دخولتسجيل الدخول

كتاب الصلاة 13 | باب صفة الصلاة (3)

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وعملاً صالحاً يا كريم. أما بعد:

كنا تكلمنا عن أول باب صفة الصلاة، ووقفنا عند الركوع. إذا انتهى من قراءة الفاتحة وما بعدها، يركع. قال الشيخ منصور البهوتي رحمه الله تعالى: ثم بعد فراغه من قراءة السورة يكبر راكعاً، لقول أبي هريرة رضي الله عنه: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبر إذا قام إلى الصلاة، ثم يكبر حين يركع» متفق عليه. ويكون رافعاً يديه مع ابتداء الركوع؛ لقول ابن عمر رضي الله عنهما: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم إذا استفتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي منكبيه، وإذا أراد أن يركع، وبعد ما يرفع رأسه، متفق عليه.

ويضع يديه على ركبتيه مفرجتي الأصابع استحباباً، ويكره التطبيق؛ بأن يجعل إحدى كفيه على الأخرى، ثم يجعلهما بين ركبتيه إذا ركع، وهذا كان في أول الإسلام ثم نُسخ. ويكون المصلي مستوياً ظهره، ويجعل رأسه حيال ظهره، فلا يرفعه ولا يخفضه. روى ابن ماجه عن وائل بن حجر رضي الله عنه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي، وكان إذا ركع سوى ظهره حتى لو صُب عليه الماء لاستقر. ويجافي مرفقيه عن جنبيه. والمجزئ الانحناء بحيث يمكن مس ركبتيه بيديه إن كان وسطاً في الخلقة، أو قدره من غيره، ومن قاعد مقابلة وجهه ما وراء ركبتيه من الأرض أدنى مقابلة، وتتمتها الكمال.

ويقول راكعاً: «سبحان ربي العظيم»؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان يقولها في ركوعه، رواه مسلم وغيره. والاقتصار عليها أفضل، والواجب مرة، وأدنى الكمال ثلاث، وأعلاه لإمام عشر. وقال أحمد: جاء عن الحسن التسبيح التام سبع، والوسط خمس، وأدناه ثلاث.

قال رحمه الله: ثم بعد فراغه من قراءة السورة يركع مكبراً، لقول أبي هريرة رضي الله عنه: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يكبر إذا قام إلى الصلاة، ثم يكبر حين يركع» متفق عليه. ويستحب له سكتة يسيرة قبل التكبير حتى يرجع إليه نفسه، وقد ورد ذلك في بعض روايات حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه، ونص عليه الإمام أحمد رحمه الله، أقصد السكوت قبل التكبير في رواية ابنه عبد الله. والركوع من المعلوم أنه واجب بالنص والإجماع، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: 77]، أجمعت الأمة على وجوبه في الصلاة على القادر.

قال: رافعاً يديه مع ابتداء الركوع، وصفة الرفع كما تقدم معنا في تكبيرة الإحرام، ومحل الرفع كما تقدم أنه يكون مع التكبير أو قبله. والرفع مع التكبير هذا أيضاً دل عليه حديث ابن عمر كما قاله المؤلف رحمه الله تعالى. طبعاً المذهب عندنا أنهم يقولون إنه مع التكبير، لكن في رواية الإمام أحمد أنه قبله. ثم إذا كبر قال: يضع يديه على ركبتيه مفرجتي الأصابع استحباباً، وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لما كبر وضع يديه على ركبتيه، وجاء في حديث أبي حميد: «وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه»، وأيضاً في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم لما ركع فرج بين أصابعه.

قال: ويكره التطبيق، طبعاً الأصابع الأصل في جميع الصلاة تكون مضمومة إلا في هذا الموضع، وإلا طبعاً في التشهد اليد اليمنى تكون مقبوضة، ستأتينا إن شاء الله إذا وصلنا للتشهد، لكن في الركوع يُسن التفريج بين الأصابع. قال: ويكره التطبيق، بأن يجعل إحدى كفيه على الأخرى، يدخلهما بين ركبتيه، هذا كان في أول الإسلام ثم نُسخ. وابن مسعود رضي الله عنه لعله لم يعلم بالنسخ، ولذلك كان يصلي ويطبق يديه بين ركبتيه. ومما يدل على أنه من وُصف في صلاته ركوع النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أنه يضع يديه على ركبتيه. وجاء في حديث مصعب بن سعد قال: صليت إلى جنب أبي، فلما ركعت طبقت يدي بين ركبتي، فضرب يدي، وقال: إنا نهينا عن هذا، وأمرنا بأن نضع أكفنا على الركب.

قال: ويكون المصلي مستوياً ظهره، ويجعل رأسه حياله فلا يرفعه ولا يخفضه. إذاً الظهر يكون مستوياً، والرأس محاذٍ أيضاً للظهر فلا يرفعه ولا يخفضه. لذلك جاء في حديث عائشة في صفة ركوع النبي صلى الله عليه وسلم قالت: وكان إذا ركع لم يُشخص رأسه ولم يُصوبه، ولكن بين ذلك. وفي حديث وائل الذي ذكر المؤلف رحمه الله قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي وإذا ركع سوى ظهره حتى لو صُب عليه الماء لاستقر، عليه الصلاة والسلام. وفي حديث أبي حميد أيضاً قال: ثم هصر ظهره، أي عصره حتى يعتدل.

وفي الركوع يجافي مرفقيه عن جنبيه، وجاء في بعض روايات حديث أبي حميد أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع يديه على ركبتيه كأنه قابض لهما، ووتر يديه، فنحاهما عن جنبيه. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى الركوع المجزئ، ما الذي يجزئه من الركوع؟ الآن الذي ذُكر هو الركوع التام، الركوع التام أنه يكون ظهره مستوياً، ورأسه مستوٍ مع ظهره، ويقبض على ركبتيه بيديه، ويجافي مرفقيه عن جنبيه.

طيب ما الركوع المجزئ؟ هل هذا كله واجب؟ لا، يقول لك الواجب أن المجزئ هو الانحناء، لا بد أن ينحني. ينحني إلى أي مدى؟ قال: بحيث يمكنه مس ركبتيه بيديه إذا كان وسطاً في الخلقة، يعني يداه ليست طويلتين أطول من العادة، وليست قصيرتين، يداه يد الناس المعتادة، فإذا كان بحيث لو انحنى أمكنه أن يمس يديه بركبتيه، فنقول هنا هذا هو الركوع المجزئ. طيب ما الفائدة من الركوع المجزئ؟ متى نحتاج إلى تحديد الركوع المجزئ؟

هذا يفيدنا في القدر الذي يدركه المأموم مع إمامه في الركوع، بمعنى الآن لو جاء المأموم والإمام راكع، ثم وهو ينزل للركوع -أو كبّر للإحرام وينزل للركوع- رفع الإمام، متى نقول إنه أدرك الإمام؟ نقول إذا انحنى بحيث لو بانحناء هذا أمكنه مس ركبته قبل أن يرفع الإمام، فهنا نقول أدرك الركوع، حتى لو ما قال: سبحان ربي العظيم، أدرك الركوع. لكن إذا كان لا، ما أدرك هذا القدر، بمعنى قال: الله أكبر، كبّر للإحرام، وأراد أن يركع -أي أراد أن ينزل- في أول نزول الركوع رفع الإمام -يعني ما أمداه ينحني قليلاً بحيث تصل يداه إلى ركبتيه- فهنا نقول لا يجزئه، يعني لا يعتبر مدركاً للركعة.

قال: أو قدره من غيره، يعني لو كان الإنسان طويل اليدين أو كان قصير اليدين، كيف نعرف أنه ركع؟ نقول: قِسه على متوسط اليدين، يعني نقول متوسط اليدين كيف يعتبر أنه راكع؟ لو قالوا إنه إذا انحنى مثلاً 20 سم أو 10 سم وصلت يداه إلى ركبته، نقول: هذا إذا انحنى هذه المسافة نعتبره راكعاً.

قال: ومن قاعد، المجزئ من الركوع من القاعد مقابلة وجهه ما وراء ركبتيه من الأرض أدنى مقابلة، يعني الآن الإنسان قاعد يصلي، إنسان معذور مريض يصلي قاعداً، كيف نعرف أنه ركع؟ يقولون مقابلة وجهه ما وراء ركبته. وراء هنا مقصود بها قدام، أمام ركبته، ذكر الحجاوي في الإقناع عبر بـ قدام، ولذلك انتقد الحجاوي في حواشي التنقيح، وانتقد المرداوي في التنقيح لما عبر بـ قدام؛ يعني بما وراء، قال يعني وراء صحيحة تأتي بمعنى أمام، ومنه في القرآن: ﴿كَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: 79]، كان وراءهم ملك يعني أمامهم. لكن يقول ماذا؟ يعني هذه مهمة، لو عبر بـ قدام لكان أولى، لذلك الحجاوي لو عبر بـ قدام.

يقول: ومن قاعد مقابلة وجهه ما وراء ركبتيه من الأرض أدنى مقابلة، يعني الآن القاعد إذا أنزل وجهه قليلاً فنظر، فقابل وجهه ما وراء ركبتيه -أي ما أمام ركبته- خلاص هنا هذا هو الركوع المجزئ في حقه. ادنى مقابلة يعني لو قابلها أدنى مقابلة بمعنى أنه رآها خلاص. لكن تتمة الركوع عنده، هذا هو الكمال في حقه، هذا هو الركوع التام. عندنا الركوع التام في حق الصحيح أن يستوي ظهره، القاعد نقول الركوع المجزئ في حقه أن يقابل وجهه ما أمام ركبتيه أدنى مقابلة، الركوع التام في حقه أن يقابل وجهه ما وراء ركبتيه مقابلة تامة.

ويقول راكعاً: «سبحان ربي العظيم»؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان يقولها في ركوعه، وهذا جاء في حديث صحيح.

جاء في حديث عقبة بن عامر لما نزلت ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: 74] قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اجعلوها في ركوعكم». والاقتصار على سبحان ربي العظيم أفضل من زيادة وبحمده؛ لأن الرواية بدونها أشهر، وأكثر الروايات سبحان ربي العظيم، أما سبحان ربي العظيم وبحمده فقد جاءت في بعض الروايات، والإمام أحمد رحمه الله أخذ بها في بعض الروايات، ولكن أكثر روايات الحديث جاءت بدونها، فلذلك قالوا الاقتصار عليها أفضل.

والواجب مرة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أمر به في حديث عقبة ولم يذكر عدداً، فاليقين هو مرة، وأدنى الكمال ثلاث، وهذا في الركوع والسجود. جاء في حديث ابن مسعود: «إذا ركع أحدكم فليقل ثلاث مرات سبحان ربي العظيم، وذلك أدناه»، وهذا معل بالإرسال. وجاء في أثر الحسن الذي نقله المؤلف رحمه الله هنا عن الإمام أحمد في الرسالة: التسبيح التام سبع، والوسط خمس، وأدناه ثلاث، وأعلاه للإمام عشر. ولأن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه صلى خلف عمر بن عبد العزيز لما كان والي المدينة وقال: ما صليت خلف أحد أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا، فلفته وحرز تسبيحه فوجدوا أنه يسبح عشر تسبيحات، فلذلك قالوا إنه هو الكمال. وهذا في غير صلاة الكسوف، فيستحب التطويل في الركوع والسجود.

أما وضع اليدين على الركبتين، فهل هو مستحب أو واجب؟ إذا ركع الشخص وانحنى برأسه فقط، فقد خالف السنة، لكن صلاته لا تبطل، فهو مكروه ولا نقول إنه محرم؛ لأنه لم يرد دليل بخصوص إيجاب وضع اليدين على الركبتين.

ثم يرفع رأسه ويديه لحديث ابن عمر رضي الله عنهما السابق، قائلاً إمام ومنفرد: سمع الله لمن حمده، مرتباً وجوباً؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان يقول ذلك، قاله في المبدع. ومعنى سمع: استجاب. ويقولان بعد قيامهما واعتداله: ربنا ولك الحمد ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد، أي حمداً لو كان أجساماً لملأ ذلك. وله قول: اللهم ربنا ولك الحمد، وبلا واو أفضل، عكس: ربنا لك الحمد. ويقول مأموم في رفعه: ربنا ولك الحمد فقط، لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد» متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وإذا رفع المصلي من الركوع، فإن شاء وضع يمينه على شماله أو أرسلهما.

يقول في توضيح السؤال: ما ضابط المسافة التي يقال إن مقابلتها أمام الركبة مجزئة، هل هو شبه أمام الركبة أم دون ذلك أو أكثر؟ الحق أنني ما وقفت على ضابط في هذه المسألة، لا أذكر أن أحداً حد بحد، لكن يقولون أمام ركبته والله أعلم.

ثم يرفع رأسه ويديه لحديث ابن عمر السابق، وهو الحديث الذي فيه أنه يرفع عند تكبيرة الإحرام وعند الركوع وعند رفع رأسه من الركوع، طبعاً رفع الرأس من الركوع واجب، ورفع اليدين مستحب. وقوله يرفع رأسه ويديه يعني يرفعهما معاً، والمذهب عندنا أن الرفع يكون مع التكبير، والتسميع يكون موافقاً معه، يبتدئ معه وينتهي معه.

موضع التكبيرات وسمع الله لمن حمده هو في الانتقال بين الركنين؛ بمعنى لا يبتدئ قبله ولا ينتهي بعده؛ لأن الفقهاء رحمهم الله يشددون في هذا، فيقولون لو ابتدأ قبله أو انتهى بعده فلا يصح؛ فالتكبير موضعه بين الانتقال. بعض الأئمة يخاف إذا كبر في الانتقال ألا يُسمع صوته، فيبتدئ حين يسجد يقول الله أكبر، ثم إذا قال الله أكبر ينزل للسجود، أو ينزل السجود ثم إذا استقر ساجداً قال الله أكبر؛ هذا كله على المذهب لا يصح، وفيه خطر على صلاته. لذلك نقول ينبغي أن يجعل تكبيره في الانتقال، لكن لو أكمله حين وصل أو ابتدأ به قبل أن ينزل، نقول لعله يخفف في هذا، لكن أهم شيء أن يكون جزء من تكبيره حال الانتقال. ويستدلون بمقارنة التكبير للانتقال أو التسميع أيضاً في حديث أبي حميد: «ثم قال سمع الله لمن حمده ورفع يديه»، يعني أنه معه.

لماذا يفرقون بين الإمام والمنفرد وبين المأموم في الرفع؟ المذهب عندنا يقولون: المأموم فقط يقول ربنا ولك الحمد وهو قائم، إذا استقر قائماً يسكت؛ فليس عنده ذكر بعده، أما الإمام والمنفرد فعندهما ذكر بعد الاعتدال، فلذلك قالوا الإمام يرفع مع الانتقال، وبعضهم قال إذا استقر، لكن المأموم المذهب عندنا أنه يرفع في الانتقال؛ لأنه إذا استقر ما عنده ذكر.

معنى سمع استجاب، وكون الإمام يقول سمع الله لمن حمده هذا واضح من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، والمنفرد يقول سمع الله لمن حمده هذا أيضاً يشمله العموم: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، وجاء في حديث بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «يا بريدة إذا رفعت رأسك من الركوع فقل سمع الله لمن حمده». واستثني المأموم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد»، فقالها بدون فصل، وهذا يقتضي التعقيب، وهو ظاهر يقدم على القياس وعلى حديث بريدة. وذكر الموفق رحمه الله أنه لا يعلم خلافاً في المذهب في أن المأموم لا يسمع، وإن كان المجد رحمه الله تعالى ذكر رواية أخرى عن الإمام أحمد في أن المأموم أيضاً يقول سمع الله لمن حمده، وذكرها ابن مفلح والمرداوي.

قوله مرتباً وجوباً؛ فلو قال: من حمد الله سمع له، لم يجزئ؛ كما قلنا في التكبير، قالوا لأن التسميع صيغة خبر تصلح دعاء، كأنك تقول اللهم استجب لي، لكن إذا نكسها: من حمد الله سمع له، فهذه صيغة شرط وجزاء لا تصلح دعاء، لذا فهما متغايران.

ويقولان بعد قيامهما واعتداله -أي الإمام والمنفرد-: ربنا ولك الحمد ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد، والمقصود بذلك حمداً لو كان أجساماً لملأ ذلك؛ فموضع هذا الذكر بعد الاعتدال، يقولانه أثناء القيام، فإذا استقروا قالوا ربنا ولك الحمد إلى آخره، لأنهما في حال رفعهما يشرع في حقهما التسميع، وفي حال اعتدالهما يشرع في حقهما التحميد. والزيادة ملء السماء والأرض إلى آخره وردت في حديث أبي سعيد وغيره، وقولها خاص بالإمام والمنفرد. وإن زاد: أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، فحسن، وقد ورد في صحيح مسلم من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله، وكان الإمام أحمد رحمه الله يفعله، واستحبه الموفق في المغني والمرداوي، وإن كان ظاهر كلامه في التنقيح أنه لا تستحب هذه الزيادة للإمام والمنفرد، فلذلك لم يذكره صاحب المنتهى وذكره في الإقناع.

وله قول: اللهم ربنا ولك الحمد، وبلا واو أفضل، عكس ربنا لك الحمد، يعني عندنا أربع صيغ: ربنا ولك الحمد بالواو وبدونها، ربنا لك الحمد، وباللهم بدون واو: اللهم ربنا لك الحمد، وباللهم والواو: اللهم ربنا ولك الحمد، فهي أربع صيغ وكلها وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين أو أحدهما. وذكرنا لكم سابقاً أن العبادات التي وردت على صفات متعددة فالأفضل التنويع بينها، قلنا لكم إن المذهب عندنا أنهم يفضلون واحدة ويجوز ما سواها. فربنا ولك الحمد أفضل من ربنا لك الحمد؛ لماذا؟ قالوا لأنها أكثر وروداً في الأحاديث، ولأنها أكثر حروفاً، ولأنها تتضمن حمداً مقدراً وحمداً مظهراً؛ يقولون ربنا ولك الحمد، الواو هذه عطف على محذوف، كأنه يقول ربنا حمدناك ولك الحمد، كأنه حمد الله مرتين، أما إذا قال ربنا لك الحمد حمد الله مرة واحدة. أما اللهم ربنا ولك الحمد واللهم ربنا لك الحمد، فيفضلون اللهم ربنا لك الحمد بدون واو؛ لأن هذه وردت أكثر في الأحاديث. ويقول مأموم في رفعه: ربنا ولك الحمد فقط، يعني المأموم يقول ربنا ولك الحمد وهو قائم فقط، فإذا اعتدل يسكت لظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد».

يقول المأموم في رفعه: ربنا ولك الحمد، ولا يزيد عليها. هذا في ظاهر المذهب، ونص عليه الإمام أحمد في رواية أبي داود وغيره، وهو قول أكثر الأصحاب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم اقتصر على أمرهم بقول: «ربنا ولك الحمد»، فدل على أنه لا يشرع لهم سواه. هذا هو المشهور من المذهب. هناك قول آخر في المذهب نقله الأثرم عن الإمام أحمد أنه يشرع لهم الزيادة؛ لأن الإمام أحمد قال: وليس يسقط خلف الإمام عنه غير سمع الله لمن حمده. فدل على أنه لا يسقط عنه إلا التسميع، أما ما غيره فإنه يقوله، ولأنه ذكر مشروع في الصلاة أشبه سائر الأذكار. ويقولها في رفعه، لا يقولها إذا استقر، بل يقولها في رفعه.

قال: وإذا رفع المصلي من الركوع فإن شاء وضع يمينه على شماله أو أرسلهما؛ يعني أنه مخير، وهذا نص عليه الإمام أحمد رحمه الله في رواية صالح. يقول شيخ الإسلام رحمه الله في شرح العمدة: ولا يستحب ذلك، يعني وضع اليدين على السرة أو فوقها في قيام الاعتدال عن الركوع؛ لأنه لا يستحب استحباباً كاملاً لأنه مخير، قال: لأن السنة لم ترد به صريحاً، ولأن زمنه يسير يحتاج فيه إلى التهيؤ للسجود. ويقول ابن مفلح رحمه الله في النكت عن المحرر عن القول بالتخيير لما نسبه للإمام أحمد قال: لماذا يخير؟ قال: لأنه حال قيام في الصلاة فشبه قبل الركوع، فشرع وضع يديه. ولماذا يشرع الإرسال؟ قال: لأنه حالة بعد الركوع أشبه حالة السجود والجلوس، والسجود والجلوس ما يضع يديه تحت صدره أو تحت سرته. فيقول لما تردد أمره بين حالين نقول: يخير، ما دام أيضاً ما في نص واضح صريح عن النبي صلى الله عليه وسلم. والشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله تعالى يرى أن السنة وضع اليدين على الصدر، ويستدل بعموم حديث سهل بن سعد: كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة.

قال رحمه الله تعالى: ثم إذا فرغ من ذكر الاعتدال يخر مكبراً ولا يرفع يديه، ساجداً على سبعة أعضاء: رجليه، ثم ركبتيه، ثم يديه، ثم جبهته مع أنفه؛ لقول ابن عباس رضي الله عنهما: أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يسجد على سبعة أعظم، ولا يكف شعراً ولا ثوباً: الجبهة واليدين والركبتين والرجلين. متفق عليه. وللدارقطني عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً: «لا صلاة لمن لم يضع أنفه على الأرض». ولا تجب مباشرة المصلى بشيء منها، فتصح ولو سجد مع حائل بين الأعضاء؛ فقد كان القوم يسجدون على العمامة والقلنسوة. كما لو وضع يديه على فخذيه أو جبهته على يديه لم يجزئه، ويكره ترك مباشرتها بلا عذر. ويجزئ بعض كل عضو، وإن جعل ظهور كفيه أو قدميه على الأرض أو سجد على أطراف أصابع يديه فظاهر الخبر أنه يجزئه، ذكره في الشرح. ومن عجز بالجبهة لم يلزمه بغيرها، ويومئ ما أمكنه. ويجافي ساجد عضديه عن جنبيه، وبطنه عن فخذيه، وهما عن ساقيه، ما لم يؤذ جاره، ويفرق ركبتيه ورجليه وأصابع رجليه، ويوجهها إلى القبلة، وله أن يعتمد بمرفقيه على فخذيه إن طال. ويقول في السجود: سبحان ربي الأعلى على ما تقدم في تسبيح الركوع، ثم يرفع رأسه إذا فرغ.

ثم إذا فرغ من ذكر الاعتدال يخر مكبراً ولا يرفع يديه. والتكبير عند الانتقالات هذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يكبر في كل خفض ورفع، ولا يرفع يديه؛ لقول ابن عمر رضي الله عنهما: ولا يفعل ذلك في السجود. وفي حديث أبي حميد أيضاً لم يذكر رفع اليدين في السجود. جاء في بعض الروايات أنه يرفع في كل خفض ورفع، وهذا قال عنه الموفق رحمه الله: والأحاديث العامة مفسرة بالأحاديث المفصلة التي رويناها فلا يبقى فيها اختلاف؛ يعني يقول إنها تحمل على الأحاديث التي فيها التفصيل مثل حديث أبي حميد وحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما. على أن ابن القيم رحمه الله قال هذه الرواية في أوهام، والصحيح أنها خطأ في الرواية، والصحيح أنه يكبر في كل خفض ورفع وليس يرفع في كل خفض ورفع.

قال: ساجداً على سبعة أعضاء: رجليه ثم ركبتيه ثم يديه ثم جبهته مع أنفه، ثم ذكر الدليل من حديث ابن عباس: أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يسجد على سبعة أعظم ولا يكف شعراً ولا ثوباً: الجبهة واليدين والركبتين والرجلين. متفق عليه. وهنا المؤلف -طبعاً- والسجود على هذه الأعضاء السبعة كلها واجب، أقصد واجب يعني ركن، بعض الأصحاب أطلق بأنها واجب، ويقول بعض الأصحاب ومنهم صاحب النظم ابن عبد القوي رحمه الله: ذكر أن السجود ركن وكونه على الأعضاء السبعة واجب. هل يفرق؟ أحسنت، يفرق في سجود السهو، لو ترك السجود على أحد الرجلين نسياناً، فعلى القول بأنه واجب يسجد للسهو، لأنه ركن. وإن نقص جزءاً من السجود لا يصح سجوده، وكانت الركعة التي رفع فيها رجله لم يصح سجوده، وسيبين إن شاء الله من الذي يفصل في ذلك. لكن المشهور في المذهب أنه كله ركن. والمؤلف رحمه الله ذكر حديث ابن عباس: «لا صلاة لمن لم يضع أنفه على الأرض»، هذا يبين أن الأنف أيضاً يجب وضعه على الأرض؛ يعني لا يكتفى بالجبهة عن الأنف. ووجوب السجود على الأنف هذا من مفردات الحنابلة، يعني الأئمة الثلاثة يرون أنه يكتفى بالجبهة ولا يجب السجود على الأنف، لكن وجوب السجود على الأنف من مفردات الحنابلة.

والمؤلف يقول في الخرور للسجود: سبعة أعضاء، رجليه طبعاً واضح لأنهما من الأصل في الأرض، قال: ثم ركبتيه ثم يديه، يعني يقدم ركبتيه على يديه. وهل دل عليه حديث وائل بن حجر رضي الله عنه؟ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه. وفي كلام كثير للعلماء رحمهم الله تعالى في التقديم، هل يقدم ركبتيه أو يقدم يديه؟ ومرد ذلك إلى اختلاف الأحاديث، فجاء في حديث أبي هريرة: «لا يبرك أحدكم كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه». هذا حديث، وحديث وائل بن حجر بالعكس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد وضع ركبتيه قبل يده. فلذلك اختلف العلماء، منهم من يرجح حديث وائل بن حجر، ومنهم من يرجح حديث أبي هريرة، والمذهب عندنا على ترجيح حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وهو قول أكثر الفقهاء رحمهم الله تعالى، على أن بعضهم يقول إن حديث أبي هريرة منسوخ، ولذلك قال سعد بن أبي وقاص: كنا نضع اليدين قبل الركبتين فأمر بوضع الركبتين قبل اليدين، وهذا عند البيهقي.

وفي إضافات على أنه جاء في حديث أبي هريرة في بعض الروايات: إذا سجد أحدكم فليبدا بركبتيه قبل يديه ولا يبرك كبروك الفحل، لكن هذه الرواية ضعيفة جداً. قال ابن القيم رحمه الله: إن الحديث فيه قلب؛ حديث أبي هريرة فيه قلب، وأنه حديث أبي هريرة: إذا سجد أحدكم فكأنه يبرك كالبعير يضع يديه قبل ركبتيه، يقول انقلب على الراوي وصوابه: يضع ركبتيه قبل يديه. على كلٍ، كما قلت لكم المسألة خلافية، ومن أراد الاستزادة يرجع إلى زاد المعاد لابن القيم رحمه الله، فقد أطال في هذه المسألة، وأيضاً شروح بلوغ المرام؛ ابن حجر في البلوغ ذكر الحديثين، وشراح البلوغ كصاحب سبل السلام أو الشيخ الفوزان في توضيح الأحكام، في منحة العلام، الشيخ بسام رحمه الله توضيح الأحكام، يعني يتكلمون عن هذه المسألة، وإذا أخل بالسجود على أحد هذه الأعضاء فإن لا تصح صلاته.

قال: ولا تجب مباشرة المصلى بشيء منها؛ يعني أن هذه الأعضاء ما يجب أن تباشر بها الأرض، لا، حتى لو جعلت بينه وبين الأرض حائلاً فيجوز. أما القدمين والركبتين فهذا بإجماع أهل العلم؛ بإجماع أهل العلم أنه لا يجب مباشرة المصلى بهما؛ لأن الرجلين تلبس عليهما خفين أو جوربين، النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بالخفين فإذا صلى بالخفين لا يباشر المصلى، هذا واضح. الركبتين هو يلبس الثياب أصلاً، والركبة مختلف في كونها من العورة أو لا، فاستحب لذلك قالوا: يكره كشفها؛ قال لا يجب مباشرة المصلى بشيء منها، الركبة يكره كشفها خروجاً من الخلاف؛ لأن بعض أهل العلم ذكروا أنها من العورة، وأيضاً لو كشف احتمال تبدو عورته، ينحسر لباسه قليلاً فيبدو شيء من فخذه فتبدو عورته؛ لذلك قالوا إن الركبة أصلاً يكره كشفها.

وأورد المؤلف رحمه الله تعالى أثر الحسن: كان القوم يسجدون على العمامة. كل سواه، طبعاً الحائل الذي ليس من أعضاء السجود، يعني كون الإنسان لا يباشر المصلى بأعضائه السبعة، نقول: إذا كان الحائل مستقلاً، مثل سجادة تحول بينه وبين الأرض، فهذا ما فيه إشكال بالإجماع. إذا كان شيئاً هو لابسه مثل الطاقية الآن، الطاقية تمنعه عن جبهته عن مباشرة الأرض، فيقولون هذه تكره بلا عذر، يعني إذا وضعها ما فيه شك صلاته صحيحة، لكن إذا ما كان هناك عذر فالأفضل أن يباشر بجبهته، ويكره وضع شيء يحجزه على جبهته ويديه. طبعاً فقط جبهته وأنفه ويديه، لكن عندنا الركبتين والقدمين هذا ما فيه إشكال، ما فيه كراهة. الكراهة التي سنأتي بعد قليل للجبهة مع الأنف واليدين؛ قالوا يكره أن يجعل بينه وبين الأرض شيئاً لابسه هو، إلا إذا كان هناك حاجة. إذا كانت الأرض شديدة الحرارة فجعلها، أو كان يصلي مثلاً على تيل مثلاً، وكان يعاني من زكام، أو في الوباء فجعل سجادة، قلنا لكم هذا ما فيه شك. أي أو توقى بشماغ أو بالكمام، هذا كله يقولون يكره إلا عند الحاجة، فإذا وجدت الحاجة فإنه يجوز بدون كراهة.

قلنا إذا كان مستقلاً يجوز، إذا كان غير مستقل -يعني لابسه هو- فيكره إلا عند الحاجة. إذا كان الحالة الثالثة: إذا كان حائلاً من أعضاء سجوده كما قال المؤلف رحمه الله؛ فإن جعل بعض أعضاء السجود فوق بعض كما لو وضع يده على يده لم يجزئه، يعني مثلاً رجليه وضع أحدهما فوق الأخرى، أو وضع يده على رأسه، أو وضع جبهته على يده؛ هنا يقولون لا يجزئ، لماذا؟ لأنه يؤدي إلى تداخل الأعضاء، يعني كأنه سجد مثلاً على ستة أعضاء لم يسجد على سبعة. قال: يكره بلا عذر، هذه قلنا لكم إنه يقصد الجبهة واليدين والأنف.

قال: ويجزئ بعض كل عضو. ويجزئ بعض كل عضو؛ يعني أنه لو مثلاً اليدين جعل الراحة فقط ورفع الأصابع أو جعل أربع أصابع والخامس لا، فيكون هذا مجزئاً، هذا مجزئ والكمال أن يضع جميع العضو؛ يعني هذا هو المستحب، لكن إذا اقتصر على بعضه أجزاه، أجزاه. قال هنا هذا تطبيق على أجزاء بعض العضو، قال: إن جعل ظهر كفيه أو قدميه على الأرض، ظهر كفيه هنا جعلهما على الأرض، أو ظهر القدمين، جعل ما سجد على أطراف أصابعه، أو سجد على أطراف أصابع يديه -يعني عكس المسألة السابقة- أصابع يديه هي التي على الأرض والراحة ليست على الأرض، يقول: فظاهر الخبر أنه يجزئه، ذكره في الشرح، هذا الذي قلت لكم قاله في الشرح وهو في المغني، نفس العبارة هذه في المغني، لكن كما قلت لكم ينقلون عن الشرح لسهولة الرجوع إليه. فظاهر الخبر أنه يجزئه، لماذا؟ قال: لأنه أمر بالسجود على اليدين، فقد سجد عليه صدق عليه أنه سجد على اليدين، وكذلك لو سجد على القدمين فيصح مع أن الحديث أطراف قدم، قالوا لأنه لا يخلو من إصابة بعض أطراف قدميه للأرض فيكون ساجداً على قدمه، لكن مع ذلك يكون تاركاً للأفضل.

قال: ومن عجز بالجبهة لم يلزمه بغيرها، ويومئ ما أمكنه؛ قال لأن الأصل في السجود أنه على الجبهة، وهذه ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى في قواعده: من أمكنه الإتيان ببعض الواجب وعجز عن الإتيان بباقيه، قسمه إلى أربعة أقسام، القاعدة التاسعة والثامنة تقريباً، وذكر هذه المسألة من الأمثلة، فمن عجز بالجبهة لم يلزمه بغيرها؛ لأن الأصل.

الأصل في السجود أن يكون بالجبهة، وغيرها تبع لها، فإذا سقط الأصل سقط التبع. أما إذا عجز عن غيرها فيسجد على ما قدر عليه؛ فلو عجز عن يده أو الركبتين مثلاً فلا يستطيع أن يجعلها في الأرض، فهنا يقولون يسجد على ما استطاع السجود عليه، وهذا العضو الذي لا يستطيع أن يجعله في الأرض يقربه من الأرض إلى غاية ما يمكنه؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]. قالوا: ولا يجب أن يرفع له شيء ليسجد عليه؛ لأن السجود هو الهبوط، ولا يحصل ذلك مع رفع المسجود عليه.

يجافي الساجد عضديه عن جنبيه وبطنه عن فخذيه، وفخذيه عن ساقيه؛ هذه صفة السجود التامة التي ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يجافي العضدين عن الجنبين، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سجد جنح كما جاء ذلك في الحديث، وجاء في رواية أنه لو مرت بهيمة من تحته لنفذت، وفي حديث أبي حميد: «كان إذا سجد جافى عضديه عن جنبيه». قال: ما لم يؤذِ جاره، فإذا آذاه فإنه لا يفعل ذلك؛ لأن أذاه محرم، وهذا مستحب، ولا يقدم المستحب على المحرم.

يفرق ركبتيه ورجليه وأصابع رجليه ويوجهها إلى القبلة، وله أن يعتمد بمرفقيه على فخذيه. أما تفريق الركبتين فجاء ذلك في حديث أبي حميد رضي الله تعالى عنه: «إذا سجد فرج بين فخذيه غير حامل لبطنه على شيء من فخذيه». وأما تفريق القدمين فهذا لعل الأصحاب رحمهم الله تعالى قاسوه على الركبتين ما دام أنه يفرقهما، قالوا فيفرق رجليه تبعاً لهما. لكن جاء في حديث عائشة لما فقدت النبي صلى الله عليه وسلم ليلة ذهبت تبحث عنه قالت: «فوقعت يدي على بطن قدميه وهو ساجد عليه الصلاة والسلام»، فوقوع اليد الواحدة على بطن القدمين يدل على تقاربهما، وفي رواية عند ابن خزيمة «وهما ملتصقتان»، وهذه الرواية فيها شذوذ، لكن نقول حديث عائشة رضي الله عنها يدل على المقاربة، فيكون الظاهر من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه يقارب بينهما.

أصابع رجليه يوجهها إلى القبلة، ويدل على استقبال القبلة بأطراف الأصابع قول أبي حميد في صفة سجود النبي صلى الله عليه وسلم: «واستقبل بأطراف رجليه القبلة»، وفي رواية الترمذي: «وفتح أصابع رجليه»، وفي بعض الروايات «فتخاء» بالخاء، قالوا معناها أنه نصبهما. واليدان قالوا يضم أصابع اليدين ويستقبل بهما القبلة.

وله أن يعتمد بمرفقيه على فخذيه إن طال؛ فلو أطال الإمام مثلاً في القيام في صلاة القيام في رمضان فأطال الإمام السجود فتعب المأموم، فله أن يعتمد بمرفقيه على ركبته أو على فخذيه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما شكي إليه ذلك قال: «استعينوا بالركب»، وهذا عند أحمد وأبي داود. ويقول في السجود: «سبحان ربي الأعلى» على ما تقدم في تسبيح الركوع، ما ذكرناه هناك يكون هنا أدنى الكمال والكمال والواجب.

هل يشترط استدامة مباشرة الأعضاء للمصلي أثناء السجود؟ فلو رفع قدماً أثناء السجود ثم وضعها مرة ثانية؛ نقول: نعم لا بد من كونه يسجد بالأعضاء السبعة في جميع السجود. فلو رفع بعض أعضاء السجود فهل يصح السجود؟ نقول إذا كان لحاجة، مثل لو رن جواله فرفع يديه لكي يطفئ الجوال، أو أراد أن يحك رأسه أو نحوه، فلحاجة فلا بأس، لكن إذا كان لغير حاجة ورفع؛ فصلاته على خطر، لا أستطيع أن أجزم ببطلانها، إلا إذا كان رفعه للسجدة كاملة، يوم سجد وهو ما سجد على السبعة وقام من السجود وهو ما سجد، فهذا نقول صلاته باطلة.

يرفع رأسه إذا فرغ من السجدة مكبراً، ويجلس مفترشاً يسراه -أي يثني رجله اليسرى- ناصباً يمناه، ويخرجها من تحته، ويثني أصابعها نحو القبلة، ويبسط يديه على فخذيه مضمومة الأصابع، ويقول بين السجدتين: «رب اغفر لي»، الواجب مرة والكمال ثلاث.

ثم يرفع رأسه إذا فرغ من السجدة مكبراً ويجلس مفترشاً، وهذا هو جلوس الافتراش، وهذا هو السنة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم، جاء في حديث أبي حميد: «ثم ثنى الرجل اليسرى وقعد عليها»، وفي حديث عائشة: «كان يفرش الرجل اليسرى وينصب اليمنى». ويخرجها من تحته، ويثني أصابعها نحو القبلة، قال ابن عمر: «من سنة الصلاة أن ينصب القدم اليمنى، ويستقبل بأصابعها القبلة». ويبسط يديه على فخذيه مضمومتين الأصابع، يعني أنها تكون مبسوطة لا تكون مقبوضة قياساً على جلوس التشهد. ويقول بين السجدتين: «رب اغفر لي»، الواجب مرة والكمال ثلاث؛ لحديث حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول بين السجدتين: «رب اغفر لي، رب اغفر لي». والظاهر من المذهب أنه لا يزيد عليها، أي لا يقول رب اغفر لي زيادة إلى عشر كما قالوا في سبحان ربي العظيم وسبحان ربي الأعلى، ومن الأصحاب من قالوا لا حكم «رب اغفر لي» حكم «سبحان ربي العظيم» و«سبحان ربي الأعلى»، وأن الكمال ثلاث والكمال عشر، وهذا ذكره الموفق ابن قدامه رحمه الله تعالى.

يسجد السجدة الثانية كالأولى فيما تقدم من التكبير والتسبيح وغيرهما، ثم يرفع من السجود مكبراً ناهضاً على صدور قدميه، ولا يجلس للاستراحة معتمداً على ركبتيه وإلا اعتمد على الأرض. وفي الغنية يكره أن يقدم إحدى رجليه، ويصلي الركعة الثانية كذلك أي كالأولى ما عدا التحريم -أي تكبيرة الإحرام- والاستفتاح والتعوذ وتجديد النية؛ فلا تشرع إلا في الأولى، لكن إن لم يتعوذ فيها تعوذ في الثانية.

يسجد السجدة الثانية كالأولى فيما تقدم من التكبير والتسبيح وغيرهما. قال في الكشاف معنى لطيف في تكرار السجود: إنما شرع تكرار السجود في كل ركعة دون غيره؛ لأن السجود أبلغ ما يكون في التواضع، لأن المصلي لما ترقى في الخدمة بأن قام ثم ركع ثم سجد فقد أتى بغاية الخدمة، ثم أُذن له في الجلوس في خدمة المعبود فسجد ثانياً شكراً على اختصاصه بالخدمة، وعلى خلاصه من رواية الشيطان إلى عبادة الرحمن.

ثم يرفع من السجود مكبراً ناهضاً على صدور قدميه، ولا يجلس للاستراحة. وهذا عدم جلوس الاستراحة مروي عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عمر وابن عباس رضي الله تعالى عنهم، ويقول الإمام أحمد رحمه الله: أكثر الأحاديث على هذا، وقال الترمذي: عليه العمل عند أهل العلم رحمهم الله تعالى. وفي رواية في المذهب أن الإمام أحمد رحمه الله رجع إلى هذه الرواية -أي استحباب جلسة الاستراحة-، وهناك قول ثالث في المذهب هو وسط بين القولين، أنه يستحب جلوس الاستراحة لمن احتاج إليه كالشخص الكبير، وهذا اختار الموفق ابن قدامه وابن القيم وشيخنا العثيمين رحمهم الله تعالى أجمعين، قالوا: لأن حديث جلسة الاستراحة حديث مالك بن الحويرث رضي الله عنه، وهو من قَدِم على النبي صلى الله عليه وسلم لما كبر النبي صلى الله عليه وسلم وبَدُن جسمه، فلعل النبي صلى الله عليه وسلم إنما جلس الاستراحة لما احتاج إليه؛ لأن أكثر الأحاديث ليس فيها جلوس الاستراحة.

معتمداً على ركبتيه وإلا اعتمد على الأرض؛ فالاعتماد على الركبتين هذا على القولين؛ حتى على القول بأنه يجلس للاستراحة قالوا إنه يعتمد على ركبتيه لا يعتمد على الأرض؛ لحديث: «ورأيت النبي صلى الله عليه وسلم إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه». قالوا ولأنه أشق فكان أفضل، فإذا شق عليه اعتمد على الأرض وهذا جائز بلا خلاف.

في الغنية يكره أن يقدم إحدى رجليه وهو قائم، وهذا ذكره الإمام أحمد في الرسالة، وجاء عن ابن عباس في الرجل ينهض بالصلاة فيقدم إحدى رجليه، فكرهوه وقالوا: هذه خطوة ملعونة.

يصلي الركعة الثانية كذلك كالأولى ما عدا التحريم؛ تكبيرة الإحرام في الأولى ليست في الثانية، وهذا ما فيه إشكال بلا خلاف بين أهل العلم. والاستفتاح يكون في الأولى فقط، لا يكون في الثانية، قال الموفق أيضاً بلا خلاف بين أهل العلم على أن المرداوي في الإنصاف يقول: بلا خلاف إذا كان قد استفتح في الأولى، لكن إذا لم يستفتح في الأولى ففي خلاف في المذهب، وصحيح المذهب أنه لا يعيد الاستفتاح. لكن هناك مسألة يستفتح في غير الركعة الأولى وهي المسبوق، لأن المسبوق على المذهب أن ما يدركه المسبوق هو آخر صلاته لا أولها، فإذا قام الآن سيقضي الأولى والثانية والثالثة، إذا قام للأولى يستفتح، والخلاف في هذه المسألة هل ما يدركه المسبوق آخر صلاته أو أولها يترتب عليه خلاف في مسائل ذكرها ابن رجب في نهاية قواعده.

التعوذ إذا استعاذ في الركعة الأولى، خلاص ما يستعذ في الركعة الثانية؛ لماذا؟ قالوا: لأن الاستعاذة للقراءة، والصلاة عبادة واحدة، فقراءتها واحدة. ومما يدل على أن قراءتها واحدة أنهم راعوا الترتيب؛ ذكرنا في الدرس الماضي أنهم قالوا يكره التنكيس بين السور في ركعة واحدة أو ركعتين؛ فلو كانت كل قراءة مستقلة ما قالوا يكره التنكيس. فقالوا: قراءة الصلاة واحدة فيكفيها تعوذ واحد، لذلك قالوا إذا لم يتعوذ في الأولى فيتعوذ في الثانية.

قال المؤلف هنا في النهاية: لكن إن لم يتعوذ في الأولى فإنه يتعوذ في الثانية. لكن الاستفتاح، إذا لم يستفتح في الأولى هل يستفتح في الثانية؟ ما يستفتح؛ لأنه سنة فات محلها، بخلاف القراءة، فالاستعاذة متعلقة بالقراءة.

وتجديد النية، يعني كونه يجدد النية مرة ثانية، فهذا لا يشرع؛ لماذا؟ لأن النية خلاص للصلاة، فلا يشرع، على أن هذا لا خلاف فيه بين الأصحاب، على أن بعض الأصحاب مثل المجد رحمه الله وبعضهم يقولون: ما في حاجة لاستثناء النية، قالوا: لأن النية شرط وليست ركناً فلا حاجة لاستثنائها. قال: فلا تشرع إلا في الأولى؛ يعني هذه تكبيرة الإحرام والاستفتاح والتعوذ لا تشرع إلا في الأولى، لكن إن لم يتعوذ في الأولى يتعوذ في الثانية، تطبيقاً للآية: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: 98]، قالوا: حتى لو تركها عمداً أو تركها نسياناً.

يقول: قلتم إن الركبتين والقدمين بإجماع العلماء أنه لا تجب مباشرتهم للمصلي، فكيف نجمع بين هذا وبين ما إذا رفع قدميه في صلاته أثناء سجوده فإن صلاته على خطر، مع أنه برفع قدميه يعتبر غير مباشر للمصلي؟ لا، المقصود أنه لا يباشر يعني يكون بينه وبينها حائل؛ أن تكون رجله على الأرض لكن بينها وبينها حائل، مثل الشراشيف مثلاً، أو الركبتين بينها وبين الأرض حائل وهو الملابس، لكن لا يرفعهما عن الأرض؛ يعني ما تكون غير ملامسة للأرض. لا، هذا لا يجزئ السجود عليه، فإذا في كل صلاة أو في كل سجود فعل هذا فلا يجزئ السجود.

هذا السؤال الذي قبل قليل، قلنا إنه على خطر إذا لم يكن لحاجة، أما إذا كان لغير حاجة ففيها خطر، لا نقول بقدر الذكر الواجب، قالوا واجب في جميع السجود، لكن لو رفع في بعض السجود لغير حاجة فصلاته على خطر.

يقول: تجديد النية يراد به استصحاب ذكرها أو لا؟ لا، استصحاب ذكرها مستصحب في جميع الصلاة، لكن يراد به أن يجدد نية أنه سيكمل الصلاة، هذه الركعة الثانية ينوي الركعة الثانية، الركعة الثالثة، الركعة الرابعة؟ لا، هذا لا يجدد، خلاص؛ هذا نوع في أول الصلاة ويكفي. أحسنت، يقول يراد به استصحاب ذكرها، نعم صحيح، يراد به استصحاب ذكرها، أنه يذكرها وينوي التجديد، فهذا لا يجب عليه.

يقول لما لا يجزئه لو رفع قدمه من الأرض بعد الذكر الواجب؟ لأنه لو رفع رأساً لأجزأه، فرق بين أن يرفع وقد ترك السجود، أن يرفع بنية الانتقال من السجود إلى غيره، وفرق بين أن يرفع وهو ما زال ساجداً ما زال لم ينوِ قطع النية.

كنا هذه تراجع، تراجع هذه المسألة، يعني هل الواجب أن يكون بقدر الذكر الواجب؟ يكون واضعاً هذه الأعضاء بقدر الذكر الواجب بحيث لو رفعها بعد الذكر الواجب لأجزأه، ويقول لو قال سبحان ربي الأعلى في الأولى والأعضاء السبعة موجودة، هذه خلاص يكفي، سبحان ربي الأعلى في الثانية والثالثة وهو رافع الأعضاء الأخرى، قالوا ما في إشكال.

أحسنت، يقول الآن يقولون الركوع النبي صلى الله عليه وسلم قريب من قيامه، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يسبح في ركوعه عشر تسبيحات، معلوم أنها ليست في طول القيام، أقصر بكثير من القيام. طبعاً أولاً إطالة النبي صلى الله عليه وسلم نتكلم عن إطالته في قيام الليل لحديث حذيفة، هذا قال قريب من قيامه، هذا يمكن مستثنى، لكن في صلواته العادية، مثلاً حديث البراء يقول: رمقت الصلاة مع محمد صلى الله عليه وسلم، فوجدت قيامه فركوعه فاعتداله بعد ركوعه فسجوده فجلسته بين السجدتين قريباً من السواء، في بعض الروايات قال: ما عدا القيام والجلوس.

ابن القيم رحمه الله يقول إن المقصود ليس أن الركوع والسجود يكون مساوياً للقيام، وإنما المقصود أنه إذا أطال القيام يطيل الركوع والسجود، وإذا قصر القيام يقصر الركوع والسجود، لو قرأ مثلاً قل هو الله أحد، قصر القيام، ما يجي يطيل بالركوع طويلاً والسجود طويلاً، يكون يقصر، لكن أطال القيام مثلاً في صلاة قيام الليل أو قرأ في صلاة الفجر من سور السجدة، يطيل تسبيحاته أو سبحان ربي العظيم سبحانك غيرها، هذا يكون أطال مثل إطالته؛ يعني تكون إطالة متناسبة.

يقول ما حكم السجود على الإسفنج؟ إذا سجد على الإسفنج، الإسفنج الآن حائل وليس من أعضاء سجوده، فيجزئ السجود عليه، لكن نقول إذا كان هذا الإسفنج ينبغي لا يجب أن ينزل رأسه في الأرض بحيث يكون لأنه يباشر الأرض، يقول لا، الشيخ يقول لازم مادام على أطراف يجعلها على طرف، ما في إشكال هنا إذا ارتفع مستوى الوجه عن مستوى الرجلين، قالوا ارتفاع يسير ما في إشكال، هذا نص عليه، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، السلام عليكم.