دخولتسجيل الدخول

كتاب الجهاد 10 | الغال من الغنيمة وحكمه

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

قال رحمه الله: والغال من الغنيمة، وهو من كتم غنيمة أو بعضها، لا يحرم سهمه، ويحرق رحله كله ما لم يخرج عن ملكه، إلا السلاح والمصحف، وما فيه روح، وآلته، ونفقته، وكتب العلم، وثيابه التي عليه، وما لا تأكله النار. قال يزيد بن جابر: السنة للذي يغل أن يحرق رحله. رواه سعيد في سننه.

يتكلم المؤلف رحمه الله عن الغال من الغنيمة، والغال من الغنيمة هو الذي يكتم ما يأخذه من الغنيمة ولا يطلع الإمام عليه؛ مثلاً لو وجد سلاحاً من أسلحة الكفار مرمياً في الأرض، فأخذها وخبأها لنفسه، فهنا هذا فعله غلول. والغلول كبيرة من كبائر الذنوب، الله عز وجل قال: ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: 161]. والنبي صلى الله عليه وسلم قال في أحد من جاهد معه وغل: «إن الشملة لتلتهب عليه ناراً».

هنا الغال يتعلق به أحكام، الحكم الأول أنه لا يحرم سهمه، يعني لو جاء الإمام سيقسم الغنائم ما يقول: أنت غللت من الغنيمة إذاً لا تستحق شيئاً، لا، لا يحرم السهم؛ يأخذ مثل ما يأخذ غيره؛ لأن سبب الاستحقاق موجود، وهو شهود الوقعة والمشاركة في الحرب، فيستحق كما لو لم يغل، ولم يثبت خبر أو قياس في أن الغال يحرم سهمه.

الحكم الثاني أنه يحرق رحله كله وجوباً، وهذا من مفردات الحنابلة رحمهم الله تعالى، ويستدلون بما جاء عن عمر رضي الله عنه مرفوعاً للنبي صلى الله عليه وسلم: «إذا وجدتم الرجل قد غل فأحرقوا متاعه واضربوه». هذا عند أبي داود والترمذي. وأيضاً الأثر الذي ذكره المؤلف رحمه الله: السنة في الذي يغل أن يحرق رحله.

وهنا ذكر المؤلف رحمه الله أنه يحرق رحله وجوباً، وهناك قول آخر في المسألة وهو أن إحراق رحله راجع إلى اجتهاد الإمام، فإذا رأى المصلحة في ذلك فإنه يحرق رحله، يراه تعزيراً يقيمه بحسب المصلحة، وهذا القول الثاني استظهره المفلح في الفروع وصوبه المرداوي رحمه الله في الإنصاف.

استثنى المؤلف رحمه الله تعالى أشياء لا يحرق رحلها. الذي يخرج عن ملكه، إذا غل أو باع أو وهب، فهنا لا يحرق؛ لماذا؟ لأنه صار لغيره، أشبه ما لو مات، ما ذكر المؤلف رحمه الله يعني إذا مات الغال فإنه لا يحرق؛ لأن ملكه انتقل لغيره الآن، انتقل للأصالة بالوراثة، وبموته تنقطع الوراثة، ولا يعزر الشخص بفعل غيره، فقولنا نحرقه تعزير للورثة، وهذا لا يصح.

الثاني: السلاح، السلاح لا يحرق، قالوا لأنه يحتاج إليه للقتال. الثالث: المصحف، فلا يحرق لحرمته. سئل سالم بن عبد الله رحمه الله عن من غل مصحفاً فقال: بعه وتصدق بثمنه؛ لا يحرق لحرمته، لكن البيع والتصدق بثمنه. وهناك احتمال آخر في المسألة أنه يكون له كالسلاح والحيوان.

الرابع: ما فيه روح، من الحيوان مثل الدابة التي ركبها لا تحرق؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التعذيب بالنار، إلا ربنا، وحرمة الحيوان في نفسه، وهذا لا خلاف فيه. الخامس: آلة الدابة من سرج ولجامها، هذه لا تحرق نص عليه أحمد رحمه الله؛ لأنه يحتاج إليها للانتفاع بها، ولأنها تابعة لما لا يحرق؛ هي أتت للدابة، والدابة لا تحرق، إذاً لا يحرق ما يتبعها.

ونفقته؛ لو أنه أتى بأموال ينفق على نفسه وقت الجهاد، فهنا لا تحرق هذه النفقة؛ لأنه ليس المراد تعذيبه بقدر ما يراد تعزيره. كتب العلم، فلا تحرق، لو كان معه كتب علم أخذها للجهاد فإنها لا تحرق، قالوا: لأن النفع الذي في الكتب نفع ديني، وليس المقصود من الإحراق الإضرار بالغالي في دينه، إنما يضر بشيء في دنياه. أيضاً مما لا يحرق ثيابه التي عليه؛ لأنه لا يجوز تركه عرياناً. أيضاً مما لا يحرق ما لا تأكله النار كالحديد؛ فهذه كلها التي لا تحرق، تكون له ينتفع بها؛ لأن ملكه كان ثابتاً عليها ولا يوجد ما يزيله، فإنما عوقب بإحراق متاعه، فما لم يحرق فيبقى على ما كان من ملكه.

قال رحمه الله: الأثر الذي ذكر السنة أن يحرق رحله، في حاشية الغنيمي، ينقل عن الخلوتي يتكلم عن مسألة إحراق المال، قال: هذه المسألة من المفردات، وهي مشكلة على القواعد؛ لأن فيه إضاعة مال وهو حرام، قالوا حتى حبة البر يحرم إلقاؤها في البحر، لأن فيه إضاعة مال. وهذا منزع الجمهور؛ لأن الجمهور يقولون لا يحرق؛ لأن فيه إضاعة مال، والمذهب يقول لا يحرق ما فيه إضاعة مال، وأنتم تقررون أنه لا يضيع المال، حتى حبة البر لا يجوز إلقاؤها في البحر!

قال وجوابه على ما في شرح المصنف -يقصد شرح الفتوح على المنتهى- وتبعه عليه شيخنا في شرحه، أن حرمة إضاعة المال مشروطة بما إذا كان بغير مصلحة، أما إذا كان لمصلحة فلا بأس، قال بدليل جواز إلقاء المتاع في البحر إذا خيف الغرق؛ يعني الآن وهم في السفينة جاءتهم ريح عاتية وخافوا أن يغرقوا، فأرادوا أن يتخففوا من الأمتعة، فيجوز لهم أن يلقوا بعض أمتعتهم يتخففون للمصلحة. وهي ضرورة، لكن هم جلبوها من باب أنه هنا مصلحة، سواء كانت ضرورة أو دون الضرورة.