الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا مفاهيم سليمان فهمنا، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وعملاً صالحاً يا كريم. أما بعد، فنحمد الله عز وجل على ما منَّ به من عودة هذا الدرس بعد الإجازة، ونسأل الله عز وجل أن ينفعنا بالعلم وأن يزيدنا منه خشية سبحانه وبحمده.
مما يوصى به طالب العلم أن يستمر على العلم وأن لا ينقطع عنه؛ فإن العلم عزيز المنال، ولا ينال العلم براحة الجسم. لذلك ينبغي للإنسان أن يستمر وألا ينقطع، صحيح تأتي الإجازات وتأتي فترات انقطاع، لكن طالب العلم لا ينقطع؛ مثلاً إذا انقطعت الدروس عن حضور الدروس، لكن عن مواصلة التعلم لا ينقطع. ويمكن أن يكون في أوقات هذه الإجازات مراجعة لما أخذه من دروس سابقة، وليستمر على ذلك؛ فإن العلم إذا أعطيته كلك أعطاك بعضه، وإذا أعطيته بعضك لم يعطيك شيئاً.
ومن الأشياء التي ينبغي أن يحرص عليها طالب العلم في كل فن أن يعرف علماء الفن الذي يدرسه، وأن يعرف عن تراجمهم وسيرهم؛ فإن هذا مما يزيده معرفة بقدر العالم الذي يقرر هذه المسألة أو ألف هذا الكتاب ونحو ذلك. ولا ينبغي له أن يترك هذا الأمر، وأن يتعلم علماً ولا يعرف عن رجال هذا الفن شيئاً. ونحن نتعلم علم فقه الحنابلة، فينبغي أن يكون للإنسان قراءة في سير علماء الحنابلة، سيرة الإمام أحمد رحمه الله تعالى رأس المذهب، وسير كبار أصحابه.
وقد أُلّف في سيرة الإمام أحمد رحمه الله مؤلفات، منها مؤلفات مفردة ومنها مؤلفات ضمن تراجم العلماء. ومن أنفس المؤلفات المفردة في ترجمة الإمام أحمد رحمه الله تعالى ما ألفه الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي رحمه الله تعالى في مناقب الإمام أحمد. وفي تراجم الأصحاب رحمهم الله تعالى كتب كثيرة، ويمكن من أهمها كتاب طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى رحمه الله تعالى، وقد ترجم للإمام أحمد رحمه الله تعالى، وترجم لكبار أصحابه رحمهم الله تعالى، وتوقف عند بداية القرن السادس.
ثم ذيّل عليه الحافظ، وكان ترتيبه لتراجم الأصحاب رحمه الله تعالى على حسب طبقاتهم، حيث قسمهم إلى ست طبقات، وكل طبقة يرتبهم على حروف المعجم؛ طبعاً بعد أن ترجم للإمام أحمد رحمه الله تعالى. وذيّل على طبقات الحنابلة الحافظ ابن رجب رحمه الله في كتابه المشهور الذيل على طبقات الحنابلة، واستكمل ما بدأه القاضي أو من وقف عليه القاضي ابن أبي يعلى، وترجم لبعض من ترجم لهم القاضي ابن أبي يعلى ولم يستوفِ مثل أبي الخطاب وابن عقيل رحمهم الله في طبقات ابن أبي يعلى لكنه مختصر.
وتشتمل هذه التراجم، سواء طبقات الحنابلة أو ذيلها، على معلومات كثيرة متنوعة في ترجمة العالم. ومثلاً ابن أبي يعلى كان يذكر -خاصة في تلاميذ الإمام أحمد- يذكر نماذج من الروايات التي رواها هذا العالم عن الإمام أحمد رحمه الله مما لا تجده موجوداً إلا في الطبقات. وابن رجب رحمه الله يذكر في ترجمة العالم شيئاً من اختياراته الفقهية، خاصة فيما خالف فيه المشهور عند الحنابلة رحمهم الله تعالى، ويذكرون فوائد متنوعة. ويذكر فتاوى مثلاً؛ في ترجمته لابن هبيرة رحمه الله تعالى ذكر نقولات عن ابن هبيرة في كتب لم تصل إلينا كلها، فنقل بعض التدبرات التي يذكرها ابن هبيرة أو بعض استنباطات من الأحاديث مما لا تجده موجوداً في كتبه المطبوعة.
أيضاً من الكتب سحب الوابل على ضرائح الحنابلة لابن حميد النجدي الحنبلي رحمه الله تعالى، وهذا أيضاً ذُيِّل به على طبقات ابن رجب رحمه الله تعالى إلى قرب وفاته رحمه الله تعالى. هذه الكتب تقريباً جاءت بمعظم تراجم الأصحاب، وكلها حققها الشيخ عبد الرحمن العثيمين رحمه الله تعالى، والشيخ رحمه الله أوتي علماً غزيراً في التاريخ وعلم التراجم، ولذلك استدرك على كل من هؤلاء المؤلفين الثلاثة، استدرك عليهم علماء حنابلة جاءوا في عصره لكن لم يترجموا له، وعند ترجمة كل عالم يذكر أيضاً مصادر ترجمته في الكتب الأخرى لمن أراد التوسع، فخدم تراجم الحنابلة خدمة جليلة في تحقيقات هذه الكتب الثلاثة، وحقق أيضاً كتباً أخرى في تراجم الأصحاب، لكن أنا أقول إن هذه الكتب الثلاثة هي من أهم كتب التراجم في العصر المتأخر.
في القرن الماضي أو في بداية هذا القرن ألف الشيخ صالح بن عبد العزيز بن عثيمين رحمه الله تعالى كتاب تسهيل السابلة لمريد معرفة الحنابلة، تراجم مختصرة للحنابلة من الإمام أحمد رحمه الله إلى عصره، وانفرد بتراجم كثيرة لم تذكر في الكتب السابقة، خاصة ممن أتى بعد وفاة ابن حميد رحمه الله تعالى. وحقق هذا الكتاب الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله تعالى، وذيّل عليه بما سماه "فوات التسهيل"، وترجم فيه أو ذكر فيه ما فات الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في كتابه، وهي تراجم لا تغني عنها الكتب السابقة.
ومن أراد أن يطلع على شبه فهرس لتراجم الحنابلة، فقد ألف الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله تعالى كتاباً "علماء الحنابلة" من الإمام أحمد رحمه الله إلى وفيات عام 1420، وذكر عند كل عالم يذكر اسمه، ومتى ولد، ومتى توفي، وأين توفي، ثم يذكر مصادر ترجمته لمن أراد التوسع. وهذا أيضاً لمن أراد أن يقول مثلاً: الكتب هذه قد لا أستطيع اقتناؤها وأريد شيئاً يدلني على المراجع، فأقول كتاب الشيخ بكر رحمه الله يعد كالفهرس لتراجم الحنابلة رحمهم الله تعالى. هذه مقدمة بين يدي الدرس، خاصة أنه أول درس بعد الانقطاع، لننوع فيه المعلومات التي تردكم مما يتعلق بهذا الكتاب أو هذا المذهب.
كتاب الشيخ عبد الله البسام رحمه الله تعالى "علماء نجد"، طبعاً كان الشيخ ألفه في علماء نجد خلال ستة قرون، ثم بعد ذلك زاد قرنين فصار خلال ثمانية قرون، هو خاص بعلماء الحنابلة أو غيره؟ فإن كان في الفترة الأخيرة أغلبهم حنابلة لكنه ليس خاصاً بعلماء الحنابلة، رحم الله الجميع.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين. قال المصنف رحمه الله تعالى: باب زكاة العروض، جمع عرض بإسكان الراء، وهو ما أعد لبيع وشراء لأجل ربح، سمي بذلك لأنه يعرض ليباع ويشترى، بأنه يعرض ثم يزول.
باب زكاة العروض، أي زكاة التجارة، وهذا هو النوع الرابع من أنواع الأموال. تقدم لنا أن الأموال الزكوية أربعة أنواع، وهي: النقدين، وما الحق بهما، والخارج من الأرض من الحبوب والثمار، وزكاة العروض. تجب الزكاة في عروض التجارة في قول أكثر أهل العلم، والذكر أنه أجمع أهل العلم على أن في العروض التي يراد بها التجارة الزكاة إذا حال عليها الحول. نقل الإجماع في كتابه "الإجماع"، أما في كتابه "الإشراف" فقال: أجمع عامة أهل العلم. صحيح أنه لا يفوت إجماع فيها، لكنه قول أكثر أهل العلم رحمهم الله تعالى، وممن ذكر الخلاف فيها الشافعي رحمه الله، فقد ذكر فيها أن هناك قوماً لم يقولوا بوجوب الزكاة في العروض، لكن كما قلنا إنه قول عامة أهل العلم رحمهم الله تعالى.
ويستدل الأصحاب رحمهم الله تعالى على وجوب الزكاة في عروض التجارة بحديث سمرة بن جندب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «يأمرنا أن نخرج الزكاة مما نعده للبيع»، وجاء في حديث أبي ذر مرفوعاً: «وفي البز صدقة»، وحمله على ما إذا كان متاجراً به. الإمام أحمد رحمه الله لم يستدل بالمرفوع، وإنما استدل بالموقوف، استدل بأثر عمر رضي الله تعالى عنه حينما قال لحماس: "أدِّ زكاة مالك"، قال: ما لي إلا جلود وأدم، قال: "قوِّمها ثم أدِّ زكاتها، قوِّمها ثم أدِّ زكاتها"، وهذه قصة اشتهرت ولم تُنكر، فتكون إجماعاً، أي إجماعاً سكوتياً بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم، كذا قرره الموفق وأيضاً شيخ الإسلام رحمه الله تعالى.
قال: جمع عرض بإسكان الراء، وهو ما أعد لبيع وشراء لأجل ربح، فهو إذاً ما يعد للبيع والشراء للتكسب. فليس كل ما أعد للبيع يكون عرض تجارة؛ فمثلاً لو أن شخصاً عنده سيارة التي يمشي عليها ويستعملها، قال: أنا خلاص طابت نفسي، ما أشتري به سيارة أخرى إلا إذا بعت هذه، فعرض هذه للبيع لكي يبيعها ثم يشتري بقيمتها ويزيد مما عنده سيارة أخرى، فهنا هل هذه تعد عروض تجارة؟ لا تعد عروض تجارة لأنه لم يقصد الاتجار. لكن لو أنه عنده خمس سيارات ويريد أن ينمي مالي، واشترى السادسة أو السابعة واشترى زيادة أخرى ثم يبيعها لتربح، فهنا نقول إذاً هذه تكون عروض تجارة. سمي بذلك لأنه يعرض ليباع ويشترى، أو لأنه يعرض ثم يزول. وهذا التسمية والعروض غير الأثمان من المال على اختلاف في أنواعه ما عدا الذهب والفضة، لذلك بعض الفقهاء يعنون في باب زكاة التجارة، وهنا عبر بباب زكاة العروض، أيهما أشمل؟ زكاة التجارة أشمل؛ لأنها تشمل المتاجرة بالنقدين والمتاجرة بالعروض، لكن المؤلف رحمه الله تعالى وأيضاً فعل ابن قدامة في المغني عبروا بزكاة العروض، لعلهم لأنهم في بداية باب كتاب الزكاة ذكروا أن الأموال الزكوية أربعة منها عروض التجارة، فعبروا هنا بـ"زكاة العروض". سيبيّن لنا شروط وجوب الزكاة في عروض التجارة.
إذا ملكها -أي العروض- بفعله كالبيع والنكاح والخلع وقبول الهبة والوصية واسترداد المبيع بنية التجارة عند التملك، أو استصحاب حكمها فيما تعوض عن عرضها، وبلغت قيمتها نصاباً من أحد النقدين زكى قيمتها؛ لأنها محل الوجوب باعتبار النصاب بها، ولا تجزئ الزكاة من العروض. فإن ملكها بغير فعله كإرث، أو ملكها بفعله بغير نية التجارة ثم نواها -أي التجارة بها- لم تصر لها للتجارة؛ لأنها خلاف الأصل في العروض فلا تصير لها بمجرد النية، إلا حلي لبس، إلا نوى بقنية ثم نواها للتجارة فيزكيه.
هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى شروط الزكاة في عروض التجارة، ذكر شرطين، وذكر ثلاثة لكن الشرط الثالث هو عندي لجميع أنواع الأموال الزكوية. الشرط الأول: قال: إذا ملكها بفعله، يخرج منه إذا ملكها بغير فعله كما سيذكر المحترز بعد قليل. إذا ملكها بفعله مثل "ملكها بالفعل"، قال: كالبيع، والنكاح، والخلع، وقبول الهبة، والوصية، واسترداد المبيع. ولو تأملت في الأمثلة هذه، المؤلف رحمه الله إذا أكثر الأمثلة يقصد أن كل مثال له قسم معين أو يدخل أو يقاس عليه.
البيع هنا انتقال بمعاوضة محضة، ملك هذه العين بمعاوضة. النكاح، عقد نكاح، عقد، فهو فسخ عقد أو معاوضة غير محضة. قبول الهبة وقبول الوصية يمكنهما واحدة، وهي تبرع، عقد تبرع. استرداد المبيع، فسخ معاوضة. فيقول لك إذا ملك بفعله، سواء ملكها بعقد معاوضة محضة أو فسخ عقد معاوضة أو فسخ معاوضة غير محضة، وكذلك لو ملكها بعقد التبرع، فلا يلزم أن يملكها بعقد معاوضة ولا يلزم أن تكون المعاوضة.
كالبيع نمثل عليه، إذا ملكها بفعله كالبيع مثل اشترى سيارة ليتاجر بها، هنا ملكها بفعله. النكاح، تزوج شخص امرأة أصدقها مثلاً عمارة، فهي من حين استلمت العمارة نوت بها التجارة. الخلع، خلعته على أن تدفع له مثلاً العمارة ونوى بها التجارة. قبول الهبة، وهب شخص لآخر مثلاً سيارة وهو الموهوب له نوى بها التجارة. الوصية، شخص أوصى لآخر بعمارة، وهذا الموصى له نوى من حين قبلها التجارة. استرداد المبيع، سواء بخيار أو إقالة ونحوها، مثلاً هو باع سيارة فكان هناك خيار شرط، مثلاً مدة أسبوع، خلال المدة أعادها له المشترك لأنه لا يريد أن يكمل العقد، فهو لما استرد المبيع نوى التجارة. هذه أمثلة كلها ملكها بفعله، سيأتينا بعد قليل إذا ملكها بغير فعله وأمثلة عليها.
هذا الشرط الأول، الشرط الثاني: أن يكون بنية التجارة عند التملك. هنا ما دليل الأصحاب على أنه لا بد أن يملكها بفعله؟ قالوا: لأن ما لا يثبت له حكم الزكاة عند دخوله في ملكي لا يثبت بمجرد النية، كالسوم بمجرد النية، يعني لما كانت البهيمة لا تجب فيها الزكاة بدخولها في ملكي، بل لا بد أن يفعل السوم ولا يكتفي بالنية، فكذلك هذه الأموال التي للتجارة لا بد أن يملكها بفعله. هناك لا بد أن يفعل السوم، هنا لا بد أن يفعل التملك يعني يقصد التملك.
طيب، قال: بنية التجارة عند التملك، يعني لا بد أن ينوي بها التجارة. لماذا لا يكفي مجرد التملك؟ لا بد فيها من النية، قالوا: الأصل في الأموال القنية، فما دام أن الأصل في الأموال القنية لا بد فيه من شيء ينقلها، والناقل لها هو النية، لا بد من النية. فلما كانت الأصل في الأموال القنية نقول لا بد فيها من شيء ينقلها. ولذلك مثلاً مر علينا في صلاة المسافرين، الأصل في الصلاة الإتمام، فلذلك المسافر لا يقصر إلا إذا نوى.
يصلي لابد أن ينوي أن يقصر، فإذا لم ينوِ لا يجوز له القصر، لابد أن يتم. لماذا يقولون عندنا: لا ينتقل إلى القصر إلا بالنية؟ لأنها خلاف الأصل، والأصل فيها القنية، فلا نقول إنها للتجارة إلا إذا نوى.
نية التجارة لابد أن تكون عند التملك، فلا يكفي أن ينوي بعد التملك. فإذا في المثال السابق مثلًا اشترى سيارة لأجل يتاجر بها، نقول: هي عروض تجارة. اشترى سيارة لأجل يستعملها، ثم قال: خلاص أنا سأتاجر في السيارات، فتكون عروض تجارة؛ هنا نوى بعد التملك، فهل تكون تجارة؟ هو الآن اشترى السيارة في واحد محرم لحاجته الشخصية، وجلس يستعملها إلى واحد رجب، ثم قرر أن يتاجر في السيارات كلها، فهل نقول هذه السيارة صارت عرض تجارة؟ ما نوى عند التملك.
يقولون: النية عمل، ولابد أن الأعمال بالنيات، والنية لابد أن تكون سابقة للعمل أو موافقة له. فإذا أتت بعد فإنها لا تعتبر، وهذا هو المشهور من المذهب، وهناك قول آخر في المذهب أنها تنتقل للتجارة بمجرد النية ولو نوى بعد، لكنني أقصد عند التملك. إذا صار بعد فإنه ما نوى، والنية لابد أن تكون قبل العبادة، ويتسامح فيها في بعض العبادات مقارنة لأول العبادة، لكن المعاملات لا.
متى تنتقل؟ هذا السؤال الثاني، على المذهب الآن نقول: لا تنتقل إذا ملكها بغير نية التجارة ثم نواها بعد.
إذا جاء موضعه متى تنتقل؟ بنية التجارة عند التملك أو استصحاب حكمها فيما تعوض عن عرضه. يعني مثلًا هذا شخص عنده سيارة بدأ بها التجارة، بادلها بسيارة أخرى، تكون السيارة الأخرى هذه -حتى لو ما نوى أنها لما تملكها أنها للتجارة- تكون للتجارة بشرط أن لا ينوي أنها للقنية. هذا معنى استصحاب الحكم، أي لا ينوي قطعها، فهو السيارة الأولى كان عنده سيارة مثلاً كامري يريد أن يتاجر بها، بادلها بسيارة أخرى كامري أخرى. لما بدلها بالسيارة الأخرى عزب عن باله أن ينوي أن السيارتين للتجارة، فهنا هل نقول خلاص ما تصير للتجارة؟ لا، نقول تكون للتجارة إلا إذا نوى أنها للقنية، فهذا معنى استصحاب الحكم، ألا يقطع النية.
الشرط الثالث قالوا: بلغت قيمتها نصابًا من أحد النقدين، وهذا هو الشرط الثالث وهو شرط لجميع الأموال الزكوية، فلا يحتسب الحول إلا من حين بلوغ قيمتها نصابًا بنفسها أو بضمها لغيرها. سبق ذكرنا أن عروض التجارة تضم إلى النقدين، وفي باب النقدين ذكرنا أنه يضم إليها، وأن النقدين تضم إلى عروض التجارة. وقوله من أحد النقدين فلا يلزم أن تكون تبلغ النصاب منهما جميعًا، فلو ينظر فيه للأحظ للفقراء، فإذا كان الذهب أحظ فننظر إلى بلوغ قيمتها نصابًا من الذهب، وإذا كانت الفضة أحظ فننظر إلى بلوغ قيمتها نصابًا من الفضة. فلو كان عنده مثلًا رأس مال للتجارة ألف ريال أو ألف وخمسمائة ريال، إذا نظرنا إلى نصابها من الذهب ما تبلغ وزن 85 جرامًا، لكنها تبلغ وزن نصاب الفضة 595 جرامًا من الفضة أو 200 درهم من الفضة، فنقول ننظر إلى قيمتها من الفضة لأنها أحظ للفقراء.
قال: زكى قيمتها. هذا جواب الشرط؛ أنه إذا ملك بفعله بنية التجارة وبلغت قيمته نصابًا الجواب أنه يزكيها، يزكي القيمة ولا يزكي من العرض. يعني شخص يبيع مثلًا سيارات، عنده أربعون سيارة متشابهة قيمتها واحدة، وربع العشر سيارة واحدة هي قيمة أربعين، فلو قال: أنا خلاص سأطلع سيارة سأتصدق بها على مسكين، هل يجزئه؟ لابد أن يزكي القيمة، لا يزكي من العروض نفسها. لماذا؟ قال: لأنها محل الوجوب، لأن كيف عرفنا النصاب؟ قدرناه بالقيمة، إذا القيمة هي محل الوجوب، يقولون كالأعين، الآن مثلًا الحبوب والثمار قدرناها من أعينها من نفسها، فكانت هي محل الوجوب، السائمة مثلًا قدرناها من نفسها، العروض قدرناها بالقيمة فكانت القيمة هي محل الوجوب. قال: ولا تجزئ الزكاة من العروض، يعني لا يجزئ أن يخرج الزكاة من العرض نفسه، لابد أن يخرج من قيمتها لأنها ليست محل الوجوب في إخراجها، كالإخراج من غير الجنس، كأنه أخرج زكاة من غير الجنس. من الإبل هل يجوز أن يخرج بقرًا؟ لا، عنده الغنم هل يجوز أن يخرج إبلًا؟ لا، طبعًا إبل أخرج عنها غنم دون 25 جاء بها النص لكن غيرها لا. قالوا هذه مثلها لا يجزئ.
قال في الفروع: إلا أن نقول بإخراج القيمة فيجوز بقدرها وقت الإخراج، يعني عندنا قول آخر في المذهب أنه يجزئ الزكاة من العروض، وهو مبني على أمرين ذكر في الفروع واحدًا وذكر شيخ الإسلام الثاني في الفروع، قال: إلا أن نقول بإخراج الزكاة من القيمة، هل يجوز أن تخرج الزكاة من القيمة؟ المذهب أنه لا يجوز أن تخرج الزكاة من القيمة، طبعًا في غير العروض، العروض تخرج من قيمتها، لكن في غير العروض لا تخرج، يعني شخص عنده سائمة غنم مثلاً زكاتها قال قيمة رأس واحد ألف ريال، إذا قيمة الرأس هنا ألفين ريال، هل يجزئ ذلك أو لا؟ المذهب أنه لا يجزئ. النقدان الذهب والفضة لو كان عنده حلي، لو كان من الحلي الذي تجب فيه الزكاة فإنه يخرجه من نفسه، لا يخرج قيمتها، يعني قيمته من الأموال، هناك قول آخر في المذهب أنه يجزئ إخراج القيمة، منهم من أطلقه ومنهم من قيده بالحاجة، واختيار شيخ الإسلام رحمه الله إذا كان هناك حاجة أو مصلحة، نعم عليه الفتوى الآن في بعض الأموال أن الذهب يخرج من قيمته. فعلى القول بأنه يجزئ إخراج القيمة يقول في الفروع: إننا نقول يجوز إخراج العرض من نفسه قياسًا بقياس العكس، والمأخذ الثاني الذي ذكره شيخ الإسلام في مسألة الزكاة هل تتعلق بعين المال أو تتعلق بالذمة، هذه مرت معنا في أول كتاب الزكاة، والمذهب أنها تجب في عين المال ولا تتعلق بالذمة، فشيخ الإسلام يقول إن يجوز إخراج الزكاة من العروض عروضًا، ويقوى على من يقول تجب الزكاة في عين المال.
قال: فإن ملكها بغير فعله كإرث. هنا يذكر محترزات الشروط، المحترز الشرط الأول إذا ملكها بفعله، محترزه إذا ملك بغير فعله كإرث. إذا ملك بغير فعله؛ يعني شخص ورث من مورثه أموالًا منها مثلًا مزرعة، تملك هنا بغير فعله، والهبة، التملك القهري بمعنى ما يقول أنا أملكه ثم بكيفه يتنازل عنه، لكنه دخل ملكه قهرًا، ومثله أيضًا الملتقط بعد تعريف وحولان الحول، تدخل اللقطة في ملكه قهرًا، هو سيتصدق بها سيتصرف فيها ما في إشكال لكن ما دخلت بفعله. إذا ملك بغير فعله كإرث ثم نواها، لم تصر للتجارة.
الثاني: إذا ملك بفعله بغير نية التجارة ثم نواها. السابق كان عنده سيارة جلست ستة أشهر، ثمانية، ثم نوى التجارة بها، لن تصر لها أي للتجارة بهذه النية لماذا؟ لأنها خلاف الأصل في العروض، فلا تصير لها بمجرد النية. طيب متى تصير للتجارة؟ بعد أن يبيعها ويحول على ثمنها الحكم. يعني إذا باعها، الآن أبدأ أحسب الحول. يعني مثلاً شخص اشترى السيارة في واحد محرم، استعملها إلى واحد رجب، ثم نوى يتاجر فيها للبيع، ما باعها إلا في واحد شوال، نقول من واحد شوال الآن باعه، احسب بداية الحول من هنا لا من النية.
نعم يكون حكمه غير، يعني لا يضمه إلى ماله إذا أراد أن يضمه من باب التعجيل فما في شيء، لكن يضمه من باب أنه واجب الآن لا؛ لماذا؟ لأنه مضى عليه مدة ما كان واجبًا فيه الزكاة، فانقطع فيه. طيب إذا لا تصير للتجارة؛ لأنها خلاف الأصل في العروض فلا تصير لها بمجرد النية، قلنا لكم لا زكاة فيها حتى يبيع العرض فيستقبل بثمنه حولًا، وهذا ذكره الزركشي وابن مفلح في المبدع، وذكره أيضًا الشيخ مرعي في الغاية.
لا تصير لها بمجرد النية، استثنى: إذا نوى ثم نوى للتجارة فيزكيه. الحلي مر معنا في باب زكاة الأثمان أن حلي المرأة المعد للاستعمال لا زكاة فيه، فهو خرج عن الزكاة لكونه معدًا للاستعمال، ولا الأصل أن الذهب فيه زكاة، لكن لما كان ملبوسًا خرج عن الزكاة. فإذا قالت المرأة خلاص أنا سأتاجر في هذا الحلي، نقول خلاص من حين نوت التجارة يبدأ الحول. طيب كيف؟ لماذا فرقنا بينه وبين السيارة؟ الحلي هذا أصله في الزكاة، الحلي من الذهب، فإذا نوت التجارة بدأ الحول لأنها أعادته إلى أصله، أعادته للأصل فيكفي، بخلاف الأموال الأخرى، الأموال الأخرى أصلها ليس فيها تجارة فلا تكفي النية، لابد فيها من الفعل الذي هو البيع. من حين النية يبدأ الحول؟ لا، السيارة من حين البيع يبدأ الحول، السيارة التي لم ينوها من حين التملك نقول من حين البيع يبدأ. الحلي الذي من أصله للتجارة ثم بعد أن لبسته مدة قالت سأتاجر فيه نقول من حين النية يبدأ حساب الحول.
قال رحمه الله: وتقوم العروض عند تمام الحول بالأحظ للفقراء من عين، أي ذهب أو ورق، أي فضة، فإن بلغت قيمتها نصابًا بأحد النقدين دون الآخر اعتبر ما تبلغ به نصابًا، ولا يعتبر مشترية به لا قدرًا ولا جنسًا، روي عن عمر رضي الله عنه فكما لو كان عرضًا. وتقوم المغنية ساذجة، والخصي بصفته بقيمة ذهب وفضة.
الآن يتكلم عن كيف تقوم العروض ومتى تقوم، يقول: تقوم العروض عند تمام الحول لا تقوم من حين الشراء، بل عند تمام الحول؛ لأنه وقت وجوب الزكاة. تقوم بالأحظ للفقراء؛ هل قوله الفقراء له مفهوم مخالفة؟ يعني فقط الفقراء، أو ذكرها من باب المثال؟ لا ينظر لها، وهو ذكره من باب المثال. ولذلك تعبيره في الإقناع عبر في الإقناع بأهل الزكاة، وقال في حاشية البرهان: تخصيص الفقراء بالذكر هنا لا مفهوم له، فيعتبر الأحظ لأصناف الزكاة كلها، وإنما ذكر الفقراء اكتفاءً، لأنهم مثلهم، هذا هو الظاهر من مرادهم. ونقله الحجاوي ونقله أكرم بن نصر الله، نقله في حاشية التنقيح، يعني انتقادًا للمنَقِّح، وقال: ولو قال للأحظ لأهل الزكاة لكان أجود.
يقول: تقوم بالأحظ للفقراء من عين، أي ذهب أو ورق، أي فضة، فإذا بلغت قيمتها نصابًا بأحد النقدين دون الآخر اعتبر ما تبلغ به نصابًا. يعني تقوم بالأحظ من الذهب أو الفضة، نظرنا وجدنا مثلاً أن تقويمها بالذهب أحظ سنقومها به ونخرج زكاة من الذهب، وجدنا أن التقويم بالفضة فيها حظ فنقوم من الفضة، هذا إذا كان تبلغ النصاب بكل منهما، لكن لو كانت تبلغ النصاب بأحدهما دون الآخر، كما لو كان تبلغ النصاب إذا قدرناها بالفضة ولا تبلغ النصاب إذا قدرناها بالذهب، فهنا هل نقول خلاص ما في زكاة؟ لا، نقول تزكي وتقدر بالفضة لأن هذا هو الأحظ بأهل الزكاة.
قال: ولا يعتبر مشترية به، لا قدرًا ولا جنسًا، يعني لا تنظر أن اشتريتها بذهب إذا تقدر، لا، أو اشتريتها، تنظر ما الأحظ للفقراء. قال: روي عن عمر، يعني استدل بدليلين؛ الدليل الأول أثر عن عمر، والذي في قوله لحماس أدي زكاة مالك، قال: ليس عندي إلا جعاب وأدم، قال: قومها وأدِّ زكاتها. الدليل الثاني القياس، قال: وكما لو كان عرضًا، يعني ثمنها عرض، لو أنه بادل السيارة بسيارة مثلاً، ثم في نهاية الحول هل نقول قدرها بالسيارة التي بادلها؟ لا، نقول قدرها بذهب أو فضة بالأحظ.
قال: وتقوم المغنية ساذجة؛ ساذجة بالفتح والكسر فتح الدال وكسرها، وتنطق بالدال والذال فيها أربع لغات والأفصح ساذجة المفتوحة كما أفاده السيوطي رحمه الله تعالى. تقوم المغنية ساذجة، يعني المغنية الآن لو كان شخص عنده مغنية امرأة مغنية يتاجر بها، فكيف تقويمها؟ صفة الغناء هذه الصفة محرمة، والوصف المحرم وجوده كعدمه، ولذلك لا يكون له أثر في زيادة الثمن. فإذا أراد أن يخرج زكاتها فنقول قومها ساذجة، يعني خالية من صفة الغناء. فلو كانت قيمتها مثلاً وهي مغنية عشرون ألفًا، وقيمتها وليس فيها وصف الغناء عشرة آلاف، فيزكيها على أنها قيمة عشرة آلاف ريال؛ لأن الصفة المحرمة وجودها كعدمها. قال: والخصي بصفته، لو كان عنده عبد وخصي فإنه بصفته.
قيمة الخصاء الآن، قالوا قيمته كذا، خلاص. والخصاء أليس فعلاً محرماً؟ لماذا فرقوا بينه وبين الغناء؟ الغناء قالوا لا يقوم كأنه خالٍ، لماذا لا يقوم وهو غير خصيب؟ لماذا لا يقوم قبل الخصاء؟ نقول هذه الصفة محرمة، إذاً نقومه بما كان قبل، لا نستطيع، لا يختلف سواء كان بفعله أو بغير فعله، سواء كان الفاعل هو المال أو السيد أو العبد أو الطرف.
لكن الجواب الذي يذكرونه أن المحرم هو الخصاء، لا استدامة، لست المحرم الفعل الذي وقع في البداية، خلاف الغناء؛ فالغناء محرم فعله واستدامته. هنا الخلوة قال: انظر هذا مع قولهم إذا مثل بعبده عتق عليه، يعني كيف نقول يزكى بصفته وهو مستوجب للعتق؟ هو مستوجب للعتق لأن السيد إذا مثل بعبده فإنه يستوجب العتق. قال: لعل ذلك محمول على ما إذا فعل ذلك بنفسه؛ العبد هو الذي خصى نفسه، أو فعله به غيره غير مالكه تعدياً.
الثالث يقول: ولا عبرة بقيمة آنية الذهب والفضة، آنية الذهب والفضة محرمة، إنه لا يجوز استعمال أواني الذهب والفضة، فلا يجوز صنع الأواني منها، فإذا كان شخص عنده أوانٍ من الذهب والفضة فإنه لا ينظر إلى قيمتها، كيف يزكيها؟ فينظر إلى وزنها، فإذا بلغ وزنها النصاب بنفسه أو بضمه إليه فإنه يزكيها، لأن هذه الصنعة محرمة، فوجودها كعدمها.
قال رحمه الله: عرضاً بنصاب من أثمان أو عروض بنى على حوله، لأن وضع التجارة على التقلب والاستبدال بالعروض والأثمان. قال: لهم التقليد، تقلب ولا التقليد؟ ضبطها بشدة، لا مهملة، لأنه أحصل عليكم، لأن وضع التجارة على التقلب والاستبدال بالعروض والأثمان، فلو انقطع الحول لبطلت زكاة التجارة. وإن اشتراه أو باعه بنصاب سائمة لم يبنِ على حوله لاختلافهما في النصاب والواجب، إلا أن يشتري نصاب سائمة للتجارة بمثله للقنية، لأن السوم سبب للزكاة، وقدم عليه زكاة التجارة لقوتها، فبزوال المعارض يثبت حكم السوم لظهوره.
هنا يتكلم المؤلف رحمه الله تعالى عن تحول مال التجارة إلى غيره من أثمان أو عروض أخرى أو سائمة. سبق لنا في شروط الزكاة الكلام على حولان الحول، أنه إذا تمت المبادة فإنه إذا كان من غير الجنس فإنه ينقطع الحول، وإذا تمت المبادة من الجنس فإنه لا ينقطع الحول، وذكرنا هناك أو ذكر المؤلف هناك أن العروض من جنس الأثمان، وأكدها هنا قال: إذا اشترى عرضاً بنصاب من أثمان أو عروض بنى على حوله، يعني عنده مثلاً جوالات يتاجر في الجوالات، زين بدأ فتح المحل في واحد واحد، الجوال بنقود، باع عرضاً بأثمان، ثم النقود اشترى بها جوالاً آخر، فهنا ما استمر العقد في جميع الحول، لا يؤثر.
هنا اشترى عرضاً بنصاب أو عروض، اشتريت جوالات مثلاً، بعت الجوالات بجوالات أخرى، فهنا أيضاً لا يؤثر، لا نقول انقطع الحول، لماذا؟ لأن وضع التجارة على التقلب والاستبدال بالعروض والأثمان، كل التجار يتاجر، يبيع هذا بنقود، يبيع هذا بسلعة أخرى مقايضة. فلو قلنا إنه ينقطع الحول بهذا لما ثبتت أو ما وجبت زكاة التجارة على تاجر إلا في الناتج، لذلك قال: فلو انقطع الحول بهذه المبادة لبطلت زكاة التجارة، لماذا؟ لأن هذا من جنسه عروض بعروض، أو عروض بأثمان، هذا من جنسه أو في حكم جنسه.
قال: إذا اشتراه أو باعه بنصاب سائمة لم يبنِ على حوله. الآن عنده عروض تجارة، جوالات مثلاً، وباع هذه الجوالات، هذه الجوالات اشتراها، مثلاً أربعين رأساً من الإبل، لا للمتاجرة بها، كانت المتاجرة بها ما في إشكال، لكن اشتراها ليرعاها، فهنا هل نقول يكمل الحول أو يبدأ حول جديد؟ يبدأ حول جديد. إذا قال: إن اشتراه أو باعه بنصاب سائمة لغير التجارة لم يبنِ على حوله، لماذا؟ قال لاختلافهما في النصاب والواجب، في النصاب، هذا الإبل نصابها مختلف عن عروض التجارة، الواجب في الإبل يختلف الواجب فيها على حسب عددها ربع العشر، زاد العدد أو نقص، الإبل كل مجموعة من الإبل فيها واجب معين كما تقدم.
هذا إذا لم يكن عروض التجارة هذه سائمة، بمعنى لو كان عنده سائمة، يعني مثلاً عنده مئة رأس من الإبل يرعاها ويتاجر فيها، زين ثم أبدلها مثلاً بخمس مئة رأس من الغنم لكن لغير التجارة، قال: خلاص، فهنا يختلف الحكم. قال: أو عكس المسألة. عكس المسألة قال: إلا أن يشتري نصاب سائمة للتجارة بمثله للقنية، هل يريدكم أن تركزوا فيها جيداً، وتنظروه هل ينطبق التعليل على هذا المثال أو لا؟ أولاً سنمثل، اشترى نصاب سائمة للتجارة بمثله للقنية، كان عنده مئة رأس إبل سائمة للقنية، جاء وباعها، بماذا؟ مثلاً مئة رأس من الغنم للتجارة، أن يشتري نصاب سائمة للتجارة بمثله للقنية، يعني كان عنده للقنية وباعه واشترى بهذا، اشترى به مئة رأس تجارة، فهنا يبني ولا ما يبني؟ يبني على الحول ولا يبدأ حولاً جديداً؟ يبني لأنه قال إذا اشتراه أو باعه النصاب يبني، إلا أن يشتري نصاب التجارة. لماذا؟ انظر التعليل: لأن السوم سبب للزكاة، الآن هذه الإبل التي اشتراها والإبل التي باعها كلها فيقول لك الآن السوم سبب للزكاة، إذا اجتمع السوم مع التجارة نقدم التجارة، إذا صار ما فيه إلا السوم خلاص نجعل السوم هو الذي يستمر. فقالت: لأن السوم سبب للزكاة قدم عليه زكاة التجارة لقوتها؛ لأن سبب التجارة نقدمها على زوال المعارض، فبزوال المعارض -الذي هو التجارة- يثبت حكم السوم لظهوره.
الآن هل التعليل ينطبق على المسألة أو لا؟ هو يتكلم، صحيح لكن هل التعليل ينطبق على هذه المسألة؟ لا هو، ولكن لظهوره، يعني هو ظاهر للناس، اقرأ كلام الشيخ. هذه لم ينبه عليها، كون تعليله منقلب لا ينطبق على هذه المسألة، لم ينبه عليه رحمه الله فيما يظهر من التعليل أن المسألة عكس صورتها، كذلك وعمل بها عللاً، وكما هو أيضاً، لكنه إذا نوى القنية في نصاب التجارة استأنف، قال: فهنا أولى. ولكن الظاهر عبارة انقلبت على صاحب الفروع وتبعه في التنقيح.
طيب بعدها قالوا: على تقدير الانقلاب يكون كلامه للوجه الثاني الذي يذكرونه في مسألتين. هذه المسألة ذكرها صاحب الكافي، صاحب الكافي قال: فإن كان نصاب التجارة سائمة فاشترى به نصاب سائمة للقنية لم ينقطع الحول. زين عكس، عنده تجارة فاشترى به نصاباً هنا بالعكس، عنده قنية. التعليل هذا ينطبق على الذي ذكر في الكتاب، عكس هذه المسألة ينطبق عليه، لا ينطبق على ماذا ترون؟ لماذا لا ينطبق؟ لأنه انظروا يقول: لأن السوم سبب للزكاة قدم عليه زكاة لقوتها، هذا واضح، فبزوال المعارض، ما زال المعارض، كان سوم ثم سلة صار تجارة، ماذا لو العكس نقول صحيح؟ كان موجود تجارة ثم زالت، وجد السوم فقط، لكن المسألة بالعكس، كان موجوداً السوم فزالت، فزالت وصف القنية وانقلب إلى وصف التجارة، ما زال المعارض، إذاً نقول هنا هذا التعليل يظهر والله تعالى أعلم أنه تعليل لعكس هذه المسألة، وكما هو في الكافي، وقد انقلبت هذه المسألة على صاحب الفروع وتبعه في المبدع والإنصاف والتنقيح والإقناع، كلهم عبروا بتعبير بأنفس التعبير، وفي الروضة، كل معبرة بنفس التعبير. صاحب المنتهى لا عبر بنفس تعبير الكافي. صاحب المنتهى عبر بنفس تعبير الكافي، لكن الفتوح في شرحه علل بتعليل آخر، وهو الذي قال به ابن البهوتي، في نظر علل صاحب المنتهى هناك في شرحه، قال: يعني أنه يبني على حوله، لماذا؟ قال: لأنهما متفقان في النصاب والواجب. فقال في نظر ما يتفقان لا في النصاب ولا في الواجب، في نظر في التعليل.
وكلت المسألتين، يعني المسألة هذه وعكسها، لا تجري على المشهور، بل تجري على القول الثاني. كيف؟ الآن سنمثل، وهذه لك البهوتي رحمه الله في شرحه: الآن هنا كان عنده أول شيء سائمة، ثم في ستة أشهر أخرى صارت للتجارة، هنا قال يبني على حوله، زين. قال يبني على حوله على المذهب، أنه إذا كان الشخص عنده سائمة ثم نواها للتجارة، طبعاً عنده سائمة ثم نوى للتجارة، يعني لم يبادر ما نفسه، كان أول ستة أشهر سائمة ثم نواها للتجارة، قالوا: زكاة التجارة في نهاية حول التجارة. يعني مثلاً اشترى مئة بعير في واحد محرم، يسومان، ثم في واحد رجب أنا سأتاجر بها، بدأ يتاجر فيها وهو يرعاها، اجتمع فيها الوصفان، على المذهب أنها لا تجب فيها الزكاة إلا في واحد رجب من السنة القادمة، لا يبني، يبدأ من جديد. هو ملكه في واحد محرم للقنية، ثم في واحد رجب نواه للتجارة، هل نقول في واحد محرم نواه للتجارة وهو يسيمها وهي سائمة؟ فهل نقول في واحد محرم يدفع زكاة؟ يكون لا يدفع زكاة إلا في واحد رجب. التجارة ليست سائمة. على القول الثاني في المذهب أنه في نهاية السنة اللي هو في واحد محرم يدفع زكاة السائمة، ثم في واحد رجب يدفع زكاة الزيادة، يدفع زكاة الزيادة، هذا قول في المذهب وهو اختيار الموفق رحمه الله تعالى. فهذا الكلام هنا في البناء هذا ترى يمشي على القول الثاني الذي اختاره الموفق، وكذلك في عكس هذه المسألة، لو كان في الستة أشهر الأولى تجارة ثم قنية، فعلى المذهب أنه لا تجب فيها الزكاة إلا إذا مضت سنة من نيته بالقنية، والقول الآخر تجب فيها الزكاة في نهاية السنة. على كل، نرجع إلى مسألتنا ونقول إن هذا التعليل فيه نظر، وهو ينطبق على الصورة المعاكسة لها، إضافة إلى أن الحكم هذا لا يجري على قواعد المذهب، يعني على المذهب، وإنما يجري على القول الآخر في المسألة.
نعم، السلام عليكم، ملك نصاباً من السائمة للتجارة فعليه زكاة تجارة، فإن لم تبلغ قيمتها نصاب تجارة فعليه زكاة السائمة. ملك نصاباً، وإن لم تبلغ قيمتها، يزكي زكاة التجارة؛ قالوا لأنها أحظ للمساكين. التجارة أحظ للمساكين لماذا؟ قالوا لأنها تجب فيما زاد بالحساب، انتهت التجارة كل ما زاد قليلاً تجب فيه، تزيد الزكاة، بخلاف زكاة السائمة، فإنها فيها وقص؛ يعني مثلاً من قد تزيد مثلاً مثل الوقت الذي بين 201 من الغنم إلى 399، يعني لو زاد مئة رأس ما زادت الزكاة، بخلاف ما لو كانت للتجارة، فإن زيادة الرأس الواحد تزيد الزكاة. وأيضاً أن وضع التجارة على التقلب، وهذا يزيل سبب زكاة السوم وهو الاقتناء لطلب النتاج ونحو ذلك. إذا لم تبلغ قيمتها نصاب تجارة، يعني عنده مثلاً خمس رؤوس من الإبل لكن لا تبلغ قيمتها مئتي درهم من الفضة، فإنه يزكيها زكاة سائمة، يزكى زكاة سائمة، وهذا بغير خلاف لأنه لم يوجد لها معارض فوجدت.
نعم، وإذا اشترى ما يصبغ به ويبقى كزعفران ونيل ونحوه فهو عرض تجارة، يقوم عند حوله. وكذا ما يشتريه دباغ ليدبغ به كعفص وما يدهن به كسمن وملح، ولا في آلات الصباغ وأمتعة التاجر وقوارير العطار، إلا أن يريد بيعها معه. ولا زكاة في غير ما تقدم، ولا في قيمة ما أعد للكراء من عقار وحيوان، وظاهر كلام الأكثر ولو أكثر من شراء العقار تجارة.
طيب، هنا ذكر أموراً لا تجب فيها الزكاة وأموراً تجب فيها الزكاة مما قد تلتبس بما تجب فيه الزكاة. قال: إذا اشترى ما يصبغ به ويبقى كزعفران والنيل فهو عرض تجارة، يقوم عند حوله، لماذا؟ لأنه اعتاض عن هذا الصبغ القائم بالثوب، ففيه معنى التجارة، لأنه باع الصبغ ففيه معنى التجارة. وكذا ما يشتريه دباغ، وكذا ما يدهن به كسمن وملح، فهذه كلها التي فيها أثر فإنها فيها الزكاة، تزكي. أما الذي لا أثر له أو لا يباع فإنه لا زكاة فيه. قال: لا شيء في آلات الصباغ وأمتعة التجارة وقوارير العطار إلا أن يريد بيعها معه. وكذا ما يشتريه الغسال من الصابون ونحوه فإنه لا زكاة فيه، لأنه لا يبقى له أثر، ولا يعتاض عن شيء يقوم بالثوب وإنما يعتاض عن عمله.
ولذلك الآن مثلاً محلات السوبر ماركت الثلاجات نفسها، إذا أراد أن يزكي هل يقوم الثلاجات، الأرفف، المكيفات؟ ما يقومها، يقوم ما يبيعه، السلعة التي يبيعها هي التي يقومها، أما التي لحفظ المأكولات ونحوها أو المكيفات التي تبرد على المحل ونحوها، فهذه كلها لا تقوم، إذاً الذي يقوم هو الذي يباع ويشترى. قال: إلا أن يريد بيعه معه، لو كان هو أصلاً مثلاً العطار قال: أنا سأبيع القوارير مع العطر، فهنا نقول يقوم القوارير، لكن إذا قال: التي أبيعها معينة لكن القوارير الكبيرة هذه لن أبيعها، فنقول إذاً لا يقومها. فقط قال: ولا زكاة في غير ما تقدم من السائمة والخارج من الأرض والأثمان وعرض تجارة، لا زكاة في غيرها، ولا في قيمة ما أعد للكراء من عقار وحيوان.
لأنه ليس من التجارة. فلو كان شخص عنده بيت يؤجره، فهل إذا حال الحول يقوم البيت؟ لا، نقول يقوم الأجرة. نعم، يزكي الأجرة إذا حال عليها الحول.
من متى يبدأ الحول في الأجرة؟ من العقد. فلو أن شخصاً أجر شقة بثلاثين ألف ريال، وكان العقد في واحد محرم، وما دفعها المستأجر إلا في خمسة عشر في ذي الحجة، أي قبل نهاية السنة بخمسة عشر يوماً، سنقول: ترى الخمسة عشر ألفاً هذه بادئ حولها من واحد محرم. فلو خلال الخمسة عشر يوماً هذه كانت موجودة عنده يزكيها، وإن استهلكها فلا يزكي. إذاً الأجرة نقول يزكيها إذا كانت باقية عنده إلى نهاية الحول، وبداية الحول من بداية العقد، وطبعاً كل سنة العقد لمدة سنة، وهكذا.
الجملة الأخيرة قال: وظاهر كلامي الأكثر ولو أكثر من شراء العقار فاراً، يعني أنه لا زكاة. لو كان شخص عنده مثلاً مليون ملكها من واحد محرم، وقبل أن يقل شهر بدل ما يزكي، اشترى بها أراضي، والأراضي هذه ليست للتجارة. فيقول ظاهر كلامي الأكثر ولو أكثر من شراء العقار فاراً: إذا أكثر من شراء العقار، يعني يقول أنا سأشتري العقار فقط ولا أقصد التجارة، فهنا نقول هذه أرض له للقنية فلا زكاة فيها.
لكن لو كانت نيته الهروب من الزكاة، فهنا يقول ظاهر كلامي الأكثر ولو أكثر من شراء العقار، وهذا ذكره في الفروع، وقال: هو ظاهر كلامي الأكثر أو صريح، لكنه قدم في الفروع القول بالوجوب فيه الزكاة. ثم قالوا ظاهر كلام الأكثر أو صريحهم أنه لا زكاة عليه. وصوب المرداوي في التصحيح القول بوجوب الزكاة عليه، سيزكي قيمته، وعلل ذلك بأنه مقابلة له بضد مقصوده كالفار من الزكاة بغيره، واقتصر عليه في الإقناع.
قال في الغاية: وظاهر الأكثر لا زكاة عليه، قال: ويتجه وهو أصح، يعني صاحب الغاية يرجح أيضاً أنه لا زكاة عليه، قال: ما لم يكن بعد مضي أكثر الحول. قال في المطالب: طلب منها بأن بقي منه نحو يومين. قال في الرعاية: فيه الزكاة باقتضاء القرينة الفار، وهو متجه. ونقف على هذا ونسأل الله للجميع التوفيق والسداد.
إذا كان هو استأجر العقار ليؤجره استثماراً، فتقول هل زكاة عليه فيه؟ هناك عبارة في المنتهى: أن العروض معدة لبيع أو شراء، ذكر ولو كان منفعة. فيبدو الله أعلم أنه يقصد مثلها أن يكون الشخص يملك منفعة عقار مثلاً يؤجره، فعليه الزكاة، لكن هل عليه زكاة العقار؟ ليست زكاة الأجرة، بل العقار نفسه. هذا المفهوم من كلامه، وهي عبارة محتملة، ويبدو أنه يقوم نفس العقار.
تقصد أن تقول إنه يزكي قيمة الأجرة كاملة؟ احتمال أنه يقصد، وهي مشكلة لأنه إذا قومها بغير الأحظ هنا بالفقراء، والزكاة إنما شرعت لمصلحته. ولا في قول آخر أنه يقوم بغالب نقد البلد ولو كان ليس هو الأحظ للفقراء، لكن كما قلنا المذهب أنه مقوم بسعر الجملة.
يقول للسلعة إذا أراد أن يقومها: سعرها في البيع أو سعرها في الجملة؟ نقول لا، سعرها في الجملة. بمعنى لو جاء شخص في اليوم الذي تجب فيه الزكاة وقال: سأشتري منك المحل كاملاً، فبكم تبيعه؟ الإنسان لم يبع في الأفراد، فتقوم قيمة السلعة كاملة في بيعها هذا اليوم بكم، ويخرج ربع العشر. لا بسعرها لو باعها في يومها، لو جاء شخص وأريد أن أشتري منك البقالة كاملة وهذا المحل كاملاً في هذا اليوم، كم قيمتها؟ لأنهم لا ينظرون إلا للفقير، لأن الزكاة إنما وجدت لمصلحته، فينظرون لها ولا ينظرون للغني.
ولكن من الفقهاء من ينظر إلى الغني، لكن يقول مثلاً تقوم بغالب نقد البلد، وبعضهم يقول تقوم بالرائج ليس الكاسد، لأنه يقول لا ننظر إلى الغني والفقير، ننظر أيضاً إلى مصلحة الغني، نراعي الفقير في كل شيء، لكن كما قلت المذهب أنه راعى الفقير فيه.
ما معنى أكثر في قول المصنف ولو أكثر من شراء العقار فاراً؟ أي عقارات كثيرة، نعم، أنه ليس عقاراً واحداً، وإنما يشتري أكثر من عقار في قصد الفرار من الزكاة. فإذا كان ليس بقصد الفرار ما في إشكال، لكن إذا كان بقصد الفرار هو الذي قال إنه لا زكاة عليه، وقلنا لكم، تقصد لو اشترى عقاراً واحداً؟ لا يبدو أنه ليس لها، لكن الكثرة هي التي يظهر بها القصد واضحاً.
فهنا نقول الأسهل له أن يجعل له يوماً في السنة، ويزكي كل ما عنده من أموال، سواء ذلك يوجد فيها الواجب، إذا كان شيء لم ينقضِ حوله فنقول قدم زكاة جائز، وأسهل له بدل ما يتابع كل مال هذا حال الحول، يجعله في رمضان مثلاً، يوماً واحداً في السنة، ويزكي كل ما عنده. هذا أسهل، فيزكي الرواتب، ويزكي مثلاً ما عنده من مستحقاته أجور ونحو ذلك، حتى لو دخل مال قبلها بيوم يزكي، لأنه لو لم يزكه قد يستمر هذا إلى السنة القادمة فيكون مضى عليه حول وزيادة، فكان يزكي من اليوم أسهل له، يقول لا أنا بتركه إلى نهاية السنة وبشوف، يمكن استنفقه ما فيه حول الحول.
بداية الحول من حين العقد، يعني بعد سنة، واحد محرم السنة القادمة تكون ثلاثين ألفاً إذا كانت موجودة، فمن حين العقد يبدأ احتساب الحول ليس من القبض، وإنما من العقد.
الإسلام رحمه الله يرى أن الأجرة كالثمرة. كيف؟ قبضت خمسة عشر ألفاً الدفعة الأولى، المذهب كما قلنا أنها بعد سنة من العقد بعد سنة من الخمسة عشر ألفاً الأولى، واستنفقها ما عليه زكاة، خمسة عشر ألفاً الثانية ما استلمها حتى الآن نقول يزكيها. المذهب يزكيها، لكن إن أراد أن يزكيها الآن أو يزكيها إذا قبضها، إذا قبضها مثلاً قبضها بعد سنتين.
التجارة الكاسدة مثل الأسهم المساهمة المتعثرة، هي على المذهب أنها على صاحب المساهمة، يعني استحقاق لك على صاحب المحفظة، فأنت مثلاً قبضت بعد عشر سنوات، تزكي عشر سنوات، يقيسون على الدين على المعسر، أن الدين فيه الزكاة. هناك قول آخر وأنه لا زكاة فيه إلا إذا قبضه، فإذا قبضه فهناك من يقول يزكيه لسنة واحدة، وهناك من يقول يستأنف به حولاً من حين يقبضه يبدأ يحسب، وبالأول أفتى الشيخ رحمه الله، وبالثاني تأخير الزكاة إذا كان لحاجة أو مصلحة أو هنا ما عنده سيولة، فهنا لا بأس به، لا بأس به.
حسناً، يقول مثلاً لو بعت هذه أنا ممكن أخسر ولا أبيعها، بس سأخسر كما قلنا، والله هذا الذي يظهر أنه لا زكاة فيه، ذلك والله أعلم.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان