومن كل أحد لقافلة وحصن صغيرين عرفا، ويحرم به قتل ورق وأسر، ومن طلب الأمان ليسمع كلام الله ويعرف شرائع الإسلام لزم إجابته ثم يرد إلى ما منه».
قال رحمه الله: «ويصح الأمان من مسلم». الأمان ضد الخوف، والأصل في الأمان قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: 6].
ذكر المؤلف رحمه الله تعالى هنا من يصح منه الأمان. وقبل أن نبدأ في ذلك، عندنا مصطلحات يذكرها الفقهاء في أصناف الكفار: يذكرون المعاهد، ويذكرون الذمي، ويذكرون الحربي، ويذكرون المستأمن.
والمستأمن بكسر الهمزة؛ لأنه هو الذي طلب الأمان، فإذا أُعطي الأمان فهو مستأمن. أما المعاهد فهو من يؤخذ عليه العهد من الكفار، وسيأتي في الفصل الذي بعده. والمستأمن هو من دخل دارنا منهم بأمان، وهو حربي ودخل دارنا بأمان. والذمي هو الذي استوطن دار الإسلام بتسليم الجزية. والفرق بين المعاهد والمستأمن من جهة، والذمي من جهة؛ المعاهد والمستأمن لم يستوطنا دار الإسلام، وأما الذمي فهو قد استوطن دار الإسلام بالجزية. والحربي هو الذي بيننا وبينهم حرب.
الآن يتكلم في أول هذا الفصل عن المستأمن. المستأمن حربي يريد أن يدخل دار الإسلام؛ إما لتجارة، وإما ليعلم كلام الله، أو لغرض، فهو حربي حلال الدم والمال، لكن لو جاء وطلب الأمان وأعطي الأمان فإنه خلاص يصير حلال الدم والمال. لكن من الذي يعطيه الأمان؟
قال: «يصح الأمان من مسلم». طبعاً الأمان الخاص، حيث سيأتي هناك أمان عام لجميع المشركين، وهناك أمان لبلده معينة، وهناك أمان لأفراد أو جماعة صغيرة. فالأمان الخاص للأفراد أو الجماعة الصغيرة، هنا يقول لك لابد أن يكون المؤمن مسلما؛ فلا يصح أمان الكافر ولو كان الكافر ذميا، لقول النبي ﷺ: «ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم». فجعل الذمة للمسلمين فلا تحصل لغيرهم، ولأن الذمي وكذلك الحربي متهم على الإسلام وأهله، فلذلك لا يقبل من بذل الأمان.
الشرط الثاني: أن يكون عاقلا؛ فلا يصح أمان المجنون لأن كلامه غير معتبر ولا يثبت به حكم. وهنا ذكر العاقل ولم يذكر البالغ، فهل يصح إذا كان بالغاً؟ لا إشكال. وهل يصح أمان الصغير؟ ذمة المسلمين واحدة نعم للعموم، لكن الصغير هل كلامه له حكم؟ هنا اختلف الأصحاب؛ فالطفل دون التمييز هذا لا يعتبر أمانه؛ لأنه لا حكم لكلامه، فيأخذ حكم المجنون. أما الطفل المميز دون البلوغ، فهل يعتبر أمانه؟ في المسألة روايتان هما قولان في المذهب، والمذهب أنه يعتبر أمانه؛ لأنه يفهم الكلام ويرد الجواب على الصواب، فقبل أمانه. وهناك رواية أخرى في المذهب أنه لا يصح أمانه؛ لأنه غير مكلف ولا يلزم بقوله حكم، فهو كالمجنون، لكن المذهب على الأول؛ ولذلك قال في الإقناع: «ولا مميز له لما ذكر»، وقوله: «ولو مميزا» إشارة إلى الخلاف.
الشرط الثالث: المختار؛ لابد أن يكون مختاراً غير مكره، فلا يصح أمان المكره. لو أكره شخص على أن يؤمن كافراً فلا يصح أمانه؛ لأن الإكراه بغير حق لا يعتبر، كالإقرار إذا كان الشخص مكرهاً على الإقرار فإنه لا يعتبر إقراره بوجود الإكراه.
الشرط الرابع: أن يكون غير سكران؛ لأن السكران كلامه غير معتبر ولا يثبت به حكم؛ لأنه لا يعرف المحب من غيرها، والأمان هذا معقود أو مجاز للمصلحة، فهو لا يعرف المصلحة من غيرها، أشبه بالمجنون.
وقوله: «ولو قنا» هنا إشارة لخلاف؛ فالقين على المذهب يجوز أمانه؛ لأنه داخل في قوله ﷺ: «ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم»، ولما أمن عبد أناساً من أهل الحرب. قال عمر رضي الله عنه: «العبد المسلم رجل من المسلمين ذمته ذمته»، لأنه مسلم مكلف فصح أمانه كالرجل الحر، فهو يشترك مع الحر في الإسلام والتكليف.
وقوله: «أو أنثى» لدخولها في عموم الحديث: «ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم»، وأيضاً حديث أم هان: «أجرنا من أجر جارتك يا أم هان»، وأيضاً زينب بنت النبي ﷺ أجارت زوجها أبا العاص.
وقوله: «بلا ضرر»؛ هذا شرط في الأمان أن يكون بلا ضرر، فإذا كان في بدل الأمان هذا الشخص ضرر على المسلمين فإنه لا يصح هذا الأمان؛ لأن الأمان إنما عُقد وأُجيز للمصلحة، فلا يجوز إذا ترتب عليه ضرر.
وقوله: «في عشر سنين فأقل»؛ فلا يجوز في أكثر منها. ولماذا قالوا ذلك؟ قالوا: ربما تغلبوا بالذرية، والذرية يظهر بأسها بعد العشر. قال: «منجزاً ومعلقاً»، منجزاً يقول أنت...
معلقًا كقوله: إذا فعلت كذا فأنت آمن. كيف قول النبي ﷺ في فتح مكة: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، من دخل بيته فهو آمن»؟ فهنا الأمان معلق، فالأمان العام قال من إمام لجميع المشركين؛ لو أن جميع المشركين طلبوا الأمان، فهنا لا يقوم به إلا الإمام أو نائبه؛ لأن ولايته عامة على المسلمين.
هناك هذا الأمان العام، وهناك أمان خاص، وهناك أمان وسط بينهما؛ إذا كان هناك أمير في آخر بلدة من بلاد المسلمين بجانبهم بلدة أخرى بينهم وبين المسلمين حرب، فهذه البلدة الأخرى المجاورة لهذه البلدة طلبوا الأمان من أمير هذه البلدة، فيؤمن البلدة المجاورة لهم إذا قالوا من أمير لأهل بلدة، فلو كانت مدينة بجانبها مدينة إسلامية عليها والٍ، وبجانبها مدينة حربية أهلها بينهم وبين المسلمين حرب فطلبوا الأمان، فهنا إما أن يؤمنهم الإمام الأعظم، أو يؤمنهم أمير هذه البلدة، لكن لا يؤمنهم فرد من الأفراد؛ فالأمان مرتبط بالإمام أو نائبه، وهذا نائب الإمام في حفظ هذه البلدة.
قال: «ومن كل أحد لقافلة وحصن صغيرين» عرفًا، يعني أنه يجوز الأمان للأفراد القليلين؛ يجوز لغير الإمام وغير الأمير أن يؤمن شخصًا أفرادًا قليلة، قال: «لقافلة» أفرادها قليلة، أو «حصن صغير» عرفًا أفراده قليلة، وبعضهم قدره بـ 100 فأقل.
ما الذي يترتب على الاستئمان هنا؟ طلب الأمان فآمن، يترتب عليه ماذا؟ قال: يحرم به القتل، لا يجوز أن يُقتل؛ يعني هو أصله حربي لكن أعطي الأمان فلا يجوز أن يُقتل؛ لأنه عُصم دمه بهذا الأمان. وكذلك لا يجوز أن يُسترق، فلا يجوز أن يستولي أحد عليه ويقول: هذا من أهل مدينة حربية بيننا وبينهم حرب، إذاً سأجعله عبدًا، لا يجوز. وكذلك لا يجوز أن يُؤسر، فلا يجوز ذلك كله؛ لأنه عصم نفسه بالأمان.
هذا إذا دخل الأمان البلد الإسلامي في غرض ما، إما لتجارة أو مثلاً طلب الأمان يعني يريد أن يوقفوا الحرب بينهم وبين المسلمين ونحو ذلك. وهناك طلب الأمان لسماع القرآن، وقد تكون هناك رغبة للإسلام، فهنا قالوا: من طلب الأمان ليسمع كلام الله ويعرف شرائع الإسلام لزم إجابته، ثم يرد إلى ما أمنه. فهنا طلب الأمان لسماع القرآن وتعلم بعض شرائع الإسلام ويقول: أنا أسمع الإسلام لكن أريد أن أعرف عنه شيئًا، فهنا يقول لزم إجابته؛ لقوله تعالى: ﴿...أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ...﴾ [التوبة: 6]. هذا أمر حتى يسمع كلام الله، ثم أبلغه ما لذلك، قال: ثم يرد إلى ما أمنه. قال الموفق: لا نعلم فيه خلافًا. قال الأوزاعي رحمه الله في هذه الآية: هي إلى يوم القيامة، يعني إنها لم تُنسخ.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان