دخولتسجيل الدخول

كتاب الصلاة 12 | باب صفة الصلاة (2)

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وعملاً وصلاحاً يا كريم.

أما بعد، فقد وقفنا في الدرس الماضي عند ذكر صفة الصلاة، وذكرنا ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى من الاستعداد للصلاة، ثم البدء بتكبيرة الإحرام وما يفعل فيها. ثم إذا كبّر للإحرام، ذكر المؤلف رحمه الله تعالى ما يفعل بيديه.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: «ثم إذا فرغ من التكبير يقبض كوع يسراه بيمينه، ويجعلهما تحت سرته استحباباً؛ لقول علي رضي الله عنه: من السنة وضع اليمين على الشمال تحت السرة» رواه أحمد وأبو داود. وينظر المصلي استحباباً مسجده، أي موضع سجوده، لأنه أخشع، إلا في صلاة خوف لحاجة.

ذكر المؤلف رحمه الله تعالى ما يفعل بيديه بعد التكبير. الآن إذا كبّر، كبّر رافعاً يديه، ثم ينزلهما. كيف يضع يديه؟ قال: «ثم إذا فرغ من التكبير يقبض كوع يسراه بيمينه». وكونه يضع اليمين على اليسار، هذا قول أكثر أهل العلم رحمهم الله تعالى، وهو مروي عن علي وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهم وغيرهم. وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث وائل بن حجر: «ثم وضع يده اليمنى على اليسرى». وجاء في حديث قبيصة بن هلب الطائي عن أبيه: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤمنا، فيأخذ شماله بيمينه»، الحديث رواه الترمذي وحسنه، وذكر أن عليه العمل. وجاء في حديث سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه: «كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراع اليسرى في الصلاة».

ويضعهما على الكوع أو ما قاربه لحديث وائل بن حجر: «ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرسغ والساعد». وعبر المؤلف رحمه الله تعالى هنا بالقبض، «يقبض كوع يسره»، وهو تعبيره أيضاً في الإقناع. وبعض الحنابلة يعبر بالوضع، يضع يده اليمنى على يده اليسرى. هل هما كما في المنتهى بمعنى واحد، أم مختلفان؟ يعني هل من ذكر الوضع لا يقصد القبض، ومن ذكر القبض لا يقصد الوضع، أو كل واحد عبر بمعنى وكلاهما يدوران على معنى واحد؟

القبض والوضع مختلفان؛ فصفتهما مختلفة. فالقبض يقبض بأصابعه على كوعه، والكوع هو العظم الذي يلي الإبهام عند طرف الرسغ. وأما الوضع، فمجرد الوضع بدون قبض، والوضع يكون بدون قبض. هذه طبعاً صفتان، صحيح أنهما صفتان، لكن هل الحنابلة يقصدون كل من ذكر وضع لا يقصد القبض، ومن ذكر القبض لا يقصد الوضع؟ هذا محتمل، محتمل أن كلا منهما يقصد صفته، والاحتمال الآخر -وهو له وجه- أنهما يقصدان صفة واحدة، وهي أنه يضع اليد على اليد بدون إرسال. فمن الفقهاء من يقول إنه يرسل يديه، يكبر ويرسل يديه، هذا قول ثانٍ في المسألة. فالحنابلة يقولون: لا يرسل يديه، إنما يضع. فبعضهم عبر بالوضع وبعضهم عبر بالقبض، كلاهما والله أعلم يدوران على معنى واحد، وأنه لا يرسل يديه. وصحيح أن القبض يختلف عن الوضع، فمحتمل أنه هذا، ومحتمل أنه هذا.

ومما يدل على الاحتمال الثاني أن كلا هذين القولين يرجع إلى قول واحد كما قلنا؛ البهوتي في الإقناع عبر بالقبض، والفتوحي في المنتهى عبر بالوضع. فيبدو والله أعلم أن المؤدى واحد في عبارات الأصحاب، وإلا فالصفات تختلف. وشيخ الإسلام رحمه الله في شرح العمدة ذكر أن لهذه الصفة أو لهذا الوضع صفات؛ أما أن يقبض الكوع باليمنى هكذا، أو يبسط اليمنى عليه ويوجه أصابعها إلى الذراع، أو يجعل اليمنى فوق الكوع، أو كفه على كف اليسرى. فهذه أربع صفات ذكرها شيخ الإسلام رحمه الله في شرح العمدة.

قال: «ويجعلهما تحت سرته استحباباً». الآن وضع اليد اليمنى على اليسرى، لكن أين يضعها في أي موضع من جسده؟ هنا قال: تحت سرته استحباباً لقول علي رضي الله تعالى عنه: «من السنة وضع اليمين على الشمال تحت السرة» رواه أحمد وأبو داود. وإذا قال الصحابي «من السنة»، فإنه يقصد سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا من المرفوع حكماً. وهذا هو المذهب أنه يجعل اليدين تحت السرة، وهو مروي عن علي وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، وهذا دليلهما.

وروي عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه يضعهما فوق السرة، وجاء هذا عن علي رضي الله تعالى عنه عند أبي داود. وفي حديث قبيصة بن هلب الطائي عن أبيه في المسند قال: «رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يضع هذه على صدره». يقول شيخ الإسلام رحمه الله في شرح العمدة: وما روي من الآثار عن الوضع على الصدر، فلعله محمول على المقاربة، يعني قوله «وضعهما على صدره» يعني قرب صدره لا على صدره، إنما أنزل منه قرب صدره. ولذلك روي عن الإمام أحمد رحمه الله أنه يضعهما تحت سرته كما ذكر المؤلف، وروي عنه أنه يضعهما فوق سرته، وكلاهما ورد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وفي الرواية الثالثة عنه بالتخيير، يعني أما هذا أو هذا.

وضعهما على الصدر، هل روي عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى ذلك؟ المنقول عن الإمام أحمد رحمه الله كراهية وضع اليدين على الصدر، كما جاء ذلك في مسائل أبي داود ومسائل المروزي، ورواية المروزي نقلها ابن القيم رحمه الله في بدائع الفوائد، وذكر المروزي في روايته: يكره أن يجعلهما على الصدر كلام الإمام أحمد، وذلك لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن التكفير، وهو وضع اليد على الصدر، كذا جاء في البدائع. قال المحقق: لم أره مسنداً، يعني الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي عن التكفير. والامام أحمد رحمه الله فسر التكفير بذلك في رواية أبي معشر، يعني جاء عن أبي معشر يكره التكفير في الصلاة، فسر الإمام أحمد رحمه الله بأنها وضع اليمين عند الصدر في الصلاة. قال في الفروع: يكره وضعها على صدره، نص عليه، نص الإمام أحمد، مع أنه رواه، يقصد في حديث قبيصة الذي أشرنا إليه قبل قليل. وهذه الرواية، أقصد كراهية وضع اليدين على الصدر، هذه ذكرها المؤلف في الفروع وذكرها الحجاوي في الإقناع، ولم يذكرها المرداوي في الإنصاف. المرداوي في الإنصاف مع توسعه بذكر روايات الإمام أحمد رحمه الله تعالى لم يذكر هذه الرواية.

نبه ابن رجب رحمه الله في الفتح وذكر عن الإمام أحمد رحمه الله في وضع اليدين ثلاث روايات: تحت السرة، أو على الصدر، أو التخيير. الحقيقة أن قوله على الصدر هذه مشكلة، أن ما وردت عن الإمام أحمد رحمه الله، وحتى الأصحاب رحمهم الله تعالى لم يذكروها. يبدو والله أعلم أنه يقصد تحت الصدر، وقد أشار إلى ذلك الشيخ أحمد الخليل وفقه الله في كتابه الذي ألفه في صفة الصلاة.

قال: «وينظر المصلي استحباباً مسجده»، أي موضع سجوده، لأنه أخشع. وقد فسر ابن سيرين رحمه الله تعالى الخشوع في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: 2]، قال: أي لا يرفعون أبصارهم عن موضع سجودهم. وقال مجاهد: الخشوع غض البصر وخفض الجناح. كان الرجل من العلماء من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة هاب الرحمن أن يشد بصره إلى شيء، أو يحدث نفسه بشيء من شأن الدنيا. وهذا معنى لطيف ينبغي للمصلي إذا قام أن يستحضره، وهو أنه يقوم بين يدي الله تعالى، فينبغي أن يضع هموم الدنيا ومشاغلها خلف ظهره، ولا ينشغل بشيء وهو يقابل الله عز وجل ويناديه ويناجيه، فلا ينبغي له أن ينشغل عن هذا اللقاء العظيم بشيء تافه من أمور الدنيا، والله المستعان.

هنا قال: ينظر مسجده، أي موضع سجوده. وهل استثنى المؤلف رحمه الله إلا في صلاة خوف لحاجة؟ في صلاة الخوف فإنه ينظر إلى ما أمامه إذا كان العدو أمامه. لكن هل يستثنى شيء آخر غيرها؟ إذا كان عند الكعبة، ينظر إلى الكعبة. لماذا؟ طيب. طيب يقول: إذا كان عند الكعبة، فينظر إلى الكعبة، لأنه روي أن النظر إليها عبادة. حقيقة هذا الاستثناء ذكره ابن مفلح في المبدع، ونقله عن البهوتي في الكشاف ولم يتعقبه. والحقيقة أن هذا يعني ابن مفلح رحمه الله تعالى، يظهر والله تعالى أعلم أنه أخذه من الشافعية. الحنابلة رحمهم الله تعالى قبل المفلح ما كانوا يستثنون هذه المسألة، ولذلك ابن حميد رحمه الله في حاشية المنتهى نقل عن أبي بكر الجراعي في حلية الطراز نقل هذه المسألة عن الشافعية، وقال: وأما أصحاب الإمام أحمد رحمهم الله تعالى فلم أرَ لهم فيه كلاماً صريحاً، يعني في النظر إلى البيت. طب الجراعي قبل ابن مفلح رحمه الله تعالى.

وهذا نستفيد أن بعض الأصحاب رحمهم الله تعالى، ستأتينا بعد قليل إن شاء الله مسألة أيضاً نقلها مفلح في المبدع عن بعض الشافعية، هنا نجد أن بعض الأصحاب ينقلون في المسائل التي لم يجدوها في المذهب ينقلونها من أقوال فقهاء آخرين، وهذا بعضهم خرّجها على قواعد المذهب، وهذا لا بأس به، لكن لا بأس به لكن بشرط أن يبين ويكون التخريج سليماً. الإشكال أن بعضهم لا ينقل ولا يبين، وقد يكون التخريج غير سليم. لذلك ابن رجب رحمه الله في ذيل الطبقات لما تكلم عن ابن المنجى صاحب النهاية -اللي هو جد صاحب الممتع- ذكر عن النهاية هذه قال: فيها فروع ومسائل كثيرة غير معروفة في المذهب، والظاهر أنه كان ينقلها من كتب غير الأصحاب ثم يخرجها على ما يقتضيه عنده المذهب، وهذا في إشكالية، وهذا وقع فيه بعض الأصحاب رحمهم الله تعالى. وفي رسالة لطيفة في الاستمداد بين المذاهب للظاهر اسمه عبد الرحمن العامر، مؤلف هذه الرسالة، تكلم عن الاستمداد بين الفقهاء الأربعة، وهو ركز على استمداد الحنابلة، استمدادهم من غيرهم، واستمداد غيرهم منهم أيضاً.

مما يستثنى، وهذا ذكره أحد المشاركين: في التشهد ينظر إلى إصبعه، وهذا أيضاً ذكره القاضي أبو يعلى وتابعه بعض الأصحاب رحمهم الله تعالى، وهذا جاء في حديث ابن الزبير رضي الله تعالى عنهما. وألحق المرداوي أيضاً في الإنصاف إذا اشتد الخوف، أو كان خائفا من سيل أو سبع، أو كان خائفاً من فوت الوقوف بعرفة أو ضياع ماله، وشبه ذلك مما يحصل له به ضرر إذا نظر إلى موضع سجوده، فإنه في هذه الحالات لا ينظر إلى موضع سجوده، وإنما ينظر إلى ما أمامه. قال: بل لا يستحب، ولو قيل بتحريم ذلك لكان قوياً، بل لعله مرادهم. هذا في النظر هو الصواب الذي لا يعدل عنه، فإن فعل ذلك واجب في بعض الصور، والنظر إلى موضع سجوده مستحب، فلا يترك الواجب لأمر مستحب.

قال رحمه الله: «ثم يستفتح ندباً فيقول: سبحانك اللهم -أي أنزهك اللهم عما لا يليق بك- وبحمدك سبحتك، وتبارك اسمك -أي كثرت بركاته- وتعالى جدك -أي ارتفع قدرك وعظم- ولا إله غيرك -أي لا إله يستحق أن يعبد غيرك-». كان صلى الله عليه وسلم يستفتح بذلك، رواه أحمد وغيره.

قال: «ثم يستفتح ندباً»، الاستفتاح من سنن الصلاة في قول أكثر أهل العلم رحمهم الله تعالى. وهنا ذكر المؤلف رحمه الله الاستفتاح بالاستفتاح المعروف: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك. وهذا هو الذي كان يجهر به عمر رضي الله تعالى عنه، يعلم به الناس. وقدم أحمد التسبيح بحديث عمر، يعني الإمام أحمد رحمه الله اختار التسبيح بهذا الدعاء، وقال: استفتح بغيره كان حسناً أو جائزاً، وإنما اختار الإمام أحمد رحمه الله التسبيح أو الاستفتاح بحديث عمر؛ لأنه ورد عن عمر، وقاله بمحضر من الصحابة ولم ينكروه عليه. ولذلك قال الترمذي رحمه الله: العمل على هذا عند أكثر أهل العلم من التابعين وغيرهم، وعمر جهر به في الفريضة يعلّم الناس بحضرة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينكروه.

وورد في الاستفتاح أنواع كثيرة مثل «اللهم باعد بيني وبين خطاياي»، وأيضاً «وجهت وجهي» وغيرها من الاستفتاح الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد استوفاها الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى في رسالته في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم.

والمندوب للإنسان أن ينوع، فيأتي بهذا أحياناً وهذا أحياناً، هذا ذكرناه سابقاً.

يقول: نظر المصلي إلى الإمام من أجل الائتمام به، هل يشرع هذا أو لا؟ نقول: إذا كان عندنا الأصل لا ينظر إلى الإمام، ينظر إلى موضع سجوده؛ لكن إذا احتاج إلى النظر للإمام؛ مثل أن يكون في السجود وما يدري الإمام قام، ما يدري أهي الركعة الثانية ولا الثالثة، ما يدري تشهد ولا لا، فهنا نقول لا بأس أن ينظر إلى الإمام في هذه الحالة، لا بأس به. كذلك إذا كان الإمام حريصاً على تطبيق السنة، وطالب علم يطبق السنة، وهذا المأموم لا يدري ما السنة في هذا الأمر، فينظر إلى الإمام كيف يصنع، فلا بأس؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إني إنما صنعت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي».

ثم يستعيذ ندباً فيقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم يبسمل ندباً فيقول: بسم الله الرحمن الرحيم، وهي قرآن؛ آية منها نزلت فصلاً بين السور غير براءة، فيكره ابتداؤها بها، ويكون الاستفتاح والتعوذ والبسملة سراً، ويخير في صلاة في الجهر بالبسملة، وليست البسملة من الفاتحة، وتستحب عند فعل كل مهم.

ثم يستعيذ ندباً فيقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ الاستعاذة قبل القراءة في الصلاة سنة، سواء في الصلاة أو في غيرها؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: 98]، أي أردت أن تقرأ، وجاء في حديث أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام إلى الصلاة استفتح، ثم يقول: «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه». وصفاتها كما ذكر المصنف: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وأيضاً ورد لها صفات منها: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، أو أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إن الله هو السميع العليم، وحيث ما أو كيفما استعاذ مما ورد فهو حسن.

ثم يبسمل ندباً فيقول: بسم الله الرحمن الرحيم؛ قراءة البسملة مشروعة في الصلاة قبل الفاتحة وقبل أول كل سورة في قول أكثر العلم رحمهم الله تعالى، ويدل عليه أحاديث منها ما رواه أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم، أو أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، فكلهم يخفي بسم الله الرحمن الرحيم، وهذا يدل على أنهم يقرؤونها لكن سراً. وجاء في حديث نعيم المجمر أنه صلى خلف أبي هريرة فقراً بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ بأم القرآن، ثم قال: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال: وهي قرآن، يعني البسملة آية من القرآن، نزلت فصلاً بين السور، يعني هي آية من القرآن بين كل سورة وسورة، وآية نزلت قبل الفاتحة، وليست من السورة، وليست من السورة. أما كونها ليست من غير الفاتحة فهذا ما في إشكال بالإجماع، لكن أما كونها ليست آية من الفاتحة فهذا فيه خلاف سيأتينا بعد قليل. وذكر شيخ الإسلام رحمه الله أنه لا تختلف النصوص عن الإمام أحمد رحمه الله أنها آية من كتاب الله في كل موضع كتبت فيه إلا في سورة النمل، فإنها بعض آية.

قال غير براءة فيكره ابتداؤها بها؛ قالوا لم تنزل البسملة مع براءة؛ قيل لنزولها بالسيف، وقيل لأنها مع الأنفال سورة واحدة، وهناك قول آخر وهو أن جبريل عليه السلام لم ينزل بها بين الأنفال وبراءة، فالله تعالى أعلم. لو ابتدأ القراءة من أثناء السورة؛ جاء سيقرأ آية الكرسي فقط في الصلاة أو في غيرها، يستعيذ، هل يبسمل أو لا؟ البسملة في أول السورة حديث على أنها تستحب، لكن ما تدل على أنها لا يبسمل هنا. قالوا: يخير، إن أتى بها فحسن، وإن لم يأت بها فلا بأس، ولذلك قيل للإمام أحمد رحمه الله: يقرأها في بعض سورة؟ قال: لا بأس. الشيخ منصور البهوتي قال: هذا حتى في براءة، لو قرأ توبة من أثناء السورة فيبسمل، لأنها لم تنزل في أول السورة، لكن في أثناء السورة يقول مثل غيرها؛ فهو مخير.

يقول من ترك البسملة بين السور فلا يعتبر خاتماً لكونه استقل بآية من القرآن؛ لذلك قالوا من ترك البسملة فكأنما ترك 113 آية. طبعاً الفاتحة بعضهم يقرؤونها لكن ما غير الفاتحة؛ مثلاً يقرأ في الصلاة في التراويح فيقرأ السور بغير البسملة، قالوا إنه هنا حقيقة لم يختم، نقص عليه بعض القرآن الذي هو البسملة.

ويكون الاستفتاح والتعوذ والبسملة سراً؛ أما الاستفتاح فهذا هو الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سراً. يقول الإمام أحمد رحمه الله: ولا يجهر الإمام بالاستفتاح، وهذا عليه عامة أهل العلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسر الاستفتاح، عمر رضي الله عنه جهر به للتعليم، فنقول: إن جهر به لسبب فلا بأس، وإذا لم يكن سبب فإنه يسر به، وكذلك في الاستعاذة لا يجهر بها، هذا يقول الموفق: لا نعلم خلافاً أنه لا يجهر بالاستعاذة. البسملة على أحد القولين في المسألة أنه لا يجهر بالبسملة في الصلاة، وهذا هو الوارد الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه المسألة -مسألة الجهر بالبسملة- صنفت فيها مصنفات؛ الخطيب البغدادي والبيهقي وابن خزيمة وغيرهم صنفوا مصنفات خاصة في جمع الآثار الواردة في البسملة في الصلاة، وابن رجب رحمه الله في فتح الباري أطال الكلام فيها، وذكر أن في الكلام كثيراً، لكن تتبع بعض الأحاديث والآثار الواردة خاصة في الجهر بالبسملة.

وسبب ذلك كما قال شيخ الإسلام رحمه الله في فتاواه: إن سبب كثرة ورود الأحاديث في الجهر بالبسملة أن ممن يرى الجهر بالبسملة الشيعة، ووضعوا أحاديث في الجهر بالبسملة، لا نقول الأحاديث موضوعة، لا، في أحاديث في الجهر بالبسملة لكنها لا تصح مرفوعة للنبي صلى الله عليه وسلم، كما قال الدارقطني؛ الدارقطني يقول: جمع الأحاديث والآثار في البسملة، فسئل عن ذلك فقال: أما عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا، ما صح عنه شيء في الجهر بالبسملة في الصلاة، وأما عن الصحابة فمنه صحيح ومنه غير صحيح. الإمام أحمد رحمه الله كما قال ابن قدامة رحمه الله: لا تختلف الرواية عن الإمام أحمد أن الجهر بها في الصلاة غير مسنون، قال الترمذي: وعليه العمل عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم من التابعين. يقول الموفق رحمه الله: وسائر أخبار الجهر ضعيفة، فإن رواته هم رواة الإخفاء، وإسناد الإخفاء أصح أو صحيح ثابت بغير خلاف، فدل على ضعف رواية الجهر. طبعاً جاءت روايات عن الإمام أحمد نقلها في الإنصاف والفروع، أن الإمام أحمد رحمه الله يرى استحباب الجهر بالبسملة في الصلاة، شيخ الإسلام في شرح العمدة ذكر أن من نقل هذا عن الإمام أحمد على إطلاقه فقد غلا؛ لا، الإمام أحمد رحمه الله سئل في بعض المواضع، مثلاً سئل في المدينة: هل نبسمل؟

فقال: نعم. لماذا؟ طبعاً بعض الحنابله قالوا يستحب الجهر بالمدينة، لا، الإمام أحمد ما قصد أن في المدينة يجهر، لا يجهر، المدنيون ومنهم الإمام مالك رحمه الله كان لا يرى البسملة في الصلاة مطلقاً، ولا الاستفتاح، الإمام مالك يكبر ويقرأ الفاتحة، لماذا؟ يأخذ بحديث عائشة: «كان يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين»، تكبير ثم قال الحمد لله، وأيضاً حديث أنس: كانوا لا يجهرون بالتسبيح وغيرها. فالإمام أحمد رحمه الله قال ذلك للتعليم، تعليم السنة، يجهر بالمدينة لتعليم السنة، لا لأن الإمام أحمد رحمه الله كان يرى لخصوص المدينة، أو أنه يرى سنية الجهر، وهذا تجدونه في اختلاف الروايات، الإمام أحمد رحمه الله أحياناً ليست اختلاف روايات، إنما هي اختلاف أحوال؛ قد تكون رواية واحدة لكن الرواية الأخرى محمولة على أحوال، مثل هذا نقول: الإمام أحمد رحمه الله ليس عنه إلا رواية واحدة في أنه لا يستحب، الروايات الأخرى التي فيها الجهر بالبسملة محمولة على أحوال، إما للتأليف؛ تأليف قلب من يرى الجهر بالبسملة، فلو أسررت لأنكرك، أو التعليم؛ تعليم السنة، أو نحو ذلك، فله أحوال.

ويخير في غير صلاة في الجهر بالبسملة؛ يعني الآن في الصلاة نقول لا يجهر بالبسملة، في غير الصلاة هل يجهر أو لا؟ يعني نقرأ البقرة انتهى، يقرأ آل عمران، هل نقول يجهر؟ يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، ألم، ولا يسر بالبسملة؟ يقولون يخير. قالوا: الجهر والمخافتة مؤقت في الصلاة، أما في غيره فهو مفتوح، لم يرد فيه شيء واضح، فلذلك نقول على الأصل، إن أراد أن يجهر وإن أراد أن يسر.

وليست البسملة من الفاتحة، وهي إحدى روايتي الإمام أحمد، وهي المنصورة عن أصحابه، بدليل هناك عدة أدلة تدل على أنها ليست من الفاتحة، وأصحها الحديث القدسي: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي»، إلى قوله: «ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد الحمد لله»، ما قال بسم الله الرحمن الرحيم. ومما يدل على ذلك أن الصلاة مقسومة النصفين بين العبد وربه، فلو قلنا البسملة آية كما هو الآن في مصاحفنا، لكان لله عز وجل أربع آيات ونصف، وللعبد آيتان ونصف، لكن إذا قلنا لا البسملة ليست آية، فلله ثلاث آيات ونصف، وللعبد ثلاث آيات ونصف، فتحقق التنصيف. طبعاً أما من السور الأخرى كما قلنا لكم فإنها ليست آية منها بلا نزاع، وذكر الزركشي أنه لا خلاف عن أحمد في ذلك إلا في الفاتحة.

قال وتستحب عند فعل كل مهم، فتستحب قبل أن يفعل شيئاً؛ قراءة أو دخول منزل أو خروج منه أو نحو ذلك فتستحب عنده. يقول شيخ الإسلام رحمه الله في الاختيارات: وتذكر في ابتداء جميع الأفعال، وعند دخول المنزل والخروج منه للبركة، وهي تطرد الشيطان. قال: وإنما تستحب إذا ابتدأ فعلاً تبعاً لغيرها لا مستقلة، فلم تجعل كالتهليل والحمدلة ونحوه، أيش معنى كلامه هذا؟ تستحب إذا ابتدأ فعلاً تبعاً لغيرها لا مستقلة، أحسنت، يعني ليس الذكر مطلقاً، يعني ما يجي واحد يقول: بسم الله بسم الله بسم الله، هذا ليس فعلاً؛ لكن سبحان الله، الحمد لله، لا إله إلا الله، هذه تكبر تسبح في أي وقت، تحمد الله في أي وقت، لها وقت، لكن البسملة لا، هذه تابعة لغيرها، فليست ذكراً مستقلاً.

ثم يقرأ الفاتحة تامة بتشديداتها، وهي ركن في كل ركعة، وهي أفضل سورة، وآية الكرسي أعظم آية، وسميت فاتحة لأنه يفتتح بقراءتها الصلاة، وبكتاب في المصاحف، فيها أحد عشرة تشديدة، ويقرأها مرتبة متوالية، فإن قطعها بذكر أو سكوت غير مشروعين وطال عرفاً أعادها، فإن كان مشروعاً كسؤال الرحمة عند تلاوة آية رحمة، وكالسكوت لسماع قراءة إمامه، وكالسجود، لم يعد ما مضى من قراءتها مطلقاً، أو ترك منها تشديدة أو حرفاً أو ترتيباً لزم غير المأموم إعادتها، أي إعادة الفاتحة، فيستأنفها إن تعمد. ويستحب أن يقرأها مرتلة معربة، يقف عند كل آية، كقراءته صلى الله عليه وسلم، ويكره الإفراط في التشديد والمد، ويجهر الكل؛ أي المنفرد والإمام والمأموم معاً بـ آمين في الصلاة الجهرية بعد السكتة اللطيفة، ليعلم أنها ليست من القرآن، وإنما هي طابع الدعاء، ومعناه اللهم استجب، ويحرم تشديد ميمها، فإن تركه إمام أو أسرَّه أتى به مأموم جهراً، ويلزم الجاهل تعلم الفاتحة والذكر، ويلزم الجاهل تعلم الفاتحة والذكر الواجب، ومن صلى وتلقف القراءة من غيره صحت.

قال: ثم يقرأ الفاتحة تامة بتشديداتها، وقراءة الفاتحة المعلومة أنها ركن من أركان الصلاة، ودل عليها قوله صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». قال: وهي ركن في كل ركعة على الصحيح من المذهب، لحديث المسيء في صلاته، في بعض الروايات: «ثم اقرأ الفاتحة»، الرواية المشهورة: «ثم اقرأ بما تيسر من القرآن»، لكن في بعض الروايات عد الفاتحة، «ثم اقرأ الفاتحة»، وجاء في نهاية الحديث: «ثم فعل ذلك في صلاتك كلها»، وأيضاً النبي صلى الله عليه وسلم كان في صلاته كان يقرأ الفاتحة، لم ينقل عنه أنه أخل بها. قال: وهي أفضل.

جاء في حديث أبي سعيد المعلى: «أن سورة الفاتحة أفضل سورة، أفضل سورة السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيت». وهذا في صحيح البخاري. وآية الكرسي أعظم آية، جاء ذلك في حديث أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه أن آية الكرسي أعظم آية في صحيح مسلم. قال في الفروع عن حديث آية الكرسي: إنها أفضل آية، وروى أحمد ذلك، فظاهره أنه يقول به. وهذا مثال على ما ذكرناه لكم سابقاً أن مما يستدل به الحنابلة على اختيار الإمام أحمد أن يورد الحديث في مسنده ولم يضعفه أو يقل بخلافه، وهذا طبعاً على أحد القولين في المذهب أنه يعتبر قولاً له، وهذا ذكره ابن مفلح في الفروع في مقدمته. وهذا مثال له؛ الإمام أحمد رحمه الله أورد حديث آية الكرسي في مسنده ولم يضعفه ولم يرد عنه خلافه.

قال: سميت فاتحة؛ لأنه يُفتتح بقراءتها الصلاة، وبكتابتها في المصاحف. قالوا: فيها إحدى عشرة تشديدة، طبعاً هذا إذا لم نعد البسملة منها، وإذا عددنا البسملة منها صارت أربع عشرة، فهي إحدى عشرة تشديدة؛ لابد أن يأتي بتشديداتها كلها. قال: يقرؤها مرتبة متوالية؛ فلابد أن يقرأها مرتبة فلا يُقدّم آية على آية، ومتوالية فلا يقطعها. وسياتي هنا ما يترتب عليه إذا قطعها؛ قال: فإن قطعها بذكر أو سكوت غير مشروعين وطال عرفاً أعادها، فإن كان مشروعاً كسؤال الرحمة عند تلاوة آية رحمة، وكالسكوت لاستماع قراءة إمامه، وسجود التلاوة مع إمامه؛ لم يبطل ما مضى من قراءتها مطلقاً.

هنا الآن أخلّ بالتوالي، يعني قال: لابد أن يقرأها مرتبة متوالية، ترتيب الموالاة؛ فهنا الآن أخلّ بالموالاة. إذا قطعها هل يؤثر قطعها أو لا؟ نقول القطع إما أن يكون بذكر أو بسكوت، لا يخلو إما أن يكون هذا الذكر أو السكوت مشروعاً أو يكون غير مشروع. إذا كان مشروعاً فهو غير مؤثر؛ السكوت المشروع مثل استماع الإمام؛ مثلاً كبّر للصلاة، قرأ المأموم دعاء الاستفتاح ثم ابتدأ الفاتحة قال: الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، فشرع الإمام في الفاتحة، الآن سيسكت المأموم، انتهى الإمام من الفاتحة سيكمل المأموم؛ هل نقول يكملها أو يبتدئ من جديد؟ نقول يكمل؛ لأن هذا السكوت مشروع. أما الذكر المشروع مثل سؤال الله عند آية رحمة أو التعوذ عند آية عذاب ونحوه.

أما إذا كان غير مشروع فنقول: يُفرّق بين الطويل واليسير. هنا يقول: سكوت غير مشروع وطال عرفاً أعادها؛ فإذا كان طويلاً، يعني مثلاً المأموم، المأموم هي لا تجب عليه، قرأ الإمام قال: الحمد لله رب العالمين، بعدين قرأ مثلاً سورة النمل ثم رجع وقال: الرحمن الرحيم؛ طيب يعني قد يقول الشخص هذه قصيرة طيب ما في إشكال، قرأ مثلاً آية الكرسي ثم رجع وأكمل الفاتحة، نقول هنا قطعها بذكر غير مشروع وطويل؛ فلا بد أن يعيدها. طيب السكوت: قرأ الفاتحة وسكت، نعم قرأ الآية الأولى من الفاتحة وسكت مثلاً خمس دقائق ثم قال: الرحمن الرحيم، نقول هنا سكت سكوتاً طويلاً غير مشروع فيعيدها من جديد. طيب إذا طال يرجع من أولها.

قال: أو ترك منها تشديدة، طبعاً الذي يعيد كما قلنا الإمام والمنفرد، المأموم لا يعيد لأنه في الأصل غير واجبة عليه. أو ترك منها تشديدة، مثلاً قال: الحمد لله رب العالمين، هنا ترك تشديدة؛ فلا بد أن يعيده. هل إذا ترك تشديدة في النهاية، يعني مثلاً قال: ولا الضالين، ترك تشديدة اللام؟ هل نقول أعد السورة كلها أو أعد الكلمة؟ هنا قال: أو ترك منها تشديدة لزم غير مأموم إعادتها. ظاهر الكلام أنه يعيد اللفظة، حقيقة هذه مهمة، هل يعيدها كلها أو يعيد اللفظة التي أخطأ فيها؟

ابن نصر الله في تعليقه على الفروع يقول: هذا إذا فات محلها وبعد عنه بحيث يُخل بالموالاة، يعني قال: ولا الضالين ثم قرأ السورة التي بعدها، طال السور؛ فنقول ما يكفي قول: ولا الضالين وينتهي، لا، نقول يعيد الفاتحة من جديد. لكن لو كان في موضعه أو أنه قال: ولا الضالين ثم قال مثلاً: وكلمة الهمزة فرد عليه؛ فنقول ما فاتت الموالاة فيعيدها فقط. طبعاً له كلام، أنا لا أود الاستطراد في كلامه، طبعاً كلام ابن نصر الله هذا الذي ذكره هنا في التعليق الجملة غير موجود في المطبوع من حواشي الفروع، لكن نقله البهوتي رحمه الله في حواشي المنتهى وفي الكشاف، وله كلام طويل قليلاً فمن أراده يرجع إليه هناك.

قال: أو حرفاً، لو قال مثلاً: إياك نعبد إياك نستعين، بدون الواو، أو ترتيباً قال: الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، قدّم آية على آية؛ فهنا يلزم إعادتها. وهذه كما قلنا هل يلزم إعادتها كلها؟ لو مثلاً قال: صراط الذين أنعمت عليهم اهدنا الصراط المستقيم، قدّم هذه؛ فهل يلزم إعادتها من أول السورة أو لا؟ هذه مثل ما قلنا في ترك التشديد؛ إذا الموالاة اختلت فيعيدها من أولها، أما إذا لم تختل فيعيد ما أخطأ فيه.

قال: ويستحب، طبعاً قال: لزم غير مأموم إعادتها لأن المأموم لا تلزم قراءة الفاتحة وستأتي هنا إن شاء الله قراءة المأموم الفاتحة بأوسع من هذا، المؤلف رحمه الله ذكر في أركان الصلاة إشارة، وذكرها في صلاة الجماعة، فنتكلم عنها هناك إن شاء الله. قال: ويستحب أن يقرأها مُرتّلة مُعربة، لأن هذا هو فعل النبي صلى الله عليه وسلم، في حديث أنس: كانت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم مداً، وقبل ذلك قول الله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: 4]. قال: يقف عند كل آية كقراءته عليه الصلاة والسلام؛ الحمد لله رب العالمين، ويقف، الرحمن الرحيم، ويقف، مالك يوم الدين، ويقف؛ جاء في حديث أم سلمة: كان يقطع قراءته آية آية. قال الحجاوي في الإقناع: يقف فيها عند كل آية وإن كانت الآية الثانية متعلقة بالأولى تعلق الصفة بالموصوف أو غير ذلك؛ يعني حتى لو كانت الآية متعلقة بما بعدها حتى لو كان المعنى قد يختل إذا وقف؛ يعني مثلاً: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ﴾ لو وقف ثم قال: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾، هذا نقول متابعة للسنة، وإن كان بعضهم يعده وقفاً قبيحاً، لكن ظاهر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يقف عند كل آية.

قال: ويُكره الإفراط والتشديد في المد. قال الموفق رحمه الله: لا يستحب المبالغة في التشديد بحيث يزيد على قدر حرف ساكن، فإذا زاد على ذلك زادها عما أقيمت مقامه فيكون مكروهاً. وقال: فإذا انتهى المد إلى التمطيط والتلحين كان مكروهاً، لأنه ربما جعل الحركات حروفاً، يعني إذا زاد التشديد، زاد المد؛ ولا الضالين زاد عن ست حركات أو التشديد زاده على حرفين، فقالوا هذا يكره ذلك.

قال: ويجهر الكل أي المنفرد والإمام والمأموم معاً بآمين في الصلاة الجهرية؛ التأمين عند فراغ الفاتحة هذا سنة للإمام والمأموم والمنفرد، إذا أمن الإمام فأمنوا، والمنفرد في حكمه، ويجهر به الإمام والمأموم فيما يُجهر فيه بالقراءة، ويخفونه فيما يُخفى فيه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رفع صوته بالتأمين، وعلق تأمين المأموم بتأمين الإمام فدل على أن الإمام يجهر به، ويأتي المأموم بالتأمين مع الإمام، يعني يؤمن معه لا يؤمن بعده، وهذا موضع يستحب فيه موافقة المأموم للإمام؛ الأصل في المأموم أن يتابع إمامه، ياتي بالأفعال بعده إما إيجاباً أو استحباباً، لكن في التأمين يستحب فعله أو قوله معه، هذا على الصحيح من المذهب.

قال: بعد سكتة لطيفة؛ ليعلم أنها ليست من القرآن وإنما هي طابع الدعاء، هذا قلنا لكم قبل قليل ابن مفلح ينقل عن الشافعية، هذا مثال آخر لما نقله ابن مفلح، أقصد المفلح صاحب المبدع الحفيد، نقله عن الشافعية، يعني ابن مفلح هو الذي قال هذا، ما قاله الحنبلي قبله، الحجاوي في حواشي التنقيح ذكر أنه يجهر بآمين، قال بعد سكتة لطيفة، قال: كذا قاله صاحب المبدع، ولا أعلم من أين قاله، ثم رأيته في كلام الشافعية في بعض شروح المنهاج، والحجاوي أيضاً تبع أيضاً المبدع في قوله في ذلك فذكره في الإقناع أنه بعد سكتة خفيفة، أما صاحب المنتهى فلم يذكرها.

قال: ومعناه اللهم استجب. آمين يعني اللهم استجب. قال: ويحرم تشديد ميمها، آمين تُنطق آمين بالمد والقصر؛ آمين أو أمين، لغتان. أما بالتشديد: أمّين، قالوا يحرم ذلك؛ لماذا؟ لأنه يخل بالمعنى، فيكون معناها قاصدين. فإن فعل قال المأموم: أمّين، تبطل؟ قالوا: نعم. قال في المنتهى: وحرم وبطلت إن شدد ميمها، لماذا؟ لأنه صار كلاماً أجنبياً خارجاً عن الصلاة، وسياتي أن الحنابلة رحمهم الله تعالى لا يعفون في الكلام سهواً ولا جهلاً، فلذلك ما يقول شخص: أنا جاهل؛ أقصد على قاعدة الحنابلة أنه تبطل حتى لو كان جاهلاً. البهوتي في الكشاف يقول لما نقل كلام صاحب المنتهى: قال مع أنه في شرح الشذور حكى ذلك لغة فيها عن بعضهم، شرح الشذور لمن؟ لابن هشام، حكى لغة آمين أنها بمعنى آمين عن بعض العرب، فيقتضي هذا أنها قد لا نقول الجواز لكن نقول لا تبطل؛ وجود لغة فيها.

قال: ويلزم الجاهل تعلم الفاتحة والذكر الواجب؛ لأنها واجبة في الصلاة فلابد أن يتعلمها باللغة العربية، ولا يجوز أن يُترجم له بلغته، إذا لم يتعلمها وهو قادر قلنا لا تصح صلاته. فإذا لم يقدر، وشرف الوقت، ما تعلم الفاتحة ولا تعلم الأذكار الواجبة، نقول يصلي، ماذا يفعل؟ قالوا هذا لا يخلو من أحوال؛ إما أن يعرف آية من الفاتحة سواء آية أو أكثر من الفاتحة، فماذا يفعل؟ قالوا فيكررها سبعاً. يقول هناك مسألة سبقت لم يتم الكلام عليها، ما أدري ترك، أحسنتم طيب، فإن ترك الإمام، إذا ترك التأمين الإمام؟ هل يوافقه المأموم؟ يعني قرأ الإمام الفاتحة: ولا الضالين، بعدين أمّن الإمام سراً، هل نقول المأموم يوافق الإمام في التأمين سراً؟ لا يجهر به؛ يجهر به ليذكّر الإمام فيأتي به، قالوا لأن هذا سنة قولية؛ السنة القولية قالوا إذا ترك الإمام أتى به المأموم كالاستعاذة، فلا نقول هنا يتبع الإمام في تركها، أحسنتم.

نرجع إلى مسألة يلزم الجاهل تعلم الفاتحة والذكر الواجب، نقول إذا لم يقرأ، نعم إذا لم يتعلم الفاتحة؛ نقول إما أن يعرف ولو آية من الفاتحة فيكررها سبعاً، قال لأن الآية من الفاتحة أقرب إلى الفاتحة من غيرها، حتى قالوا حتى لو كان يعلم غيرها من السور فلا ياتي بغير الآية من الفاتحة ويكررها، قال لأن الآية من الفاتحة أقرب إلى الفاتحة من غيرها. إذا كان يعرف بعض آية؛ عرف الحمد لله، بس، قالوا خلاص لا يقرأها وينتقل إلى غيرها. إذا لم يحسن الفاتحة لكنه يحسن آيات من القرآن، فقالوا يقرأ مما يحسنه؛ هذه المرتبة الثالثة، يقرأ مما يحسنه بقدر الفاتحة في آياتها وحروفها، يعني لابد أن تكون سبع آيات فأكثر، حتى لو كان ثمان، تسع آيات، ما في إشكال، المهم لا تكون أقل، سبع آيات وحروفها أيضاً تكون كحروف الفاتحة أو أكثر، إذا لم يحسن إلا آية من غير الفاتحة فيكررها مثل ما قلنا في إذا لم يحسن الفاتحة سبع مرات.

إذا لم يحسن شيئاً من القرآن، فإنه يعدل إلى الذكر؛ سبحان الله، الحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر؛ وزاد بعض الأصحاب ولا حول ولا قوة إلا بالله، ودل عليه حديث عبد الله بن أبي أوفى أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إني لا أستطيع أن آخذ شيئاً من القرآن، فعلمني ما يُجزئ، فعلمهم هؤلاء الخمس؛ سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله. طيب إذا لم يحسنها كلها الأربع هذه أو الخمس، إذا ما يعرف إلا سبحان الله والحمد لله نقول يقولها فقط.

يكررها سبعاً. من لا يحسن القراءة ولا الذكر، هل يحسن شيئاً؟ لا. قالوا يقف بقدر الفاتحة؛ لأن الوقوف كان واجباً مع القراءة، فإذا عجز عن أحد الواجبين أتى بالواجب الذي يقدر عليه.

ومن صلى وتلقف القراءة من غيره صحت. كيف ذلك؟ أي إذا كان لا يعرف، لكن قال هذا أنا سأكبر وأنت الحمد لله وأنا سأقرأ خلفك. قالوا تصح، وهذه ذكرها صاحب الفروع، وقال ذكرها في النوادر، وتكرر كتاب النوادر في الفروع وفي الإنصاف، ويقصد به كتاب نوادر المذهب لابن الصيرفي، والصيرفي توفي سنة 678.

هذه نقول أنت مخير، إن أردت أن تتلقى القرآن من غيرك ما في حرج، الأصل أنه يتعلم بنفسه، ما تعلم له ذلك، لا نقول إنه يلزمه ذلك، له ذلك ويصح. قال البهوتي في الكشاف: لأنه أتى بغرض القراءة أشبه القارئ من حفظه أو من مصحف، والتلق هو التناول بسرعة، وإنما اعتبر سرعة التناول لتتحقق الموالاة، فلذلك لو فصل فصلاً طويلاً؛ يعني جاء واحد وقال الحمد لله رب العالمين، قال الحمد لله رب العالمين، راح الشخص انشغل، رجع واقف حد قال الرحمن الرحيم بين فاصل طويل، قال هنا لا تصح، هذا ذكره البهوتي في شرح المنتهى.

قال رحمه الله: ثم يقرأ بعدها أي بعد الفاتحة سورة كاملة يفتتحها ببسم الله الرحمن الرحيم، وتجوز آية، إلا أن أحمد استحب كونها طويلة كآية الدين والكرسي، ونص على جواز تفريق السورة في ركعتين لفعله صلى الله عليه وسلم، ولا يعتد بالسورة قبل الفاتحة، ويكره الاقتصار في الصلاة على الفاتحة والقراءة بكل القرآن في فرض لعدم نقله، وتكون السورة في صلاة الصبح من طوال المفصل بكسر الطاء وأوله قاف، ولا يكره لعذر كمرض وسفر بقصار، وتكون في صلاة المغرب من قصاره، ولا يكره بطوال، وتكون السورة في الباقي من الصلوات كالظهر والعشاء من أوساطه، ويحرم تنكيس الكلمات وتبطل به، ويكره تنكيس السور والآيات، ولا يكره ملازمة سورة مع اعتقاد جواز غيرها.

قال ثم يقرأ بعدها أي بعد الفاتحة سورة ندباً كاملة، هنا ما ذكر أنه يسكت أو لا يسكت، هل يسكت بعد الفاتحة ولا مباشرة؟ مباشرة إذا قال آمين يقرأ سورة. السنة من أين أخذت؟ هل في حديث قبل الفاتحة؟ جاء في بعض الروايات أنها بعد الفاتحة، لكن بعض روايات حديث سمرة لا تصح، ولذلك ابن القيم رحمه الله ذكر أنها سكتتان: قبل الفاتحة الاستفتاح، وبعد قراءة السورة قبيل الركوع، لكن الأصحاب رحمهم الله تعالى يستحبون. استحب بعض الأصحاب، والإمام أحمد رحمه الله لم ينقل ذلك عنه كما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، الإمام أحمد رحمه الله قال في رواية عبد الله يسكت قبل القراءة وبعدها. هنا بعض الأصحاب فهموا أنها بعدها أي بعد قراءة الفاتحة، لا، المقصود بعدها في كلام أحمد أنه بعد القراءة، قراءة السورة، لا يصل القراءة بتكبيرة الركوع.

طبعاً الحجاوي في الإقناع ذكر أنه يسكت، وتكون السكتة بقدر قراءة المأموم الفاتحة، وهذا من مراعاة الأصحاب رحمهم الله تعالى للخلاف في المسألة. مثلاً الشافعية في أحد القولين عندهم أنه يجب على المأموم قراءة الفاتحة في الجهرية، وهو الذي يفتي به الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى، الحنابلة رحمهم الله تعالى يرون أنه لا تجب قراءة الفاتحة على المأموم مطلقاً، لا في سر ولا في جهر، لكن هنا قال يستحب للإمام أن يسكت بعد الفاتحة بقدر قراءة المأموم الفاتحة؛ ترى هذا من باب مراعاة الخلاف، وجيد أن طالب العلم يقتنص مثل هذه، أحياناً تجي مثل هذه المسألة يتناقش فيها مع بعض.

إذا علق على قصته أو على قيد في كناشة هذه المسألة، قبل قليل الإمام أحمد روى حديثاً ولم ينقل عنه القول بخلافه، يذكرها في مثالها أو يعلق على نسخة من الفروع، مثال هكذا ما ضعفه الإمام أحمد مع أنه رواه مست وضع اليد على الصدر، هذه مراعاة الخلاف ونحو ذلك، يجد إذا خلص مثلاً من استقراء الكتاب يجد ثروة فقهية منوعة في الاستدلالات ونحو ذلك.

أنا لا أتكلم عن أنه موافق للسنة أو مخالف للسنة، لكن أقول الحنابلة رحمهم الله تعالى راعوا هذا الخلاف، وإلا فحتى الشيخ ابن عثيمين رحمه الله يرونه لا يشرع، حتى مع قولهم إنه يجب قراءة المأموم الفاتحة، قالوا لا يشرع للإمام أن يسكت سكتة طويلة بقدر قراءة الفاتحة، قال إنه إلى البدعة أقرب منه إلى السنة، رضوان الله عن النبي صلى الله عليه وسلم.

قال ثم يقرأ بعدها بعد الفاتحة سورة ندباً كاملة، الأفضل أن يقرأ سورة كاملة، وكونه يقرأ سورة كاملة أفضل من أن يقرأ بعض سورة ولو كانت أطول منها، فيستحب بسم الله الرحمن الرحيم، فلا تكفي البسملة التي قبل الفاتحة، وتجوز آية، يجوز أن يقرأ آية فقط، إلا أن أحمد استحب كونها طويلة كآية الدين والكرسي، يعني الإمام أحمد رحمه الله يقول يجوز لكن الأفضل ألا تكون قصيرة، بل تكون طويلة كآية الدين والكرسي. يقول البهوتي في الكشاف: الظاهر عدم إجزاء آية لا تستقل بمعنى أو حكم، نحو قوله: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ أو ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾، قال كما يأتي عن أبي المعالي في خطبة الجمعة؛ تعرفون أن الأصحاب يشترطون في خطبة الجمعة أن يقرأ فيها القرآن ولو آية، أبو المعالي الذي هو ابن المنجا الجد قال بشرط ألا تكون لا تستقل بمعنى، لا بد أن تكون هذه الآية تستقل بمعنى، فالبهوتي قاسها على الآية التي في السورة بعد الفاتحة على الآية في خطبة الجمعة. لكن هنا لا في حصول الاستحباب، يعني لو قرأ ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ ثم ركع، نقول هنا أنا على كلام البهوتي أيضاً أنه لم يفعل المستحب، لا نقول إن بطلت الصلاة بخلاف خطبة الجمعة على قول أبي المعالي أنها لا تصح الخطبة.

قال وتجوز آية، هنا قال يستحب أن يقرأ سورة كاملة، طيب لو قرأ من أواسط السور أو أواخرها كما يفعله كثير من الأئمة؟ الظاهر من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أن غالب هديه أنه كان يقرأ السورة كاملة، أما أن يقرأ سورة كاملة في الركعة أو يقسمها بين الركعتين، هذا هو الغالب من هديه صلى الله عليه وسلم، لذلك الإكثار من القراءة من أواسط السور نقول هذا خلاف هدي النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك الإمام أحمد رحمه الله نقل عنه الكراهة خاصة في قراءة أواسط السور، أما أواخرها؛ يعني مثل من يقرأ آخر سورة البقرة وآخر سورة آل عمران وآخر سورة الفرقان وآخر سورة الحج، أواخرها خفف فيها، إن فرق بين الأواخر والأواسط. أما الأواخر فقد ثبت عن بعض الصحابة كابن مسعود رضي الله تعالى عنه، لكنه لم يرد عنه في الأواسط، فالإمام أحمد رحمه الله كان حريصاً على تتبع آثار الصحابة رضي الله عنهم، فخفف طبعاً في بعض الروايات عنه أنه لم يكره لا هذا ولا هذا، وفي بعض الروايات عنه أنه خفف في الأواخر دون الأواسط.

ونص الإمام أحمد رحمه الله على جواز تفريق السورة في ركعتين لفعله عليه الصلاة والسلام، النبي صلى الله عليه وسلم قسم سورة الأعراف في ركعتين وقسم سورة المؤمنون، ذكرها أبو يعلى في مسنده أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم البقرة في ركعتين، وأيضاً الأعراف في ركعتين. ولا يعتد بالسورة قبل الفاتحة؛ يعني لو قرأ سورة ثم قرأ الفاتحة نقول لا يعتد بها في فعل السنية، ويكره الاقتصار على الفاتحة في الصلاة لأنه خلاف السنة المستفيضة عنه صلى الله عليه وسلم، وقال البهوتي في شرح المنتهى: وعمومه يشمل الفرض والنفل، حتى في النفل يكره الاقتصار على الفاتحة، والقراءة بكل القرآن في فرض لعدم نقله؛ طبعاً هذا الكلام كله من صاحب الفروع، يعني يقرأ القرآن كله في ركعة أو في ركعتين في الفرض فهذا مكروه لأنه لم ينقل، وفيه إطالة إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم غضب على معاذ لما قرأ البقرة في صلاة العشاء، فكيف بمن يقرأ كل القرآن؟

طبعاً هذا في الفرض لكن في النفل لا يكره لثبوته عن عثمان رضي الله عنه وغيره. أما قراءة القرآن أي ختمه في الفرض، أن يقرأ من أول البقرة إلى نهاية الناس في الفريضة، فهل هذا مشروع أو لا؟ لا، هنا المكروه أنه يقرأ بها في ركعة أو ركعتين. تسليم بعض الأئمة يبدأ من البقرة يعني مثل التراويح يقرأ كل يوم وجهاً أو وجهين مثلاً في الفجر، المغرب، العشاء، فهل هذا مشروع أو لا؟ لم يثبت، ليس مشروعاً.

أجاب أخوكم يقول نقل عن عثمان في المفصل، نعم الإمام أحمد رحمه الله نص على جوازه في رواية حرب، قال ليس في هذا شيء إلا أنه روي عن عثمان أنه فعل ذلك في المفصل وحده، فيجوز فعل ذلك، وارد عن عثمان في المفصل، فيجوز فعل ذلك في الصلاة، لكن الأولى عدم فعله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أو إذا فعله ينوع، يجعل شيئاً للختمة وشيئاً لتطبيق هدي النبي صلى الله عليه وسلم في قراءة المفصل كما سيأتينا.

قال وتكون السورة في صلاة الصبح من طوال المفصل بكسر الطاء وأوله قاف، ولا يكره لعذر كمرض وسفر من قصاره. عندنا في حاشية ابن قاسم زيادة: "ولا يكره بطوال"، وذكر ابن قاسم أنها مثبتة في بعض النسخ، والظاهر أن إثباتها أولى نعم، إن حذفها أولى. قال وتكون السورة في صلاة المغرب من قصاره، ولا يكره بطوال، وتكون السورة في الباقي من الصلوات كالظهرين والعشاء من أوساطه.

هذا ما يقرؤه الإمام في صلاته، هذا هو الغالب من هدي النبي صلى الله عليه وسلم. يستدل الأصحاب رحمهم الله تعالى بأن عمر كتب إلى أبي موسى أن يقرأ في الصبح بطوال المفصل، وفي الظهر بأوساط المفصل، وفي المغرب بقصار المفصل، وجاء من فعل عمر بن عبد العزيز أنه كان يفعل ذلك، وأن أنس قال: ما صليت خلف أحد أشبه بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الفتى.

والمفصل هو من "ق"، وطواله من "ق" إلى "النبأ"، طبعاً ما بعد الغاية ليس داخلاً، وأوساطه من "النبأ" إلى "الضحى"، وقصاره من "الضحى" إلى آخر الناس، وهذا هو الحزب السابع الذي يحزبه كثير من الصحابة والتابعين والأئمة، كانوا يختمون القرآن في سبع، فكانوا يقرؤون بثلاث، وخمس، هذه الليلة الثانية، وسبع في الليلة الثالثة، وتسع في الليلة الرابعة، وإحدى عشرة في الليلة الخامسة، وثلاث عشرة في الليلة السادسة، والسابعة يقرؤون بالمفصل.

وكما قلنا لكم إن هذا هو الغالب من هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وإلا فقد قرأ النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الصلوات بغيرها، ومن أراد الاستزادة فيما قرأ به النبي صلى الله عليه وسلم فيما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فليراجع زاد المعاد لابن القيم رحمه الله تعالى، فقد أجاد وأفاد، وأيضاً الألباني رحمه الله تعالى في صفة الصلاة.

قال ولا يكره لعذر كمرض وسفر من قصاره؛ يعني إذا وجد عذر كمرض الإمام أو سفره فلا بأس أن يقرأ من قصاره، النبي صلى الله عليه وسلم روي عنه أنه قرأ في الفجر بالمعوذتين، وروي عنه أنه قرأ في الفجر بالزلزلة في الركعتين، وهذه الأحاديث لا تخلو من ضعف، لكن الأصحاب رحمهم الله تعالى يستدلون بها، ومفهومه أنه يكره التخفيف لغير عذر؛ يعني إذا قرأ في الفجر بالقصار لغير عذر فإنه يكره، هذا على الإمام أحمد رحمه الله. قال وتكون السورة في صلاة المغرب من قصاره؛ هذا هو الغالب من هدي النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه ثبت عنه أنه قرأ بطوال بل بالطوال كالأعراف، وقرأ فيها بالطور وقرأ فيها بالمرسلات، لذلك قال ولا يكره بطوال، لا يكره بطوال المفصل، يعني حتى بغير عذر.

بفعله صلى الله عليه وسلم، وتكون السورة في الباقي من الصلوات كالظهرين والعشاء من أوساطها، والنبي صلى الله عليه وسلم قرأ بالظهر والعصر بالبروج والطارق وشبههما، وكان يقرأ في الأوليين من الظهر بقدر سورة السجدة وفي الأخريين بقدر النصف من ذلك، وفي الأوليين من العصر بقدر الأخريين من الظهر، وفي الأخريين بقدر النصف من ذلك، وقرأ في العشاء بالتين، وأرشد معاذاً إلى أن يقرأ فيها بالشمس والضحى والليل والأعلى.

وظاهر تعبير المؤلف رحمه الله تعالى أن قراءة الظهر نفس قراءة العصر، والذي يظهر من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه يطيل الظهر أكثر من العصر، ونقل عن الإمام أحمد رحمه الله قريب من هذا، وأنه يفرق بين الظهر والعصر.

وقال رحمه الله: ولا تصح الصلاة بقراءة خارجة عن مصحف عثمان بن عفان رضي الله عنه كقراءة ابن مسعود رضي الله عنه وصيام ثلاثة أيام متتابعات، وتصح بما وافق مصحف عثمان وصح سنده وإن لم يكن من العشر وتتعلق به الأحكام، وإن كان في القراءة زيادة حرف فهي أولى لأجل العشر الحسنات.

قال ويحرم تنكيس الكلمات وتبطل به، يحرم تنكيس الكلمات يعني لو قال مثلاً العالمين رب لله الحمد، نكس كلمات الفاتحة فيحرم وتبطل به، قالوا لأنه يصير كلاماً أجنبياً، والكلام الأجنبي عن الصلاة يبطلها عمده وسهوه.

قال ويكره تنكيس السور والآيات، يكره تنكيس السور والآيات. تنكيس السور يعني يقرأ سورة ثم يقرأ بعدها سورة هي قبلها في ترتيب المصحف، مثل يقرأ سورة الناس ثم بعدها سورة الفلق، هذا تنكيس السور. والآيات يقرأ آية قبل آية، يقرأ الآية الخامسة ثم بعدها الآية الرابعة، سواء كان ذلك في ركعة أو في ركعتين. وسن أن يقرأ القرآن على ما رتبه واتفق عليه الصحابة رضي الله عنهم في الترتيب؛ لأن هذا هو سنة الصحابة، والمنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم في غالب هديه أنه يقرأ القرآن بترتيب المصحف. سئل ابن مسعود عن من يقرأ القرآن على خلاف ترتيب السور فقال: ذلك منكوس القلب.

فلو خالف وقرأ سورة قبل سورة، قرأ في الركعة الأولى الإخلاص وفي الثانية العصر، فالمنقول عن الإمام أحمد رحمه الله أنه لا بأس به، لأن الصبي يعلم هكذا. وقال في رواية مهنا: أعجب إلي أن يقرأ من البقرة إلى أسفل، وقرأ الأحنف الكهف في الأولى ويوسف في الثانية، وذكر أنه صلى مع عمر الصبح فصلى بهما، وهذا علقه البخاري رحمه الله.

أما تنكيس الآيات فذكر المجد أنه يكره التنكيس إجماعاً لأنه مظنة تغيير المعنى. ابن مفلح في الفروع قال: لو أخذنا بهذا التعليل لقلنا يحرم، والأولى التعليل بخوف تغيير المعنى. هذا على المذهب، وشيخ الإسلام رحمه الله يرى أنه يحرم تنكيس الآيات لأنه يسبب تغيير المعنى. الشيخ محمد رحمه الله ذكر في تعليقه على الروض أن الكراهة هذه فيما إذا لم يتغير المعنى، أما إذا تغير المعنى بوضوح فلا أظن أنه يقال بالكراهة، فالقول بالتحريم هو المتوج، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: 6]، ثم قال: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: 3]، اختل المعنى وصار الذين يؤمنون بالغيب كأنهم للذين كفروا. يقول الشيخ هذا محرم، ولا أظن في خلاف في تحريمه، لكن الخلاف فيما إذا لم يتغير المعنى.

قال ولا تكره ملازمة سورة مع اعتقاد جواز غيرها، وهذا لفعل الصحابي الذي كان يقرأ سورة الإخلاص في كل ركعة، فلا يكره ذلك. قال البهوتي في المنتهى: أما لو اعتقد عدم جواز غيرها فيحرم هذا لفساد هذا الاعتقاد.

قال ولا تصح الصلاة بقراءة خارجة عن مصحف عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه كقراءة ابن مسعود: فصيام ثلاث أيام متتابعات، يعني زيادة متتابعات هذه في قراءة ابن مسعود، لابد أن توافق القراءة مصحف عثمان لأن هذا هو الذي اتفق عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ولا ينبغي أن يقرأ بما خرج عن مصحف عثمان. هل يحرم القراءة بما خرج عن مصحف عثمان أو أنه يكره؟ قول للحنابلة: يجزم بكونها قرآناً وأيضاً لا تصح الصلاة به لأنه لم يثبت تواتره، والرواية الثانية عن الإمام أحمد رحمه الله أنه تصح الصلاة به لفعل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وهذا هو اختيار المرداوي رحمه الله تعالى.

وتصح بموافقة مصحف عثمان وصح سنده وإن لم يكن من العشرة وتتعلق به الأحكام، يعني أنه لا يلزم أن تكون القراءات من العشر المتواترات، بل لو كانت غير متواترة لكنها وافقت مصحف عثمان وصح سندها إلى القارئ بها فإنها تكون قراءة صحيحة، ويجوز قراءتها في الصلاة وتتعلق بها الأحكام. وإن كان في القراءة زيادة حرف فهي أولى لأجل العشر حسنات، مثل مالك يوم الدين، قرئت بـ "مالك" وقرئت بـ "ملك"، فيقولون مالك أولى لأن فيها زيادة حرف، وفي كل حرف عشر حسنات.

هذه مسألة خلافية، يعني قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، لا أقول الم حرف، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف». هل الحرف هو حرف المعنى أي الكلمة، أو حرف المبنى الذي هو الحرف العادي؟ خلاف بين أهل العلم، لكن هنا منقول عن الإمام أحمد رحمه الله أن الحرف هو حرف المبنى، لذلك الإمام أحمد رجح رواية "مالك" واستحب القراءة بها لأن فيها زيادة حرف. شيخ الإسلام رحمه الله يرى أن المراد بالحرف حرف المعنى، وأنه المراد بالحرف الكلمة، فيقول مثلاً: الحمد لله رب العالمين، هذه أربعة حروف فقط، الحمد حرف ولله حرف ورب حرف والعالمين حرف. وعلى القول الثاني الحرف هو حرف المبنى فهي أكثر عدداً. فيختلف القولان في عدد الحسنات، يعني عدد كلمات سورة الفاتحة 25 وعدد حروفها 113. وأذكر أن الشيخ عبد الكريم الخضير وفقه الله لما عرض هذه المسألة قال: ونحن إلى فضل الله أرجى منا لقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، يعني فضل الله واسع نرجو أن يكون الحرف حرف المعنى. نعم، حرف المبنى هو الحرف المقصود به في الحديث، وفي اللغة المعنيان صحيحان.

نقف عند هذا والله أعلم، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

ما حكم الفصل بين السور بالتكبير من بعد الضحى إلى الناس؟ وردت في بعض القراءات أنه يكبر، وهل يكون هذا داخل الصلاة وخارجها؟ الله أعلم.

يقول: القول في البسملة تستحب عند كل فعل مهم، أليس ذلك في التسمية "بسم الله" فقط؟ أو يستحب قول كل البسملة "بسم الله الرحمن الرحيم" عند كل فعل مهم؟ لا أعلم وتحتاج إلى تأمل، لكن في بعض المواضع مثلاً في الأكل نصوا على أنها "بسم الله"، وفي الذبح نصوا على أنها "بسم الله"، وفي القراءة نصوا على أنها "بسم الله الرحمن الرحيم"، لكن في الأمور الأخرى الله أعلم.

البسملة هنا جهراً في الصلاة الجهرية يسر بها الإمام كفي فاتحة العين، بسملة بعد الفاتحة؟ لا، البسملة بعد الفاتحة كالبسملة في الفاتحة يسر بها.

الذكر إذا حصل في الصلاة هل يفرق الأصحاب بين مطلق الكلام وبين الذكر في الصلاة؟ نعم يفرقون، الذكر غير المشروع إذا حصل في الصلاة فإنهم لا يبطلون الصلاة به بخلاف الكلام الأجنبي. يعني يقولون مثل حديث معاذ بن الحكم لما عطس رجل فحمد الله، الآن الحمد ذكر لكنه يرى أجنبي عن الصلاة، فالنبي صلى الله عليه وسلم ما نبه هذا الذي عطس أنه لا يحمد، نبه معاوية، فدل على أنه وإن كان ليس مشروعاً في الصلاة إلا أنه إذا أتى به في الصلاة لا تبطل.

لماذا الإمام أحمد رحمه الله كره قراءة حمزة والكسائي؟ قالوا لما فيهما من التمطيط والإمالة، طبعاً هذا على إحدى الروايات أنه كره، وفي رواية عنه أنه لم يكره شيئاً من قراءات العشر، لكن في رواية عنه أنه كره لما فيه من التمطيط.

هل ثبت شيء في قراءة الفاتحة فقط في الركعتين الأخيرتين في صلاة الظهر والعصر والعشاء؟ أجاب عنه شخص آخر، قال في حديث قتادة في الصحيحين: «ويقرأ في الأخريين» يعني في صلاة الظهر والعصر «بفاتحة الكتاب فقط».

ما حكم قول الحمد لله على نعمة الإسلام في السجود؟ لا بأس به، لكن بعد، لابد أن يقول "سبحان ربي الأعلى" والله أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.