دخولتسجيل الدخول

كتاب الصلاة 02 | باب الأذان

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا مفهم سليمان فهمنا. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وعملاً صالحاً يا كريم. أما بعد: فكنا توقفنا في التعليق على الروض المربع على باب الأذان، حيث انتهينا في الدرس السابق من مقدمة كتاب الصلاة، ووقفنا على باب الأذان.

تفضل.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وموالاه. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، واغفر لنا ولشيخنا وللسامعين. قال المصنف رحمه الله تعالى: باب الأذان، هو في اللغة: الإعلام، قال تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: 3]، أي: إعلام. وفي الشرع: إعلام بدخول وقت الصلاة أو قربه لفجر بذكر مخصوص.

والإقامة في الأصل مصدر أقام، وفي الشرع: إعلام بالقيام إلى الصلاة بذكر مخصوص. وفي الحديث: «المؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة»، رواه مسلم. هما فرض كفاية لحديث: «إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم»، متفق عليه. على الرجال الأحرار المقيمين في القرى والأمصار، لا على الرجل الواحد، ولا على النساء، ولا العبيد، ولا المسافرين للصلوات الخمس المكتوبة المؤداة، دون المنذورة، دون المقضية، والجمعة دون المقضية، والجمعة من الخمس. ويسن لمنفرد وسفراً.

أهل بلد تركوه أي الأذان والإقامة؛ فيقاتل الإمام أو نائبه؛ لأنهما من شعائر الإسلام الظاهرة. وإذا قام بهما من يحصل به الإعلام غالباً أجزأ عن الكل، وإن كان واحداً، وإلا زيد بقدر الحاجة، كل واحد في جانب، أو دفعة واحدة بمكان واحد، ويقيم أحدهم، وإن تشاحن الصلاة بدونهما؛ لكن يكره وتحرم.

أحسنت، بارك الله فيك. افتتح المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب، باب الأذان، بتعريف الأذان والإقامة، وقدم المؤلف رحمه الله تعالى الأذان على شروط الصلاة وعلى أوقات الصلاة؛ لأن الأذان مقدمة لفعل الصلاة، فهو إعلام بوقت الصلاة، ووقت الصلاة من شروطها، فلذلك قدمه وعرفه لغة قال: من الإعلام، واصطلاحاً ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: 3] أي: إعلام من الله ورسوله، وفي الشرع: إعلام بدخول وقت الصلاة أو قربه لفجر. يعني الأذان إعلام بدخول وقت الصلاة، فيكون الأذان لا يكون إلا بعد دخول الوقت، كما سيأتينا أن مشروط الأذان يكون بعد دخول الوقت إلا في الفجر، فإنه يكون قرب دخول الوقت؛ لأنه يجوز أن يؤذن للفجر من منتصف الليل كما سيأتينا إن شاء الله.

هذا في الجملة، لأنه أحياناً يكون الأذان إعلاماً بالقيام إلى الصلاة، كما في الأذان للصلاة الفائتة، لو فاتته الصلاة فيسن له الأذان، وهذا الأذان ليس إعلاماً بدخول وقت الصلاة، بل إنه إعلام بقرب القيام إلى الصلاة. وهل الأذان يكون للوقت الذي تفعل فيه الصلاة أو الوقت الذي وجبت فيه الصلاة؟ يعني مثلاً الآن شخص أو مجموعة ذهبوا لنزهة في البر، قالوا: صلاة العشاء إحنا مصلين في أول الوقت، سنصلي في ثلث الليل الساعة مثلاً العاشرة، هل نقول يشرع لكم الأذان من حين دخول وقت العشاء أو قرب قيامكم بفعلها؟ ظاهر كلام الأصحاب رحمهم الله تعالى وسيأتينا إن شاء الله أنه يسن الأذان أول الوقت، سواء كان سيؤديها أول الوقت أو سيؤخرها عن أول وقتها.

شيخ الإسلام رحمه الله يرى أن الأذان يكون للوقت، يعني عند وقت فعلها، يعني هنا إذا أرادوا أن يؤخروا صلاة العشاء إلى ثلث الليل فإنه يشرع لهم أن يؤخروا الأذان إلى قرب القيام إليها. وشُرع في السنة الأولى من الهجرة كما ذكره ابن حجر رحمه الله في الفتح. وسبب مشروعيته أن المسلمين لما فرضت الصلاة وفرضت في أوقاتها، كان المسلمون يتحينون الصلوات وليس ينادي بها أحد، فتشاوروا يوماً في ذلك، فقال بعضهم: اتخذوا ناقوساً مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: اتخذوا بوقاً مثل بوق اليهود، فقال عمر رضي الله عنه: أولا تبعثون رجلاً ينادي بالصلاة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا بلال قم فنادِ بالصلاة».

فكان ينادي: الصلاة الصلاة، أو الصلاة جامعة، إلى أن رأى عبد الله بن زيد بن عبد ربه رؤيا الأذان، رأى شخصاً معه بوقاً أو ناقوساً، فقال له: أعطني إياه، يعني ليؤذن فيه، فقال: أولا أدلك على خير من ذلك؟ ثم علمه الأذان وعلمه الإقامة، والأذان والإقامة المعروفة أذان بلال وإقامته. فذهب عبد الله بن زيد إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بالرؤيا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنها لرؤيا حق»، وقال: «ألقِها على بلال فإنه أندى منك صوتاً». فكان هذا سبب مشروعية الأذان. وجاء عمر رضي الله عنه فقال: إني أيضاً رأيت مثل هذه الرؤيا.

ومؤذنو النبي صلى الله عليه وسلم خمسة: بلال وابن أم مكتوم، هؤلاء في المدينة، وأبو محذورة كان يؤذن له في مكة، وسعد القرظ كان يؤذن له في قباء، وأخو صداء اللي هو زياد بن الحارث الصدائي، هؤلاء أذنوا للنبي صلى الله عليه وسلم في مكة وفي المدينة. النبي صلى الله عليه وسلم هل ثبت أنه أذن؟ ذكر بعض العلماء أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن مرة، وهذا ذكره النووي رحمه الله وتبعه على ذلك ابن الرفعة والسبكي وأيضاً السهيلي في الروض الأنف. ذكروا أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن مرة، هذا جاء عند الترمذي من حديث يعلى بن مرة أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن على راحلته وكان في سفر.

الحافظ ابن حجر في الفتح ذكر أن الحديث الوارد فيه عند الترمذي جاء في رواية عند أحمد: فامر بلالاً فأذن. ففسرت الرواية المبهمة في رواية الترمذي، وأن مقصوده بأذان النبي صلى الله عليه وسلم يعني أمر بالاذان، كما ينسب الفعل إلى العظيم أو الملك أو الأمير وهو لم يفعله وإنما أمر به، وهذا سائغ في اللغة. والإقامة مصدر إقامة، وفي الاصطلاح: إعلام بالقيام إلى الصلاة بذكر مخصوص. وجاء في فضل الأذان أحاديث عديدة منها الحديث الذي ذكره المؤلف بقوله صلى الله عليه وسلم: «المؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة»، رواه مسلم.

وجاءت ورويت لفظة أعناقاً بفتح الهمزة وكسرها؛ فبالفتح أعناق جمع عنق، أي أطول، قيل إن معناه أطول رقاباً فهم متطلعون في البرزخ يؤذن لهم في دخول الجنة، وقيل إنها كناية عن الرئاسة والسؤدد. ورويت بالكسر؛ تحمل على سرعة السير يوم القيامة، وقيل كناية عن العمل. وجاء في فضل الأذان أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا»، كما في الصحيحين. وأيضاً جاء في البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يسمع صوت المؤذن إنس ولا جن ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة».

ومما يدل على فضله أيضاً أنه وردت الأحاديث العظيمة والأجور العظيمة في الأحاديث الصحيحة على فضل متابعة المؤذن، فإذا كان المتابع للمؤذن له هذه الأجور، فما بالكم بمن كان سبباً فيها؟ وهنا مسألة يبحثها العلماء رحمهم الله تعالى، وهي: هل الأذان أفضل أو الإقامة؟ يعني لو شخص يؤذن والآخر يقيم، يعني هو الأصل أن من أذن فهو يقيم، وهو المستحب، لكن لو أذن شخص وأقام آخر، فأيهما أفضل؟ ذكروا -وهو قول الأصحاب رحمهم الله تعالى والمشهور عندهم- أن الأذان أفضل من الإقامة؛ لزيادة ألفاظه عليها، ولأنه أبلغ في الإعلام.

وهل الأذان أفضل أو الإمامة؟ الوظيفة الأذان أفضل أو الإمامة؟ قولان للأصحاب رحمهم الله تعالى، والمشهور عندهم تفضيل الأذان، وهو الصحيح من المذهب، وذكر الشيخ تقي الدين رحمه الله أن هذا أصح الروايتين واختيار أكثر الأصحاب. نبه إلى أنه في حاشية الروض، حاشية ابن قاسم الجزء الأول صفحة 429، قال: وهل الإمامة أفضل منهما -يعني من الأذان والإقامة- أو عكسه؟ قال: صحح في الفروع الأول -يعني الإمام أفضل-، وهذا سبق قلم، بل صحح الفروع الثاني، صحح الثاني اللي هو أن الأذان والإقامة أفضل من الإمامة، قال: وقال شيخ الإسلام: هذا أصح الروايتين، يعني أن الأذان أفضل، واختاره أكثر الأصحاب.

ودل على تفضيل الأذان ما ورد من الأخبار السابقة في فضله، وجاء عند أحمد وأبي داود من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين». قالوا: والأمانة أعلى من الضمان، والمغفرة أعلى من الإرشاد. وهناك رواية أخرى عن الإمام أحمد رحمه الله بتفضيل الإمامة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم تولى الإمامة وكذلك الخلفاء الراشدون، ولا يختارون إلا الأفضل. لكن أصحاب القول الأول أجابوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وخلفاءه الراشدين لم يتولوا الأذان لضيق وقتهم عنهم، فهم مشغولون بأمور الناس وشؤونهم، فضاق وقتهم عن الأذان، ولهذا قال عمر رضي الله عنه: لولا الخلافة لأذنت.

قال المؤلف رحمه الله: هما فرض كفاية. في بعض النسخ فرضاً كفاية، وفي بعضها فرض كفاية، وكلاهما صحيح لغة. والقول بأنهما فرض كفاية هو الصحيح من المذهب، وقول أكثر الأصحاب، وهو من مفردات الحنابلة رحمهم الله تعالى. ويدل على أنه فرض كفاية ما أورده المؤلف رحمه الله من قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم»، هنا فليؤذن أمر، والأمر للوجوب، فأخذ من الوجوب، وقوله أحدكم هذا دليل على أنه فرض كفاية لا فرض عين؛ لأنه لو كان فرض عين لكان واجباً عليهم جميعاً. ومما يدل على أنه فرض كفاية أن بلالاً كان يؤذن للنبي صلى الله عليه وسلم فاكتُفي به، وأيضاً مما يدل على ذلك أن الأذان من شعائر الإسلام الظاهرة فكان فرض كفاية كالجهاد.

إذا قلنا فرض كفاية، هل فرض الكفاية إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين، لكن هل يشرع للباقين -يعني شخص قال المؤذن أخذ أجراً بالأذان، أنا أريد أن أؤذن لنفسي وأصلي مع الجماعة-؟ العلماء رحمهم الله يقولون: لا يشرع لكل من في المسجد، بل تكفيهم المتابعة وتحصل لهم الفضيلة، كقراءة الإمام للمأموم، قالوا قياساً على قراءة الإمام الفاتحة في الصلاة، فهي قراءة للمأموم، ويأخذ المأموم أجر القراءة، قالوا وهذا مثلها.

ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى على من يجب، الآن قلنا فرض كفاية، طيب على من يجب الأذان والإقامة؟ ذكر ستة أوصاف للمؤذن، والصلاة التي يؤذن لها. فقال: على الرجال، والرجال هذه فيها شرطان: الذكورية والجماعة، الأحرار الشرط الثالث، والمقيمين الشرط الرابع، للصلوات الخمس المكتوبة هذا الخامس، والمؤداة هذا السادس.

على الرجال، الرجال يلزمهم الأذان للحديث السابق، وأخرج الرجال النساء، فالنساء لا يجب عليهن الأذان، قال الموفق: لا أعلم فيه خلافاً. إذا كان لا يجب عليهن، هل يسن لهن الأذان أو لا؟ روايتان في المذهب، والمشهور أنه لا يستحب لهن الأذان بل يكره، وهذا المذهب وعليه جمهور الأصحاب. قالوا: لأن الأذان للإعلام، ولا يشرع لهن ذلك، ولأنه يشرع فيه رفع الصوت والنساء لا يشرع لهن رفع الصوت، ولأن الأذان وظيفة الرجال، ففي قيام المرأة بهذه الوظيفة تشبُّه بالرجال، وكذلك الخنثى يدخل فيه، فلا يشرع له الأذان.

قلنا الرجال يشمل وصفين: الذكورية تكلمنا عنها، والجماعة أي إذا كان اثنان فأكثر. قوله الرجال، أليس جمعاً، وأقل الجمع على المذهب ثلاثة؟ قال في حاشية ابن قاسم: الجمع في قول الماتن غير مقصود حقيقة، يعني أنه لا يقصد أقل الجمع الثلاثة فأكثر، لأنهم يذكرون أنه يجب على الاثنين فأكثر. ولعل صوابها أو هو كذلك، يعني أو هو مقصود حقيقة جرياً على أن أقل الجمع اثنان، وهذا منقول من حاشية ابن فيروز رحمه الله.

الجماعة قلنا اثنان فأكثر، فلا يجب على المنفرد في مكان، المنفرد لا يلزمه الأذان على الصحيح من المذهب، لحديث المسيء في صلاته، النبي صلى الله عليه وسلم لما علمه الصلاة قال: «إذا أردت الصلاة فأحسن الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر»، ولم يأمره بالأذان. وجاء في حديث عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يعجب ربك من راعٍ في رأس شظية الجبل، يؤذن بالصلاة ويصلي، فيقول الله عز وجل: انظروا إلى عبدي هذا، يؤذن ويقيم الصلاة، يخاف مني، قد غفرت لعبدي وأدخلته الجنة».

الجنه. الشرط الثالث: الأحرار؛ قال: على الرجال الأحرار، أما العبيد فلا يلزمهم، قال الفتوح في المنتهى: لأن فرض الكفاية لا يلزم رقيقًا، وهذا في الجملة؛ لأن هناك مسائل ذكرها الأصحاب أنها فرض كفاية حتى على الرقيق، ومنها مثلًا التقاط اللقيط.

القيد الرابع: المقيمين؛ لأن الأذان شُرع للإعلام بالوقت ليجتمع الناس للصلاة ويدركوا الجماعة، وأما في حق المسافر فلا يجب عليه، بل يُستحب في حقه في قول أكثر العلماء، وهو الصحيح من المذهب، ودليل الاستحباب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤذن له في السفر والحضر، وأمر به مالك بن الحويرث وصاحبه: «إذا سافرتما فأذنا وأقيما». وهناك قول آخر في المذهب وهو أنه يجب في السفر كالحضر، وهو ظاهر كلام الموفق في المقنع، وهو من مفردات الحنابلة رحمهم الله تعالى، طبعًا مفردات الحنابلة على القول الثاني، يعني لا المشهور عندهم أنه مستحب.

وقوله: "في القرى والأمصار" هنا إشارة إلى خلاف، لأن من الفقهاء من الحنابلة -طبعًا القرى يعني المدينة الصغيرة أو المحلة الصغيرة، والأمصار البلد الكبير- وهو نص عليهما مقيمين سواء في القرى أو في الأمصار، إشارة إلى خلاف لأن من الفقهاء -وهو قول في المذهب أيضًا- من أوجب الأذان في الأمصار دون القرى. ثم ذكر الآن بدأ يذكر الاحترازات: "لا على رجل واحد" هذا احتراز من المجموع الجماعة، "ولا على النساء" هذا احتراز من الرجال، "ولا على العبيد" احتراز من الأحرار، "ولا على المسافرين" احتراز من المقيمين.

القيد الخامس: للصلوات الخمس المكتوبة دون المنذورة. وكون الأذان مشروعًا أو واجبًا للصلوات الخمس هذا مما أجمعت الأمة عليه، فلا يجب في غيرها، ولا يُشرع أيضًا في العيد والكسوف والاستسقاء ونحوها، وهو المذهب عليه جماهير الأصحاب؛ لأن المقصود منه الإعلام بدخول وقت الصلاة المفروضة على الأعيان والقيام إليها، وهذا لا يوجد في غير الخمس. ولا يُشرع أيضًا الأذان والإقامة للصلاة المنذورة على المذهب وعليه جماهير الأصحاب.

قال: "المؤداة دون المقضية"، المؤداة واضح من الصلاة في وقتها، لكن المقضية قالوا لا يجب فيها الأذان والإقامة بل هي مستحبة؛ لأن الأذان والإقامة للإعلام، ولا حاجة للإعلام هنا، وتُستحب فيها -الأذان والإقامة للصلاة المقضية- لفعله صلى الله عليه وسلم؛ حيث لما نام صلى الله عليه وسلم عن صلاة الفجر في السفر ولم يستيقظ إلا بعد أن طلعت الشمس، أمر أصحابه أن يغادروا المكان وقال: «إن هذا مكان حضرنا فيه الشيطان»، وأمر بلالًا أن يؤذن، ثم صلى ركعتي الفجر، ثم أمره أن يقيم، ثم صلى بهم الفجر.

قال: "ويُسن لمنفرد وسفرًا ومقضية" وهذا ذكرناه. قال: "يُقاتل أهل بلد تركوه -الأذان والإقامة- فيقاتل الإمام أو نائبه؛ لأنهما من شعائر الإسلام الظاهرة". وذلك ودليل قتالهم عند الترك أن النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث أنس: كان يُغير إذا طلع الفجر، وكان يستمع الأذان؛ فإن سمع أذانًا أمسك وإلا أغار صلى الله عليه وسلم.

قال: "وإذا قام بهما من يحصل به الإعلام غالبًا أجزأ عن الكل"، فيكفي مؤذن واحد في المصر الواحد نص عليه الإمام أحمد، وذلك إذا كان يسمعهم. قال: "وإن كان واحدًا" يعني أنه يكفي ولو كان واحدًا، "وإلا" يعني وإذا كان لا يحصل الإعلام بأذان الواحد فإنه يُزاد مؤذن بقدر الحاجة؛ كل واحد في جانب أو دفعة واحدة بمكان واحد، ويقيم أحدهم، وإن تشاحوا أقرع. ذكر الموفق رحمه الله في المغني أنه إذا كان الإعلام لا يحصل بواحد زادوا على حسب الحاجة، أما أن يؤذن كل واحد في منارة أو ناحية، أو دفعة واحدة في موضع واحد يعني في مسجد واحد يؤذن اثنان أو ثلاثة على حسب الحاجة؛ يعني واحد مثلًا يؤذن يجعل وجهه للشرق، وآخر للغرب ونحو ذلك عن المنارة لكي يحصل الإعلام لأهل البلد أو المحلة الواحدة، سواء كانوا في مكان واحد أو في أمكنة متفرقة، والعمل الآن على أنهم يؤذنون في أمكنة متفرقة.

قال: "ويقيم أحدهم" يقيم من أذن أولًا إذا كانوا أذنوا واحدًا بعد واحد، هذا الأولى، فإن تشاحوا فإنه يُقرع بينهم؛ لأنهم تساووا في سبب الاستحقاق والقرعة تستعمل في ذلك. قال: "وتصح الصلاة بدونهما لكن يُكره" يعني يُكره ترك الأذان للصلوات الخمس؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاءه بعده كانت صلاتهم بأذان وإقامة، وأمر به صلى الله عليه وسلم فقال: «إذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكما». وتصح الصلاة بدونهما لما جاء عن علقمة والأسود أنهما دخلا على ابن مسعود فصلى بهما بلا أذان ولا إقامة، رواه مسلم واحتج به الإمام أحمد رحمه الله. قال الموفق رحمه الله: لا أعلم أحدًا خالف في ذلك إلا عطاء حيث أوجب الإعادة في نسيان الإقامة، أن عطاء يقول: إذا نسي الإقامة فإنه يجب الإعادة، والأوزاعي أوجب الإعادة في الوقت، فإن خرج فلا إعادة؛ الأوزاعي يقول إذا تذكره في الوقت أنه صلى بدون إقامة فيعيد، لكن إذا ما تذكره إلا بعد خروج الوقت فلا يعيد. قال الموفق: وهذا شذوذ، والصحيح قول الجمهور لما ذكرناه، ولأن الإقامة أحد الأذانين فلم تفسد الصلاة بتركها كالأذان.

فيروز رحمه الله ذكر أنه ينبغي القول بالتحريم، أنهم قالوا "تصح الصلاة بدونهما لكن يُكره"، قال ينبغي القول بالتحريم كترك من وجب عليه الواجب، إذ لا فرق بين فرض الكفاية والعين قبل الفعل. ولكن قد يُقال -وهو مقصود الأصحاب رحمهم الله تعالى- أن الكراهة لفعل الصلاة، لا يعني نقول الآن تركوا الأذان والإقامة، هذا تركهم إذا كان واجبًا عليهم فيكون تركهم محرمًا، يعني أناس في قرية واحدة، قرية ليس فيها إلا مسجد واحد، لم يؤذن أحد وصلوا بدون أذان ولا إقامة، نقول الآن الأذان والإقامة واجب عليهم لأنه فرض كفاية، فيجب عليه، فصلوا بدون أذان وإقامة نقول صلاتهم الآن صحيحة مع الكراهة، والكراهة تعود إلى الصلاة لا إذا ترك الأذان والإقامة.

قال رحمه الله: "وتحرم أجرتهما"، أي يحرم أخذ الأجرة على الأذان والإقامة؛ لأنهما قربة لفاعلهما، لا أخذ رزق من بيت المال من مال الفيء لعدم متطوع بالأذان والإقامة، فلا يحرم كأرزاق القضاة والغزاة. وسُن أن يكون المؤذن صيتًا أي رفيع الصوت؛ لأنه أبلغ في الإعلام. هنا المؤلف رحمه الله تعالى ذكر أنه تحرم أجرته؛ يعني يحرم أخذ الأجرة على الأذان والإقامة؛ يعني إذا جاء شخص بنى شخص مسجدًا وقال: تعال يا فلان، أنا أريد أن أعينك مؤذنًا في هذا المسجد وسأعطيك أجرة، قال: نعم، قال: ما عندي مانع، بكم تعطيني؟ قال: أعطيك أجرة على ذلك، كل يوم أذنت لنا خمسة أوقات أعطيك مثلًا 50 ريالًا، هذه الأجرة فلا يجوز أخذ الأجرة على الأذان والإقامة في أظهر الروايتين عن الإمام أحمد رحمه الله، وهو المذهب وعليه الأصحاب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعثمان بن أبي العاص رضي الله تعالى عنه: «واتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا»، رواه الخمسة وحسنه الترمذي، وقال الترمذي: العمل على هذا عند أهل العلم. قالوا: ولأنه قربة لفاعله ولا يصح إلا من مسلم، فلم يجز أخذ الأجرة عليه، وهذا عام في كل عمل يختص أن يكون فاعله من أهل القربة، فلا يجوز أخذ الأجرة عليه كما يذكره الأصحاب رحمهم الله تعالى في باب الإجارة، وسيأتينا إن شاء الله في بابه. وتحرم أجرته، لكن الجعالة عليهما قالوا تجوز كما سيأتي في باب الجعالة، وهذا من الفروق بين الإجارة والجعالة، يعني لو أن شخصًا قال: من أذن في هذا المسجد شهرًا فله كذا، هذه جعالة، لم يتفق مع شخص معين، هذه جعالة يقولون يجوز أخذ الجعالة عليهما.

قال: "لا أخذ رزق من بيت المال من مال الفيء لعدم متطوع بالأذان والإقامة"، قال الموفق رحمه الله: لا نعلم خلافًا في جواز أخذ الرزق عليه، الرزق هو العطاء، والرزق بكسر الراء هو المال المرزوق. قال الموفق: لا نعلم خلافًا في جواز أخذ الرزق عليه؛ لأن بالمسلمين حاجة إليه، وقد لا يوجد متطوع به، وإذا لم يُدفع الرزق منه تعطل، ويرزقه الإمام من الفيء لأنه المُعَد للمصالح، إلى أن قال: وإن وُجد متطوع به لم يُرزق غيره لعدم الحاجة إليه. يعني عندنا الآن الإجارة لا يجوز أخذ الإجارة، الجعالة يجوز، طيب الرزق من بيت المال؟ نقول إذا كان لا يوجد شخص متطوع فيجوز، إذا كان يوجد شخص متطوع يقول: أنا سأؤذن بدون ما آخذ شيئًا، فنقول لا يجوز أن يُعطى رزقًا من بيت المال مع وجود المتطوع. يقول المرداوي رحمه الله: وظاهر كلام المصنف -الموفق في المقنع- أنه إذا وُجد متطوع بهما لا يجوز أن يرزق الإمام غيره لعدم الحاجة إليه، وهو صحيح، وهو المذهب وعليه الأصحاب.

قال رحمه الله: "وسُن أن يكون المؤذن صيتًا"، أي رفيع الصوت؛ لأنه أبلغ في الإعلام. زاد في المغني وغيره: "وأن يكون حسن الصوت؛ لأنه أرق لسامعه، أمينًا، أي عدلًا؛ لأنه مؤتمن يُرجع إليه في الصلاة وغيرها، عالمًا بالوقت يتحراها فيؤذن في أوله". هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى مسنونًا، أمور مستحبة في المؤذن، فذكر أنه يستحب أن يكون صيتًا أي رفيع الصوت ليسمع الناس، واختار النبي صلى الله عليه وسلم أبا محذورة للأذان لكونه صيتًا في حديث عبد الله بن زيد: «ألقه على بلال فإنه أندى منك صوتًا». قال: زاد في المغني وغيره: "وأن يكون حسن الصوت؛ لأنه أرق لسامعه"، وجاء أن النبي صلى الله عليه وسلم أعجب صوت أبي محذورة فعلمه الأذان.

قال: "أمينًا أي عدلًا"، وهنا في الحاشية قسم قال: ظاهرًا وباطنًا ولو عبدًا وسيده، أما مجرد العدالة الظاهرة فشرط، يعني عندنا العدالة الظاهرة، يعني أننا لا يُعلم منه فسق، هذا شرط، لكن العدالة الظاهرة والباطنة -يعني أنه ظاهرًا لا يُعلم منه فسق، وباطنًا يعلم أن الناس الطاهر منه يعلمون أمانته وديانته- فهذا مستحب أن يكون، فلذلك إذا كان فاسقًا ظاهرًا فلا يصح أذانه كما سيأتينا إن شاء الله في شروط الأذان.

قال: "أمينًا أي عدلًا؛ لأنه مؤتمن يُرجع إليه في الصلاة والصيام"، فلا يُؤمن أن يغرهم بأذانه إن لم يكن كذلك؛ لأنه إذا كان غير مؤتمن سيغرهم بأذانه، سيؤذن في غير وقت الأذان، سيؤذن مثلًا المغرب قبل وقت المغرب، فيغتر به الصائم فيفطر، يؤذن الفجر قبل وقت الفجر فيغتر به الصائم فيتسحر، حتى يؤذن مثلًا للعصر قبل وقتها فيغتر به المعذور من النساء والمرضى ونحوهم، معذورون عن شهود الجماعة فيصلون من حين استماع الأذان ويكون أذن قبل الوقت ونحو ذلك. وأيضًا مما اشترطنا ذلك، اشترطنا الأمانة في المؤذن أو استحببنا الأمانة في المؤذن؛ لأنه يؤذن على موضع عالٍ فلا يُؤمن النظر إلى العورات، وهذا كان في السابق كانوا يؤذنون في موضع عالٍ -يعني قبل أن توجد مكبرات الصوت- يؤذن في موضع عالٍ ليصل صوته إلى أقصى مكان، فإذا أذن على موضع عالٍ وكان بقربه بيوت لا تخلو من نساء فإنه لا يُؤمن أن ينظر إلى عوراتها. وجاء في حديث أبي محذورة مرفوعًا عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أمناء الناس على صلاتهم وصومهم المؤذنون»، وهذا عند البيهقي وفيه ضعف.

الرابع قال: "عالمًا بالوقت يتحراه فيؤذن في أوله"، فإذا لم يكن عالمًا -وهذا قبل الساعات- يعني في السابق كانوا يراقبون الشمس والقمر، يعني يؤذنون إذا زالت الشمس وغربت الشمس ونحو ذلك، فإذا كان لا يعرف الوقت ولا يعرف كيف يتحراه فإنه ربما غلط وأخطأ، فلا يصح أذانه. فإذا أذن الجاهل ووافق الوقت صح أذانه؛ لأنه إذا أذن الأعمى صح أذانه، فالجاهل من باب أولى. واستحب المرداوي والحجاوي في الإقناع والفتوح في المنتهى أن يكون بصيرًا؛ لأن الأعمى لا يعرف الوقت بنفسه فربما غلط، وكره ابن مسعود وابن الزبير أذان الأعمى، وكره ابن عباس إقامته. وذكر البيهقي رحمه الله أنه يُحمل كراهة ابن مسعود وابن الزبير على ما إذا كان الأعمى منفردًا ليس عنده بصير يبصره بوقت الأذان.

فإن تشاح فيه اثنان فأكثر قُدّم أفضلهما فيه، أي فيما ذكر من الخصال؛ ثم إن استووا فيها قُدّم أفضلهما في دينه وعقله لحديث: «يؤذن لكم خياركم»، رواه أبو داوود وغيره؛ ثم إن استووا قُدّم من يختاره أكثر الجيران؛ لأن الأذان لإعلامهم، ثم إن تساووا في الكل قُرع، فأيهما خرجت له القرعة قُدّم.

ما العمل في ما إذا تشاح أكثر من شخص في الأذان؟ جعلها على أربع مراتب: يقدم أولاً أفضلهما فيه فيما ذكر من الخصال السابقة، وهي أن يكون صيتاً أميناً عالماً بالوقت حسن الصوت، فيقدم من هو أفضل في الخصال السابقة. ثم إذا استووا في الخصال السابقة يقدم الأفضل في دينه وعقله، ثم إذا استووا في ذلك يقدم من يختاره أكثر الجيران، أي المصلون منهم، كما قيده الحجاوي في حاشية التنقيح. ثم إذا استووا في ذلك كله تُجرى قرعة بينهم.

وتقديم الأفضل في الصفات لحديث عبد الله بن زيد بن عبد ربه في رؤيا الأذان، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألقه على بلال، فإنه أندى منك صوتاً». وتقديم الأفضل في الدين والعقل لحديث: «ليؤذن لكم خياركم، وليؤمكم قراؤكم»، وهذا عند أبي داود وفيه ضعف. وتقديم من يختاره أكثر الجيران؛ لأنهم أعلم بمن يبلغهم صوته، ومن هو أعف عن النظر.

وتقديم القرعة لحديث النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو يعلم النساء ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا». ولما تشاح الناس في الأذان يوم القادسية أقرع بينهم سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه، وهذا عند البخاري معلقاً بصيغة التمريض. وقد أطال في الإنصاف في ذكر خلاف الأصحاب في كيفية التقديم عند المشاحة، وذكر عبارات الأصحاب في إحدى وعشرين كتاباً.

ذكر ابن رجب رحمه الله في القواعد في القاعدة الستين بعد المئة، وهي القاعدة الأخيرة لأن قواعد ابن رجب رحمه الله مئة وستون قاعدة، ثم ختمها بفوائد، عشرين فائدة تقريباً، فوائد في مسائل يترتب على الخلاف فيها خلاف في مسائل متفرعة عنها. فذكر في القاعدة الستين بعد المئة، وهي قاعدة القرعة، قال: تستعمل القرعة في تمييز المستحق إذا ثبت الاستحقاق ابتداءً لمبهم غير معين عند تساوي أهل الاستحقاق. وذكر من فروعها إذا تشاحوا في الأذان مع تساويهم في الصفات المرجح بها فيه، فإنه يقرع بينهم؛ نص عليه أحمد في رواية أبي داود وأبي طالب ومحمد بن موسى، واحتج بأن سعداً أقرع بينهم في الأذان يوم القادسية.

قال رحمه الله: وهو أي الأذان المختار خمس عشرة جملة؛ لأنه أذان بلال رضي الله عنه من غير ترجيع الشهادتين، فإن رجعهما فلا بأس. يرتلها: أي يستحب أن يتمهل في ألفاظ الأذان، ويقف، بارك الله فيك.

ذكر المؤلف رحمه الله تعالى صفة الأذان، قال: وهو أي الأذان المختار خمس عشرة جملة؛ لأنه أذان بلال رضي الله تعالى عنه، وهو الوارد في خبر عبد الله بن زيد في رؤيا الأذان. إذاً بلال هو المعروف: أربع تكبيرات، ثم الشهادتين أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله كل واحدة مرتين، ثم حي على الصلاة مرتين، وحي على الفلاح مرتين، الله أكبر مرتين، لا إله إلا الله. وإنما اختار الإمام أحمد رحمه الله أذان بلال مع أن أذان أبي محذورة متأخر، يعني أذان بلال في المدينة وأذان أبي محذورة في فتح مكة متأخر، لكن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن ذلك أقر بلالاً على أذان عبد الله بن زيد.

وذكر الموفق رحمه الله في المغني أنه يحتمل، أو نقول قبل ذلك أذان أبي محذورة، عشان يفهم كلام أبي محذورة رضي الله تعالى عنه؛ أذانه فيه زيادة على أذان بلال بالترجيع، ترجيع الشهادتين، والمراد بترجيع الشهادتين أن يذكرهما سراً ثم يذكرهما جهراً، يعني يكبر أربع مرات، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله سراً، يقولها مرتين سراً، ثم يعود فيقولهما جهراً، فزادت على أذان بلال أربع جمل. أذان أبي محذورة تسع عشرة جملة، هذا في بعض الروايات، وفي بعضها ومنها رواية صحيح مسلم أنها سبع عشرة جملة بذكر التكبير في أوله مرتين، يعني عند مسلم أنه ورد التكبير في أوله مرتين، وجاء عند غيره خارج الصحيح أنه كبر أربع مرات فيكون أذانه تسع عشرة جملة.

النبي صلى الله عليه وسلم كيف اختار أبا محذورة؟ بلال رضي الله عنه لما أذن في فتح مكة كان هناك صبية يستهزئون ببلال يقلدون صوته، ومنهم أبو محذورة، فالنبي صلى الله عليه وسلم أعجبه صوت أبي محذورة، فجاء وعلمه الأذان، وأذان أبي محذورة كما قلنا فيه زيادة الترجيع من ذكر الشهادتين سراً؛ فلذلك لما كان أصلاً يؤذن، استأذن، ما دخل الإسلام في قلبه، بل إنه قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم دعاني ولم يكن عندي شيء أبغض منه، فلم يدخل الإسلام في قلبه. فالموفق يحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أبا محذورة بالترجيع في الشهادتين ليحصل له الإخلاص بهما، فإن الإخلاص في الإسرار بهما أبلغ من الإعلان بهما، وخص أبا محذورة بذلك لأنه لم يكن مقراً بهما حينئذ، يعني أنه لم يكن دخل الإسلام حينئذ، فأمره بأن يسر بهما ليكون دخوله للإسلام عن إخلاص ثم يجهر بهما، وهذا لا يتحقق في بلال لأنه أسلم من قبل.

قال: لأنه أذان بلال رضي الله عنه من غير ترجيع الشهادتين، فإن رجعهما فلا بأس، يعني أنه مباح؛ وهذا المذهب وعليه الإمام والأصحاب، والاختلاف بين الصيغتين من الاختلاف المباح، فيباح الترجيع كما نص عليه أحمد. وفي بعض الروايات عن الإمام أحمد رحمه الله أنه اختار أذان أبي محذورة، لكن أكثر الأصحاب رحمهم الله تعالى على اختيار أذان بلال. العبادات الواردة على وجوه متنوعة فإنه يشرع أن يأتي بهذه أحياناً وبهذه أحياناً وبهذه أحياناً، ولا يكره واحد منهما بل يأتي بهذه أحياناً وهذه أحياناً ليأتي بالسنة على جميع وجوهها.

قال رحمه الله: يرتلها: أي يستحب أن يتمهل في ألفاظ الأذان ويقف على كل جملة، وأن يكون قائماً على علو كالمنارة؛ لأنه أبلغ في الإعلام. وأن يكون متطهراً من الحدث الأصغر والأكبر، ويكره أذان جنب وإقامة محدث. وفي الرعاية: يُسن أن يؤذن متطهراً من نجاسة بدنه وثوبه، ويستقبل القبلة لأنها أشرف الجهات، جاعلاً إصبعيه السبابتين في أذنيه لأنه أرفع للصوت، غير مستدير فلا يزيل قدميه في منارة ولا غيرها، ملتفتاً في الحيعلة يميناً وشمالاً، أي يُسن أن يلتفت يميناً لحي على الصلاة، وشمالاً لحي على الفلاح، ويرفع وجهه إلى السماء في كله؛ لأنه حقيقة التوحيد. قائلاً بعدهما، أي يُسن أن يقول بعد الحيعلتين في أذان الصبح -ولو أذن قبل الفجر-: الصلاة خير من النوم مرتين، لحديث أبي محذورة رضي الله عنه، ورواه أحمد وغيره، ولأنه وقت ينام الناس فيه غالباً، ويكره في غير أذان الفجر وبين الأذان والإقامة.

أحسنت، هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى مستحبات في الأذان، اثنا عشر أمراً مستحباً في الأذان. قال: يرتلها، أي يستحب أن يتمهل في ألفاظ الأذان، وهذا بلا نزاع عند الأصحاب رحمهم الله تعالى، وجاء في الحديث: «إذا أذنت فترسل، وإذا أقمت فاحدر»، وهذا عند الترمذي وقال: حديث غريب. وقال عمر لمؤذن بيت المقدس: إذا أذنت فترسل، وإذا أقمت فاحدر، الإسراع في المشي. قالوا: ولأن الأذان إعلام للغائبين والتثبت فيه أبلغ في الإعلام، أما الإقامة فهي إعلام للحاضرين فلا حاجة للتثبت فيها.

قال: ويقف على كل جملة، يعني أنه مثلاً في الأذان يقول: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، لا يصل تكبيرتين ببعضهما كما هي عادة غالب المؤذنين، فالمستحب الوقف على كل جملة. ذكر ابن بطة أنه حالة ترسلِه ودرجه لا يصل الكلام بعضه ببعض، معرباً، بل جزماً، يعني يكون مجزوماً، يعني أنه يقف عليه بالسكون. قال: وحكاه عن ابن الأنباري عن أهل اللغة، وروي عن النخعي أنه قال: شيئان مجزومان كانا لا يعربانهما: الأذان والإقامة. قال: وهذه إشارة إلى جماعتين. قال المجد ابن تيمية رحمه الله في شرحه على الهداية: معناه استحباب تقطيع الكلمات بالوقف على كل جملة، فيحصل الجزم والسكوت بالوقف، يعني أنه إنما يستحب الجزم والوقف بالسكون إذا وقف، أما إذا وصل فلا يجز، لذلك قال: لا أنه مع عدم الوقف على الجملة يترك إعرابها؛ لأنه مع عدم الوقف على الجملة يترك إعرابها.

الحجاوي رحمه الله في حاشية التنقيح وابن قاسم ذكر جزءاً من كلام الحجاوي مفرقاً، وسأذكر لكم كلامه، يقول: بل يقف على كل جملة، فيكون التكبير في أوله أربع جمل، يعني يقف: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، والتكبير في آخره جملتين، فيقف على كل تكبيرة فيقول: الله أكبر، ويقف، وكذلك التكبيرات الباقية، وهو خلاف عادة الناس الآن. قال الشيخ تقي الدين في شرح العمدة: ومن الناس من يجعل التكبيرات الأربع جملتين، يعرب التكبيرة الأولى في الموضعين، يعني أن هذا من الناس من المؤذنين، وهو قول بعض أهل العلم رحمهم الله تعالى، أنه أن التكبيرات تدمج، تدمج كل تكبيرتين مع بعضهما. ويُستدل بظاهر حديث عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر» إلى آخر الحديث، فدمج تكبيرتين مع بعضهما، فهذا استدل به بعض أهل العلم على جمع التكبيرتين.

نرجع إلى كلام الحجاوي يقول: قال صاحب مختار الجوامع في مختصره، طبعاً العنقري ذكر هذا الكلام وقال: قال صاحب جمع الجوامع، ويقصد ابن عبد الهادي رحمه الله، والأذان خمس عشرة كلمة. قال الحجاوي: وقد وقع بيني وبين شيخنا الشيخ أحمد الشويكي رحمه الله في هذه المسألة في الدرس نزاع من نحو ثلاثين سنة، ولم نكن اطلعنا على النقل، لا أنا ولا هو. إلى هنا الموجود في المطبوع، في المخطوط زيادة، وهي أيضاً موجودة هذه الزيادة في حاشية العنقري، قال: الآن سيذكر الخلاف اللي بينه وبين الشويكي، يقول: فقلت المراد بالجملة النحوية المركبة من مبتدأ وخبر، فيكون -الآن يفسرون قول الأصحاب يقف على كل جملة- هل المراد الجملة النحوية المكونة من مبتدأ وخبر، أو القطعة من الكلام؟ فيقول: فقلت المراد بالجملة النحوية مركب مبتدأ وخبر، فيكون التكبير في الأذان في أوله وفي آخره ست جمل؛ لأنه سيقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، هذه أربع، ثم سيكون في النهاية الله أكبر، الله أكبر، ست. يقول: وقال هو، يعني الشويكي: بل ثلاث جمل، يقول: ولم نكن اطلعنا على من يفسر لنا هذا أو هذا.

الثالث من السنن قال: أن يكون قائماً. قال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم أن السنة أن يؤذن قائماً، وفي حديث أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلال: «قم فأذن»، وكان مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤذنون قياماً. هذا دليل على استحباب القيام، فإن كان له عذر جاز القعود؛ أثر عن أبي زيد الأنصاري رضي الله تعالى عنه أنه أذن قاعداً، وكانت رجله أصيبت في سبيل الله، رواه البيهقي. فإن قعد لغير عذر صح مع الكراهة، الصحيح المذهب قياساً على الخطبة وصلاة النافلة.

قال: على علو كالمنارة؛ لأنه أبلغ في الإعلام، وكان بلال رضي الله تعالى عنه يؤذن على بيت امرأة من بني النجار؛ لأنه أطول بيت حول المسجد، وهذا عند أبي داود وفيه ضعف، لكن يدل عليه المقصود من الأذان وأنه للإعلام.

الخامس قال: وأن يكون متطهراً من الحدث الأصغر والأكبر. واستحباب كونه متطهراً من الحدثين هذا بلا نزاع في الجملة، ولا تجب الطهارة الصغرى في الأذان بلا نزاع عند الأصحاب رحمهم الله تعالى، وإنما الخلاف في الطهارة مع الحدث الأكبر، وجاء عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: «لا يؤذن إلا متوضئ»، وهذا جاء مرفوعاً وموقوفاً، والصواب الوقف. فإذا أذن محدث حدثاً أصغر فإنه يجوز له ذلك؛ لأن المحدث يجوز له قراءة القرآن وهي أفضل من الأذان. أما إذا كان محدثاً حدثاً أكبر فإن أذانه صحيح مع الكراهة على الصحيح المذهب، وهو المنصوص عن الإمام أحمد رحمه الله، وكونه صحيحاً لأنه أحد الحدثين فلم يمنع صحته كالآخرين، قياساً على الحدث الأصغر، وأما الكراهة فللخلاف في صحته.

طيب، هذا إذا أذن في غير المسجد، أما إذا أذن داخل المسجد وكان جنباً، قلنا لكم سابقاً إن الجنب لا يجوز له دخول المسجد إلا إذا خفف الجنابة بالوضوء أو التيمم؛ التيمم هذا استحباباً لا وجوباً، فإذا لم يخفف الجنابة بالوضوء فإنه يحرم عليه دخول المسجد، فإذا أذن الجنب في المسجد حال جنابته ولم يخفف بالوضوء فإنه يصح أذانه مع الإثم. أما إقامة المحدث سواء.

كان حدثاً أصغر أو أكبر، فإنها تكره بلا نزاع في المذهب؛ لأنه سيفصل بينها وبين الصلاة. قال: متطهراً من نجاسة بدنه وثوبه، وهذا ذكره في الرعاية قياساً على الحدثين؛ يعني طهارته قياساً على تطهره من الحدث الأصغر والأكبر. ومستقبلاً القبلة؛ لأنها أشرف الجهات، قال الموفق: لا نعلم فيه خلافاً؛ يعني في استحباب استقبال القبلة للمؤذن، فإن مؤذني النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يؤذنون مستقبل القبلة. وإذا أخل به؛ يعني أذن إلى غير القبلة، فإنه يصح الأذان مع الكراهة، كما ذكره البهوتي في شرح المنتهى.

قال: جاعلاً إصبعيه السبابتين في أذنيه؛ لأنه أرفع للصوت، وهذا المذهب، وعليه جماهير الأصحاب، وهو المشهور عن الإمام أحمد رحمه الله، وعليه العمل عند أهل العلم؛ يستحبون أن يجعل المؤذن إصبعيه في أذنيه كما قاله الترمذي رحمه الله. وجاء في حديث أبي جحيفة رضي الله عنه أن بلالاً أذن ووضع إصبعيه في أذنيه، وهذا الحديث عزاه الموفق في المغني للصحيحين، والحقيقة أن أصل الحديث في الصحيحين، لكن موضع الشاهد وهو جعل الإصبعين في الأذنين لم يرد في الصحيح، لكنه ورد عند الترمذي وغيره، وأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالاً، وقال: «إنه أرفع لصوتك»، وهذا عند ابن ماجه وفيه ضعف.

وجاءت صفة أخرى، الصفة هذه أن يجعل إصبع السبابتين فقط يدخلهما في أذنيه، وجاءت صفة أخرى أنه يضم أصابعه على راحتيه؛ يعني أصابعه الأربع أو الخمس على اختلاف في الألفاظ الواردة، يضمهما ويجعلهما على أذنيه، لا يدخلهما في أذنيه، إنما يجعلهما على أذنيه، وهذا فعله الخرقي لما سئل عن ذلك، جعل إصبعيه على أذنيه كما ذكره الموفق في المغني.

قال: غير مستدير؛ يعني أنه في أذانه يلزم جهة القبلة ولا يدور، وإنما نص المؤلف رحمه الله عليها غير مستدير، إشارة لخلاف من يرى أنه يشرع الاستدارة، وجاء في حديث أبي جحيفة في ذكر أذان بلال قال: فلما بلغ حي على الصلاة حي على الفلاح التفت يميناً وشمالاً ولم يستدر. وهذا المذهب مطلقاً، وعليه جمهور الأصحاب، أنه لا يستدير سواء أذن على المنارة أو على الأرض، وهذا إحدى روايتين عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وروي عن الإمام أحمد رحمه الله رواية أخرى أنه إذا أذن على المنارة فإنه يستدير؛ لأنه لا يحصل الإعلام بدونه. وذكر المرداوي في الإنصاف أن هذا هو الصواب عنده؛ لأنه أبلغ في الإعلام، قال: وهو المعمول به في وقتهم عند المؤذنين.

قال: ملتفتاً في الحيعلة يميناً وشمالاً؛ أي يسن أن يلتفت يميناً في حي على الصلاة وشمالاً في حي على الفلاح، لما روى أبو جحيفة: رأيت بلالاً يؤذن وتتبعت فاه ها هنا وها هنا متفق عليه. وفي رواية أبي داود: فلما بلغ حي على الصلاة حي على الفلاح التفت يميناً وشمالاً ولم يستدر. وسواء كان أذانه على المنارة أو على الأرض على المذهب وعليه الأصحاب، ويلتفت برأسه وعنقه وصدره. وهل يلتفت في الإقامة؟ ذكر المرداوي أنه لا يلتفت فيها على الصحيح من المذهب.

قال: ويرفع وجهه إلى السماء في كله؛ يعني في كل الأذان على الصحيح من المذهب، نص عليه الإمام أحمد رحمه الله تعالى، قالوا: لأنه حقيقة التوحيد، وكذا في الإقامة يرفع وجهه إلى السماء في الإقامة كما ذكره البهوتي في الكشاف، وهذا ذكروه تعليلاً، وهل ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن مؤذنه؟ لم أقف على شيء من ذلك.

قال: قائلاً بعدهما في أذان الصبح؛ أي سن يقول بعد الحيعلتين في أذان الصبح، ولو أذن قبل الفجر: «الصلاة خير من النوم» مرتين؛ لحديث أبي محذورة رواه أحمد وغيره، ولأنه وقت ينام الناس فيه غالباً. ويكره في غير أذان الفجر وبين الأذان والإقامة؛ فيسن التثويب في أذان الصبح لا نزاع في استحبابه عند الأصحاب رحمهم الله تعالى، ولا يجب على الصحيح من المذهب؛ لحديث أبي محذورة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما علمه الأذان حي على الفلاح قال: «فإن كان في صلاة الصبح قلت الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم»، ولحديث بلال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أثوب في الفجر، رواه ابن ماجه. وذكر المؤلف أنه وقت ينام فيه الناس غالباً فيختص بالتثويب، ويكره في غير أذان الفجر على المذهب لما روى بلال قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أثوب في الفجر ونهاني أن أثوب في العشاء. وسمع ابن عمر رضي الله تعالى عنهما مؤذناً يثوب في أذان الظهر فخرج من المسجد وقال: أخرجتني البدعة، أخرجتني البدعة. وكذا لا يثوب بين الأذان والإقامة؛ يعني لا يدعو الناس مثلاً، أذن ما يقول يا الصلاة الصلاة ونحو ذلك، فهذا كله من الأذكار المحدثة.

قال رحمه الله: وهي أي الإقامة 11 جملة بلا تثنية، هي إقامة بلال وهي الواردة في رؤيا عبد الله بن زيد رضي الله تعالى عنه، وجاء في حديث أنس: أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة، إلا الإقامة وتر الإقامة؛ يعني يذكر ألفاظها وتراً، إلا الإقامة؛ يعني إلا قد قامت الصلاة، وإقامة أبي محذورة. هنا قال: وتباح تثنيتها، وهو فعل أبي محذورة، فإقامته 17 جملة كما جاء في حديثه عند الترمذي، لكن إقامة أبي محذورة فيها الترجيع، ولم يأخذ الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى بالترجيع في الإقامة. وعلى كل هي إقامة مأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم، والأفضل فعل هذه أحياناً وهذه أحياناً.

قال رحمه الله: يحضرها أن يسرع فيها، ويقف على كل جملة كالأذان، ويقيم من أذن استحباباً. فلو سبق المؤذن بالأذان فأراد المؤذن أن يقيم، فقال أحمد: لو أعاد الأذان كما صنع أبو محذورة، فإن أقام من غير إعادة فلا بأس، قاله في المبدع. في مكانه؛ أي يسن أن يقيم في مكان أذانه إن سهل؛ لأنه أبلغ في الإعلام، فإن شق، كأن أذن في منارة أو مكان بعيد عن المسجد، أقام في المسجد لئلا يفوته بعض الصلاة، لكن لا يقيم إلا بإذن الإمام.

هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى مستحبات في الإقامة فقال: يحضرها أن يسرع فيها، وهذا بلا نزاع في المذهب، وتقدم الكلام على دليلها: «إذا أذنت فترسل، وإذا أقمت فاحضر»، ولأنه إقامة إعلام للحاضرين فلا حاجة إلى التأني فيها. قال: ويقف عند كل جملة كالأذان، كما قلنا في الأذان، أقول الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله إلى آخره، ولما جاء في أثر النخعي شيئان مجزومان لا يعربان الأذان والإقامة.

قال: ويقيم من أذن استحباباً، هذا المستحب الثالث وهو المذهب، وعليه جمهور الأصحاب وقطع به أكثرهم؛ لحديث زياد بن الحارث الصدائي رضي الله تعالى عنه أنه أذن، فجاء بلال وأراد أن يقيم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن أخا صدا أذن، ومن أذن فهو يقيم»، هذا الحديث فيه ضعف. قالوا ولأنهما ذكران يتقدمان الصلاة، فسن أن يتولاهما واحد، كالخطبتين؛ يعني خطبة الجمعة يجوز أن يخطب الخطبة الأولى شخص والثانية شخص، ويؤم الجمعة أيضاً شخص ثالث، يجوز ذلك، قالوا ومثله الأذان والإقامة فيجوز أن يؤذن شخص ويقيم آخر ويصلي بهم ثالث. ويجوز أن يقيم غيره، قلنا الأفضل أن يقيمه لكن يجوز أن يقيم غيره؛ لحديث عبد الله بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال له: ألقِ على بلال يعني الأذان، وقال عبد الله: أنا رأيته، كان في بعض الروايات أن عبد الله بن زيد قال: أنا رأيته وأنا كنت أريده، قال: أقم أنت، وهذا يدل على الجواز، والأول حديث أخا صدا يدل على الاستحباب.

قال المؤلف رحمه الله: فلو سبق المؤذن بالأذان فأراد المؤذن أن يقيم، فقال أحمد: لو أعاد الأذان كما صنع أبو محذورة، فإن أقام من غير إعادة فلا بأس، قاله في الممتع؛ يعني لو أن شخصاً تعدى على حق المؤذن فأذن قبله، الأصل أنه لا يجوز التعدي والافتيات على حق المؤذن الراتب إلا إذا تأخر فيجوز، لكن إذا كان أتى في الوقت فلا يجوز الافتيات عليه بغير إذنه، فلو سبق بالأذان فأراد أن يقيم فإنه يستحب له أن يعيد الأذان ثم يقيم، نص عن الإمام أحمد رحمه الله، قال: لو أعاد الأذان كما صنع أبو محذورة، روى عبد العزيز بن رفيع قال: رأيت رجلاً أذن قبل أبي محذورة فجاء أبو محذورة فأذن ثم أقام، فإن لم يعد الأذان فلا بأس. حديث عبد الله بن زيد في رؤية الأذان لما قاله النبي صلى الله عليه وسلم ألقِ على بلال، فإنه أندى منك صوتاً، ألقِ على بلال، ثم أذن له النبي صلى الله عليه وسلم بالإقامة، فأقام عبد الله بن زيد ولم يعد الأذان.

قال: ويقيم في مكانه؛ يسن أن يقيم في مكان أذانه إن سهل؛ لأنه للإعلام، وهذا طبعاً مبني على فعلهم في السابق؛ كانوا يؤذنون في المنارة أو في سطح أحد البيوت القريبة من المسجد، فيسن أن يقيم في نفس المكان الذي أذن فيه، وهذا المذهب وعليه الأصحاب وهو من مفردات الحنابلة. قال الإمام أحمد رحمه الله: أحب إلي أن يقيم في مكانه، ولم يبلغني فيه شيء إلا حديث بلال: لا تسبقني بآمين؛ حديث بلال عند أحمد وأبي داود، بلال كان يقول للنبي صلى الله عليه وسلم لا تسبقني بآمين، كيف استنبط منه الإمام أحمد رحمه الله أن يقيم في مكان أذانه؟ بلال استحضر أنه يؤذن في سطح بيت امرأة من الأنصار، فكان يقيم في هذا المكان، ما في شيء صريح، لكن فيها أنه كان يقول للنبي صلى الله عليه وسلم لا تسبقني بآمين، فيقول الإمام أحمد رحمه الله: لو كان في موضع صلاته لما خاف أن يسبقه بالتأمين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان يكبر بعد فراغه من الإقامة؛ يعني النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يكبر وبلال يقيم، عشان كذا بلال يقول لا، كان يكبر بعد ما يفرغ بلال من الإقامة، فبلال كان يقيم في مكان خارج المسجد فيقول له لا تسبقني بآمين، إنه إذا انتهى بلال من الإقامة وسوى النبي صلى الله عليه وسلم صفوفهم يقول له لا تسبقني، يدل على أنه كان يقيم خارج المسجد.

قالوا لكن إذا أذن في المنارة أو في مكان بعيد في غير مسجد، فإنه يقيم في موضعه لئلا يفوته بعض الصلاة. قال: لكن لا يقيم إلا بإذن الإمام؛ لا يقيم المؤذن إلا بإذن الإمام، فقد كان بلال يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم في الإقامة، وكذلك زياد بن الحارث الصدائي في حديث أذانه أنه قال: فجعلت أقول للنبي صلى الله عليه وسلم أقيم؟ أقيم؟ أما الأذان فلا يحتاج إلى استئذانه فيه، جاء عن علي موقوفاً: المؤذن أملك بالأذان، والإمام أملك بالإقامة، فيستأذن الإمام في الإقامة ولا يستأذن منه في الأذان، وإذا أقام قبل حضور الإمام الراتب فإنه لا يجوز له ذلك بغير حضوره ولا إذنه، فإنه لا يجوز له ذلك. ستأتينا إن شاء الله المسألة في باب صلاة الجماعة، وأن بعض الأصحاب رحمهم الله تعالى ذكروا أنه لا تصح صلاتهم أيضاً، لا تصح صلاتهم أيضاً، بعضهم قال لا تصح مع الإثم، وسيأتي الكلام فيها إن شاء الله تعالى.

ونقف عند هذا الحد ونسأل الله أن يوفقنا جميعاً لما يحب ويرضى، وننبه أنه إن شاء الله من الأسبوع القادم بإذن الله تعالى سنبدأ في كتاب الصيام. نقف عند هذا الحد وننتقل إلى كتاب الصيام بقرب رمضان، بلغنا الله وإياكم جميعاً شهر رمضان ونحن في أتم صحة وعافية.