دخولتسجيل الدخول

كتاب الجهاد 07 | من يحرم قتله في الجهاد

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

«ولا يجوز قتل صبي وامرأة وخنثى وراهب وشيخ، فإن وزمن وأعمى لا رأي لهم، ولم يقاتلوا أو يحرضوا، ويكونون أرِقاء بسبي، والمسبى منفرداً أو مع أحد أبويه مسلم».

المسبى غير البالغ، يعني المسبى إذا قلت غير بالغ معناها إلا البالغ، أحسن الله عليك. المسبى غير البالغ منفرداً أو مع أحد أبويه مسلم، وإن أسلم أو مات أحد أبويه غير البالغ بدارنا فمسلم، وكغيره من بلغ مجنوناً.

يقول: «ولا يجوز قتل صبي ولا امرأة وخنثى وراهب وشيخ، فإن وزمن وأعمى لا رأي لهم». هذا من رحمة الإسلام، وأن الجهاد في الإسلام ليس للتشفي والانتقام، إنما هو لنشر الإسلام.

ولذلك نجد البون الشاسع بين الجهاد الذي حصل في عهد النبي ﷺ، وهو قتال الكفار للمسلمين الذي يحصل في هذه الأزمان، وفي غيرها من الأزمان السابقة. ذكر بعض من تكلم في سيرة النبي ﷺ أن عدد من قتلوا من المسلمين والكفار في الجهاد في عهد النبي ﷺ لا يتجاوز ألف شخص فقط، بين المسلمين والكفار في غضون ثمان سنوات.

لكن المقتولين من المسلمين في حروب الكفار التي يحاربون المسلمين الآن، في حرب فلسطين -أسأل الله أن يفرج عنهم وأن ينصرهم- أو في حروب قبل ذلك مثل غزو التتار للمسلمين أو الحملات الصليبية على بلاد المسلمين، يقتلون بالآلاف؛ جنود مجندة يقتلونهم. ومن قرأ في كتب السير فيما ينقلونه في غزو التتار لبلاد الإسلام أو الحملات الصليبية على بلاد الأندلس، يجد الشراسة في القتل والانتقام والتعذيب الذي يحصل للمسلمين، بخلاف ما يحصل من المسلمين في قتاله للكفار.

ولذلك من رحمة الإسلام أنه أتى بمثل هذه الأحكام، وهذا من فوائد دراسة كتاب الجهاد ومسائل الجهاد؛ أن الإنسان يعرف الحق من الباطل. الآن هو صورة الجهاد، لماذا وُجد أناس من المسلمين شوهوا الصورة؟ وأيضاً وجدت بعض المعلومات المغلوطة التي تناقلتها الأجيال وهي لا صحة لها، جاءت من المستشرقين مثل أن الإسلام دين الإرهاب والوحشية ونحو ذلك. قارنوا بين من قتل من المسلمين الكفار بعد النبي ﷺ ومن قتل في الحملات الصليبية ونحو ذلك.

يقول: «ولا يجوز قتل صبي ولا امرأة»، لأن النبي ﷺ نهى عن قتل النساء والصبيان، ولأن قتل الصبي لا فائدة منه؛ لأنه يصير رقيقاً بنفس السبي، فإذا قُتل كان في إضاعة مال إن كان سيستفاد منه إذا كان رقيقاً، وإذا سُبي منفرداً حُكم بإسلامه، فاتلاف من يمكن أن يكون مسلماً. وأيضاً المرأة لا تُقتل لأن النبي ﷺ نهى عن قتل النساء والصبيان.

والخنثى لا يُقتل لاحتمال كونه امرأة. والراهب لا يُقتل لأنه منعزل، ليس من أهل القتال، ولا يعاون أهل دينه على قتال المسلمين. والشيخ الفاني لا يُقتل، وقد جاء أيضاً النهي عن قتلهم: «لا تقتلوا شيخاً، ثانياً ولا طفلاً ولا امرأة». وفسر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ [البقرة: 190]، بأن الاعتداء قتل النساء والصبيان والشيوخ.

«وزمن وأعمى لا رأي لهم»؛ الزمن المقعد، والأعمى الذين لا رأي لهم، يعني ليس لهم أثر في إبداء الرأي والمشورة للعدو، فإذا كان لهم أثر في ذلك فإنهم يقتلون؛ بدليل أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم قتلوا دريد بن الصمة في غزو الطائف، وكان شيخاً كبيراً لكن أهل الطائف أخرجوه معهم، لماذا؟ يستعينون به في الرأي، فقتل ولم ينههم النبي ﷺ عن ذلك، أو لم ينكر النبي ﷺ عليهم ذلك.

«فإن قاتلوا قتلوا»، لأن هذا من باب دفع شرهم، «وكذلك إن حرضوا فإنهم يقتلون»؛ لأنهم في حكم المقاتل. وجاء أن النبي ﷺ قتل امرأة يوم قريظة، القتلة على محمود بن مسلمة رضي الله تعالى عنه، هكذا ذكره الموفق رحمه الله تعالى، ويُتأكد منها لأن الشيخ التركي علق عليها بأن الذي عند ابن حجر في الإصابة عن الواقدي أن هذا يوم خيبر الذي ألقى عليه الرحى مرحب، وهو شخص يهودي يقال له مرحب، والذي قتلته المرأة يوم بني قريظة هو خلاد بن سويد، فيُنظر فيها.

«ويكونون أرِقاء بسبي»، أي الصبي وما عطف عليه يكونون أرِقاء بالسب، يعني إذا سُبوا يكونون أرِقاء بنفس السبيل، أن النبي ﷺ نهى عن قتل النساء والصبيان وكان يسترق إذا سباهم.

«والمسبى منفرداً أو مع أحد أبويه مسلم»، الآن يتكلم عن حكم الطفل المسبى من حيث الإسلام وعدمه؛ فيقول: الطفل المسبى إذا سبي منفرداً، يعني ليس معه أبواه، فإنه يحكم بإسلامه إجماعاً، كذا ذكره الموفق، وهو ذكر في الإنصاف أنه توجد رواية عن الإمام أحمد أنه يعتبر كافراً، لكن نقله الموفق إجماعاً، والمردات ذكر أنه توجد رواية للإمام أحمد، لعله لم يطلع عليه الموفق رحمه الله أو عاد لم تصح الرواية، نتاكد منها. قالوا: لأن الدين إنما يثبت له تبعاً، هو طفل يثبت الدين له تبعاً لأبويه، وقد انقطعت تبعيته لأبويه لانقطاعه عنهما، فصار تابعاً لسبيه المسلم، سيكون رقيقاً عند مسلم من أهل الحق، يكون تابعاً له بالإسلام.

هذا إذا سبي منفرداً، أما إذا سبي مع أحد أبويه، سُبي هو وأبوه، أو سُبي هو وأمه فقط أما أبوه الثاني فلم يُسب، فإنه يحكم بإسلامه أيضاً، وهذا ليس في إجماع لكنه هو المذهب، وهو من المفردات. قالوا: لمفهوم قوله ﷺ: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه»؛ أبواه علق الحكم بالأبوين، فمفهوم أنه لا يتبع أحدهما، لابد أن تكون التبعية للأبوين، فمفهوم أنه لا يتبع أحدهما لأن الحكم متى عُلق بشيئين لا يثبت لأحدهما؛ فلو قلت: إن اجتهدت فنجحت أعطيتك هدية، فاجتهد شخص لكنه لم ينجح، هل يستحق الهدية؟ لا، لأن الهدية مستحقة بشرطين: الاجتهاد والنجاح.

فيقول هنا: أبواه يهودانه، والأصل أنه على الفطرة، متى ينتقل إلى دين اليهودية والنصرانية والمجوسية؟ بالابوين معاً، فقد أحد الأبوين، يقصد الآن الكلام عن الطفل المسبى؛ فقد أحد الأبوين.

خلاص، إذا نرجع إلى الأصل الذي هو الحديث: «كل مسلم كل مولود يولد على الفطرة» فيكون مسلماً. هنا ذكر كذا سبياً منفرداً أو سبياً مع أحد أبويه، فإذا سبي مع أبويه كليمهما يأخذ حكمهما، كان يهودياً يكون يهودياً، كان نصرانياً يكون نصرانياً، إلى آخره.

ثم استطرد في هذه المسألة التي بعدها، وهي ليست في المسبى، ترى ما ذكرها في «المقنع» في هذا الباب؛ ذكرها في المرتد: «أن أسلم أو مات أحد أبويه غير بالغ بدارنا فمسلم»، لم يذكرها هنا لأنها ليست في الجهاد. يتكلم عن شخص كافر موجود في دارنا، موجود في دار الإسلام، فأسلم أحد أبويه، يحكم بإسلامه بناءً على هذه القاعدة، أن الطفل يتبع في الدين.

أي إذا اختلف الأب في الدين فيتبع في الدين، هم يعبرون بخيار الأبوين؛ فالطفل يتبع في الدين بخيار الأبوين، وفي النسب يتبع أباه، وفي الحرية والرق لا، بل تتبع الأم في الحرية والرق، وفي الطهارة والنجاسة والحل والحرمة يتبع أخْبث الأبوين؛ لأخْبثهما.

لذلك مر معنا مثلاً في جزاء الصيد، أنه إذا كان هذا الصيد نتج من وحشي وغير وحشي؛ فالوحشي صيد لا يجوز صيده للمحرم، وغير الوحش الذي هو أهلي يجوز أكله للمحرم، فإذا نتج من وحشين وغير وحشين فيكون حكمه حكم الوحشي؛ لأنه لا يجوز صيده. وكذا إذا نتج مثلاً من... طبعاً في الصيد يذكرون إذا كان أحد أبويه يجوز أكله والآخر لا يجوز أكله، فإنه يأخذ حكم من لا يجوز أكله.

وفي الطهارة، أحد أبويه طاهر، كمن تولد من ضبع وذئب، فيكون حكمه حكم من لا يجوز أكله؛ إذا الحرام غلب. هذا إذا أسلم أو مات أحد أبويه غير بالغ بدارنا فمسلم، وهذه من المفردات. يعني الآن شخص، طفل كافر، موجود أبوه وأمه في بلاد الإسلام، مات أبوه وأمه ما زالت كافرة، أبوه مات على كفره وأمه ما زالت كافرة، قالوا يحكم بإسلامه، طبعاً إذا كان بدارنا، بدار الإسلام وليس بدار الكفر، فيحكم بإسلامه لمفهوم الحديث السابق: ﴿فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ﴾ [الزخرف: 87].

قالوا: جُعل كفره بفعل أبويه، فإذا مات أحدهما انقطعت التبعية، فتصير التبعية للدار، والدار دار إسلام فيكون مسلماً بذلك، هذا هو المشهور من المذهب وهو من المفردات. وعن الإمام أحمد رحمه الله رواية أنه لا يحكم بإسلامه، وهو قول الجمهور، وهو اختيار الشيخ الإسلام رحمه الله وابن القيم رحمه الله تعالى، وذكر لكم في الحاشية الكلام القيم في هذه المسألة، ابن قاسم وأيضاً ابن فيروز، وابن فيروز أيضاً لما ذكر كلام ابن القيم قال: «وهو حسن»، استحسنه رحمه الله تعالى.

قال: طبعاً قوله «بدارنا» قلنا لإخراج ما إذا مات بدار الكفر، إذا مات أحد أبويه بدار الكفر فإنه يعتبر كافراً. وقال: «وكغيره من بلغ مجنوناً»، فيأخذ حكم الطفل. فنقول: سبيه إذا سبي منفرداً فيكون مسلماً، وإذا سبي مع أحد أبويه فيكون مسلماً، وإذا مات أحد أبويه بدارنا فيكون مسلماً، وكذلك إذا أسلم أبويه يكون مسلماً.

نقف على هذا ونسأل الله الجميع التوفيق والسداد. يقول: «إذا حضر بلده العدو»، هذا هو جهاد الدفع؛ نعم، هذا جهاد الدفع إذا حضر بلده العدو.

هل المدين الذي لا يجاهد إلا بالدين، في الدين الحال فقط؟ لا، على المذهب أنه في الدين الحال والمؤجل، ولذلك قال في «الإنصاف»: «مطلقا مدين»، مطلقا يعني حالاً أو مؤجلاً. لا، هذا يقول الطائف، يعني حنين هي في الطائف، وقعت فيها غزوة حنين وهوازن، هي في إحداهما والله أعلم.

نعم، في سؤال: المذهب حمله على أنه شرط، وهو يقول في الحديث: ﴿فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ﴾، المقصود أنه لابد أن يكون كلاهما يهوديين فيجذبان إلى اليهودية، أو يكفي أحدهما؟ والظاهر أن الغالب أن يكونا كذلك. قول الأصحاب رحمهم الله تعالى حملوه على أن اجتماع الأبوين شرط؛ لذلك ذكروا أنه إذا كان أحد أبويه، إذا مات أحد أبويه أو سبي مع أحد أبويه فقط، فإنه يحكم بإسلامه لعدم اجتماع الأبوين.

يقول: المجنون الذي ولد مجنوناً في بلاد الكفر ثم مات، هل يحكم عليه بحكم أهل الفترة؟ هذا هو الظاهر أنه يحكم عليه بحكم أهل الفترة. وقولهم: «كره»، ينقل إلى مخافة الأصحاب، يعبرون بكرهها، وإذا عبر بكرها فإنه يقصد بها كراهة التنزيه، ذلك أن الإمام أحمد قال: «أخاف عليه الإثم»، خاف عليه الإثم لأنه لا يجزم بأنه سيؤثر أهله بذلك.

نعم، يقول: التآمر في السفر طاعة الأمير، هل هي على الوجوب؟ نعم، طاعته على الوجوب، إذا أمّروا أميراً فإنهم يطيعونه، وتجب طاعته في ذلك السفر، لو قالوا سننزل الآن، قال لا ننزل في المدينة التي تليها ونحو ذلك. والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.