قال رحمه الله: «فيخرج الإمام أو نائبه الخمس بعد دفع سلب لقاتل، وأجرة جمع وحفظ وحمل».
أجرة جمع وحفظ وحمل؛ وجعل من دل على مصلحة، ويجعله خمسة أسهم: منها سهم لله تعالى، وسهم لرسوله ﷺ مصرفه كفي، وسهم لبني هاشم وبني المطلب حيث كانوا؛ غنيهم وفقيرهم، وسهم لفقراء اليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل، يعم بجميع البلاد حسب الطاقة.
ثم يقسم باقي الغنيمة وهو أربعة أخماسه بعد إعطاء النفل والرخ. والرخ ضبطوها بالكسر؛ للنحو قن ومميز. والنفل كما سيأتي، وهو مما يعطى للمجاهدين.
وللفارس ثلاثة أسهم: سهم له وسهمان لفرسه، إن كان عربيًا؛ لأنه ﷺ أسهم يوم خيبر للفارس ثلاثة أسهم: سهمان لفرسه وسهم له، متفق عليه عن ابن عمر رضي الله عنهما. وللفارس على فرس غير عربي سهمان فقط، ولا يسهم لأكثر من فرس إذا كان مع رجل خيل، ولا شيء لغيرها من البهائم لعدم وروده عنه ﷺ.
يقول: «فيخرج الإمام أو نائبه الخمس بعد دفع سلب لقاتل». يعني عند أول شيء، الآن اجتمعت الغنيمة عند الإمام، يدفع أولًا السلب للقاتل؛ فهو أول ما يخرج من الغنيمة. السلب هو ما كان مع المقتول من أثاث ونحوه من ثياب ودابة وسلاح، والقاتل يستحق السلب في الجملة. قال الموفق: «لا نعلم فيه خلافًا»، والأصل فيه قوله ﷺ: «من قتل قتيلًا فله سلبه».
ويستحقه بشروط أربعة، وهناك شرط خامس في خلاف: الشرط الأول أن يكون المقتول من المقاتلة الذين يجوز قتلهم؛ لإخراج ما لو قتل امرأة مثلاً أو طفلاً أو شيخًا، فهنا لا يكون له سلب إذا كان لا يجوز قتله. لكن تقدم معنا في الدرس الماضي أنهم يقتلون في أحوال، مثل لو شاركوا أو تترسوا بهم، فيجوز قتلهم؛ شرطًا لا يقصده، لكن إذا شاركوا أو كان لهم رأي فإنهم يجوز قتلهم.
الثاني أن يكون المقتول فيه منعه، يعني غير مثخن بالجراح؛ فإذا كان مثخنًا بالجراح فإنه لا يستحق سلبه. لو جاء شخص ووجد كافرًا طعن عنده طعنات لكن لم يمت حتى الآن لكنه لا يستطيع أن يتحرك، فطعنه الطعنة المميتة، فهنا لا يستحق سلبه. الدليل من الذي قتل أبا جهل في بدر، الذي أجهه عبد الله بن مسعود، لكن هل أعطى النبي ﷺ عبد الله بن مسعود سلب أبي جهل؟ لا، قضى بسلبه لمعوذ، لماذا لم يعطِ معوذًا؟ قيل إن معوذًا هو الذي كان طعنه أشد، وقيل إن معوذًا استشهد في بدر فلذلك لم يأخذ، والله أعلم.
الثالث أن يقتله أو يسهنه بجراح تجعله في حكم المقتول؛ فلا يكفي أن يأتي بالكافر أسيرًا للإمام ويقول: أنا أتيت أسيرًا، فنقول: لا سلب للقاتل، أنت لم تقتل، أنت أتيت به أسيرًا.
الرابع أن يغرر بنفسه في قتله؛ فلو كان المسلم في وسط المسلمين ثم رمى سهمًا وأصاب به كافرًا من بعيد وهو في وسط جيش المسلمين، قالوا: لا يستحق هذا. قال الإمام أحمد رحمه الله: «السلب للقاتل إنما هو في المبارزة»، فإذا كان في معنى أنه كان وسط المسلمين ثم رمى سهمًا أصاب به كافرًا، فإنه لا يستحق سلبًا.
وهناك شرط خامس في خلاف، وهو أن يكون منفرداً؛ فإذا كان معه غيره فهل يستحق أو لا يستحق؟ منهم من قال: يستحقون السلب الذين هم الاثنان، ومنهم من قال: لا يكون سلبه غنيمة.
ويخرج السلب قبل الخمس؛ لأنه قال: «يخرج الخمس بعد دفعه سلب لقاتل». فيخرج السلب قبل الخمس في حديث عوف بن مالك وخالد بن مواليد أن رسول الله ﷺ قضى بالسلب للقاتل ولم يخمس السلب. ويستحقه بدون شرط؛ يعني لو أنه قتل ثم أتى الإمام قال: أعطني، قال: لا، أنا ما قلت يقتل، نقول: يستحق بدون شرط أن النبي ﷺ قال ذلك. وقد يقول: كان قوله ﷺ متوجهًا للمحاربين في وقته فلا يكون ذلك شرعًا مستمرًا، نقول: بل هو عام؛ لأن الخلفاء الراشدين عملوا به من بعده، فعمل الخلفاء به يدل على أنهم فهموا أن هذا الحكم عام وليس خاصًا بمن قتل مع النبي ﷺ في تلك الغزوة.
إذًا هذا الأمر الأول: السلب للقاتل يخرج أول شيء. الأمر الثاني: أجرة مؤنة الغنيمة؛ فالغنيمة تحتاج إلى جمع وحفظ لئلا يسرقها أحد، وتحتاج إلى مكان تُقسم فيه، سواء في دار الإسلام أو في مكان معين، فكل هذه تخرج قبل الخمس؛ بعد السلب يدفع السلب أولًا ثم تدفع هذه الأجرة.
ثم قال: «وجعل من دل على مصلحة»؛ يعني إذا جاء واحد من الجيش وقال للقائد: هناك طريق سهل، أو هناك ماء يشرب منه المسلمون، أو دلهم على طريق يقتحمون به حصن الكفار، فجعله هذا يخرج له قبل الخمس، وهذا فيما إذا وعده به ابتداءً؛ يعني لو قال: من دلني على مكان معين فله كذا، فيُخرج له قبل الخمس. أما إذا لم يعده بشيء، فإنه لا يخرجه له من الخمس، لكن إذا أخرج الخمس بقي الأربعة أخماس، يخرج قبلها الرخ والنفل.
يُخرج شيئاً قبل الخمس، لكن إذا أخرج الخمس بقي الأربعة أخماس. الأربعة أخماس قبل أن تُقسم على الغانمين يخرج منها الرخ، كما النفل؛ والنفل أشياء تُعطى لبعض الغانمين، ومنهم هذا الذي ساعد المسلمين في هذا الأمر كما سيأتي. وهذا ذكره الخلوتي رحمه الله في حاشية المنتهى.
إذا أخرج السلْب، وأجرَ حفظ الغنيمة وجمعها وحملها، وجعل من دل على مصلحة، أخرجها، بقي الآن يقسمه خمسة أقسام. الذي قال لك يجعله خمسة أقسام، والدليل قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: 41].
تُقسم إلى خمسة، ولا ستة؛ فالله والرسول واحد. السهم الذي لله والرسول واحد، لذلك قال يجعله خمسة أسهم، منها سهم لله ولرسوله ﷺ فهو واحد. بعض الفقهاء قال إنها ستة أسهم، فقالوا هناك سهم لله وسهم للرسول ﷺ، فسم الله ورسوله ورسوله واحد كما قاله عطاء والشعبي في تفسيرهم لقوله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾، ذكروا أن سهمه واحد. وقال الحسن بن محمد بن الحنفية: «فإن لله خمسة». قال الموفق في تفسير افتتاح الكلام: يعني إن ذكر الله تعالى لافتتاح الكلام باسمه تبركاً، لا لإفراده بسهم؛ فإن الله الدنيا والآخرة سبحانه. فيقول إن ذكر الله عز وجل إنما هو تبركاً، فهو سهم للرسول ﷺ كان يأخذه في حياته، أما بعد وفاته فإنه يصرف مصرف الفي، أي في مصالح المسلمين كلها؛ لحديث: «ما يحل لي مما أفاء الله عليكم...» -وهو مردود عليكم أي في مصالح المسلمين-.
السهم الثاني لبني هاشم وبني المطلب، وهم المراد بقوله تعالى: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَىٰ﴾. تقدم معنا قريباً في كتاب الزكاة أن بني هاشم لا تُدفع لهم الزكاة لأنهم يأخذون من الخمس، وبني المطلب فيهم الخلاف إلى ماذا ذهب؟ هل تُدفع لهم الزكاة أم لا؟ قالوا لا تُدفع لهم الزكاة، وذكر البهوتي رحمه الله أن هذا خلاف المذهب، والمذهب أنها تُدفع لهم الزكاة. فالذين قالوا لا تُدفع لهم الزكاة قالوا: لأنهم يأخذون من الخمس. والذين قالوا تُدفع لهم الزكاة قالوا: إن بني هاشم لم يأخذوا من الزكاة لامر آخر، وهو كونهم من آل بيت النبي ﷺ الذين جاء فيهم الحديث في قوله ﷺ: «إن الزكاة لا تحل لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس»، فهي خاصة ببني هاشم، وأما بنو المطلب فإنهم يدخلون في عموم الآية: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾. وإن كان قوله ﷺ: «لم يفارقوا في جهل وفي إسلام»، وكون المطالب شيء واحد، فهذا في النصرة، ونصرتهم أوجبت لهم الخمس لكن لم تحرمهم الزكاة.
قال: «حيث كانوا»، يقصد سواء كانوا من المقاتلة أو لا، سواء كانوا من أهل بلد الإمام أو لا. لو كان مثلاً البيت في العراق والإمام يقاتل في الشام، فإنه يُدفع لهم حيث كانوا؛ لأن كل قيد تجده أحياناً يكون إشارة إلى خلاف. فمن الفقهاء من قال: «حيث كانوا» يعني إذا كانوا من أهل بلده. و«غنيهم وفقيرهم» أيضاً أشار بها إلى خلاف؛ فمن الفقهاء من قال: خاص بالفقراء، لكن هنا يقول: غنيهم وفقيرهم لعموم الآية ﴿وَلِذِي الْقُرْبَىٰ﴾، وهم أُعطوا لمناصرتهم رسول الله ﷺ، فهذا الإعطاء لإكرامهم لا للحاجة بخلاف الأقسام الأخرى.
السهم الثالث: «للفقراء واليتامى»، واليتيم هو من لا أب له وهو دون البلوغ. في الآية «يتامى»، لكن الأصحاب قالوا إنما يستحقون إذا كانوا فقراء، أما إذا كانوا أغنياء فلا يستحقون؛ لأنه صُرف لهم لحاجتهم. وكيف عرفنا أنه صُرف لهم لحاجتهم؟ قالوا: اسم اليتم إنما يُطلق في العرف لأجل الرحمة، يعني إذا جئت ترحم فلاناً وتقول إنه يتيم؛ لاستجلاب الشفقة والرحمة. فإذا استصحب ذلك، نقول إن اليتيم يحتاج إلى الرحمة إذا كان فقيراً، فإذا كان الإعطاء لأجل الرحمة فإنه يُعتبر فيه الحاجة، وهذا هو الذي مشى عليه الأصحاب رحمهم الله تعالى. وعللوا بهذا، وإلا فالموفق رحمه الله يقول: لم أجد في هذا نصاً عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه يشترط فيهم الفقر، وكان الموفق رحمه الله يميل إلى أنهم يُعطون غنيهم وفقيرهم لعموم الآية.
السهم الرابع: «للمساكين»، أي أهل الحاجة، فيدخل فيهم الفقراء. مر معنا في الزكاة التفريق بين الفقير والمسكين، فهم في الزكاة صنفان، وفي غير الأبواب صنف واحد. فإذا قيل مساكين يدخل فيهم الفقراء، وإذا قيل الفقراء يدخل فيهم المساكين، لكن في أصناف الزكاة هم صنفان. لذلك قال: «للمساكين»، يعني المساكين والفقراء الذين هم أشد منهم حاجة.
السهم الخامس: «لابن السبيل»، والمقصود به المسافر المنقطع به في غير بلده، فيُعطى ما يوصله إلى بلده. وقال: «ويعم بجميع البلاد حسب الطاقة»، لما كان هذا لمصالح المسلمين فإنه يعم به، أي يُوزع هذا الخمس لجميع من تحقق في هذا الوصف ببلاد المسلمين حسب الطاقة. والحقيقة أن التعميم فيه مشقة شديدة، ولذلك ذكر الموفق رحمه الله أنه لا يجب التعميم لتعذر ذلك.
الآن أخرج الخمس؛ دفع السلْب، وأجرَ الغنيمة، وجعل من دل على المصلحة، وأخرج الخمس. بقي الآن أربعة أخماس تكون للغانمين، لكن قبل القسم هناك أشياء تُخرج منها، كالنفل؛ والنفل هو الزائد على الغنيمة، مثل الذي مر معنا في الدرس الماضي؛ كمن له أن ينفذ آل بداءة الربع في الرجعة بالثلث، ومنه أيضاً من أبلى بلاءً حسناً في القتال فله أن يُعطى زيادة على نصيبه، ومنها مثل من دل على مصلحة ولم يُشترط له شيء فله أن يُعطى شيئاً. والرخ هو إعطاء شيء من الغنيمة لمن لا يستحق السهم، مثل العبد؛ قلنا أهل القتال الرجل الحر.
المكلف لو شارك عبدًا أو شاركت امرأة أو شارك صبي مميز، فهنا يعطيه الرضخ، يعني يعطيه ما دون السهم، ولا يسهم لهم سهمًا كاملًا، ولا تقدير لما يعطى بذلك إلى اجتهاد الإمام.
الرضخ، هل هو واجب أو ليس بواجب؟ طبعًا قلنا إنه لا يحضرني الآن وجوبه من عدمه، لكن ذكر أنه يرضخ له المرأة، وجاء عن النبي ﷺ أنه كان يحجز النساء عن الغنيمة ولا يسهم لهن، يعني يعطيهن الرضخ. إلا النساء اللاتي يشاركن في مداواة الجرحى ونحو ذلك، يعطيهن الغنيمة ولا يسهم لهن كما يعطي المجاهدين. نعم، هذا، لكن هل هو على الوجوب أو لا؟ لا أعلم. لكن هل يجب على الإمام؟ يعني عند النفل، هذا مثلاً من أبلى بناءً، حسنًا، الإمام مخير يعطيه ولا ما يعطيه؛ فمن بعثهم الإمام في بداية الجيش ونهايته، الإمام مخير يعطيهم النفل على الاستحباب، لكن الرضخ هل هو على الاستحباب ولا على الوجوب؟ ما قال.
الآن يبين لك كيف تقسم الغنيمة بين الغانم؛ لا يفضل الغانم بعضهم على بعض إلا فيما ذكرنا في من يستحق النفل، لكن من لا يستحق النفل لا يفضل. لكن المفاضلة في الأوصاف؛ شخص شارك راجلاً يحارب على رجليه، وشخص يحارب على فرسه الذي يحارب على فرس، يستحق سهمًا واحدًا. يعني لو قسمت الغنيمة، فكل راجل يعطى ألفين ريال مثلاً، والفارس -يعني من ركب فرساً- إذا كان فرسه عربيًا فله ثلاثة أسهم: سهم له وسهم لفرسه، وإذا كان فرسه غير عربي فإنه له سهمان: سهم له وسهم لفرسه، كما سيأتي.
والدليل على الفرق بين الراجل والفارس حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: «أن النبي ﷺ أسهم يوم خيبر للفارس ثلاثة أسهم: سهمان لفرسه وسهم له، وللراجل سهم واحد».
قال: ولو كافر؟ هذا الذي قلنا لكم قبل قليل، هل الكافر يستحق سهم الغنيمة أو لا؟ فيه خلاف بين الأصحاب وهما روايتان، وأحمد رحمه الله والمشهور أنه يستحق إذا خرج بإذن الإمام؛ لأنه ﷺ استعان بناس من اليهود في حربه فأسهم لهم، رواه البيهقي وغيره. وإنما كان الراجل سهمه أقل من الفارس لأن الراجل يحتاج إلى أقل مما يحتاجه الفارس، وغناؤه دون غنائه.
في القرآن في سورة هود في قصة ثمود: ﴿كأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ [هود: 65]. فالغناء هنا بمعنى النفع؛ فنفع الراجل دون نفع الفارس، فلما كان نفعه دون نفعه اقتضى ذلك أن يكون سهمه دون سهمه. قال: الفارس له ثلاثة أسهم إذا كان عربيًا للحديث، وإذا كان على فرس غير عربي سهمان فقط. العربي قالوا: ما أبواه عربيان. والهجين: ما أبوه عربي وأمه غير عربية. والمقر بالعكس: ما أبوه غير عربي وأمه عربية. والبرذون: ما أبواه نبطيان غير عربيين. فإذا كان على فرس غير عربي، سواء كان هجينًا أو مقرًا أو برذونًا، فله سهمان: سهم له وسهم لفرسه، وهذا المذهب وعليه أكثر الأصحاب، وهي أكثر الروايات عند الإمام أحمد رحمه الله تعالى.
ويدل عليه ما روى سعيد بن منصور أن الخيل أغرت على الشام، فأدركت العراب في يومها، الخيل العراب يعني العربية، أي أنها لحقت الجيش في نفس اليوم الذي ساروا فيه، وأدركت البرابين ضحى الغد. وعلى الخيل رجل من همدان يقال له المنذر بن أبي حميضة، فقال: «لا أجعل الذي أدرك في يومه مثل الذي لم يدرك»، ففضل الخيل ففضل بينها فجعل هذا أفضل من هذا، فذكر ذلك لعمر رضي الله عنه؛ فذلك اجتهاد من المسؤول عن الجيش في تلك المعركة. فذكر ذلك لعمر رضي الله عنه فقال: «هبلت الوادعي أمه»، وهذا طبعًا مدح، لكن يستعمل كثيرًا، وأصله دعاء عليه لكن يستعمل كثيرًا في المدح.
قال الموفق رحمه الله: «ولم يعرف عن الصحابة خلاف هذا القول». وفي حديث مرسل في الباب، كان ذكره عندكم في الحاشية في قاسم، فيما روى: «أن النبي ﷺ أعطى الفرس العربي سهمين وأعطى الهجين سهمًا»، وهذا مرسل، لكن أثر قول عمر وتكرار عمر وعدم مخالفة الصحابة رضي الله تعالى عنهم له أقوى. قالوا: ولأن نفع العربي وأثره في الحرب أفضل فيكون سهمه أرجح.
قال: ولا يسهم لأكثر من فرسين؛ وإن كان معه عشرة فرس، فيقول لا يسهم له إلا إن كان معه فرسان، فإذا كان كلا السهمين عربيًا فيسهم له، كم سهم؟ خمسة؛ إذا كان معه فرس واحد عربي يكون له ثلاثة أسهم: سهم له وسهمان لفرسه، وإن كان معه فرسان يكون له خمسة أسهم: سهم له وأربعة أسهم للفرسين. وطيب، وإذا كان معه ثلاثة أفراس فلا يسهم للثالث شيء، واستدلوا بأن النبي ﷺ كان لا يسهم للرجل فوق فرسين وإن كان معه عشرة أفراس، وأثر عن عمر رضي الله عنه ذلك، ولأن هناك حاجة ثانية؛ فإن مداومة ركوب واحد تضعفه وتمنع القتال عليه، فيسهم له كالاول، بخلاف الثالث فإنه مستغنٍ عنه؛ يقولون إن قد يحتاج إلى ركوب فرسين، يركب فرسًا ثم إذا تعب الفرس يركب الثاني، لكن كونه يأتي بفرس ثالث أو رابع أو خامس هذه زائدة عن حاجته فلا يسهم له لأجلها.
قال: ولا شيء لغيرها من البهائم؛ لعدم رخص النبي ﷺ، يعني شخص معه حمار مثلاً أو فيل فلا يسهم له بشيء لأجلها. قال ابن المنذر: «أجمع كل من أحفظ عن أهل العلم أن من غزا على بعير فله سهم راجل»، يعني لا يسهم له لأجل البعير لعدم رخص ذلك النبي ﷺ، مع كونهم يركبون البعير في الغزوات. نعم، ابن المنذر نقل الإجماع، ومن يحفظ عنه، والإمام أحمد رحمه الله له رواية ثانية في ذلك، لكن المنذر نقل الإجماع، والموفق هو قول.
أكثر أهل العلم رحمهم الله تعالى، وإلا في رواية الإمام أحمد رحمه الله بذلك، أحسن الله إليكم.
قال رحمه الله: «ويشارك الجيش سراياه التي بعثت منه من دار الحرب فيما غنمت، ويشاركونه فيما غنم». قال أبو المنذر: روينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وترد سراهم على قاعدهم».
عندنا الدال مكسورة والعين مفتوحة؛ «قاعدهم». «وترد سراهم على قاعدهم». وإن بعث الإمام من دار الإسلام جيشين أو سريتين، انفردت كل بما غنمت.
يقول: «ويشارك الجيش سراياه التي بعثت منه من دار الحرب فيما غنمت ويشاركونه فيما غنم». الآن الجيش إذا انطلق أحيانا يبعث الإمام سرايا، مثل ما بعث النبي صلى الله عليه وسلم في تبوك بعد السرايا بدومة الجندل وغيرها، فالسرايا إذا غنمت شيئًا فلا تنفرد به بل يشاركها معه الجيش.
لو ذهبت السرايا والجيش شارك، يعني حصل حرب في الجيش والسرية ما شاركت معه لكنها ذهبت لمكان آخر ورجعت وقد انتهت الحرب، فإنها تشاركه؛ فكل واحد يشارك الثاني في ذلك، في قول عامة أهل العلم رحمهم الله تعالى.
لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما غزا هوازن بعث سرية من الجيش قبل أوطاس فغنم السرية فشرك بينها وبين الجيش، وأيضًا للحديث الذي ذكره أبو المنذر: «وترد سراهم على قاعدهم»، ولأنهم جيش واحد وكل واحد منهم ردء لصاحبه، فيتركون كأحد جاب الجيش.
طيب، هذا إذا كان انطلق من دار الحرب، لكن في المد ما ذهب إلى في دار الإسلام فأرسل سرية إلى مكان معين وغنمت، فهل يشاركونه؟ القاعدون لا يشاركونه. الغنيمة خاصة بالسرية، هناك كان من دار حرب فسرية جزء من الجيش، هنا لا، السرية مستقلة.
المسألة التي ذكرها هنا: إذا بعث الإمام من دار الإسلام جيشين، بعث مثلا جيش العراق وجيش الشام، فكل واحد ينفرد بما غنم، أو سريتين، السرية طبعًا أفرادها قليلون تنفرد بما غنمت فلا يشاركها أحد لأنها انفردت بالغزو، بخلاف إذا خرجت السرية من الجيش في دار الحرب فإنهم يشاركون فيما ذكرنا.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان