دخولتسجيل الدخول

كتاب الجهاد 08 | وقت ملك الغنيمة ومن يستحقها

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علمًا وعملًا صالحًا يا كريم.

أما بعد، فقد توقفنا في التعليق على "الضوء المربع" أثناء كتاب الجهاد، وذكرنا في الدرس الماضي بعض مسائله؛ من حكمه، ومتى يجب وجوبًا عينيًا، واستئذان الوالدين في الجهاد، وكذا استئذان الغريم في الجهاد، وأيضًا الأشخاص الذين لا يجوز قتلهم، ومسائل أخرى. وقفنا على بعض أحكام الغنيمة.

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وموالاه، اللهم اغفر لنا ولشيخنا ولجميع المسلمين. قال المصنف رحمه الله تعالى: «وتملك الغنيمة بالاستيلاء عليها في دار الحرب، ويجوز قسمتها فيها؛ لثبوت أيدينا عليها وزوال ملك الكفار عنها. والغنيمة ما أخذ من مال حربي قهرًا بقتال، وما ألحق به».

ومشتقه من الغنم، وهو الربح، وهي لمن شهد الوقعة -أي الحرب- من أهل القتال بقصده، قاتل أو لم يقاتل، حتى تجار العسكري وجرائم المستعدين للقتال؛ لقول عمر رضي الله عنه: «الغنيمة لمن شهد الوقعة».

هنا تكلم المؤلف رحمه الله تعالى عن الغنيمة وعرفها، لاحقًا فنتكلم عن تعريفها ثم نرجع إلى متى تملك. يقول: «الغنيمة ما أخذ من مال حربي قهرًا بقتال»، هذه الغنيمة، «وما ألحق به»، يعني هناك أشياء ألحقت غنيمة، لكن هذا أصل الغنيمة؛ فالغنيمة إذا كانت مأخوذة من مال حربي -وإخراج الحربي كالدمي مثلاً- وتكون قهرًا، لإخراج ما فر عن سيادتنا، فبقتال؛ إخراج ما لو تصالحنا معهم على شيء، فهذه هي الغنيمة.

وإباحة الغنائم من خصائص هذه الأمة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أُعطيتُ خمسًا لم يُعطَهن أحد من الأنبياء قبلي»، وذكر منها: «وأُحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي».

نرجع إلى المسألة: متى تملك الغنيمة؟ المسلمون تحاربوا مع الكفار فاستولوا مثلاً على معدات لهم، سيارات إلى آخره، استولوا على أشياء تخص الكفار قهرًا. متى يملكونها؟ يملكونها بالاستيلاء عليها في دار الحرب.

هنا يشير إلى أن هناك خلافًا بين العلماء رحمهم الله تعالى في متى تملك الغنيمة؛ هل تملك بالاستيلاء عليها في دار الحرب، أو تملك إذا حيزت لبلاد الإسلام؟ تحاربوا في المكان الفلاني، ذهب المسلمون للكفار وحاربوا في دارهم وأخذوها، ثم رجع المسلمون إلى دار الإسلام، فإذا وصلوا إلى دار الإسلام فهنا يملكونها.

يترتب على الخلاف خلف في مسائل، وهذه من المسائل التي ذكرها ابن رجب رحمه الله في نهاية قواعده؛ لأنه ذكر بعض المسائل التي يترتب على خلاف فيها خلاف. ففي مسألة متى تملك الغنيمة: هل تملك بالاستيلاء عليها في دار الحرب، أو تملك بحيازتها إلى بلاد الإسلام؟ فيقول: تملك بالاستيلاء عليها في الحرب، وإذا قلنا إنها تملك بالاستيلاء عليها فإنه يجوز قسمتها في الحرب، لكن إذا قلنا لا تملك إلا إذا حيزت لبلاد الإسلام فإنهم لا يقسمونها إلا ببلاد الإسلام.

هذا من المسائل التي يترتب عليها خلاف. يقول: «وتجوز قسمتها فيها»، كما قلنا إن هذا من المسائل التي يتبعها الخلاف، يجوز قسمة الغنيمة في دار الحرب، وهذا يدل على أنها تملك بالاستيلاء في دار الحرب لأمرين: الأول أن سبب الملك هو الاستيلاء التام وقد وجد، والأمر الثاني أن مال الكفار قد زال عنهم، بدليل أنه لا ينفذ عتقهم في العبيد الذين حصلوا في الغنيمة؛ يعني لو أن كافرًا أتى بعبده أيضًا معه يحارب فأُسر العبد، هذا من ضمن الغنيمة التي عليها المسلم، فلا ينفذ عتق الكافر لو أعتق، هنا يكون قد زال ملكه.

ومما يدل عليه أيضًا أنه لو أسلم عبد الحربي -أسلم العبد وهو في دار الحرب ولحق بجيش المسلمين- فإنه يكون حُرًّا، وهذا مما يدل على أن ملكه يزول في دار الحرب ولا يلزم أن يذهب إلى بلاد المسلمين. قال: «وتجوز قسمتها فيها لثبوت أيدينا عليها وزوال ملك الكفار عنها»، هذا تكلمنا عنه قبل قليل.

قال: «وغنيمة ما أخذ من مال حربي قهرًا بقتال»، وهذا قلناه قبل قليل. قال: «وما ألحق به»، هناك أشياء تلحق بالغنيمة تأخذ حكمها لكن لا ينطبق عليها هذا التعريف، ومنها ما أخذ فداء من الأسر.

الآن الإمام مخير في الأسير بين أربعة أمور؛ تخييره تخيير مصلحة؛ لأن القاعدة أن كل من خيّر لمصلحة غيره فإن تخييره تخيير مصلحة، وكل من خيّر لنفسه فإن تخييره تخيير تشهي. كمن ذهب إلى المحل يريد أن يشتري فاكهة، فوجد فاكهة طازجة وفاكهة أقل جودة، هو مخير، لكن لو أن شخصًا أرسل وكيلًا له فقال: اذهب اشترِ لي فاكهة، فوجد فاكهة طازجة وفاكهة أقل جودة، فإنه يختار الأصلح لا يختار لنفسه، وقد يكون الأصلح هو الأقل جودة إذا كان الموكل ليس لسوء الحال.

نرجع إلى كلام المصنف، فالأسير مخير فيه الإمام بين أربعة أمور: بين قتله، أو فدائه، أو مبادلته بأسير، أو المن عليه وإطلاقه بدون فداء. فإذا أرادوا أن يفدوا الأسير، فدفع للمسلمين مبلغًا لكي يطلقوه، هذا المبلغ يعتبر غنيمة ملحقة بالغنيمة، يأخذ حكم الغنيمة فيخرج الخمس ويقسم بين الغانمين كما سيأتي. وأيضًا ما أهداه الكفار للقائد أو بعض نوابه في حال الحرب، فلو جاء الكفار وأهدوا هدية للقائد أو أحد نوابه في حال الحرب، فهذه الهدية تكون غنيمة تلحق بالغنيمة؛ لأن الظاهر أنهم لم يفعلوا ذلك.

إلا لخوف من المسلمين. يقول: مشتقة من الغنم، وهو الربح الذي هي الغنيمة، مشتقة من الغنم وهي الربح.

يقول لك: من الذي يستحق الغنيمة؟ الذي يستحقها من شهد الوقعة، أي الحرب، من أهل القتال بقصده، من شهد الحرب واضح من أهل القتال؛ أي من أهل القتال الذين هم الرجال الأحرار البالغون المكلفون. هل نقول المسلمون؟ سيأتينا الخلاف فيها والمذهب أن الكافر يستحق من الغنيمة إذا خرج بإذن الإمام.

قال: وهي لمن شهد الوقعة، أي الحرب والقتال بقصده، لابد أن يقصد القتال، قال: «قاتل أو لم يقاتل». يعني قد يكون مثلا الجيش كبيراً، فقال القائد لمجموعة من الجيش: «أنتم اجلسوا في المؤخرة، إذا احتجنا شاركوا معنا، إذا ما احتجنا اجلسوا»، فهنا انتهت الحرب ولم يشاركوا، فهنا نقول يستحقون من الغنيمة لأنهم قدموا للقتال بقصد القتال.

قال: حتى تجار العسكر وأجرائها المستعدين للقتال، يعني من العسكر وتجار يدعمونهم، وأيضاً أجراء استأجرهم التجار، فهؤلاء إذا خرجوا وكانوا مستعدين للقتال، ومعهم أسلحتهم، لكن لم يقاتلوا؛ يعني ينتظرون الإمام أو القائد يقول لهم: «الآن احتجنا فقاتلوا»، لكن لو جاؤوا بأسلحتهم ولم يقاتلوا، فهنا لهم نصيب من الغنيمة. ويستدلون عليه بقول عمر رضي الله تعالى عنه: «الغنيمة لمن شهد الوقعة».

الآن سيذكر لك كيف تقسم الغنيمة.